القرارات الاساسية
القرارات الأمريكية
القرار رقم واحد : هل هناك ما يبرر اللجوء لاستخدام القوة ؟
توضح هذه الدارسة أن الولايات المتحدة تستطيع أن تحافظ على بقائها حتى إذا ما فرضت منظمة الاوبك حظر نفطيا كاملا ضدها . وفي الواقع فإن هناك مدرسة لها وزنها من مدارس التفكير ترى أن فرض حظرا نفطي حاد على الولايات المتحدة يمكن أن يكون عذابا باطنه الرحمة والنعمة إذا ما اضطرها إلى إصلاح أساليبها المتطرفة بأسرع ما يمكن . والعديد من الرجال حسنى السمعة الذين يوافقون على هذا الرأي يعتبرون الحلول العسكرية لهذه المسألة حلولا ظالمة وغير ملائمة . وكبديل عنها ؛ يدافعون عن اجراء مفاوضات ثنائية ، واللجوء إلى التحكيم الدولي بالاحتكام إلى الأمم المتحدة أو إلى أطراف ثالثة محايدة والقيام بحظر مضاد عن طريق وقف المعونة العسكرية الأمريكية والتجارة عن الدول المتصلبة أو تجميد ارصدتها المالية وفرص استشماراتها في أمريكا .
أما خصوم هذا الرأي في القطب العكسي فيفتقرون إلى الصبر أو الميل إلى تحمل الشدائد التي تتسبب فيها الاوبك طويلا . وفي رأيهم ؛ أنه سيكون أمرا لا أخلاقيا جعل الشعب الأمريكية يدفع ثمنا غاليا من نقوده وتعاسته لعدة شهور (أو سنوات) إذا ما أخفق الاقناع الأمريكي والضغوط الأخرى في رفع الحظر بسرعة . وقد طرح روبرت تاكر Robert Tucker ، المتحدث باسم هذه المجموعة ، المسألة على النحو التالي : " إنه من قبيل التزيد الاصرار على استنفاد كل سبل العلاج الأخرى قبل استخدام القوة " إذا ما كانت عواقب ذلك ستخلق " فوضى " اقتصادية .
ومن ثم فإن السؤال الاساسي هو : " ما هو الظرف (إن وجد) الذي سيكون من المبرر فيه للولايات المتحدة أن تستخدم القوة لتخفيف ضغوط مثل تلك التي يمكن أن تفرضها الاوبك ؟ " .
لاتوجد إجابات سهلة على هذا السؤال .
ومن وجهة نظر الكونجرس فإن هناك ثلاثة اعتبارات بارزة تحكم مرحلة صنع القرار بهذا الصدد :
ـ القانون الدولي .
ـ المستوليات الدستورية .
ـ الرأي العام في الداخل والخارج .
تحكم المعاهدات إدارة الشئون الخارجية الأمريكية جزئيا . كما أن الاعلانات الرسمية الصادرة من منظمات دولية ، مثل الأمم المتحدة ، لها تأثيرها بهذا الشأن . وكذلك الحال بالنسبة للقانون العرفي الذي يساعد في إقامة خطوط عريضة مرشدة لتعاملاتنا مع المجتمع الدولي . ولذلك تتعدد التفسيرات والتأويلات لاعتبار هذا المصدر أو ذاك من هذه المصادر القانونية وثيق الصلة بالموضوع المعنى أو غير قابل للتطبيق عليه. انظر الملحق " ج" الخاص بمقتطفات النصوص من الوثائق المختارة).
ولتأخذ مسألة " العدوان " كحالة وثيقة الصلة بموضوعنا . إن تعريف هذا المصطلح ببساطة أمر مثير للنزاع نظرا لأن القانون الدولي يتخلف في المجالين الاقتصادي والايديولوجي ، حيث تكون الأعمال غير المشوبة بالعنف فيهما متممة للقتال المسلح أو تحل محله .
فترى بعض المراجع أن " التدخل الذي له طبيعة اقتصادية يصبح عدوانا إذا ما عرض للخطر حقوقا اساسية لامن الدولة " ، في حين ترى بعض المراجع الأخرى أن العدوان الاقتصادية ببساطة هو الخطوات " التي تعرض للخطر الاقتصادي الاساسي (للدولة) " . وللاسف فإن محاولات التمييز بين الوسائل " غير القانونية " والوسائل " المشروعة " ليست واضحة تماما .
أما الأمم المتحدة فتسلك نهجا أشد ضيقا بهذا الشأن . حيث نجد أن ميثاقها الخاص بالحقوق والواجبات الاقتصادية يدافع بشكل حاسم عن " السيادة الداخلية الكاملة (لكل دولة) على ثروتها ومواردها الطبيعية ونشاطاتها الاقتصادية " . ومحظور على الدول استخدام مثل هذا الثروة لاغراض قسرية ، لكنها إذا فعلت ذلك فإنه لا يمكن " بأي حال من الأحوال اعتبارها ذريعة للعدوان " ، لأن الأمم المتحدة تعرف العدوان فقط بأنه " الاستخدام الأول للقوة المسلحة " .
وقد يتذرع حلفاء ، أمريكا بمبدأ الحفاظ على النفس لتجاوز مرسوم الأمم المتحدة وتحطيم الحظر النفطي بالقوة ، لكن ليس هناك سبيل مماثل لذلك متاح أمام الولايات المتحدة ، لانها تستطيع أن تحافظ على بقائها في مواجهة العقوبات الاقتصادية التي يمكن أن تفرضها عليها منظمة الاوبك . وفي أحسن الأحوال قد يكون ممكنا لنا أن نتذرع بمبدأ الدفاع البرئ عن النفس (وهذه دعوى أقل اضطرارية) ، كأفضل مبرر لنا لاستخدام القوة بهذا الصدد .
واذا كانت هناك سوابق امريكية قد تكون في صالح القيام بأعمال عسكرية لتخفيف الآلام الاقتصادية فإن مثل هذه السوابق تنتمي إلى الماضي البعيد فقط ، وذلك لأن وفرة الموارد الطبيعية للولايات المتحدة كانت حتى وقت قريب تلغى مفعول أي حظر كبير يقوم به أعداؤنا . حتى حرب عام 1812 تقدم مثالا باهتا لذلك حيث استخدم البريطانيون الحصار الاقتصادي ، وليس المقاطعة ، بهدف " توجيه ضربة مدمرة لمصالحنا الزراعية والبحرية " .
ومن الاسهل تذكر الاسهل تذكر سوابق سلبية . من ذلك ؛ ادانة الولايات المتحدة لليابان لاستخدامها القوة المسلحة لتحسين وضعها الاقتصادي الذي تأثر بشدة من أعمال الحظر الاقتصادي التي قامت بها الولايات المتحدة والحلفاء مثل معركة بيرل هاربور . وعلى هذا فانه قد يكون من الصعب الحصول على موافقة الكونجرس على تفويض للقوة المسلحة الأمريكية في إحباط حظر نفطي تقوم " الاوبك " بفرضه .
وباختصار ؛ فإن التبريرات القانونية لأي اصرار امريكي على انتهاك سيادة دول أجنبية ردا على اضرار اقتصادية ، لن تكون حاسمة . ولذلك فإن صناع القرار الذين ينشدون مرجعا لاعيب فيه قبل التصديق على مثل هذه الخطوات ربما سيمتنعون عن الموافقة على ذلك . أما أولئك الذين ينظرون إلى القوانين كأدوات مرنة يمكن تطويعها فقد يجدون مسوغا للاقدام على ذلك .
إن رجال الدولة من ذوي البصيرة الذين وضعوا دستورنا كانوا عازمين على الا يدفع أي إنسان بالولايات المتحدة إلى الحرب . وبالتالي فإن مبدأ فصل السلطات يحتفظ للكونجرس بالحق المقصور عليه وحده في اعلان الحروب ، وذلك رغم أن معظم الفقهاء الدستوريين يعترفون بأن رئيس الدولة يجب أن يكون قادرا على الرد بسرعة في حالة الطوارئ .
فالرئيس ـ عند حلفه اليمين في يوم تنصيبه ـ يقسم أو يشهد بأنه " سيصون دستور الولايات المتحدة ويحميه ويدافع عنه بكل قدرته " ، وهو الدستور الذي تتضمن مقدمته القاعدة الوجوبية بأن " ينهض بأعباء الدفاع المشترك (و) أن يعزز الرفاهية العامة " . والمادة الثانية من الفصل الثالث توجه الرئيس أكثر من ذلك إلى " العناية بأن القوانين تنفذ باخلاص" . و " القوانين المذكورة آنفا تشمل ضمنا طبيعة الحكم بموجب الدستور " .
في هذا السياق غير المحدد بصورة متبلورة أو قاطعة تكون مسئوليات الرئيس مطاطة . فهذه الصلاحيات تتيح له ـ في ظاهر الأمر ـ أن يستخدم القوات المسلحة الأمريكية دون موافقة الكونجرس ـ مثلما حدث غالبا في تاريخنا ـ إذا ما كانت القوة العسكرية ـ في تقديره ـ توفر رد الفعل الانسب على حظر نفطي .
ومع ذلك ؛ فإن الكونجرس له ملاذ إذا لم يوافق على قرارات الرئيس .
فقرار سلطات الحرب الصادر في 1973 ، والذي اعترض عليه الرئيس نيكسون على اساس أنه " غير دستوري بوضوح " ، اصبح قانونا عندما تغاضى الكونجرس عن رأي الرئيس (انظر النص الكامل في الملحق " ج" ). فينص الفصل الأول بوضوح على ضرورة توافر الموافقة الجماعية على إقحام القوات المسلحة الأمريكية في أعمال حربية أو في مواقف يكون التورط الوشيك في أعمال حربية واضحا فيها بجلاء " . واذا ما ارسل الرئيس عناصر عسكرية في حالة الطوارئ ، فانها يجب أن تنسحب في غضون 60 يوما الا إذا ارتضى الكونجرس ذلك طبقا للفصل الخامس . وبالطبع فإن هذه الفترة القصيرة ـ حتى إذا مدها 30 يوما أخرى تسوغها ظروف مخففة (من وطأة اتخاذ قرار بعيدا عن الكونجرس ) ـ تحول دون قيام هذه القوات بعمليات طويلة ولفترات ممتدة . و " يجب على الرئيس سحب هذه القوات (حتى قبل ذلك) إذا ما اصدر الكونجرس توجيها بذلك بموجب قرار متفق عليه " .
وقرار سلطات الحرب في حد ذاته ليس حاسما . ولم تختبر قانونيته في المحاكم أبدا . ومع ذلك فإن الكونجرس يمتلك اداة ماضية جدا تحت تصرفه يستطيع أن يشكل بها مثل هذه القرارات : هذه الاداة هي سلطات الصلاحيات بموجب المادة الأولى من الفصل الثامن من الدستور التي أحبطت بفاعلية ، في الماضي ، استخدام القوات المسلحة في الخارج.
وعلى هذا سيكون على الرئيس أن يتعاون بشكل وثيق ـ على الارجح ـ مع الكونجرس على النحو الذي يشير إليه المقتطف الذي تم استهلال هذه الدراسة به .
دور الرأي العام :
نادرا ما يكون الرأي العام العالمي جامعا شاملا . فغالبا ما يعكس ردود افعال أصحاب الأمر والنهي (أكثر مما يعكس ردود افعال الجماهير) في الدول التي تتقاسم مصالح مشتركة في لحظات معينة .
كما أن الرأي العام العالمي لا يمارس ضغطا مستمرا . وعلى سبيل المثال فإن الهياج الذي تسبب فيه الافتراس السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968 سرعان ما نسبه الجميع فيما عدا الفاعلين الاصليين . وبعض الساخرين الذين يلجأون إلى المبالغة بهذا الصدد لتأكيد هذه المسألة فيقولون أن عواطف المراقبين (بعكس المشاركين الاصليين ) لا تستمر أكثر من 6 اسابيع أو نحو ذلك نظر به معظم العالم إلى فيتنام في اوائل الستينات ، ثم التأييد النشط للتورط في أواخر الستينات ، ثم الدعوات النشطة لفض هذا الاشتباك في اوائل السبعينات ، ثم التحول الاحق تجاه اللامبالاة ازاء هذه الحرب رغم استمرار الصراع .
ومن المؤكد أن موافقة حلفاء الولايات المتحدة على القيام بعمليات امريكية للاستيلاء على حقول النفط الاجنبية ستعكس المواقف الخاصة بكل من الدول والائتلافات المعنية ،وليس المواقف الأمريكية ككل . فهؤلاء الذين تخدم هذه العمليات مصالحهم ومصالحنا أيضاً سيوافقون على القرارات الأمريكية ، أما أولئك الذين يرون احتمالات مشئومة لهذه العمليات فسيعارضونها على الارجح ، ومنهم ما يسمى بالعالم الثالث ، الذي يمثل حاليا جبهة موحدة بصدد قضايا متعددة في الأمم المتحدة ومحافل دولية أخرى .
والنتيجة العملية لهذه المعارضة ستكون عديمة الاهمية ، إذا ما كانت الرطانة الكلامية هي السلاح الوحيد الذي تمتلكه البلدان الغاضبة وتستخدمه بمهارة . ومع ذلك ! فإن السمعة العالمية للولايات المتحدة التي تسبغ عليها آيات الاحترام يمكن تصور رؤيتها وهي تتقلص . ويمكن للاعمال الانتقامية أن تتدرج من العقوبات السياسية والاقتصادية والسيكولوجية إلى القتال المسلح، ويمكن للعلاقات الدبلوماسية والمنشآت الأمريكية والمواطنين الامريكيين فيما وراء البحار والتجارة ـ بما في ذلك مرور مواد حيوية أخرى غير النفط ـ ان تعاني جميعها من أعمال مخططة أو عضوية تستهدف دفعنا إلى تغيير مسارنا . كما لا يمكن استبعاد الارهاب . بالاضافة إلى أن الخيارات العسكرية السوفيتية ستكون وثيقة الصلة بموضوعنا بنحو خاص .
ولن يكون بوسع الكونجرس أو السلطة التنفيذية الاعتماد على اللامبالاة لتخفيف وقع الرأي العام المعادي في الخارج . وعلى هذا فإن الموقف الذي ستفضل القوى الاجنبية أن تتخذه على الارجح سيتعين تقييمه بدقة ، وموازنة نتائجه ، قبل اتخاذ القرارات وليس بعدها .
كما أن الاكثر أهمية حتى من ذلك هو المزاج الجماهيري في أمريكا . فربما أبرز ما تعلمه القادة الامريكيون في فيتنام هو أن القرارات الوطنية ، مهما بدت مرغوبة بطريقة أو أخرى ، فانها يجب أن تكون مقبولة من الشعب .
ولن تظهر مشاكل كبرى على السطح إذا ما تعرض البقاء الأمريكي للخطر وكان الجمهور يعرف ذلك . فالحرب ستكون مقبولة لمعظم " الصقور" و " الحمائم" بالمثل ، إذا ما واجهنا محاولة من الاوبك لخنقنا بصورة مهلكة ، ففي هذه الحالة يكون هناك شيء نفقده . ومع ذلك يمكن في هذه الحالة توقع جدل رغم ن المصالح الحيوية للبلاد ليست موضع خلاف . فنافذو الصبر سيصرون على اللجوء إلى عمل عسكري سعيا وراء انفراج سريع للازمة ، أما العناصر الرزينة فيحتمل أن تصر على البحث عن حلول طويلة الاجل . والكونجرس ـ القريب من نبض الرأي العام ـ سيكون مستعدا بصورة افضل لاكتشاف وجهة النظر السائدة . وفي الحقيقة فإن الاسهام في عملية صنع القرار سيكون حرجا للغاية .
ويمكن للادارة الأمريكية أو الكونجرس ، أو كليهما معا ، اتخاذ خطوات بمساعدة وسائل الاعلام لاستمالة الرأي العام والسيطرة عليه بطريقة أو أخرى إذا ما رأوا في ذلك امرا مستصوبا ، رغم أن النجاح في ذلك ليس مضمونا تماما . فالقرارات التي تتفادى الحرب بأي ثمن يمكن ـ في التحليل النهائي ـ أن تؤدي إلى كارثة ، شأنها في ذلك شأن قرارات شن الغزو ، إذا لم يكن هناك توافق بين القرار الرسمي والاجماع الوطني .
القرار رقم واحد ، المشار إليه آنفا ، ليس معقدا نسبيا ، لانه يتعلق بالمصالح الأمريكية وحدها . لكن هناك احتمالان آخران يمكن أن يستدعيا قرارات أكثر تعقيدا :
ـ هل يتعين علينا حماية الحلفاء إذا ما ووجهوا بحظر مهلك لكنه لا يمس الولايات المتحدة ؟ يتناول الرجال الصرحاء هذه القضايا من اتجاهات متعددة ، ولذلك فإن الخلافات بهذا الصدد متنوعة وعميقة .
فهناك على سبيل المثال عناصر مؤثرة ترى أن الولايات المتحدة مسئولة عن نفسها فقط . وقد تم صك شعار " عودى إلى وطنك يا أمريكا" لخدمة غرض خاص ، لكنه ما زال يجتذب شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي تعتقد أن الدول الحليفة يجب أن تحل مشاكلها الخاصة بنفسها ، وأننا ـ نحن الامريكيين ـ لدينا ما يكفينا ويجعلنا نشغل أنفسنا بالولايات المتحدة . وقد عززت هذه الاستنتاجات تلك التجارب المحزنة للولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا مؤخرا.
وتؤكد عناصر أخرى أن المصالح الأمريكية لا تنفصل عن مصالح الدول الاوربية الاعضاء في حلف شمال الاطلنطي ، وربما اليابان أيضاً . ويبدو روبرت تاكر ـ الذي كتب مؤخرا " الانعزالية الجديدة : وعد أم وعيد ؟ " ـ نصيرا لافتا للنظر لفكرة الاعتماد المتبادل ، لكنه يشرح حالة مد يد العون إلى الحلفاء بشكل محكم ومؤخر إذ يقول :
حتى القليلون منا الذين طالبوا بتقليص جذرى في المصالح والتعهدات الأمريكية قد فعلوا ذلك بافتراض أن عواقب الانسحاب الأمريكي لن تكون إقامة عالم جديد تتطابق فيه الحدود السياسة والاقتصادية لامريكا مع حدودها الإقليمية ، ومن المحتمل أن تتلاشى فيه المجتمعات التي تشاطرنا ثقافاتنا ومؤسساتنا وقيمنا .
وفي معمعان الازمة ستكون المداولات محكومة بانفعالات قوية من كلا الجانبين . وستجري المغالاة والتضخم في العديد من العناصر الداخلة في نسيج عملية صنع القرار ، بما فيها العناصر التي تمت مناقشتها بالفعل .
فالالتزامات الواردة في المعاهدات التي أبرمتها الولايات المتحدة لا تقدم الا تشجيعا طفيفا للقادة الامريكيين الذين يحتاجون إلى تصريح قانوني باستخدام القوات المسلحة . وعلى سبيل المثال تنص معاهدة حلف شمال الاطلنطي على أن أي " هجوم مسلح ضد واحد أو أكثر " من أعضاء الحلف " سيعتبر هجوما عليا جميعا " ، مما يلزم الولايات المتحدة بالقيام " بالاعمال التي تراها ضرورية بما في ذلك استخدام القوة المسلحة " . لكن أعمال الانتقام العسكري ردا على عدوان اقتصادي ، أيا كان تعريفه ، لم يتم الاشارة إليها في أي موضع من هذه المعاهدة . وفي معاهدة التعاون والأمن المتبادل بين الولايات المتحدة واليابان توافق كل من الدولتين على " الامتناع في علاقاتهما الدولية عن التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية لأي دولة ، أو بأي طريقة لا تنسجم مع أغراض الأمم المتحدة " ـ التي تدمغ الاستخدام الأول للقوة باعتباره عدوانا .
كما أن الكوابح الدستورية ستكون متطابقة مع تلك الكوابح التي عرضنا لها في الفصل السابق .
ويمكن توقع أن يقدم الرأي العام ، مرة أخرى ، أحد المدخلات الاساسية لأي قرار بهذا الشأن سواء باستخدام القوات الأمريكية للدفاع عن مصالح الحلفاء أو الامتناع عن استخدامها .
يسهب الحديث الدائر على صفحات المطبوعات العلنية في الاشارة إلى خطورة القرارات التي يحتمل أن تقوم بها الولايات المتحدة للاستيلاء على حقول نفط الاوبك ، لكن هذه الكتابات تتغاضى عن الصعوبات التي يمكن أن تحل بخصومنا قبل يختاروا ايذاء الولايات المتحدة .
ويمكن الحديث عن هذا المنظور بكلمات قليلة .
إن أعضاء الاوبك ، وبخاصة الواقعة على ضفتي الخليج الفارسي ، لم من الاحتلال الاجنبي أو النفوذ الاجنبي " الجائر " الا منذ سنوات قليلة . وسيكون من شأن أي غزو امريكي أن يقضي على حرية ارادتهم التي يعتزون بها قبل أي شيء آخر .
ونفس هذه البلدان تعتمد بالكامل تقريبا على عوائد النفط في تمويل برامجها التنموية الخرافية وتدعيم مكانتها الناشئة حديثا كقوى عالمية . وستحرم من كلتا هاتين الفائدتين لفترة طويلة إذا ما استولت الولايات المتحدة على حقولها النفطية . والامر الهام أيضاً أن الدول العربية ستخسر كذلك الموارد المالية التي تدعم القتال ضد إسرائيل .
ولن تستطيع بلدان الاوبك أن تستمر في انتهاج الاساليب التي اعتادت عليها إذا ما توقفت تجارة النفط . ويمكن أن يكون شبح حلول " راديكاليين يساريين " محل النظم الحاكمة في الدول الواقعة في الفوضى مثار قلق لها .
كما أن بلدان الاوبك في الشرق الأوسط تعتمد اعتمادا ضخما على الاسلحة الأمريكية لاسباب سيكولوجية وعملية . وسيستنزف المخزون القائم منها بسرعة إذا قامت الولايات المتحدة بالغاء تزويدها بشحنات جديدة ، من بينها قطع الغيار ، والغاء برامج التدريب المقررة ، إلى جانب الغاء المساعدة التقنية .
في مثل هذه الظروف سيكون الملاذ الرئيسي للاوبك هو الاستغاثة بالاتحاد السوفيتي ، الذي يخشاه المسلمون المتشدودن ولا يثقون فيه بشكل خاص .
ونتيجة لذلك ؛ تبدو هناك امكانية موجودة للقيام بمفاوضات جادة ، واحتمالات واقعية لتقديم تنازلات فيها من جميع الاطراف المعنية . لأن الاوبك سيخسر كل شيء ولن يكسب شيئا يعتد به إذا قام حظر نفطي يفتح الباب أمام قيام الولايات المتحدة بأعمال مسلحة انتقامية .