الحلقة الاولى
كارل ماركس (1818 - 1883 )
اليهودى الذى اشعل فتيل الشيوعية .
الدعوة الى المدينة الفاضلة ظلت تراود
اذهان الكثيرين من المفكرين والفلاسفة والشعراء ووضعوا لها تصورات واعتقادات
وافكارا مختلفة , وكانت المناداة بالفكر الشيوعي او الاشتراكي احدى هذه الدعاوى
التى نادى بها امثال ( سان سيمون وكابت وروبرت اوين ومزدك بل نادى قبلهم الفيلاسوف
الكبير افلاطون ( 400 قبل الميلاد ) عندما تصور بتفكيره الشاذ
ان جعل المال والممتلكات بل والنساء ايضا مشاعا للجميع سيريح
الناس من مشاكلهم وصراعاتهم ويحقق لهم صورة المجتمع الآمن .
والفرق بين الاشتراكية والشيوعية ليس بكبير فلأولى تهدف الى المشايعه بكل شئ
والثانية تعنى الاشتراك بكل شئ لخدمة الصالح العام لاكن النظام الشيوعي بمعناة الذى
ساد روسيا وانتشر منها الى دول اخرى ترجع مبادئه الى كارل ماركس والذى وصف الذى من
قبله بالشيوعيين الخياليين ام فكرته هو فقد لقبها بالشيوعية العلمية .
وقد ولد كارل ماركس في بلدة المانية صغيرة تسمى ( ترييه ) من ابويين يهوديين ثم
اعتنقت أسرته المسيحية وهو لا يزال في السادسة من العمر , درس ماركس الاقتصاد
والعلوم السياسة والتحق بالعمل في مجال الصحافة وظهرت عليه ميول ثورية لتغيير النظم
السياسة فى العالم التى لم يكن راضيا عنها , وهاجم نظام الحكم في المانيا
فطرد منها ولجأ الى فرنسا لكنه لم يستمر بها طويلا وتعرض للطرد مرة اخرى لنفس السبب
وفى سنة 1848 صاغ ماركس فلسفته الشيوعية في بيان قام بنشرةه على العالم واسماه ’’
البيان الشيوعي ’’ والذى كان يأمل من خلاله بوجه عام الى تحويل العالم الى جمهوريات
اشتراكية سوفيتيه والمقصود بالسوفيتيه النظام القائم على المجالس .
وكانت من ابرز ملامح النظام الشيوعي الذى وضعه ماركس حيث قسم ماركس المجتمع بصفة
عامه الى طبقتين اساسيتين وهما الطبقة العاملة الكادحة والتي سميت بطبقة
البروليتاريا وطبقة الاغنياء وأصحاب رؤوس الاموال وسميت بطبقة الرأسمالية وقد
دعا ماركس الى اتحاد طبقة البروليتاريا لتحقيق السيادة والثورة ضد الرأسمالية
للخروج من دائرة الاستبداد والمعاناة وان يكون للجميع حق ملكية الادوات الانتاجية
بحيث يختفي هذا النظام الطبقى ويتحقق العدل في توزيع الناتج الذى كان يجب ان يكون
على مقدار الجهد والعمل وبذلك يتحول العالم الى طبقة واحدة وان تقيد الحريات
والميول الفردية لاجل خدمة الصالح العام .
ونشر ماركس دعوته الى الشيوعية في العديد من الدول الاوربية حيث كان يلتقى بالعمال
في النقابات العمالية ويشرح لهم نظريته ويحاول كسب تأييدهم وحماسهم وقد لاقت الدعوة
الى النظام الشيوعي تأييدا كبيرا وخاصة من العمال الكادحين المقهورين حيث رأوا فى
هذا النظام الخلاص من معاناتهم واستبداد الطبقة الرأسمالية بهم
وصول الشيوعية الى روسيا .
عندما ظهرت فكرة الشيوعية في العالم
الاوربي كان الشعب الروسى يعاني الأمرين من قسوة النظام الحاكم الذى ترأسه القيصر
نيقولا الثانى الذى قيد الحريات , وزج بالألاف من المعارضين والمتمردين الى ظلمات
السجون ونشر جواسيسه فى كل مكان للتجسس على انباء الشعب وحرم الناس من كثير من
حقوقهم الشرعية .
والحقيقة ان نيقولا الثاني كان يتميز رغم ذلك بضعف الشخصية وسوء الادارة وكان
المتحكم الخفى فى زمام الامور السياسية والاجتماعية الى حد كبير راهب مسيحى منافق
ويتمثل بالدين وهو يتميز بشخصية قوية جدا وقدرهة فائقة على الاقناع وهو جريجورى
راسبوتين , استطاع راسبوتين ان يتسلل الى القصر الملكى لأول مرة عندما دعي
لعلاج ابن القيصر من مرض النزف الدموى واستطاع فى وقت قصير ان يثبت وجوده داخل
البلاط وان يوطد علاقته بالقيصرة اليكسندرا فيودوروفتا , واصبح مستشارا للأمور
السياسية والاجتماعية وكان لذلك خطورته الكبيرة لأنه لم يكن مؤهلا لذلك بأى حال من
الاحوال فكان مجرد انسان مخبول او دجال كما وصفه البعض وقد تمثلت المعانات التى
عانى منها الروس فى انشاء منظمة سرية شديدة البطش والقسوة وهى منظمة
الاوخرانا (The Okhrana) التي تجسس افرادها
على الشعب للوقوف ضد اى محركات مناهضة للحكم , وقيدت حرية الصحافة وصادرت كل الكتب
التى يمكن أن تثير سخط الناس على الوضع السياسى الراهن وتحفزهم على الثورة .
وكان من اهم ابرز هذه الكتب الممنوعة كتاب اسمه رأس المال ( Das Kapital)
الذى كتبه كارل ماركس والذي هدف مضمونه الى تحفيز الطبقة
العمالية على الاتحاد والثورة ضد الرأسمالية وكانت كتابات كارل ماركس بصفة عامة
اشبه بالافيون الذى يحاول البعض تهريبه سرا الى روسيا القيصرية بينما بذلت الشبكات
السرية اقصى جهودها لمنع دخول هذه الكتابات الى روسيا لحماية البلاد من نشوب الثورة
ضد القيصر والنظام الحاكم .

منظمة الاوخرانا السرية تفتش قطارا مشتبه
بتهريبه لنسخ من كتاب ماركس
تأسيس الحزب الشيوعي الروسي .
لاقت افكار ماركس وكتاباته الشيوعية رواجا
فى أوربا لكنه لم يكن بنفس درجة الرواج والتقدير الكبيرين الذى لاقته فكرة الشيوعية
فى روسيا , فى ظل الظروف السيئة التى عاشها أبناء الشعب الروسي فى عهد القيصر
نيقولا الثانى كان من الطبيعى ان يتحمسوا لفكرة الشيوعية بعدما رأوا فيها الخلاص من
معاملاتهم واستبداد أصحاب رؤوس الاموال بهم .
وكان لينين و تروتسكى من ابرز شباب الذين تحمسوا للشيوعية وأعجبوا بكتابات كارل
ماركس وخرج لينين بأفكار وآراء جديدة أضافها وعزز بها نظرية ماركس الشيوعية وبدأ
الاثنان يروجان سرا للنظام الشيوعي , واستطاعا كسب أعداد كبيرة من شباب الثوار
والذين كان من بينهم ستالين وكونوا جماعة سرية لمقاومة الحكم القيصرى ووضعت هذه
الجماعة نواة الحزب الشيوعي الروسى والذى شارك الاحزاب السرية الاخرى كحزب الاحرار
وحزب الاشتراكيين النظال والمقاومة ضد الحكم القيصرى لاكن جواسيس الاوخرانا لم
يغفلوا عن هذه الانشطة السرية المقاومة لنظام الحكم , فاعتقلوا كثير من
المناضلين وقاموا بنفى بعضهم وكان منهم لينين وستالين حيث قضى لينين فى منفاه
بسيبيريا ثلاث سنوات ابتداء من سنة 1897 م .

يظهر فى الصورة المنفيين من الثوار الى سيبريا
نشوب الحرب العالمية الاولي ( 1914 ) .
لقد خاض شباب الثوار رحلة طويلة استمرت
عدة سنوات من الكفاح والنظال ضد الحكم القيصرى تعرضوا خلالها للنفي والتعذيب
والمعاناة الى ان بدأت الحرب العالمية الاولى تضع أوزارها وبدأت روسيا القيصرية
تتهالك شيئا فشيئا , وكان اتخاذ القيصر القرار بدخول الحرب بمثابة طعنة جديدة وجهها
لابناء شعبه ,حيث ادرك الروس أنهم بانتضار مرحلة جديدة أشد قسوة وفقرا مما هم عليه
لأن دخول الجيوش القيصرية تلك الحرب الكبرى يعنى تعرض البلاد لمزيد من الدمار
والخراب وكان لراسبوتين دور كبير فى اتخاذ القيصر لهذا القرا لتأثيره القوى على
مجريات الامور السياسية والشعب كان يدرك حقيقة هذا التأثير ولذا زادت الكراهية في
نفوس الشعب تجاه الكاهن الملعون .. راسبوتين
وقد حدث فعلا ما كان متوقعا فقد خسرت الجيوش القيصرية فى تلك الحرب خسارة فادحة
وتعرضت البلاد لتدهور شديد فى الاحوال الاقتصادية وأعلن العمال احتجاجهم وأضربوا عن
العمل واعتبر المتمردون والثوار ان راسبوتين هو المسؤول الاساسى عما اصاب البلاد من
خراب ودمار ولذا كان لابد من الخلاص منه , ودبر احد الثوار ويدعى يوسوبوف
مؤامرة لقتل راسبوتين بدس السم له فى الطعام وكان من مادة سيانيد البوتاسيوم ومن
الغريب ان جاسم راسبوتين العملاق لم يتأثر بذلك السم ولذا تكررت مؤامرة اخرى لقتله
رميا بالرصاص ومن الطريف ايضا انه استطاع مقاومة تاثير طلقات الرصاص لفترة طويلة
ونجح فى الهرب الى ان سقط على الارض وراح ينزف بغزارة وراح يوسوبوف يجهز عليه
بخنجره فضربه عدة طعنات باماكن متفرقة من جسده ليتأكد من موته ثم القى بجثته
فى النهر وتخلصت البلاد من هذا الداهية فى 16 ديسمبر 1916 وقد ادى خبر موته الى
ارتياح كبير من افراد الشعب .

صورة لاضراب العمال فى بطرسبرج وقد
كانت هى البداية لاشتعال الثورة
الثورة البلشفية .
ولاكن موت راسبوتين لم يطفأ نيران الغضب تجاه السلطة القيصرية فعلى مدار عام منذ مقتل راسبوتين زاد تدهور الحالة الاقتصادية بسبب الحرب وزادت معها حركات المعارضة وزادت أعداد الثائرين وراح أفراد الحزب الاشتراكي وحزب الاحرار يلهبون حماس الشعب ويحثونهم على الثوره ضد السلطه , مما أدى بالفعل الى قيام ثورة عارمة بالبلاد لم تستطع الشرطة القيصرية مواجهتها بل ان رجال الشرطة انضموا للثورة بعدما فضلوا الخضوع لارادة الشعب والاطاحه بالسلطه القيصرية .
عودة الشيوعيين المنفيين .
بدأت الشيوعية تعرف طريقها من جديد الى
روسيا بعد سقوط روسيا القيصرية , فبعدما تنازل القيصر عن العرش تكونت حكومة
جديدة واختير ( كيرنسكى ) زعيم الحزب الاشتراكى لتولى رئاسة هذه الحكومة ,
واراد كيرنسكى ان يبعث روحا معنوية جديدة فى نفوس الضباط والجنود ليتمكنوا من حماية
الوطن المهدد فى الحرب وان يعمل على اعادة الاستقرار الداخلي وبث الطمأنينة بين
افراد الشعب واتسمت سياسته بوجه عام بالديمقراطية فاطلق الحريات وفتح السجون وعمل
على تدعيم اقتصاد البلاد وتوفير الغذاء للشعب ورحب بعودة المنفيين الى البلاد ,
ولاكن فى الحقيقة ان حكومة كيرنسكى لم تستمر طويلا حيث كانت هناك مؤمارات خارجية
تدبر فى الخفاء للاطاحه به .
فلقد اراد الالمان استغلال فرصة الاطاحه بالقيصر واقامة حكومة مؤقتة تولاها كيرنسكى
فى تغيير مسار الحرب حيث دبروا للاطاحه بحكومة كيرنسكى الموالية للحلفاء لكسب روسيا
الى صفهم والاكتفاء بمواجهة القوتين الكبيرتين المتمثلتين فى انجلترا وفرنسا , ووجد
الالمان ان الطريق لتحقيق ذلك يكون بعودة الشيوعية الى روسيا وتدعيم الحزب الشيوعي
للوقوف ضد الحزب الاشتراكي الذى رأسه كيرنسكى , كما ادرك الالمان ان لينين والذى
كان منفيا فى سويسرا وقتذاك هو الرجل المناسب لتحقيق اهدافهم فاتصلوا به وتآمروا
معه لقلب نظام الحكم الجديد وتمكينه من فرض السيادة لحزبه الشيوعي مقابل وقف الحرب
والتصالح مع الالمان .

ثورة 1917 ضد الحرب والتى اطاحت بحكومة
كيرنسكى ووصول لينيين الشيوعي للحكم
وجهز الالمان للينين قطارا خاصا للعودة الى وطنه وزودوه بصناديق ممتلئه بالذهب
وبالمنشورات المنادية لوقف الحرب والدعوه الى السلام كما عاد اغلب الشيوعيين
المنفيين الى روسيا وعلى رأسهم تروتسكى ودخلت البلاد مرحلة جديدة من الاضطرابات
بعدما نجح لينين في كسب تأييد الشعب له لوقف الحرب وأعلان الهدنة والثورة ضد
الحكومة الداعية للحرب والمناصرة للحلفاء واستطاع لينين وتروتسكى ورفاقهما من
الشيوعيين ان يقلبوا الامور راسا على عقب بالخطب والمنشورات التي ملأت روسيا ونادت
بوقف الحرب وقد جاء الشعب فى هذه الدعوة الى السلام والخلاص من ويلات الحروب التى
خربت بلادهم وقتلت ابنائهم وعرضتهم للمجاعات ولذا استطاع لينيين ورفاقه كسب تأييد
غالبية الشعب فى وقت قصير وانتشرت المظاهرات والاحتجاجات وسادت البلاد حالة كبيرة
من الفوضى وفى اكتوبر سنة 1917 قام الشعب بثورة عارمه مطالبا بوقف الحرب
واستبعاد كيرنسكى وكل المؤيديين لاستمرار الحرب ولم يستطع كيرنسكى التصدى
لتلك الثورة واضطر للتخلي عن منصبه للزعيم الجديد لينين وبذلك اصبحت روسيا على
بدابة مرحلة جديدة بفكر جديد وتخلصت تماما من عهد القياصرة وقام لينين باعدام
القيصر نيقولا الثاني وزوجته وكل اقاربه فى يوليو 1918 ليكشف عن اول وجوه الانسانية
فى الشيوعية .
البداية الحقيقية للشيوعية الروسية .
كانت عودة لينين ومن بعده تروتسكي من
المنفى الى روسيا ودعوته الى وقف الحرب واعلان الهدنة وكسب تاييد الشعب له ونجاح
ثورة اكتوبر التى اطاحت بحكومة كيرنسكى هى البداية الحقيقية للشيوعية فى روسيا ,
لقد وقف الشعب مع الثورة ليس لتقبل مبادئ الشيوعية او الايمان بمبادئها ولاكن بسبب
الرؤيه بان هو لينين الذى يخلصهم من الحرب التى طال امدها واراد ان يعيش بسلام
ورؤية مرحلة جديدة من الامن والسلام , وقد نجح لينين في اعلان الهدنه وكسب رضاء
الشعب والوفاء بالوعد الذى تعهد به للألمان حيث قام بعقد معاهدة للصلح سميت بمعاهدة
(برست لوتفسك ) فى سنة 1918 ولكن فى مقابل ذلك استغل لينين فكرة الشيوعية أسوأ
استغلال حيث جعل منها وسيلة لتسخير الشعب وكبت حريته وجعل من المشاركة الجماعية
لخدمة الصالح العام والتى نادى بها ماركس مقتصرة على خدمة السلطة فبعدما تولى لينين
الرئاسة شن حملة ارهاب واسعة اغلق من خلالها جميع الاحزاب باستثناء الحزب الشيوعي
الذى اصبحت له السيادة المطلقة وقيد الحريات وصادر كل الميول والاتجاهات المخالفة
واقتاد آلاف الشباب الى السجون والمشانق واختفت فى ظل ذلك جميع القيم والمبادئ
الانسانية , وكانت حجة لينين التى تذرع بها فى سياسته الارهابية الدكتاتورية هى
الحفاظ على الصالح العام وسلامة أمن الدوله .
وبذلك تخلص الشعب الروسى من الدولة القيصرية وعهدها الظالم ولكنه فى الحقيقة اصبح
يواجه مرحلة اخرى من الظلم والاستبداد وانهيار القيم والشعارات الزائفة على يد
الشيوعية التى اتخذ منها لينين وسيلة لقهر الشعب وأهدار الاديان وتدمير القيم
الانسانية .