حقائق اللعبة وعجز الواقع ..!!
من المهم للغاية أن يكون لديك معلومات عن الأمر الذي أنت مقدم عليه .. حربا أو سلما .. ولكن الهم هو كيف تستثمر هذه المعلومات .. وكيف تستفيد منها .. وتعتصر منها معلومات أخرى أدق .. ثم كيف تدير هذه المعلومات على وجوهها المحتملة واللا محتملة .. وبدون عقل الكتروني , لأنه مهما كنت تمتلك من اجهزة واليات , فكلها لايغنى شيئا عن عقل بشري حى لديه موهبة التحليل !!
والسياسة الخارجية لدولة ماه هى في أحد معانيها : هي القوالب الظاهرة للتصريحات والتصرفات , والاطروحات التي تعبر عن الادارة الاستراتجية لصراع ما , كما تفهمها قيادة تلك الدولة , مع أصدقائها , ومع خصومها , ومع حلفائها , ومع الدول المحايدة الأخرى , والعلاقة بين الادارة الاستراتيجية للصراع وبين السياسة الخارجية وتصريحاتها هي علاقة الأصل بالفرع .. والمتتبع لموقع الأمة العربية من لوحة الصراع الخفي والعلني الذي تواجه ( في تيه وتخبط وتشرذم الى معسكرات تجند طاقاتها بشكل مأساوي لصالح أعداء الأمة ..
واذا كان رئيس ليبيا بعد ظهور عجز جامعة الدول العربية والعرب عموما في مواجهة لهجة تصعيد أمريكا للحرب مع العراق قد أخذ القرار بالانسحاب من الجامعة , ولولا ضغط الرئيس مبارك لأتم الانسحاب الفوري , فان تعليقه قرار الانسحاب مقابل شروط وصفها البعض بالتعجيزية يضع الامة في مواجهة مع نفسها , لترى وجهها الحقيقي في ( المرآة ) .. ولعلها احدى المرات النادرة التي أوافق القذافي فيها على رأي .. فقد طلب القذافي من جامعة الدول العربية ( تشكيل جيش عربي مشترك ) للتدخل في النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي , لحماية الشعب الفلسطيني من حكومة شارون , مع استعداد ليبيا لتحمل نفقات الجيش المقترح وتدريبه واعداده , وعلى الأرض الليبية , على ان يقع على عاتق جامعة الدول العربية اقناع الدول المجاورة لفلسطين بفتح حدودها واستقبال الجيش العربي المشترك , والذي تتكون بعض وحداته من متطوعين فدائيين لتنفيذ عمليات فدائية ضد الجيش الاسرائيلي .. كذلك لابد من تفعيل دور عربي موحد وقوى لانهاء الحصار المفروض على العراق , واذا كان ثمة تغيير للنظام الحاكم في بغداد فعن طريق جامعة الدول والشعب العراقي .. مع تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك بداية من السودان الذي يتعرض الى عدوان خارجي من حركة الجنوبيين المدعومة من امريكا ودول جوار أخرى لها مصالح ضد الأمة العربية !!
واذا كان هذا البعض الذي يتعبر هذه الشروط تعجيزية , لايريد تحقيقها لأنها أتت من ( القذافي ) بالذات , وفات عبقريته ان يكون هو الفارس الذي اقترحها , فاننا نقول أن هذه الشروط ان لم تخرج الى حيز التطبيق الفوري والعاجل , فسوف تؤكل الأمة العربية لقمة لقمة لأن الجدال ذاته حول هذه الشروط هو أحد نتاجات شيطنة الاستراتيجية الأمريكية ونجاحها في تمزيق الصف العربي , والتمويه على الخطط الأمريكية مع عجز في التحليل السياسي العربي والقدرة على اتخاذ القرار , بعدما أجمع كل قطر عربي يتسم بالأنانية والتعصب للنفس والتفلسف بأن حكامه لهم رؤية خاصة في أي قرار , وعادة ما تكون هذه الرؤية لاتتجاوز ما تحت الأقدام المتربعة على عرش لاتريد أن تفقده , متوهمة ديمومة العرش والحياة !! والذين يخشون من قرار ليبيا حتى لايقلدها اخرون فتنفرط حبات المسبحة يريدون بقاء ( شكل لاتحاد عربي ) لاحقيقة له ولا جوهر ..!!
من هنا أرى لعبة انتظار الادارة الأمريكية لقرارات الأمم المتحدة في أي قضية ماهى الا ملهاة للعرب والعالم .. ولم تكن العجوز ( مادلين اولبرايت ) بمخادعة ولا مواربة عندما أعلنت على العالم مقولتها : ( اننا نتصرف دائما استنادا الى موافقة الأمم المتحدة , لكن اذا تعطلت هذه الموافقة فاننا لانتردد في أن نتصرف بمفردنا ) ..!!!
وهذه الحقيقة اليوم أشد نصوعا وجلاء مع حالة الصرع والهياج الأمريكي ضد العراق مرة أخرى , اذ لم يعد للأمين العام من خيارات الا ما يرضى أمريكا والغرور الأمريكى , فالحقيقة أن الأمم المتحدة ذاتها رهينة لأمريكا , وليس لها من دور الا ما يعطى لأمريكا شرعية العبث , والافساد في أرض الله عز وجل , متجاهلة أخلاق الأمانة والضمير , وواضعة الشجاعة الأخلاقية المهنية تحت حذاء سيد البيت الأبيض .. والتصريح الأمريكي بأن الأمم المتحدة ومجلس الأمن اذا لم تكونا أداتين فاعلتين , وبالمنطق الأمريكي يعنى التسليم بما تريد أمريكا , والا فسوف تعمل أمريكا على تهميش دوريهما يؤكد أن ( التمثيلية بلغت ذروتها ) والعرب لايزالون مخدرين في لعبة المشاهدة لحدث سوف يتم في العمق من بلادهم وأعراضهم وكرامتهم !! ومن ثم فالغرب يتساءل : ماذا لو أعلنت أمريكا نفسها على العالم نبأ وفاة الأمم المتحدة , بعدما زجت بها بين فكى القرش الأمريكي القاتل : اما ان تكونوا مع العراق واما أن تكونوا مع امريكا ؟! . واما لا أمم متحدة ولا غير متحدة .. ولا ارادة الا ماأرادت أمريكا المتألهة في الأرض !!
والان : وقد صدق حدسنا .. واشتعلت النار .. ماذا تقولون ؟!
معلوم ان الشركات العملاقة متعددة الجنسيات هي اللاعب الرئيسي وراء اتفاقيات الجات سنة 1994 م , وانشاء منظمة التجارة العاملية who
من أجل الدفع بقوة بما أصبح يعرف ب ( تحرير الأسواق والتجارة العالمية وتدفقات السلع والمنتجات والأموال السائلة والأوراق المصرفية والمواد الاعلامية والاعلانية والدعائية , وهو ماعرف باسم ( العولمة ) أو ( الكونية ) أو ( الكوكبية ) , بمعنى بروز عالم بلا حدود اقتصادية وثقافية واجتماعية , مع حدوث تداخل في هذه الاتجاهات وغيرها , بين مختلف دول العالم يصعب ضبط تأثيراته أو التحكم فيه باجراءات تقليدية كاغلاق الحدود او قطع العلاقات الدبلوماسية .. والعولمة مفهوم أصبح امتداد لمفهوم ( النظام العالمي الجديد ) الذي شاع أثناء كارثة حرب حرب الخليج الثانية على اثر تبني الادارة الأمريكية وأوساطها الاعلامية والسياسية الترويج له والتبشير به ضمن استراتيجية أمريكية حرصت على ربط المفهوم بجملة من القيم والمبادئ الأخلاقية والانسانية العليا – مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان واحترام الشرعية الدولية – لا لحقيقة المبادئ انما لحشد التأييد الدولى للسياسة الأمريكية ولفكرة القطب الأوحد للعالم والشرطى الأوحد بالعالم من خلال عملية اغواء وتدليس على الشعوب , لأن الدعاية الأمريكية مغلغلة بالمسحة الاخلاقية والانسانية , مما جعل مفهوم العوملة يرادف لدى الكثير من شعوب العالم حتى الاوروبية ( لفظ الأمركة ) , بكل مايحمله اللفظ من معاني العنصرية والاغراق في فرض النمط الأمريكي على الشعوب من أول لبس ( الجينز ) وحتى ( الدجاج بالخلطة السرية الأمريكية ) وحتى ( الصواريخ الذكية ) بعدما انهارت الأسوار العالمية لمنظومات عقائدية وفكرية طالما توهمت شعوب وأمم انها تحميها من تيار العولمة , فعاشت الخوف والذهول ..
تركت دول العلم الساحة الدولية للاعب واحد , يشكل فرق السبقات المارثونية ممن يريد وكيفما يريد , في ظل نظام عالمي جديد , على أنقاض النظام العربي بعد أن تم تحطيمه وتفكيك أجزائه تحت الهجمة البربرية الأمريكية والتحالفية التابعة في حرب عاصفة الصحراء التي شكلت حقل تجارب لأحدث ماأنتجته المصانع الأمريكية والامبرايالية الغربية من أسلحة متطورة اليكترونيا وأسلحة التدمير الشامل , ولأن فئران التجارب في هذا الحقل هم العرب والعراقيون على وجه الخصوص .. فقد أصبح العرب أكثر المتضررين مما الت اليه الأوضاع في الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية , واذا كانوا قد اجبروا الى الدخول الى حقبة التحول الراهنة في المنظومة الدولية دخولا عنيفا من خلال أزمة الخليج الثانية التي بدأت بغزو العراق للكويت في 2 أغسطس سنة 1990 , وانتهت بحرب تدميرية يمكن اعتبار محصلتها هزيمة كبرى للعرب على كافة الأصعدة وليس للعراق وحده , بل ويمكن اعتبار أزمة الخليج مقابلا موضوعيا لانهيار النظم الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية , غير انه على حين تطلب نقل أوروبا الشرقية من دائرة النفوذ السوفيتي الى ادئرة النفوذ العربي ثورات داخلية تمت على نحو متزامن من النصف الثاني من عام 1989 م فان القضاء الى الطموحات القومية العربية وماحولة اجبارها على الدوران في فلك الغرب قد تطلب شن حروب خارجية بواسطة اسرائيل والدول الاستعمارية الغربية في الأعوام 1948م و 1956م و 1967 و1973 م , فان الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والعرب ضد العراق بعد أم مهدت لها وشجعت أطراف النزاع على عدم الوفاق نوع من الحملة التي قصد بها أن تكون نهاية ضد الطموحات القومية والاستقلالية للعرب .. فالبيئة السياسية التي انفجرت في سياقها أزمة الخليج كانت مشبعة بالتوتر والتناقض بين الطموحات القومية للعرب والمواقف السياسية للغرب عموما والولايات الأمريكية على وجه الخصوص , مما جعل القرار العراقي بغزو الكويت يمثل البوابة المثالية لاتي نفذت منها الحملة الأمريكية المعادية للعرب ولحقوقهم القومية , فكان ان قصدت بالحرب ضد العراق توجيه ضربة قاصمة ضد المشاعر القومية العربية واخمادها والقضاء على كل ماتبقى من الاستقلال السياسي العربي الذي كان قد تحقق في معظم الدول العربية بفضل القطبية الثنائية , وكانت صيانة هذا الاستقلال ترجع الى حد كبير البادرة تمهيدا لبناء نظام شرق أوسطي يكون بديلا عن النظام العربي , وليدخل اسرائيل كفاعل رئيسي ورائد لهذا النظام الجديد لما تتمتع به من تفوق عسكري واقتصادي وتقني , ويضم الى جانبه كثيرا من القوميات والمذاهب المتنافرة , يجري تطويعها والتطبيع بينها ليصبح العرب ونظامهم الاقليمي العربي متماهيا ضمن هذا النظام , وذائبا فيه اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا وهو ما يحقق للشركات المتعددة الجنسية مبتغاها عن طريق اسرائيل كممثلة لهذه الشركات في عولمة النظام العربي والسيطرة على ثرواته وقيمة والغاء هويته الوطنية والقومية .. وقد حاول العرب ربط فكرة الشرق أوسطية بنجاح السلام وجعلها وسيلة وغاية لتحقيقه , بينما الأمريكيون والاسرائيليون وسيلة لدمج اسرائيل في النظام الجديد من خلال سوق مشتركة ومشاريع خدمية وسياحية وتطبيع ثقافي واجتماعي وغيره , والهاء العرب في مؤتمرات شرق أوسطية ومفاوضات متعددة الأطراف بين مجموعة من الدول ذات الاهتمام المباشر وغير المباشر بالمنطقة , وتشكلت خمس لجان يمكن الخوض فيها وقتا طويلا يكون قد تم خلاله ترويض الأنظمة العربية أو بعضها وجرها الى الطريق السريع للتطبيع مع العدو الصهيوني , وفي واقع الأمر فان أول من طرح فكرة الشرق أوسطية كان شيمون بيريز , عندما نشر كتابه ( الشرق الأوسط الجديد ) ونادى فيه بانشاء مناطق تجارة حرة ومشروعات مشتركة باعتبار تلك مرحلة أولى نحو السوق الشرق أوسطية المشتركة , وأفضل طريق لتحقيق السلام والحد من شان التطرف الاسلامي الذي حل محل الشيوعية بوصفه العدو العالمي الجديد , وهو بهذا المفهوم يلتقي مع ماطرحه ( هينتنجتون ) في كتابه ( صراع الحضارات ) وهو مايؤكد التلاحم الصهيوني الامبريالي في صراعهم مع العروبة والاسلام , ويؤكد من ناحية أخرى أن مشروع الشرق أوسطية ماهو الا خطوة أولى للعرب في طريق العوملة الشاملة , والتي هي بالأساس أمريكية وهي بالتالي صهيونية , لأن المسيطر على الشركات متعددة الجنسية هم يهود )
من هنا نفهم لماذا .؟
التوجهات السايسة الأمريكية تجاه الوضاع الداخلية للدول العربية يعبر عنها الساسة الأمريكان بالحديث المستمر عن الاصلاحات السياسية . وتوفير الأجواء المناسبة لتعميق المفاهيم الديمقراطية , بمعنى حتمية اشراف أمريكا على قيام انظمة سياسية لها ومستأنسة لتوجهاتها من خلال اعداد قيادات شابة تم صقلها في المدارس الأمريكية والغربية مشبعة بالنموذج الأمريكي , تستلهم روحه وتحتذي حذوه لأنها لا تؤمن بسواه , فضلا عن امصال غسيل المخ الأمريكية ضد الدين والتدين والروحانية النقية بل وضد الثقافة العربية والقومية العربية حيث كل هذا من تخصص ( المتاحف ) و ( الماضي ) ومن هذه الأمصال مصل فريد عندما يجد المتأمرك اصرارا على اتهام أمريكا بالظلم والفحش ان يرد بمقولته ان امريكا هي النموذج الأقل سوءا في العالم لأنها على الأقل تضمن الحرية ومدخلها هو تمثال الحرية , متناسين ان الثقافة الأمريكية والمسلك الأمريكي هو مجنززة اذا مرت بأرض طيبة تركتها جدباء لاتصلح لنبت مرة اخرى ...
ويقرر الكاتب الاسرائيلي ( لفى شليم ) في كتابه ( الحرب والسلام في الشرق الأوسط ) الحقائق الواضحة لكل ذي بصر , اما تقرير كاتب نزيه أو شامت , فالله أعلم بالضمائر , فيقول : ( كان الرئيس العراقي صدام حسين هو أول من حذر رفاقه العرب من الأخطار الكامنة في الوضع الجديد , وفي الخطاب الذي ألقاه عام 1990 م , توقع أن اضعاف موسكو سوف سيمح لأمريكا بأن تصبح قوة عظمى بلا منافس في الشرق الأوسط , كما حذر من أنه اذا لم يتيقظ العرب فان كل شئ بما في ذلك أسعار البترول , سوف يخضع للهيمنة الأمريكية ولكن صدام قد أخفق هو نفسه في الانتباه الى ذلك , فمن خلال اصداره أوامره بدخول الدبابات العراقية الى الكويت في 2 أغسطس سنة 1990 م , أطلق شرارة الأزمة الأولى في نظام مابعد الحرب الباردة , فقامت أمريكا بحشد تحالف عالمي هائل , اشتمل على الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا كشركاء صغار , وكان هدف التحالف طرد العراق من الكويت واعادة الوضع الى ماكان عليه .. ولم يكن للعراق قبل بأمريكا وحلفائها , وأم المعارك التي وعد بها صدام تحولت الى أم الهزائم العسكرية للعراق , وبرزت أمريكا كقوة خارجية لامنافس لها تمسك بزمام المنطقة كلها , وقد حاول الرئيس جورج بوش تصوير الهيمنة الأمريكية على أنها ترسيخ للأمن الجماعي وسيادة القانون في الشئون الدولية ,وكما زعم فان حرب الخليج أعلنت ميلاد نظام عالمي جديد , ولكن زعم بوش جاوز الحقيقة , فالنظام العالمي الجديد قد عكس مصالح المنتصرين , ولم يعكس أي قواعد عالمية للعدل أو الأخلاق , وشغله الشاغل مثل في ذلك مثل النظام القديم هو الدفاع عن الوضع الراهن , .. لقد برزت أمريكا كحارس مسئول عن أمن الخليج بعد حرب الخليج , فبعد أن كافح العرب الهيمنة الغربية طوال القرن العشرين , هاهو العالم العربي يعود الى موضع التبعية والخضوع . لقد تغير الممسكون بدفة الأحداث ولكن النظام القديم لم يتغير ..
بعد التدمير التام للعراق أعلن السفير الفرنسي في تركيا ثم في تونس ( اريك رولو ) : ان للعراقيين الحق في تفهم شرعية الحل العسكري لاخراجهم من الكويت , لكن هم عاجزون عن تفهم منطق الحلفاء في استعمال القوة من الجو لكي يدمروا أو يعطلوا على نحو منسق سائر البنى الأساسية والصناعة العراقية , محطات توليد الطاقة الكهربائية ( دمر 92 % من القدرة المنصوبة ) , والمصافي ( 80% من الطاقة الانتاجية ) والمجمعات البتروكيماوية , ومراز الاتصالات البعيدة ( ومنها 135 شبكة هاتفية ) والجسور ( أكثر من 100 جسر ) والطرق السريعة , وخطوط السكك الحديدية ومئات القاطرات والعربات المحملة بالبضائع , ومحطات الاذاعة والتلفاز ومصانع الأسمنت ومصانع الألمنيوم والمنسوجات والأدوات الكهربائية والتجهيزات الطبية وقد قدر صندوق النقد العربي خسائر العراق بزهاء 190 مليار دولار ) !!
والسؤال لماذا كل هذا ؟! .. ومن أجل ماذا ؟؟ او من أجل من ؟!
يرى د . المهدى المنجرة أن مشكلة أمريكا مع الخليج ليست مشكلة صدام حسين , فسواء أكان صدام أم غير صدام هو الذي على سدة العراق كان سيحدث ماحدث , اذ العراق مستهدف لذاته لما حققه من عصيان ضد مبدأ الاستسلام للغرب , بعدما بنى أسس استقلاله عن التبعية للغرب , ومن ثم تحرك الغرب كله مع أمريكا ضد العراق حتى لايكون قدوم للعالم الثالث !! وهو رأي احترمه لكن أرى أنه غير صحيح بالمرة .. لأن العراق لم يخلع عباءة الغرب ولا أمريكا .. وحربه ضد ايران كانت بتوجيه أمريكى صرف .. بل وحربه ضد الكويت أيضا بتوجيه أمريكى صرف , فأمريكا هي التي اختلقت الشروخ بين ايران والعراق ووسعتها وأطاعها صدام بادخاله العراق اتون حرب طاحنة استمرت ثماني سنوات كاملة أكلت الأخضر واليابس .. فأين هو العصيان ضد الاستسلام للغرب ؟!..
وعندما لاحظت الولايات الأمريكية أن الاتحاد السوفيتي بدأ يتهاوى قررت ان تكون المنطقة العربية الاسلامية هي ساحة الاحتفال بتنصيبها قائدا عاما وأوحد للنظام العالمي الجديد بأنشودة عراقية , ولاأصدق مطلقا أن صدام ابتلع طعما أمريكيا باجتياحه الكويت بقدر ماحقق لأمريكا ماأرادت وسمح هو لتدمير بلد عربي وتدمير بنيته التحتية واعادة العراق للقرون الوسطى لتتنفس اسرائيل الصعداء ولتبرز عضلات أمريكا بالرعب لكل دول المنطقة واجراء التجارب على أسلحة أمريكا الحديثة .. فهل كان صدام حسين لا يدري انه باجتماع 32 دولة ضمها التحالف الدولى ضد العراق انه سيعرض بلاده لما لم تره في تاريخها الطويل , وان العراق سوف تخرج من حسابات القوى العربية الواعدة تحقيقا للأهداف الصهيونية التي تعتبر العراق الخطر الثاني في أمة العرب بعد مصر – عليها ؟! .. أم كان لايدري أنه بتحطيم العراق وزيادة التواجد الأمريكى والنفوذ بالمنطقة سوف تصدر وفورا شهادة وفاة ضمنية للنظم العربية , من خلال دمجها علانية أو سرا ضمن اولياء الولايات الأمريكية , فضلا عن اطلاق يد امريكا في الموقع الاستراتيجي الذي يتمتع به الوطن العربي والسيطرة على مداخل ومحيطات العالم ؟! ..
ولكن لابد ان نتسائل هل الاطاحة برئيس دولة أو زعيم عصابة ( مهما بلغ ارهابه ) يستحق أبادة شعب كامل .. وتدمير ثرواته وبناه الأساسية , مرتين لا مرة واحدة ؟! .. وفي عقدين متتالين ؟! .. أم ان هذه الواجهة المفضوحة حتى لمن لايعرف كيف ينطق حروف الهجاء تخفى وراءها حقائق أبشع مما يتصور عقل عاقل عن مهندس الهولوكوست العربية المنظمة لابادة أبناء العراق في ذات الوقت الذي يباد فيه أبناء فلسطين , ثم تتوالى المتوالية الهندسية ضد شعوب الأمة جمعاء بعدما أكل التمزق والتفتت عليها وشرب ؟!!!
تصوروا : أمريكا تتحدث عن استبداد صدام .. ماأجمل العاهرة , وهي تدافع عن الفضيلة , وماأفضح لسانها وهى تحامي عن الشرف !! فالرئيس الأمريكي ( الذي لايفيق الجليد شتاء ... !! ولتأثير بعض الفنانين الأمريكان من الساقطين امثال ( توم كروز ) يقوم هذا الممثل بحملة دعاية لصالح الادارة المريكية ضد ( العراق ) مؤيدا في كل مكان للسياسة الأمريكية , فما دامت أمريكا – حسب تصريحاته – أعلنت أن العراق لديها أسلحة دمار شامل فلنسحق العراق !! وهو ذات التوجه لرئيس أركان الجيش الاسرائيلى ( موشيه يعالون ) الذي يتعبر أن عدم رد اسرائيل على صدام عندما أرسل لها صواريخه كان قرارا خاطئا , وهذه المرة لن يرحم العراق مهما كلف ذلك اسرائيل , فالقضاء على الارهاب الفلسطيني يجب أن يتوازى مع القضاء على الارهاب العراقي !!
وهنا يجب أن نلاحظ أنه لايوجد أحد في الدنيا يتهم الأمة العربية بالارهاب سوى : اسرائيكا – امريكائيل .. هذا من الجهة الدعائية .. أما من حيث العمل فان موسكو ذاتها أكدت في تقاريرها الاستخباراتية أن ضرب العراق سيتم بتنسيق ( أمريكي – اسرائيلي – تركي ) وان تركيا والدولة العبرية كلفتا بالفعل من أمريكا بأدوار مفصلية في الحملة على العراق , وان قضايا حرب العراق ومابعد حرب العراق درست في اجتماعات عقدتها لجنة هيئة الأركان الأرميكية والاستخبارات وشارك فيها من اسرائيل ممثلون الأركان العامة للجيش والموساد , ومن تركيا : مجلس الأمن القومي والأركان العامة والاستخبارات الخارجية مما يعني أن الأهداف عادت معلنة , وأبرزها : انه اذا كانت الحرب العراقية الايرانية كانت سبب حضور غير مباشر لأمريكا في المنطقة ثم حضور بالأساطيل , واذا كانت حرب الخليج الثانية جاءت بالجيوش الأمريكية فوق مناطق معينة , فان الهدف القادم أن يصبح الوجود الأمريكي معترفا به في المنطقة كجزء من حياتها , هذا ان لم يكن هو مخططا لحياتها وفاعلا مباشرا في توازنات القوة في الشرق العربي ..
مما يشق على النفس : احساس الشعب العراقي بأن كل تحرك ادارته الدبلوماسي تجاه أشقائهم بالدول العربية والاسلامية لم يأت الا بمزيد من العبارات الانشائية , التي يمكن أن تكون بركامها مجلدات .. فما زالت نفس الكلمات تقال منذ سنوات تتردد هى هى , كان العقود تمر ولاجديد , فمن قائل : لابد من ضرورة تعزيز مسيرة العمل العربي المشترك , واخر يغنى : يجب تفعيل اليات التضامن العربي , وثالث : ينسد لابد من وضع برامج للعمل على التكاتف والرابط , ورابع
لا يملك الا الدعاء بأن يجنب المولى عز وجل العراق وشعبه الشقيق ما يعكر صفو الأمن والاستقرار , وخامس يشير الى أهمية التعاون لتعزيز الأمن القومى العربي , وسادس يدندن بضرورة كفالة حماية الأقطار العربية والحفاظ على وحدة أراضيها وسلامة شعوبها وتجسيد وحدة الهدف والمصير .. وهذه التصريحات هي كلمات واراء القادة والساسة في الوطن العربي , وهنا الكارثة , اذ كلها يعكس حقائق مريرة .. , حيث لايوجد في الحقيقة عمل عربي مشترك .. انما توجد اجتماعات !! ولاتوجد برامج للتكافل أو الترابط انما مازال قيد البحث .. وليس هناك أمن قومي عربي , معزز بل الحقيقة انه مهدر ومستباح ... وليس هناك تضامن حتى في المؤتمرات التي تعقد بين الحين والحين وعند نزول المصائب , وتوصف جميعا بالقمم التاريخية !! ويأتي حاكم قطر ليذهب ببلده الى الشرك الأمريكي , ويأتي بمركز قيادة القوات المركزية الأمريكية من ) تامبا – فلوريدا ) الى قاعدة ( العديد ) التي أنشأتها أمريكا لقطر بكلفة وحجم يتجاوزان حاجات قطر الدفاعية بل ودور قطر أصلا في المنطقة التي لم تتورع عن فتح مكتب اتصال وتجارة مع اسرائيل , مع ان قطر فتحت أبواب علاقات خاصة مع اسرائيل تتجاوز في حجمها مكتب الاتصال هذا , في عمل مشترك ضد كل مصالح العرب الرئيسية كما لو كانت قطر قاعدة أمريكية اسرائيلية .. ربما لأنها دولة صغيرة وبعيدة عن خط التماس المباشر مع اسرائيل !!
والذي يزيد النفس ألما تصريح بعض القادة العرب ووزراء خارجيتهم بأنهم ضد أي هجوم أمريكي على العراق الا في حالة واحدة , وهي اذا تم تحت مظلة قرار من مجلس الأمن الدولي .. كأن مجلس الأمن الدولى بعيد عن الدخول في بيت الطاعة الأمريكية .. حتى السعودية في رفضها استخدام أراضيها قاعدة هجوم على العراق , استثنت نفس الاستثناء .. مما يعني في البداية والنهاية أن قوة الجذب والارهاب الأمريكي ماضية في الأمة العربية جمعاء , من المحيط الى الخليج , مع اختلاف الألوان والأزياء للتصريحات ذاتها كما الأزياء العربية !!ويؤكد هذا المعنى المزرى د . يوسف بطرس غالى وزير التجارة الخارجية بمصر الذي يعارض صراحة مقاطعة المنتجات الأمريكية معتبرا أنها أمر غير مفيد لأنها تضر بفرص العمل للمصريين بله أن مجموعة هامشية هي التي تنادى بها ..
وهو كلام في غاية الخطورة .. لن المقاطعة سلاح رهيب الجدوى , وأحد وسائل افساده الدعاية المضادة له , ولاتي لخص حقيقتها الوزير المصري , مع أن الكاتب الأمريكى الشهير ( نورمان بودهورتز ) لم يتورع في عدد شهر أكتوبر سنة 2003 م من مجلته ( النافذة ) الصادرة عن اللجنة الأمريكية اليهودية , عن كتابة مقال يدعو فيه أمريكا صراحة الى ( ضرورة توسيع وجوب تطبيق مبدأ تغيير النظام بما يتعدى دول محور الشر التي صرحت بها الادارة الأمريكية , ليشمل كحد أدنى : سوريا ولبنان , وليبيا , على أن تكون الخطوة التي تلى ذلك في أراضي المملكة السعودية , ثم الكبرى لهم مصر .. ) فالمطلوب هو ليس مجرد انزال الهزائم بما يسميه ( بودهورتز ) مجازا : الشرق الأوسط , انما ضرورة فرض نظام جديد يرتقى بهؤلاء العرب الى المستوى الحضاري الذي يرضى عنه بودهورتز أحد دعاة ( الهرمجدون ) لتحطيم العالم الاسلامي في نهاية المطاف , متجاهلا مناداة الحمائم الأمريكان بأنه يتوجب على الرئيس الأمريكى التركيز على مطاردة تنظيم القاعدة – حل ثبوت أدلة الاتهام قطعيا دون ظن وايهام , والعمل على النهوض بالاقتصاد الأمريكى بدلا من فتح أبواب معركة جديدة !!
من الأمور التي تستدعى الوقوف عندها طويلا هو أن الغرب , وحتى اللحظة الراهنة لايزال ينظر الغرب الى العرب , والى دول الشرق الاسلامية بنفس نظرة هرتزل اليهودي الذي صرح قائلا : ( ان اقامة دولة اليهود في فلسطين سيشكل حاجزا أمنيا بين العرب المتقدم والشرق الهمجي ) , وبعد قرن كامل جاءت تصريحات الرؤساء الأمريكان تعكس الايمان بنفس المعنى , حتى كلينتون المسكين قال يوما : (( ان أمن اسرائيل دعامة رئيسية متفوقة في المنطقة اقتصاديا وعلميا وعسكريا , في الوقت الذي تتولى فيه الولايات الأمريكية ادارة عملية سلام الشرق الأوسط دون السماح باشراك غيرها بما فيها الجامعة العربية صاحبة الشأن في هذه العملية )) ..!!
لقد سمعت أن هناك مشروعا حضاريا عظيما لمواجهة الخطط الأمريكائيلية – الاسرائيكية – والله أعلم
انتهى الكتاب