الحلقة التاسعة

قسم المخابرات
وفى بداية شهر كانون الثانى سنة1982م عصبوا عيني وربطوا يدي بالجامعة الحديدية واصعدونى فى سيارة مغلقة متجهة نحو مرحلة جديدة , وبالطبع شعرت ان الوضع سيتغير الى الاسوء لان المعاملة فى الفترة الاخيرة كانت قد تغيرت وواضح ان السلطة لا تصبر كثيرا مع من رفض التعاون معها .. فاجهزة صدام حسين الامنيه لا تعرف الرحمة ولا تتهاون فى التعامل القاسى مع احد , واذا ما احتجزونى خلال هذه الفترة فى مكان مريح نسبيا ووفروا لى الخدمات انما كان لهدف ماكر ومادام الهدف لم يتحقق فأن هذه المعاملة يجب تتوقف , وانا فى السيارة توقعت ان المرحلة القادمة من السجن ستكون مرحلة صعبة , وربما انتهت الى الاعدام والتخلص منى , خاصة وقد عرفت سرا مهما من اسرار السلطة وهو ما يتعلق ببرنامج تطوير السلاح النووى , وبينما كنت اغوص فى افكارى بين تقييم الماضى وتوقعات المستقبل اذ وصلت السيارة الى سجن ابو غريب فالمكان ليس غريبا عنى , ولاكن فى قسم المخابرات .. ويبدو ان ملفى انتقل نهائيا الى جهاز المخابرات , وضعونى فى احدى الزنزانات المعزولة تماما فالصمت هنا رهيب كصمت المقابر , وبعد عشر دقائق جاء الضابط المسؤول وكنت لا ازال ارتدى نظارتى ونهرنى قائلا  لماذا لم تخلع نظارتك فقلت له لم يطلب منى احد ذلك , فانتزع الضابط النظارة من عينى وصفعنى بقوة وقال مهددا .. اذا عدت مرة ثانية سأقلع عينيك.. لا تنس ان تتقيد فى قوانين السجن , وبالطبع كانت العملية هذة متعمدة لكى يشعرنى الضابط ان شهر العسل قد انتهى واننى عدت مرة اخرى اعيش تحت ظل مبادئ الحزب والثورة 
الانقطاع مرة اخرى
كان هذا ايذانا ببدء مرحلة جديدة من الصمت والسكون واللهيب والعواصف , ثم اغلق الضابط الباب وخرج , ونظرت من الشباك الصغير فرأيت هذا الضابط يضحك مع الضابط الاخر محمد الدورى , وكما فى كل مراحل حياتى وبالاخص فى كل فترات السجن والتحقيق والتعذيب توكلت على الله وفوضت امرى اليه وذكرت الله وتذكرته فبذكر الله تطمئن القلوب وبالرغم من احساسى باننى قادم الى مرحلة صعبة ومجهولة المصير الا ان قلبى كان مطمئنا وواثقا بلطف الله ورحمتة الواسعة فالدنيا دار بلاء وامتحان وعلى المؤمن ان يكون صابرا يتحدى كل صعوبات الحياة , وبقيت فى هذه الزنزانة منقطعا عن العالم الخارجى فلا صحيفة ولا راديوا ولا اخبار بل لا يكلمنى اى بشر والشخص الذى يحضر الطعام هو ضابط المخابرات شخصيا رغم ان المتعارف هو ان احد السجناء ممن يعملون فى قسم المخابرات يجلب الطعام الا ان حالتى كانت خاصة وسرية للغاية وحينما كان الضابط يفتح الباب فأنه يرمى بقطعة الخبز اليابسة وصحن الطعام ثم يغلق الباب دون ان ينبس بكلمة واحدة , انها حرب نفسية ومحاولة لتدمير المعنويات بعد فشل كل الاساليب السابقه , ومع ذلك كان السكوت والصمت المطبق مرهقا ومؤلما , وفى احدى الليالى اخذت الشمعة الكهربائية المعلقة فى السقف تئز لعطل حث فيها فانست لذلك لانة قطع ذلك الصمت الرهيب , ففى حالات الانقطاع والوحشة والتحسب من المجهول يشعر الانسان بقيمة اخيه الانسان وعظمة العلاقات الاجتماعية والاهم هو الاهل والاحبة ويتمنى .. ولاكن لا تنفع الامانى وفى هذه الحالات يتحول أزيز الشمعة الذى يكون مزعجا بالظروف العادية الى رفيق انيس للانسان
الزيارة الاولى 
ولقد استمرت حالة الانقطاع هذه مدة 40 يوما دون ان اعرف شيئا عما يجرى فى العالم الخارجى من حولى وفى احد الايام جاء الضابط المسؤول وقال , هيئ نفسك لمواجهة عائلتك , وعصبوا عينى كى لا ارى احدا ووضعوا على راسى منشفة كى لا يرانى احد واخذونى الى غرفة مدير السجن وهناك رأيت زوجتى واطفالى , ان ضابط المخابرات محمد الدورى وهو المسؤول السابق عنى هو الذى ذهب الى العائلة واحضرهم لمواجهتى , وحضرت المواجهة احدى ضابطات المخابرات اسمها مائدة شاكر , حيث جلست بينى وبين زوجتى وكان عندها مسجل صغير فى حقيبتها وكانت تجيد اللغة الانجليزية وعلى ما يبدوا جلبوها لهذا الغرض لأحتمال ان نتحدث بهذة اللغة  وبعد نصف ساعة قال الضابط .. المواجهة انتهت وستكون المواجهة فى اليوم الثانى عشر من كل شهر , وبالمناسبة من هى مائدة شاكر , هى اخت وزير الداخلية يومذاك سعدون شاكر وكانت ضابطة مخابرات برتبة مقدم , وكان شعرها خفيفا اميل للصلع وكانت شرسة تضع مسدسها جنب ثديها , ومن شراستها ان احد الحراس اراد تفتيشها عند دخولها السجن لعدم معرفته بها فقالت له , اذهب وناد مديرك , جاء المدير وهو يعرفها طبعا فقالت له لماذا لا تؤدب حراسك . ثم صفعته صفعة قوية على خدة وقالت له أدب حراسك ويجب ان يعرفوا مع من يتكلمون
التهريب 
وكما قال الضابط كانت الزيارات العائلية تتم مرة واحدة فى الشهر وهو اليوم الثانى عشر من كل شهر , واخذوا يقلصون وقت الزيارة حتى اصبح 10 دقائق فقط , فماذا يستطيع الشخص ان يتحدث مع عائلته فى هذا الوقت القصير مع وجود ضابطة وضابط مخابرات ؟ وكان واضحا هذه الممارسات كانت تهدف التضييق على النتقاما من رفضى التعاون مع السلطة , وكانت العائلة تجلب لى فى كل مرة صندوقا حافظا للبرودة يضعون الطعام فيه وفى الزيارة القادمة كانوا يجلبون صندوقا اخر ويستلمون الصندوق السابق , وهكذا اصبحت هذه المبادلة عادة فيما بيننا كما اصبحت طبيعية من وجهة نظر ادارة السجن , وفى احدى الزيارات وحينما ودعت العائلة واحتضنت ابنتى الكبيرة زهراء همست فى اذنى وقالت , بابا فتش الصندوق , وحينما عدت الى الزنزانة , فتحت براغى الصندوق فوجدت فى داخله حاجات عديدة , منها قلم وورق واخبار , وهكذا اصبحت الصناديق وسيلة لتهريب الرسائل والاخبار وكل شئ اخر من وألى داخل السجن حتى هربوا لى احدى الزيارات جهاز راديوا صغير أفادنى كثيرا فى الاطلاع على العالم الخارجى
المفتاح 
كان مفتاح الزنزانة عند ضابط المخابرات المسؤول , فهو الذى يفتح الزنزانة شخصيا وهو الذى يغلقها وهو الذى يجلب الطعام ولم يكن يسمح لسجين او رجل امن ان يقوم بذلك , لقد كان ذلك صعبا على ضابط المخابرات لان شرطى المخابرات يرى نفسه اكبر من الوزير فكيف بضابط مسؤول , ولاكنها الاوامر العليا التى على ما يبدو كانت تشدد فى اتخاذ كافة التدابير الامنية لعزلى تماما عن الاتصال باى شخص وعمل كل الاحتياطات للمنع من وقوع عملية فرار احتمالية , الا ان فترة العزل هذه طالت لسنوات فتميعت الحالة ,فاخذ الضابط الذى ارهقته الحالة يعتمد على افراد المخابرات بجلب الطعام وفتح وغلق الزنزانة واعتمد هؤلاء بمرور الزمن على رجال الخدمات الذين هم كما اسلفنا من المساجين تختارهم سلطات السجن للقيام بخدمات السجون فكان السجين ( حافظ ) والسجين ( على عريان ) يقومان بهذة المهمة ولان هؤلاء السجناء تختلف اخلاقياتهم عن ضباط المخابرات فقد عملت على توطيد علاقاتى معهم وبالذات مع على عريان الذى كان يبدى تعاطفا اكثر معى ويتودد الى 
ومن هو على عريان
انه رجل من محافظة الناصرية كان منتميا الى منظمة فتح الفلسطينية وفى سنة 1979م عندما انتصرت الثورة الاسلامية فى ايران وكانت علاقة منظمة فتح مع ايران جيدة وبالتالى فهى مع نظام صدام سيئة , وعندما عاد على عريان الى العراق لزيارة عائلته القي القبض عليه بتهمة التجسس , وحينما اندلعت الحرب العراقية الايرانية فى عام 1980 انحاز ياسر عرفات الى النظام الصدامى فتحسنت العلاقة بينهما وبالتالى ساءت مع القيادة الايرانيه , ان ذلك انعكس ايجابيا على على عريان وتحسنت حالته كسجين ولاكن مما حز فى نفسه انه كان يرى على شاشة التلفزيون ان ياسر عرفات يحتضن صدام بكل ود , بينما جماعته يرزحون فى السجون , وبعد ان توطدت العلاقة بينى وبين على عريان , وحينما لمس مظلوميتى وربما لانه كان متعاطفا مع الثورة الاسلامية وبالتالى مع المجاهدين والاسلاميين العراقيين لذلك عرض على فكرة الهروب حيث بامكانه ان يساعدنى فى ذلك لكننى بعد دراسة الموضوع والتفكير فيه اجلت الفكره لان عومل نجاحها كانت قليلة , كما لم يكن التوقيت مناسبا اضافة الى صعوبة انقاذ العائلة بل كانت العملية تعرضهم الى بطش النظام , ولاكن على عريان قام بعملية جريئة حيث اعطانى مفتاح الزنزانة فطبعت صورة منه على ورقة واستطاعت العائله استنساخه خارج السجن فكان عندى مفتاح , وعند على عريان مفتاح اخر الا اننى لم استخدم المفتاح تحسبا لعواقب الامور وكان ذلك فى حدود سنة1987م, وكان رجال المخابرات فى العطل الرسمية يعطون مفاتيح الزنازين لشرطة الشؤون الاجتماعية وكان احدهم اسمه (حموز) فكان يقول لى وانا فى زنزانة انفرادية .. دكتور اليوم عطلة واريد ان اذهب الى عائلتى , فاسمح لى ان اجلب لك وجبات طعام اليوم لانى اريد ان ازور جدك الامام موسى بن جعفر(عليه السلام) فكنت اقول له .. قل لجدى ابنك مسجون عندى فلا تخف عليه , فكان (حموز) يتألم ويتأثر من هذه العبارة , لقد كان بعض السجانين من غير عناصر المخابرات والامن يشعرون بمظلومية السجناء ويتعاطفون معهم ويودون ان يقدموا خدمة لهم , حتى ان احدهم اخذ يحضر لى الصحف اليومية وبعض الكتب كلما سنحت له الفرصة , رغم خطورة هذا العمل , وفى سنة 1989م جاء رجال المخابرات وقالوا لى , استعد للخروج فاخذونى الى قاطع قريب من قسم المخابرات يسمى (التأهيلى ) ولم يكن يفصل بين القاطعين غير الممر