الحلقة الثامنة
بيت الوزير
توقفت السيارة فى منطقة هادئة , ورغم ان عينى كانت معصبة الا اننى احسست بانها من المناطق الراقية فى بغداد, انزلونى من السيارة وقادونى الى بيت فخم وعندما رفعوا العصابة عن عينى شاهدت المنزل مؤثث تأثيثا فخما وكان يوجد فيه ثلاث اشخاص من جهاز المخابرات هم النقيب جمال التكريتى والملازم محمد الدورى والملازم سعد التكريتى ثم قالوا لى هذا الطباخ فى خدمتك واى شئ توصيه يطبخ لك استرح عدة ايام وبعدها نأتى اليك , وعلمت فيما بعد ان هذا البيت هو بيت وزير سابق هو وزير التخطيط عدنان الحمدانى الذى اعدمه صدام حسين مع قيادة الحزب فى سنة 1979 بعد استيلائه على رئاسة الجمهوريه ويقع هذا البيت فى نهاية شارع 14 رمضان قرب مدينة المأمون , ولاول مره استحممت استحماما مريحا وبالفعل كان الطباخ يطبخ لى اكلا جيدا كالسمك والدجاج والرز وبعد اول وجبة غذاء شعرت بالم شديد فى معدتى واصابنى تلبك معوى واسهال حتى انى توقعت انهم وضعوا السم فى طعامى الا اننى قلت فى نفسى بأنهم لو ارادو تسميمى لم تكن ضروره لكل هذه التفاصيل والمقدمات وحلق الذقن والتعطير ومن ثم جلبوا لى طبيبا اهتم بى كثيرا وكان من جملة اهتمامهم بى هو ان جلبوا لى راديو وتلفزيون وجريدة يومية فخرجت بذلك جزئيا من الوحدة والانقطاع وشيئا فشيئا تحسنت صحتى وترتب نومى وأكلى
مع رئيس المخابرات
وكان تحليلى لهذا التغيير فى المعاملة هو ان السلطه اعتقدت بانها استطاعت ان تقضى على مقاومتى وانها تمكنت من تدجينى وبعد هذه الرحله من التعذيب الجسدى والروحى واتباع مختلف الاساليب لتدمير معنوياتى استطاعت ان تهيئنى للمساومه والعودة الى الاستفادة من اختصاصى لخدمة اغراضها الجهنميه , وبالفعل صدق ظنى ففى احد الايام وانا جالس فى غرفتى اتصفح الجريده اليوميه اذ دخل رئيس المخابرات يومذاك برزان التكريتى ومعه عبدالرزاق الهاشمى
نائب رئيس لجنة الطاقه الذريه ووزير التعليم العالى والبحث العلمى فيما بعد الذى وقف كالبواب خانعا امام برزان التكريتى الذى كان يرتدى قميصا فتح ياقته وعلق فى رقبته قلاده ذهبيه تبدو من تحت القميص وفى فمه علك ولحيته كثه , كان مظهره اشبه شيئ بالسفله من ابناء الشوارع , ثم عرف نفسه وقال انا برزان التكريتى ثم سال عن صحتى واحوالى وقال على اى حال الى صار صار وانت من المفروض ما تختلط مع هؤلاء الخونه ونحن نعرف انت لست منهم والحقيقه ان السيد الرئيس تأثر كثيرا لما علم بالموضوع وهؤلاء الامن اولاد كلاب وامهاتم كذا.. واخواتهم كذا .. ما كان المفروض يفعلوا بك هكذا وان يجعلوا منك قضيه , ونحن نريد ان ترجع لوضعك الطبيعى وترجع لعملك بالطاقه الذريه وتخدم الوطن ! فقلت له فى الحقيقه انى متعب جسديا ونفسيا ولا استطيع ان ارجع الى عملى فقال برزان .. دكتور حسين نحن نعرف امكانياتك وقدراتك العلميه واقول لك شيئا نحن يجب ان نطور سلاحنا النووى لانه يعطينا ذراعا طويلا لاعادة ترتيب خاطره الشرق الاوسط وهنا تدخل عبد الرزاق الهاشمى لتدارك خطورة الكلام وقال يعنى لا يقصد السلاح النووى فنهره برزان وقال .. بالضبط قصدى تطوير القنبله الذريه قالها وهو يخاطب الهاشمى من اى شى تخاف هو الان بين ايدينا فلا يستطيع ان يبوح بهذا السر ثم اضاف بلهحة التهديد المبطن ... ان الانسان الذى يرفض ان يخدم وطنه لا يستحق الحياة .. فاجبته بلهجه صارمه وصريحه .. اننى اتفق معك ان الانسان يجب ان يخدم وطنه ولاكنما تطلبه منى هو ليس خدمه للوطن... عنها احس برزان الذى شعر بالخواء امام الانسان المؤمن الذى لا يفيد معه التهديد بالموت وقال وقد رسم ابتسامه صفراء على شفتيه .. انت الان متعب فعلا وعليك ان تاخذ قسطا من الراحه ثم اوصى ضباط المخابرات المسؤولين عن الموقع وقال لهم اى شئ يحتاج من اكل وشرب نفذوا كل طلباته ولما اراد الخروج قال هل تحتاج شيئا قلت له اريد ان اتصل باهلى فقال برزان هذا جهاز التلفون اتصل بأهلك وقول لهم سوف نلتقى قريبا , وهكذا اتصلت بالعائله بعد انقطاع طويل وبعدها خرج برزان ولم يسمحوا لى بالاتصال مرة اخرى , بعد ايام جاء ضابط المخابرات محمد الدورى مصطحبا ام زهراء والاطفال وكانت الزياره التى وعد بها برزان والتى كان يهدف من ورائها تليين موقفى حسب اعتقاده وفى هذه الزياره اخبرتنى العائله عن مكان وجودى
البيت الاخر
بعد ايام من زيارة العائله نقلونى الى بيت اخر فى الكراده الشرقيه قرب السدة وعلى مقربه من بيت الدكتور رياض حسين وزير الصحه الذى اعدم فى عام 1983 وقد نقل معى كل الطاقم السابق الطباخ وضباط المخابرات وربما كان السبب فى نقلى الى هذا البيت الجديد هو انكشاف عنوان البيت الاول للعائله بعد زيارتهم لى اى لاسباب امنيه وتحسبا لاية احتمالات طارئه , وفى البيت الجديد زارنى للمره الثانيه برزان التكريتى وكانت زياره قصيره ولم يجر فيها اى حديث مهم وقال برزان جئت لكى اطمئن على وضعك الصحى وانظر مكانك الجديد فيما اذا كانت فيه اية نواقص او مشاكل وفى اعتقادى ان هذه الزياره كانت بهدف الاستطلاع على موقفى وفيما اذا قررت التعاون مع السلطه وكان يتوقع برزان ان اتطرق للموضوع ولذلك اكتفى هو بالمجاملات السطحيه
المقابله الثالثه
بعدما قصفت اسرائيل مفاعل تموز النووى العراقى فى 7 تموز 1981 كان النظام مهتما بموضوع هذا القصف وكيفية اعادة بناء المفاعل لذلك جاء برزان التكريتى مع عبد الرزاق الهاشمى لزيارتى وكانت للمره الثالثه وبعد المجاملات سألنى برزان.... هل سمعت بقصف مفاعل تموز فقلت نعم فقال ما رايك باعادة بناء المفاعل وهل من الممكن ذلك فاجبت بانه لا اعرف مقدار الدمار الذى اصاب المفاعل وعلى العموم فأن عملية بنائه ليست ميسوره لان الفرنسيين هم مصمموه ويجب مراجعتهم وعلى اية حال اذا اردتم وجهة نظرى فيجب ان ارى الدمار حتى اعطيكم وجهة نظرى فقال برزان .. صحيح ووعدنى بان ياخذنى الى المفاعل
لاشاهد مقدار الدمار لكنه ذهب ولم يعد وكانت هذه هى الزياره الاخيره لبرزان , وبعد فتره جاء عبدالرزاق الهاشمى لوحده ومعه تقرير عن المناطق المضروبه وعن مقدار الدمار وسالنى ما رايك فقلت انا لا اعتقد ان احدا يستطيع ترميم الاضرار من دون تعاون فرنسى ثم سالنى الهاشمى هل تعتقد ان فرنسا تتعاون معنا وهل تعتقد بان هناك تواطئ من قبل العاملين فقلت له لا اعتقد ان فرنسا سوف تتعاون معكم لان اسرائيل لا يمكن ان تضرب المفاعل من دون تعاون فرنسى لان فرنسا هى صاحبة الخرائط والمعلومات الكامله عن المشروع كما انى استبعد ان يكون اى تواطؤ من العاملين فى المشروع مع اسرائيل لعدم حاجه اسرائيل الحصول عليها .... بعد ايام جاء احد ضباط المخابرات وقال لى اهنئك على تحليلك السابق فقد ثبت لنا ان فرنسا متواطئه مع اسرائيل ونحن كجهاز مخابرات تابعنا الامور وتوصلنا الى نفس النتيجه التى توصلت اليها وانت جالس فى غرفتك , وكان عبد الرزاق الهاشمى يزورنى بين فتره واخرى وكانت زياراته عاديه ويسأل عن احوالى فقط دون الحديث حول العمل وما يرتبط بالطاقه الذريه , وخلال هذه الفتره تفرغت بالاضافه الى العباده وقرائة القرآن تفرغت للكتابه العلميه حيث استطعت تاليف عدة كتب علميه منها كتاب فى الكيمياء النوويه وهو كتاب كبير يربو على الفى صفحه وبسبب وجود جهاز استنساخ فى بيت الاحتجاز فقد كنت استنسخ ما اكتبه وفى كل زياره عائليه كنت اخبئ مجموعة اوراق فى الملابس والحاجات العائليه وكانت الزيارات العائليه تتم كل ثلاثة او اربعة اشهر مرة واحده وكانت الزيارات تتم وبالطبع لاسباب امنيه خارج بيت الاحتجاز ففى احدى المرات كانت الزياره فى جزيرة الحبانيه ومرة اخرى فى خيمه منصوبه فى صحراء تكريت
ذكريات
فى فترة الاحتجاز الانفرادى فى البيت السجن لم التق باى معتقل اخر وانما كان عناصر المخابرات المكلفون باحتجازى هم الذين التقيهم واتحدث اليهم لذلك فان ذكرياتى فى هذه الفتره لا تتعداهم وكان معظم رجال المخابرات غير متعلمين ولم يحصلوا على الشهادات الاكاديميه وفى سبيل ان يرقوا كان عليهم ان يحصلوا على شهادة البكالوريوس باى شكل من الاشكال لذلك كانوا يسجلون فى الكليات الانسانيه مثل كليات الاداره والاقتصاد والقانون والسياسه وعادة يكون دوامهم مساء ولم تكن هناك صعوبه بالحصول على الشهاده المطلوبه ذلك ان الاستاذ بمجرد معرفته بانتساب الطلاب لجهاز المخابرات فان فرائضه ترتعد ويمنحهم الدرجات التى يريدونها حتى من دون ان ينتظم دوامهم, ان ضابطى المخابرات سعد وجمال التكريتيين بحكم وجودهما المستمر معى ولان الاحتجاز كان يختلف عن بقية السجون والمعتقلات الرسميه فانهما احينا يقضيان اوقات فراغهم بالاحاديث معى وهذه بعض الذكريات
الطالب الكسول
كان سعد طالبا فى كلية القانون والسياسه وكان ياتينى احيانا لكى ادرسه على اساس اننى دكتور واعرف كل شئ ففى احد الايام قبل الامتحانات جلب كتابا فى السياسه عنوانه مفهوم الثوره لمؤلفه الدكتور عبد الراضى الطعان وهو نفسه مدرس الماده وقال لى سعد انا قرأت الكتاب ولم افهم منه شيئا .. ارجوك يا دكتور ان تشرحه لى .. تصفحت الكتاب فوجدته كتابا هزيلا فقلت لسعد هذا الكتاب غير مترابط الاجزاء فبعضه لا يرتبط بالبعض الاخر وانا لا استطيع ان اشرحه لك فكر سعد فقال جيد سوف اذهب للدكتور عبدالراضى الطعان ليعطينى الاسئلة للامتحان ولاكن المشكله انى لم يعرفنى ولم اعرفه لانى لم اذهب الى الجامعه منذ بداية السنة الدراسية , ذهب سعد الى الجامعة واخذ عنوان الاستاذ وذهب الى منزل الدكتور الطعان بعد ان ارتدى الملابس المرقطه التى يرتديها الضباط واخذ رشاشته معه , وبالطبع رحب به الدكتور الطعان واحترمه كثيرا وقدم له الشاى الساخن لانه خاف منه بعد ان عرف سعد بنفسه , قال للاستاذ انا تلميذك فلان وعندنا واجبات وطنيه ونقضى وقتنا فى حماية الثوره ومكتسباتها فارجوك ان تعذرنى لانك لم ترنى من قبل ولم احضر محاضراتك حتى الان وارجوك بدون ازعاج ان تعطينى الاسئله قام الاستاذ كما يروى سعد واحضر الاسئله وقدمها بكل احترام للطالب المخيف, وفى اليوم التالى جلب سعد الاسئله وقال لى دكتور ارجوك ان تخرج الاجوبه من الكتاب لاننى لا ادرى اين موجوده هىفى الكتاب , قالها وهو يضحك فقلت له لماذا تتعب نفسك بهذه المسئله فقال وماذا افعل ثم فكر قليلا وقد عرف ما اقصد وقال طيب , ثم ذهب فى اليوم التالى وهو يزهو بملابسه المرقطه ورشاشه الى بيت الدكتور الطعان وقال له دكتور انا ماذا افعل بهذه الاسئله انت تريد الاجوبه منى فقال له الدكتور ان الاجوبه غير حاضره عندى تفضل واشرب شاى الضيافه حتى اكتبها لك وهكذا حصل سعد على الاجوبه وهى مكتوبه بخط الاستاذ وجاء بها لى وقال وهو يضحك كعادته دكتور ارجو ان تشرح الاجوبه لى فقلت انها ليست من اختصاصى فقال ولمذا ارهق نفسى سوف انقل الاجوبه من ورقة الاستاذ الى ورقة الامتحان داخل القاعه , وفى يوم الامتحان ذهب سعد وفى جيبه اجوبة الامتحان ونقل نفس الاجوبه بعدها جائنى وقال ضبطت الامور سوف احصل على درجة 100 % ولاكن عندما ذهب لمشاهدة النتيجه النهائيه شاهد انه كالعاده راسب فعاد لى وهو يضحك ولاكن هذه المره على نفسه وقال بشرفك دكتور هاى صايره دايره لقد رسبت فقلت له رسبت ؟ ولماذا الم تقل انك نقلت الاجوبه حرفيا , فقال نعم ولاكن نقلت اكثر الاجوبه الى غير اسالتها فلم استطع ان اميز بين الاجوبه وان اى جواب يرتبط باى سؤال !
الحرز
كان ضابط المخابرات جمال التكريتى جزارا بشعا وكان مثل سيده برزان يتلذذ بالتعذيب والقتل وقد حدثنى عن كيفية قطعه
الاذان وانوف اسرى الحرب الايرانيين واعادتهم الى ايران لبث الخوف فى نفوس المقاتلين الايرانيين وفى احدى الايام وبينما كنت نائما استيقضت على صوت فتح باب الغرفه فتناومت فشعرت ان جمال هذا قد وقف فوق راسى ودس شيئا تحت وسادتى وكانت غرفتى مظلمه لقد توقعته جهاز تسجيل وفى الصباح رحب بى وقال تفضل لتناول الفطور دكتور ثم قال لى .. ماذا رايت البارحه فى منامك من حلم فقلت له لم ارى حلما والاحلام التى اراها عادة انسانها , فقال ... لا بد انك حلمت البارحه فقلت لا لم احلم ابدا ولا اتذكر شيئا ثم قلت له ما هذا الاصرار ما القضيه ؟ فقال .. هذا حجر كريم وضعته تحت راسك لانه يقال انه اذا وضع تحت راس رجل متق يخاف الله سوف يرى حلما جيدا واذا وضع فى جيب انسان فان الطلقه لا تؤثر فيه , انه يحفظنى من الموت .. فقلت له ومن اى شئ انت خائف فقال من جبهة الحرب * كانوا ياخذون ضباط المخابرات فى اوقات الهجمات الايرانيه الى الخطوط الخلفيه ليشكلوا منهم فرقا لاعدام الجنود المتراجعين من ساحة المعركه , بمثل هذه العقليه الخرافيه المتخلفه كان يريد هذا الضابط التقدمى وحزبه ان يحكم شعب العراق وقد اصبح فيما بعد مسؤولا كبيرا فى جهاز المخابرات
السم
سالنى احد ضباط المخابرات عن الضرر الذى يصيب الانسان عند اكله لحما مسموما وهل يؤدى ذلك الى موته ام لا , واسغربت من سؤاله , فتسائلت عن قصده فقال ... لقد سممنا 30 خروفا كحقل تجارب فقلت له ان الامر يعتمد على نوع السم المستخدم فقال الضابط .. انا لا ادرى ولكنها غازات سامه وانها طريقه فعاله لاعدام السجناء , واستنتجت من كلام الضابط ان قوافل من السجناء تتم تصفيتهم بعد اجراء تجارب الغازات السامه عليهم
وانتهى .. شهر العسل
وفى بداية عام 1982 تغير كل شئ .. يبدو ان جهاز المخابرات اقتنع خلال هذه الفتره ان المساومه معى غير ممكنه وان الاحتجاز المريح فى البيت المرفه ومع توفير كامل الخدمات لم يغير موقفى الرافض للتعاون مع نظام صدام حسين فى تطوير السلاح النووى ولا شك ان ضباط المخابرات الذين كانوا مسؤولين عن احتجازى والذين كانوا يراقبون تصرفاتى ليل نهار خلال عام ونصف من الاحتجاز المريح كما كانوا يتحدثون معى فى كثير من الاحيان فى شتى المواضيع .. لا شك انهم كانوا يرفعون تقاريرهم المفصله عن وضعى النفسى وعن افكارى ومواقفى ... لذلك يئست السلطه من تدجينى ومن استدراجى فى فخ المساومه والخنوع وربما استطاعوا خلال
هذه الفتره الحصول على عالم اخصائى يسد الفراغ الذى تركته فى الكيمياء النوويه من هنا كان قرار اعادتى الى سجن ابو غريب من جديد بكل ما يحمل ذلك من اذلال وايذاء وعذاب جسدى ونفسى ولاكن هذه المره فى قاطع المخابرات وليس تحت ادارة مديرية الامن