الحلقة السابعة

حاكمية المخابرات
نقلونى فى سياره مظلمة هى فى الواقع صندوق نقل السجناء وكانت عيونى معصبه والجو حار جدا دون ان أعرف الهدف واين يذهبون بى وما هو المصير ؟ حتى توقفت السياره فى مكان ما وبعد النزول من السيارة قالوا لى اصعد السلم فصعدت السلم ثم بعد خطوات فتحوا بابا ودفعونى الى الداخل ثم اغلقوا الباب وعندما رفعت العصابة عن عينى وجدت نفسى فى زنزانه ضيقه 2×3 كدسوا بها 24 شخصا ولعدة لحظات اصابنى ذهول ووجوم ما هذا .. جو حار خانق ورائحه نتنه قاتلة ان الوضع هنا اسوأ بكثير من زنزانات مديرية الامن وسجن ابو غريب وتساءلت مع نفسى اين انا ؟ فالناس هنا شبه عراة وجوههم صفراء شاحبه ومخيفه من الضعف والهزال كأنهم اشباح وفى الواقع لم يكونوا اكثر من هياكل عظميه نحيفه تنتظر الموت على ايدى جلاوزة بغداد , وبعد ان التقطت انفاسى توجهت الى الحاضرين وسلمت عليهم فردوا السلام ثم سالتهم اين نحن فلم يجيبنى احد وربما خافوا منى وكان كل واحد منهم ينظر الى الثانى ثم اجابوا بعد ان شرحت لهم ان حالى من حالهم وقالوا هذا المكان يسمى حاكمية المخابرات والمبنى عباره عن كنيس يهودى تستخدمه مديرية المخابرات كدائرة تحقيق وهو مخصص لقضايا التجسس ويقع فى منطقة البتاوين بالقرب من التحرير فى بغداد , وتساءلت وما علاقتى بهذا المكان ان الاتهامات الموجهه لى لا ترتبط بالتجسس ثم اننى مررت بكل مراحل التحقيق والتعذيب والمحاكمه وصدر الحكم بحقى فلماذا انا هنا من جديد ملفى يرتبط بمديرية الامن فلماذا مديرية المخابرات هل هناك اتهامات جديدة هل على ان ابدأ مشوار جديد من التحقيق والتعذيب عشرات من الاسأله تشابكت خيوطها فى رأسى ومن ثم توكلت على الله وفوضت امرى اليه وبذلك استطعت ان اتغلب على مواقع الضعف فى نفسى واتحدى الانهيار والسقوط
بوابة الموت
بالتوكل على الله تأقلمت مع السجناء الجدد هنا وهم ليسوا بالغالب من نفس شريحتى المتدينه بل هم من كل الاتجهات وكذلك فان روح التعاون موجوده هنا للتخفيف عن المعاناة وعذاب جهاز القمع الذى يصبه على رؤوس المسجونين ليل نهار ولعل الهدف من نقلى هنا هو ادخالى فى جو روحى مختلف ولتعريضى لنوع جديد من العذاب النفسى وذلك بهدف تحطيم المعنويات وجعللى استسلم لرغبات السلطه , لقد كان الوضع هنا رهيبا جدا فانقطاع تام عن العالم الخارجى وغربه قاتله بين العناصر غير المنسجمه التى على الانسان ان يقضى كل اوقاته معها اضافه الى قساوة التعذيب والتنكيل التى لا تقاس بها كل عمليات السجون واجهزة الامن الاخرى ورغم انى بقيت فى هذا القسم خمسون يوما دون تحقيق ودون ان اتعرض شخصيا لاى تعذيب جسدى الا انى كنت شاهدا لما كان يجرى بحق الاخرين من الاهوال المدمره فالتعذيب هنا يجرى دون اية حدود ودون ملاحظة النتائج التى قد تؤدى الى موت المعتقل تحت التعذيب فقيمة الانسان هنا أرخص من عقب سيجارة تلقى فى المزبله حيث ان نسبة التلفات المسموح بها فى مديريات الامن والاجهزه والسجون التابعه لها هو 10 % اى لا يحق للاجهزه ان تتمادى فى التعذيب بحيث يرتفع عدد الضحايا اكثر من عشره بالمئه بينما هنا فالنسبه مفتوحه الى 100 % (مائه بالمائه) اى لا يوجد هنا لا حساب ولا كتاب والداخل هنا الى اقبية المخابرات وربما فى كل الاجهزه لا يرجى خروجه منها مستسلما او ميتا سوى الحالات النادره , مرت على الايام الخمسون دون اى كلام او اى سؤال او تحقيق وحسب ما لاحظت الوضع هناك فأن هذه المده كانت قصيره بالقياس مع بعض الافراد الذين كانوا يقضون الشهور دون اى سؤال بل كان هناك معتقل مرت عليه سنتان دون اى تحقيق او سؤال ولم يكن يجرؤ احد ان يسأل عن قضيته او عن مصيره لانه كان يخشى ان السؤال يتسبب باعدامه , ورغم اننى لم اعذب جسديا هنا الا انى شاهدت اقسى عمليات التعذيب حيث الاساليب المستخدمه هنا هى عموما ابشع واقسى من التعذيب فى الاجهزه الاخرى ومن هذه الاساليب 
السجن التابوت
توجد زنزانات انفراديه صغيره جدا جدا وبتصاميم مختلفه وهى اشبه بالتابوت او صناديق صغيره فبعضها مصمم بحيث يسع لشخص واحد جالس على هيئة القرفصاء ولا يستطيع التحرك فيه ابدا وهو يقضى ليله ونهاره بهذه الحاله والبعض مصمم للوقوف فقط وقسم ثالث للنوم فقط حسب أبعاد الزنزانه وتوجد فى كل زنزانه او بعباره ادق كل صندوق او تابوت فتحه صغيره يمد من خلالها انبوب مطاطى ضيق ليشرب المعتقل منه الماء وقد يبقى الباب او يخرج منه لقضاء حاجه او ماشاكل ذلك وكانت هذه الزنزانات موجوده بالطابق الاسفل الذى ساتحدث عنه لاحقا وكذلك من اساليب التعذيب الشعلة الغازية والتى يستخدمها صاغه الذهب فى عملية اللحام وتركز على الاصابع او الاعضاء التناسليه او الانف او الاذن للمعتقل حتى تتفحم وكذلك يوجد المنشار الكهربائى وهو يشبه منشار النجارين ويقطعون به الرجل او اليد او الاصابع وكذلك المثقب الكهربائى وسائر الاساليب المعروفه كالفلقه والضرب بالكيبل والقضيب الكهربائى والهراوه والتعليق بالسقف واستخدام المكواة
زملاء الزنزانه 
بهمن
طفل ايرانى عمره 14 سنه من منطقة قصر شيرين وهو كردى فيلى وكان راعيا للغنم تشاجر مع ابيه فخرج للبريه ويبدو انه ضل الطريق فوصل الى مخفر حدودى عراقى وهو منهك وجائع فطلب منهم طعاما ولاكنهم اعتقلوه وجاؤو به الى هذا المكان بتهمة التجسس وكان بهمن متحمسا للثورة الاسلاميه الايرانيه ولزعيمها الامام الخمينى وقد سئلنى مره باعتبار انى كنت اعرف شيئا من اللغة الفارسية وقال مذا سيفعلون بى قلت له سيعذبونك ويضربونك بالفلقه ويكوونك بالكهرباء وما عليك الا الصبر لذلك اخذ بهمن سيجاره مشتعله ووضعها بيده ليرى مقدار تحمله وقد نهيته عن ذلك وقلت له ايذاء النفس حرام وكان بهمن رغم صغره واميته صابرا صامدا
اللاجئ
رجل أمى من منطقة كرند فى غرب ايران يقطنها مجموعة من الغلاة وحينما انتصرت الثورة الايرانية صدقوا الاعلام المضاد وتوقعوا ان ضررا سيلحق بهم فأرسلته قبيلته الىالحكومه العراقيه كمندوب عنهم لطلب اللجوء لهم فسلم نفسه الى المخفر الحدودى ولاكنهم لم يصدقوا مقولته واتوا به الى هذا المكان واعتبروه جاسوسا وكان السجناء يذهبون الى المرافق مرة واحدة فى اليوم وكان الحارس يعد لهم من واحد الى عشره وخلال هذه الفترة القصيرة كان يجب على المعتقل ان ينهى اموره من قضاء الحاجه الى غسل وجة الى شرب الماء والوضوء وغسل حاجاته كل هذا من عدد واحد الى عشره والذى يتأخر كان الحارس يذيقه الهوان 
الدنماركى 
ادخل الى الزنزانه رجل ظخم الجثه طوله 180 سم او 190 سم ابيض اشقر وحينما اغلق بابالزنزانه اغمى عليه من شدة الحرارهوالرائحه العفنه فعملت له تنفسا اصطناعيا ولما افاق قال اين انا لمذا جائوا بى الى هنا فسألته عن عمله وكيفية اعتقاله فقال انا سائق سيارة شحن كبيره محمله بالجبن الدنماركى وكان معى جهاز لاسلكى صغير (اوكى- توكى) اتصل به بالسيارات الاخرى المرافقه لاننا عادة نسير سيارتين او ثلاث سيارات فى الطرق البريه فالقى القبض على ويقولون انت جاسوس والطريف ان الرجل كان يتوقع انه فى سلطه تحترم الامور فكان قلقا على مصير الجبن الذى تحمله السياره فقال لى قل لهم ان الجبن سوف يتلف لان جهاز التبريد مطفأ, قلت له هنا لايعيرون للأنسان اى قيمه وانت تتكلم عن الجبن 
اللبنانى
وهو سائق سيارة ايضا وهو مسيحى مارونى وكان ظخم الجثه القى به فى الزنزانه منهكا من شدة التعذيب فقال له السجناء مابك فكشف عن مؤخرته وكانت مدماة وممزقه وكان جسمه ازرق من شدة الضرب وقال يقولون انت جاسوس لهابانا ما هى هابانا فقلت له لا نعرف الهابانا فقال الرجل بيقولون انت جاسوس لهابانا لكوبا دخلك دكتور شو هابانا شو كوبا فعرفت حينها انه يقصد هافانا عاصمة كوبا فهو رجل امى لم يسمع بهافانا او بكوبا ولما سمعه الحارس يتكلم اخرجه وضربه ضربا مبرحا وقال له ما قضيتك فقال يقولون انت تجسس لكوبا والله انا مو جاسوس فقال الحارس ابن الكذا.. تجسس للكوفه ثم ذهب وجلب هراوه غليضه وضربه ضربا مبرحا .... تصور مستوى أمية الحارس بالمخابرات انه لا يعرف الفرق بين الكوفه وهى مدينه عراقيه وبين كوبا .... لقد كان المسكين يبكى بكاء الطفل وكان هذا يجرى مع العلم ان علاقة كوبا بالعراق سنة 1980 كانت علاقه جيدة
عزرائيل معه
اقتادوا عراقيا كان مقيم فى الكويت وعنده مطعم وقد وضع صورة صدام حسين ولما وجد ان بعض الزبائن الكويتيين يتضايقون منها لذلك رفعها ويبدوا ان تقريرا بهذا الشأن رفعه جواسيس حزب السلطه للمخابرات وحينما جاء الى زيارة العراق امسكوا به بالمطار وجلبوه الى ضابط حاكمية المخابرات واسمه زيد التكريتى وقال له انظر انت لما دخلت غرفتى دخل ملك الموت معك لقد انتهى اجلك وسواء اعترفت ام لم تعترف فان مصيرك الموت ولاكن انصحك بدل ما تموت تحت التعذيب موت موته شريفه بحبل المشنقه ثم رموه بالزنزانه ولم يعذب بعد ولما دخل اخذ يبكى ويقول للسجناء .. دخيلكم لا تعدمونى واخذ يتوسل بهم فقالوا له نحن سجناء مثلك ولا نعدم احدا وهكذا اخذ الرجل ينتظر اجله بكنيس الموت بسبب صورة السيد الرئيس
السماك
جلبوا صائد سمك وهو عراقى من محافظة الانبار وكان سنيا ولم يكن يصلى وكان يشكوا من حصوة فى كليته وكان يتألم ويئن منها فقلت له اخى صلى لله تعالى وتوسل بالرسول واهل بيته الطاهرين وسوف تشفى باذن الله تعالى .. وفعلا اخذ الرجل يصلى ويتوسل الله بالرسول واهل بيته الطاهرين وحينما خرج للمرافق سقطت الحصوه وتم شفائه
الشهيد المجهول 
جلبوا شخصا وعذبوه عذابا شديدا ورموه بالزنزانه وكان بالرمق الاخير واراد ان يقول انا فلان ولاكنه لم يستطع وشهق شهقة الموت فطرقنا الباب ونادينا الحارس وكان اسمه سعد وهو ايضا يشارك فى التعذيب وقلنا له هذا مات فقال هم زين مات وخلص لو مو ميت ماكان راح يخلص 
الحائط
فى احد الايام رموا فى الزنزانه رجلا كانوا قد احرقوا رجله بالمكواه وكان يتألم كثيرا ولم يكن هناك من يضمد رجله فقد كانت تتقيح وفى احدى المرات وعندما كان يئن من الالم ساله الحارس ما بك فقال لا شئ لقد ضربت الحائط برجلى وهى تؤلمنى الان فقال الحارس ساخرا اترك عنك اللعب بالحائط هاى المره وعندما سالنا عن سبب اجابته هذه قال لقد هددونى وقالوا له لو عرف احد اننا عذبناك فسوف نعدمك 
هواية
وضع احد السجناء فى غرفه بها ثلاجه يحتفظ بها باجساد الذين يموتون تحت التعذيب وكان الاحتجاز فى هذه الغرفه نوع من انواع التعذيب النفسى القاتل , يقول هذا السجين حينما كان بهذه الغرفه كان يرى رئيس جهاز المخابرات برزان التكريتى ياتى بين كل فتره واخرى ويفتح الثلاجه ويتفرج على الجثث ........ ربما لكى يتأكد من حسن صنيعه بابناء الشعب 
مكافأه
بعد فتره من اعتقالى قدم الدكتور جعفر ضياء جعفر وهو زميلى ومستشار مثلى فى منظمة الطاقه الذريه , قدم مذكرة الى صدام حسين بصفته رئيس منظمة الطاقه الذريه جاء فيها ان البرنامج النووى لا يمكن ان يستمر فى غياب الدكتور حسين فاننى لا استطيع ان اقوم ببحوث اختصاصه فى الكمياء النوويه لان اختصاصى هو الفيزياء النوويه وعمل كل منا يتمم عمل الاخر .. وقد فهم صدام حسين ان المسأله هى تحد له لذلك امر باعتقال الدكتور جعفر وجاؤوا به الى هذا الموقع وهو حاكمية المخابرات ولاكنهم لم يعذبوه بل وضعوه فى زنزانة لكى يرى حالات التعذيب والموت وقد مات فى زنزانته كثير من الاشخاص كما عرفت فيما بعد الا انه لم يحتجز فى نفس زنزانتى لذلك لم التقى به خلال فترة وجودىهناك
الانفرادى
فى 10 تموز استدعانى ضابط المخابرات زيد التكريتى وكنت معصوب العينين ولما ادخلنى غرفته رفعوا العصابه عن عينى وعرف الضابط عن نفسه وقال تفضل دكتور انا نقيب مخابرات زيد التكريتى ... كيف حالك انشالله الجماعه ما اذوك... سوف اوصيهم بك خيرا اخذ راحتك عدة ايام والنا حديث اخر معاك ... انتهى اللقاء بهذه الكلمات وبعدها اخذونى بأمر الظابط الى الطابق الاسفل من الكنيس حيث توجد بعض الزنازين نصفها مخصص للنساء وكانت الزنازين جنبا الى جنب واحده مخصصه للنساء واخرى للرجال وكانت هناك بعض النساء الاجنبيه كما كانت عدد من السجينات المصريات وكانت احداهن راقصه كان الحراس يخروحونها لترقص لهم وكانت احدى النساء من محافظة ميسان قد اصابها الطلق فرفضوا اخراجها للمستشفى فولدت بالزنزانه ... وضعونى لوحدى فى احدى الزنزانات وكان فى سقفها انبوب ماء يقطر فكنت اجمع الماء لغسل الملابس والاستحمام والوضوء وكان هذا الشئ جيد بالنسبه لى وان كان يزعجنى صوت قطرات الماء المستمره ليل نهار, وقد استطعت فى هذا المكان الجديد ان استريح بعض الشئ فعلا لاننى كنت وحدى فى زنزانة انفرادية ورغم الوحشه الا أنى اخذت راحتى بالنوم والجلوس الا ان المشكله المؤلمه كانت عدم معرفتى بأوقات الصلوات الخمس لعدم وجود نافذه فى الزنزانه اضافه الى انها كانت فى الطابق السفلى الذى لا يدخله اى نور من الخارج ولسوء الحظ فأن هذه الفتره تزامنت مع عدة ايام من شهر رمضان المبارك التى صمتها ولله الحمد دون ان استطيع معرفة مواقيت السحور والافطار وحتى يوم العيد ضاع وكان الاكل فى هذا المكان بسيطا فأحيانا يجلبون علبة لبن صغيره وبعض المواد الغذائيه البسيطه الاخرى وان كان الظابط قد اوصاهم بى خيرا وان يطعمونى جيدا , وقرأت بعض المذكرات المحفوره على الحائط منها اسم شخص وعنوانه ورقم تلفونه ومضافا اليها هذه الجمله من يقرأها فليخبر اهلى بانهم سوف يعدمونى ولاكننى للاسف لم احفظ التفاصيل لانى لم اتوقع ان اخرج من كنيس الموت فى يوم من الايام 
المغادره 
فى يوم 10 اب اى بعد مرور 30 يوما على بقائى فى الزنزانه الانفراديه فى الطابق الاسفل نادوا باسمى واخذونى الى الحمام واعطونى شفرة حلاقه وقالوا لى احلق ذقنك , وكانت لحيتى طويله فعلا وغير مرتبه فحلقت ذقنى وبسبب طول الشعر جرحت الشفرة وجهى وعندما شاهدنى النقيب زيد التكريتى مجروحا قال لى لماذا جرحت نفسك سوف يعتقدون ا ضربناك وجرحناك ثم طلب من الحارس ان يحضر قنينة كلونيا وقال عطر نفسك ثم اعطونى بجاما جديده وعصبوا عينى ووضعوا الجامعه الحديديه فى يدى ونقلونى ليلا فى سيارة مغلقه الى عالم اخر