الحلقة الخامسة

صمود أمراة 
عصر يوم الثلاثاء 4كانون الأول 1979كانت زوجتي واطفالي الثلاثة ينتظرون عودتي فى الساعه الرابعة كما هو برنامجي اليومي ولكن لما تجاوزت عقارب الساعة موعد الوصول واخذت تسير ببطئ ثقيل اخذ الأطفال يسألون امهم عن سبب هذا التأخير الغير مألوف وكانت أم زهراء تحاول ان تهدئ الاطفال الذين كان احساسهم يقول ان شيئا ما قد حدث لبابا فى الوقت نفسه كانت أم زهراء التي كانت تحاول اخفاء قلقها عن الاطفال كانت تنظر الساعه تارة واخري الى جرس المنزل وهي مع الصبر والفكر والوحشة والأمل واذا بجرس الدار يرن وكأن يدا مرتعشة من ورائه , هرعت أم زهراء الى الباب وفى رأسها افكار كانت تحاول التخلص منها , كل شيئ متوقع هذه الايام فهي تعرف ان عددا من اصدقائي معتقلين وان اجواء العراق مكهربه وتنذر بمصادر رهيبه للمؤمنين كما كان أملها ان تواجه زوجها وراء الباب لكنها رأت رجلين خائفين مضطربين قالا لها على عجل ان الدكتور استدعتة الشرطه للاستفسار عن بعض الأمور وسيرجع بعد يومين او ثلاثه ثم تواريا عن الأنظار كشبحين أنذرا وغابا وهكذا اسدل الستار على فصل قصير من حياتها الوديعه مع زوجها واطفالها ليبدأ فصل جديد من الجور والقهر والتنكيل والهجره القسريه ولكنه فصل من الثبات والاباء والقيم والصمود ,لملمت أم زهراء حاجاتها المهمه وأخذت الاطفال واستقلت سياره وذهبت الى عائة من اقربائنا تسكن فى نفس المنطقة المنصور التي نسكنها , ولما علمت هذه العائلة باعتقالى خافوا من مجيئ أم زهراء فقد سببت لهم حرجا ولكنهم خجلوا من اشعارها بذلك وقد ندمت على مجيئها فهي لاتريد ان تسبب حرجا لهذه العائلة الطيبه ثم اخذت أم زهراء تتصل باصدقائي هاتفيا وتقول لهم ,ان الدكتور مريض ونقل الى المستشفي وسيبقي عدة ايام وفهم الاصدقاء مغزي كلامها فبعضهم غادر القطر وبعضهم اختفي وبعضهم تمكن من اخفاء مايجب اخفاؤه ثم اتصلت بدكتور جعفر ضياء جعفر زميلي فى العمل وكانت تحتمل انه يعرف شيئا عن اعتقالى وتواعدت معه في بيتنا فى الساعه العاشره من صباح اليوم التالي 

فى البيت

وفى صبيحة 5كانون الأول 1979م اخذت أم زهراء اطفالها وتوجهت نحو المنزل الا انها رأت من بعيد عدت سيارات تطوق المنزل فاستمرت في طريقها دون توقف ولكنها وبعد ان اشترت بعض الملزومات قررت ان تعود الى البيت وتواجه الموقف بثبات وهكذا عادت الى البيت ولما دخلته رأت كل شيئ مبعثرا والحديقة محفورة والبيت يغص برجال الأمن ومعهم الدكتور جعفر وهو جالس على الأريكه ورأت ان الجوازات وبعض الأوراق المهمه مفقوده فأخبرت الدكتور جعفر بذلك وكانت تتكلم باللغة الانجليزيه فترجم كلامها لهم فقالو ,نحن لم نأخذ اى شي انت اين وضعتيها؟ ثم اخذها احدهم الى غرفة لوحدها واستفسر منها عن مكان تواجدها امس ولم يلح فى الاستفسار كثيرا واتضح ان رجال الأمن كانو منذ الليلة الماضية متواجدين فى داخل الدار وعبثت ايديهم بكل شئ وسال رجال الامن أم زهراء ماذا ستفعلين الان؟ فاخبرتهم بانها ستذهب الى بيت ام علاء أخت زوجها فى مدينة كربلاء ريثما يرجع زوجها فطلبو منها رقم الهاتف , فاعطته لهم وكان السائق الذى يقود سيارتى موجودا فى البيت ايضا فطلب رجال الامن منه ان ينقل العائله الى كربلاء وركبت أم زهراء مع اطفالها سيارة العائله واخذهم السائق الى كربلاء ولما وصلوالى منزل الاخت ام علاء وجدوا ان قوات الامن قد سبقتهم وان البيت يغص بعناصر الامن المدججين بالسلاح بعد ذلك تم استدعاء أم زهراء الى مديرية امن كربلاء وذهب معها السيد ابو علاء وفى امن كربلاء تاخروا الى الليل ثم نقلوهم الى مديرية امن بغداد حيث كنت موجودا هناك وفى منتصف الليل وصلوا الى مديرية امن بغداد وعند غرفة الاستعلامات اخذوا السيد ابو علاء وفصلوه عنهم ووضعو أم زهراء مع اطفالها فى غرفة صغيره وجائهم رجل امن ضخم الجثه تقول عنه أم زهراء انه كان مخيفا حقا ثم سالها عن الشخصين الذين اخبراها عن اعتقالي فقالت لااعرفهما لانهما لم يذكرالى اسميهما ثم سالها عن الشي الذى اخذته من البيت حينما خرجت الى بيت اقرباء زوجها بالمنصور فقالت بعض الكتب وهنا فرح المحقق كثيرا كما قالت أم زهراء لانه اعتقد بانه حصل على دليل ملموس يدينني ويدينها لانه تصور انها كتب الشهيد الصدر او مثيلاتها لاكنها قالت له انها كتب اطفال فعبس وغضب ثم بعد ذلك نقلوهم الى مديرية الامن العام ووضعوهم فى غرفة عليها حارس كبير السن طلبت أم زهراء حليبا للاطفال فجلبو لها حليبا وقنينة رضاعة جديده وخبزا قديما ثم جلبو لها فرشا رديئا ونام الاطفال ونامت امهم وفى منتصف الليل احست بان رجلا ينحني على الاطفال ففزعت الى انها رات ذلك الحارس يغطى اطفالها من البرد, فقالت الحمدالله يوجد فى هذا المكان ايضا من يملك شيا من الانسانيه... هذا المكان لايخيف كثيرا , اكيد ان هذا الحارس كان يفكر في حفيده , وفى الصباح اليوم التالي يوم الخميس 6كانون الاول 1979م جلبوا لهم كسيرات من الخبز فقط وكانوا الاطفال يخرجون ويدخلون الغرفة وهم يلعبون ويغنون والحارس العجوز لايفهم شيئا لانهم كانو يتحدثون فى الانجليزية وفى الساعة العاشرة صباحا جاء رجل الامن الضخم الجثه المخيف ويسمونه غالى وقالا مخاطبا أم زهراء انتي تكذبين انتى تعرفين اشياء انتي تعلمين بالمسدسات فقالت له انا لااعرف اي شيئ فقال نحن نعلم بك انك تعرفين تعالي معنا واخذوها الى مديرية امن بغداد مرة ثانيه وادخلوها على ضابط امامه منضدتان وامامه عدة تلفونات واخذ الضابط يحقق معها واما الاطفال فانهم اخذوا يلعبون بالتلفونات ويصيحون ويجعلوها هوسه على حد تعبير أم زهراء وكانت لاتمنعهم من ذلك بل كانت تحرضهم بطريقتها الخاصه على زيادة الهوسه والضجه بعد ذلك نقلوها الى المنزل وقالو لها يجب ان تبقي بمنزلكي ويبقي معك احد رجال الامن كان ذلك النهار غائما وكان منظر السماء كئيبا وكانت أم زهراء تفكر فى زوجها ومصيره واين هو وماذا فعلو به كما تفكر فى السيد ابو علاء ذلك الرجل النبيل الذى ابت كرامته ان يتركها لوحدها , كان رجل الامن الذى يبقي فى الدار مهذارا ثرثارا واراد ان يحقق معها لكنها لم تلتفت اليه كما اخذ يفتش كل صغيرة وكبيرة فى المنزل وكان يرافقها كظلها الا فى غرفة النوم والمرافق وفى الليل جاء عدد من قوات الامن ودخلو الحديقه واخذو يفتشون فيها وفى الصباح تم استبدال رجل الامن باثنين احدها شكله مخيف وتوجد اثار ضربة سكين عميقه فى اسفل عينه وكان يقول لأم زهراء أم زهراء انا متورط انا غلطان فى حياتي اريد ان اخرج من هذا العمل عملي غير جيد ولكنهم لايتركونني فقالت له وقد عرفت انه يريد ان يستدرجها للادلاء بمعلومات تفيدهم ,هذه مشكلتك وليست مشكلتي , واستمر هذا الرجل ثلاث ايام فى الرقابة وبعدها اخذو يستبدلونه يوميا وكانو يعترضون على الطعام الذى تطبخه أم زهراء كما يعترضون على الشراشف التي ينامون عليها ويقولون انها وسخه فتقول لهم لاتوجد غيرها لانهم هم الذين وسخوها  
الفخ

ان وجود قوات الامن كان بمثابة فخ لكي يلقوا القبض على اصدقائى ممن يأتون لزيارتي بسبب عدم معرفتهم باعتقالى كما كانو يراقبون الهاتف لمعرفة من يتصل بي فمثلا , كان احد اقربائي وهو شاب طالب فى احدى كليات بغداد وتسكن عائلته فى كربلاء وقد اعتاد ان ياتي فى عصر كل خميس الى بيتنا ليذهب معنا الى كربلاء بسبب ازدحام وسائط النقل العامه وفى يوم الخميس جاء على عادته وطرق الباب فالقي رجال الامن القبض عليه ولكن بعد عشرين يوما اطلق سراحه من مديرية امن بغداد وقد عاني منهم شتي اساليب التعذيب الوحشي وفى نفس اليوم افرج عن السيد ابو علاء ونقل الاثنان فى نفس السيارة الى كربلاء 
وبعد يومين او ثلاثة من اعتقالى اتصل تلفونيا من البصره المهندس عبد الخالق ولما كان خط الهاتف مراقبا لذلك القيي القبض عليه وقد براته المحكمه فيما بعد .طرق الباب من جهة الكراج احد اصدقاء العائله وكان انتباه رجال الامن مشدودا للباب الرئيسي فخرجت أم زهراء مسرعة وقالت له تسال عن دكتور فلان فان منزله هناك واشارت الى احد الجهات فقال هذا الصديق مستغربا ماذا؟ فقالت له اخرج اذهب الى هناك فانتبه الى ان الوضع غير طبيعي فذهب الى سبيله وبذلك انقذته زوجتي من الاعتقال الحتمي

  السفارة

وحينما جائت أم زهراء معي الى العراق لم تتصل بسفارة بلادها ولم يوجهوا اليها اى دعوه فى المناسبات ولكن بعد اعتقالى وبعد ماجرا لها من احداث فانهم اتصلو بها واختاروا وقت اعياد الميلاد وكانت المتحدثه امراه قالت لها توجد هدايا لك وللاطفال مثل كل سنه فأنت مدعوه لاستلامها وتقول أم زهراء لقد فرحت وقلت الحمد الله لان هناك من يتحسس بمأساتي

العلبة

وكان فى المنزل قبل الاعتقال بعض الاوراق وقد اردت اخفاءها فوضعتها فى علبة معجون الاسنان وبعد اعتقالى رمت أم زهراء هذه العلبه فى برميل القمامه الكائن فى موقف السيارة وفى منتصف احدي الليالى جائت مجموعه من رجال الامن ومعهم الرشاشات 
واخذو يفتشون المنزل وهم يهدودون ويتوعدون فتشوا كل شي حتى برميل القمامه فوجدو العلبه ووجدو الاوراق فى داخلها واعتبرت هذه الاوراق احدي الادله ضدي وبعد عشرين يوما من وجودهم فى منزلى تركه رجال الامن وقالوا لأم زهراء اذهبي الى مديرية امن بغداد وسالي عن زوجكى هناك فقد تحصلين على جواب وبعد ايام ذهبت أم زهراء وسالت عني فقالوا لها خلال يومين فى الاسبوع نستلم حاجات المعتقلين المرسله لهم من اهاليهم واذا لم يكن المعتقل عندنا فاننا سنعيد الحاجات الى اهلها وحددوا لها يومين ورجعت أم زهراء وجلبت فى اليوم المحدد بعض الحاجات الضروريه ومنها بلوزه من دون ازرار تلبس من الرئس فاستلمها رجال الامن منها ولكن بعض الناس رجعوا ولم تستلم منهم حاجاتهم وكان احدهم شيخا كبيرا مضا عليه ستة اشهر ياتي فى كل اسبوع مرتين ولكن لم تستلم حاجاته { وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد } البروج اية 8 , وفى13/1/1979م اى بعد مرور تسعة وثلاثون يوما على اعتقالى ذهبت أم زهراء معا طفلنا الرضيع [ محمد ابراهيم ] الى مديرية امن بغداد واخذت منها بعض الحاجات كالمعتاد ولكنهم طلبو منها الانتظار قليلا فاوجست من ذلك خيفة ثم ادخلوها الى غرفة كبيرة مرتبه بشكل جيد وشاهدت رجل يجلس خلف المنضده وامامه رجلان 
جلسا متقابلين وبالقرب منهما كانت هناك اريكه جلوس اخري نظرت الى هذه الرجلين فرات احدهما يرتدي ملابسي وكان الصمت مخيما على الجميع نظرت جيدا ولم تعرفني من شدة اثار التعذيب على ,لقد تكلم ضابط الامن الجالس خلف المنضده وقال لأم زهراء ان زوجك مجرم خذى هذه الاوراق واقرئيها وكانت ذات الاوراق التي وجدوها فى علبة معجون الاسنان ,فقالت له ان زوجي لم يكن مجرما وانا لااعرف العربيه ثم انهم اخذونى مع زوجتي الى غرفة تقع فى احد جوانبها منضده وقالو لنا خذوا راحتكم لقد احست أم زهراء بوجود الة تسجيل لذلك كانت تتحدث معي بحذر شديد حيث تحدثنا عن العائله ولكن اثناء الحديث سالتها عن قريبي السيد محمد علي فاجابتنى بانها اخبرته عن الاعتقال فغادر القطر وهكذا كنا نتبادل الاخبار والمعلومات بشكل لايفهمه غيرنا وكنا نتحدث فى اللغة الانجليزيه ,وفى هذا اللقاء حاولت ان احمل الطفل الصغير الا انني لم استطيع لان كتفي كانت مخلوعه وشبه مشلوله وبعد ان انتهت المواجهه خرجت أم زهراء واخبرت عوائل المعتقلين فى كربلاء بعدم جلب بلوزات بازرار لانهم لايستطيعون لبسها لانخلاع الاكتاف ,ولقد اعتقدت ام زهراء بان هذه المواجهه هى المواجهه اليتيمه حيث كانت تتوقع اعدامي بعدها ولكن الحقيقه لم تكن كما اعتقدت لان ارادة الله هي النافذه ,وفى احدي المرات راجعت أم زهراء مديرية امن بغداد لمتابعة قضيتي وجلست تنتظر في غرفة الاستعلامات وكانت بجانبها امرأه فسالتها هل انتى زوجت الدكتور حسين ؟  فاجابتها أم زهراء بالنفي ثم سالتها الست كندية فاجابتها بالنفي ايضا فقالت تلك المرأه لم تخافين انا لست من قوات الامن انا مثلك ايضا اذ عندي خمسة اخوة معتقلين وانا فخوره بهم فهل انا افضل منهم لقد خرج ثلاثه من اخوتي واخبروني عن زوجك وقالو انه صامد ويواجه التعذيب بثبات
منظر مؤلم

 ,وفى احدى الايام رأت ام زهراء احد رجال قوات الامن مع عائلته فى منطقة المنصور وهو يقود سيارتنا التي صادرتها السلطه فتألمت لذلك ولكن ما اثار شجونها وهيج احزانها انها رات ذلك الرجل اوقف سيارته بالقرب من محل يبيع المرطبات حيث كنا نوقف سيارتنا فى الطريق ونشتري للاطفال مايريدون ,ان رجل الامن كان فرحا بما لايملك مستبشرا مع عائلته وينفق عليها اموالا عجنت بدماء الاحرار وهو آمن من يقظة الضمير غافل من سطوة الرقيب ولكن ان ربك لبالمرصاد,وفى احدى اللقاءات تحدث احد اقربائنا مع أم زهراء حديثا مسهبا عن الايمان والصبر والتحمل فاوجست فى نفسها خيفة من حديثه لانها احست بانه يريد بذلك ان يهيؤها لسماع خبر خطير فقد اعتقدت بانه يمهد الجو لكي لايفاجئها بخبر اعدامي , لقد احست بذلك وجائت في ذهنها الذكريات فتسع سنين مرت كأنها اطياف السحر هكذا تأفل الذكريات فى بلاد تحكمها اهواء الطاغوت وهكذا تموت البسمه على الشفاة فى وطن يرزح الاحرار فيه تحت وطأة القمع والارهاب انها صور تتراءى مزقها غضب الاستدراج لقد اضطربت وهى لاتعلم بان استدراجه انما هو لكي يخبرها بصدور حكم السجن المؤبد بحقى وبدل ان يري اضطراب وانهيار أم زهراء وجدها فرحه مستبشرة فالسجن يعني ان هناك امل للفرج