الحلقة الحادية عشرة
الانفتاح
كان الوضع متأزما وينذر بحرب كيماوية ولو على مستوى الاعلام ، وفتلت امريكا عضلاتها بقواتها الجبارة بعد ان تفردت بالقرار بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ، لقد فرض الحصار الاقتصادى على الشعب الضحية وترك المجرم يرسل براكين كلامه ضد امريكا والغرب والعرب وكل العالم وارتفعت الاسعار بشكل رهيب ، لقد رفض صدام الانسحاب من الكويت واصر على قراره بابتلاع الكويت وبذلك وفر على امريكا فرصة ذهبية كى تقترب من خليج النفط وبقي الشعب الجريح يشم رائحة الخوف والبارود والدم ،لقد طلبت ادراة السجن من السجناء للتطوع الى الجبهة فصدق معظم السجناء ذلك واعتبروها فرصة للتخلص من السجن فأخرجوا حاجياتهم لعوائلهم اثناء المواجهات وكان بعض السجناء يمتلك ثلاجة وتلفزيونا وقد قمت شخصيا باخراج الثلاجة والتلفزيون وبعض الحاجيات الاخرى التى وفرتها
ادارة السجن فى الفترة الاخيرة ولكن ليس لعائلتى وانما اعطيتها لعائلة فقيرة ، لقد كان هذا الامر طبيعيا ولم تسأل ادارة السجن السجناء عن سبب اخراج حوائجهم لأنهم فى ضنها سيتطوعون لجبهة الحرب ولا حاجة اذن اليها ، وفى منتصف شهر كانون الثانى سنة1991 حدثت الضربة الجوية فدمرت محطات الاذاعة والتلفزيون ومضخات الماء ومحطات الكهرباء فغاصت ليالي العراق فى ظلام دامس ، لقد كان الامر صعبا بالنسبة للعوائل وخاصة المحافظات البعيدة فكيف تستطيع ان تأتى لزيارة السجناء بعد ان اصبح وقود السيارات نادرا جدا واسعاره مرتفعة ، لقد كان لكل سجين مواجهة واحدة بالشهر وقسم السجناء على اربع مجاميع بحيث تواجه كل مجموعة عوائلها فى اسبوع وكانت بعض العوائل تواجة السجناء اكثر من مرة فى كل شهر حيث تدخل باسم سجين اخر حلت مواجهتة وكانت عائلتى احدى هذه العوائل وعلى العموم كان رجال الامن وشرطة الشؤون متساهلين فى مسألة المواجهات ونستطيع ان نقول بأن حالة السجناء فى هذه المرحلة كانت افضل حالة مروا بها وقد سميت بمرحلة الانفتاح ، وكان من صور الانفتاح ان ادارة السجن مددت فترة بقاء السجناء فى الساحة الرئيسية الى مغيب الشمس وبعدها كان يتم احصاء سجناء كل قسم فى قسمهم واحيانا كانت عملية الاحصاء غير دقيقة بل احيانا كان السجناء يدخلون اقسامهم دون احصاء وكانت عملية الاحصاء هذه بالتعداد ، كما سمحوا لسجناء الاقسام المغلقة بمخالطة سجناء الاقسام المفتوحة من هنا كانت فرصتى الجديدة للقاء مع (على عريان) من جديد
0
ونضجت الفكرة
وكما اشرت فأن علاقنتى بعلى عريان تعود الى فترة وجودي فى زنزانة قسم المخابرات حيث عرض على فكرة الهروب من السجن وتعاون معي لاستنساخ مفتاح الزنزانة ولاكن الظروف لم تكن تساعد على تطبيق الفكرة هناك ، ألا ان ظروف الانفتاح الجديدة التى يعيشها السجن حاليا واللقاء من جديد بعلي عريان دفعنى لانضاج الفكرة والعمل على ترجمتها الى واقع عملى وقبل كل شئ ورغم الانفتاح الذي كان يحكم علاقات السجناء فيما بينهم حاولت اخفاء علاقتى الوطيدة بعلي عريان وعدم التجاهر بها وذلك تحسبا لوجود رقابة امنية داخل السجن الامر الذى كان يعرض فكرة الهروب للمخاطرة ، وبسبب ظروف الحرب الجوية وانشغال السلطة بمشاكلها وتحدياتها الجديدة كانت الحالة خارج السجن هي حالة انفلات امني حيث الظلام مطبق والاذاعة معطلة وعناصر السلطة فى ذعر قاتل وابناء الشعب يدفعون ثمنا باهضا
عن حماقات النظام اذ البارجات الامريكيه تقذف صواريخها من البحر الاحمر وطائرات الشبح والطائرات العملاقة ترمي بحممها وتساعدها في الانتقام من الشعب الجريح طائرات الحلفاء بآلاف الطلعات التى تهدف تدمير كل شئ من البنى التحتية للاقتصاد والصناعة في العراق تحت لافتة الانتقام من صدام حسين ، اذن فالظروف خارج السجن مهيأة تماما كما ان الانفتاح داخل السجن يجعل فكرة الهرب سهلة التطبيق ، وفي احدى اللقاءات الخاطفة قلت لعلى عريان ان فكرة الهروب آن اوان تنفيذها فقال لى انا على استعداد ولاكن المشكلة تكمن بالوقود اذ ان القصف الجوى من قبل القوات الامريكية وحلفائها ادى الى اختفاء البانزين من المحطات الا نادرا وكان علينا ان نخطط جديا لتوفير الوقود قبل كل شئ
0
الوقود
وهكذا بدأت افكر بجد في الاستفادة من الفرصة السانحة التى قد لا تتكرر والتخطيط لعملية الهروب كانت العملية تتركز على 1- الوقود والسيارة ، 2-التوقيت ، 3- نقطة الاختفاء في بغداد ، 4- الدليل ، كان وصول علي عريان الى موقف السيارات التابع للسجن لا يثير اية شبهة لأنه كما قلنا كان يعمل ضمن كادر الخدمات وكان يتمتع بحرية التحرك داخل الاقسام الخدمية التابعة للسجن ، الا ان المشكلة كانت في ان سيارات المخابرات كانت فارغة من الوقود وكان علينا توفير البنزين من خارج السجن ، لم احتاج الى الكثير من التفكير لحل المشكلة لأن الله قد هدانى الى الشخص الذى يساعدنى في هذه النقطة .. انه ابن اختى السيد عماد الشهرستانى ... شاب ذكي وجرئ وكنت اثق به تماما ، كان فى تلك الفترة يقضى فترة العسكرية الاجبارية ، الا انه كان قد حصل على اجازة لكى يزورنى فى السجن ، عرضت عليه فكرة توفير الوقود بأى شكل من الاشكال وجلبه الى السجن بالاستفادة من حالة الانفتاح والتساهل والانفلات فى ادارة السجن ، وفعلا وافق عماد على التعاون وفي اليوم التالى جاء الى السجن منتحلا صفة قريب احد السجناء الذى كان موعد زيارته فى ذلك اليوم لأن موعد زيارتى هو يوم واحد فى الشهر فقط ، جاء عماد الى السجن ومعه الوقود المطلوب وجازف باصطحابه معه وحينما سألته الشرطة عن الغاية من اصطحاب الوقود معه قال لهم لقد سرق وقود سيارتى وهى فى موقف السجن ، ان الوقود اصبح اليوم اغلى من الذهب ساخرجه معي بعد الزيارة ، ورغم ان الشرطه قبلوا عذره ، ولكنهم لم يسمحوا له بادخال الوقود وقالوا له ممنوع ، وجائنى عماد قائلا .. ان الوقود موجود خارج السجن ومن الصعب على ادخاله اليكم ، استدعيت على عريان وبعد مداولة الامر تم الاتفاق على ان ياتى شخص آخر فى المواجهة القادمة غير الرسمية لزيارة على عريان وينتحل صفة ضابط ، يعطى على عريان اسم هذا الضابط لاستعلامات السجن لكى يسمح له بالدخول ولكى لا تفتش سيارته تفتيشا دقيقا طالما انه ضابط ، يذهب على عريان الى الموقف لاستقبال الضابط بعد ان يتم استدعاؤه من قبل شرطة الشؤون الاجتماعية ولأن على عريان كان يعامل معاملة خاصة لأنه ( خدمات ) فقد كان كل هذا التخطيط عمليا ، ثم يجلس على عريان عدة دقائق مع الزائر ثم يستلم منه الوقود مع حاجات اخرى للتمويه ، وهكذا اخذ عماد اسم الضابط المتفق عليه وخرج من السجن لتنفيذ الخطة ، وخارج السجن التقى عماد بصديقه (ل.ك) الذى كان هو الاخر يرغب فى الهروب الى ايران وقال له ، ان رغبتك تتفق مع رغبتى فى اللجوء الى ايران ولكن الامر يتوقف على هروب احد السجناء من السجن ، وان ذلك لا يتم الا بأيصال كمية من الوقود الى داخل السجن وذلك بانتحال صفة ضابط ،وشرح عماد لصديقه الطريقة دون ان يطلعه على التفاصيل التى لا ترتبط به ، كما انه لم يذكر اسمى رغم ان الشخص كان يعرفنى وذلك تحسبا لأية مشاكل محتملة ، ورسم له طريق السجن والموقف ، ولاكن عماد لم يضغط على صديقه وترك له الخيار وقال له .. اخى اذا كنت مترددا او لم يكن لديك استعداد لأنجاز الخطة ، ارجو ان تقول ذلك بدون خجل او احراج ، فرد صديقه دعنى افكر لأن المسأله صعبة ، سجن .. وقود .. ضابط .. هروب ، فقال له عماد المسأله بسيطه ولا توجد فيها مجازفة انت تدخل بصفة ضابط ويأتى السجين لاستلام الوقود بعد ان تجلس معه دقائق كى لا يثير الشكوك ، وكل ذلك ممكن لأن الظروف الآن مختلفة ، والسجن يخضع لحالة من الانفتاح والتساهل والانفلات ،فى اليوم التالى وافق (ل.ك) على هذه المهمة وهو لا يعلم بأنه يقوم بالمشاركة فى تنفيذ اخطر عملية هروب من سجون العراق ، طلب (ل.ك) من السيد عماد ان يرافقه الى السجن لكن عماد قال ان شكلي معروف لديهم ، لكنى انتظرك عند مفرق خان ضارى القريب من ابو غريب ، وفي المواجهة القادمة توكل (ل.ك) على الله وارتدى ملابس الضباط وجاء الى الاستعلامات بصفة ضابط يريد ان يواجه السجين على عريان ، فسمحوا له بالدخول لأن اسمه كان عندهم حسب الخطة المتفق عليها ، ومن جهته تصرف على عريان وفق بنود الخطة ، والتقى بصديقه الضابط (!) وبعد دقائق من تبادل الاحاديث والمفاكهة ، استلم الوقود مع بعض الحاجيات الاخرى للتغطية ، وودع صديقه الذى غادر المكان بسلام وهكذا تم انجاز اهم ركيزه من ركائز العملية بنجاج ، والطريف هنا ان (ل.ك) عندما غادر السجن والتقى بالسيد عماد عند مفرق خان ضارى قال له ، لم اكن ادري بأن العملية بهذه السهولة ولو كنت اعرف ذلك لهربت الدكتور حسين ، دون ان يعرف ان مهمتة هذة كانت اهم مساهمة في عملية هروبى من السجن
0
التوقيت
وبعد توفير الوقود اللازم وتكفل على عريان بتوفير واحدة من سيارات المخابرات المتوقفة فى الموقف لسهولة تردده على كل اقسام السجن لانه من كادر الخدمات ، انتقلنا الى موضوع توقيت العملية ، وفى تحديد الوقت كان يجب الاتفاق مع عماد الذى هو خارج السجن بالاضافة الى على عريان ، ذلك لان عماد كان حسب الخطة مسؤولا عن تهيئة بيت سرى أخر لكى نواصل العملية بعد الهروب من السجن الصغير للهروب الى السجن الكبير ، وفى 12 شباط الموعد الشهرى لزيارتى العائلية ، زارتنى ام زهراء مع الاطفال وكانت زيارة مفتوحة ومريحة جدا بسبب الجو الذى كان يحكم السجن من الانفراج والانفتاح النسبى ، وجلبت ام زهراء معها حوالى300 كيلو غرام من التمر اعطيته لرجال الخدمات فوزعوها على السجناء ، وفى اللقاء اخبرت ام زهراء بايجاز بأننا نعد لعملية هروب من السجن وعليها الاستعداد للاتحاق بنا في اى لحظة ، وان السيد عماد سوف يخبرها بالتفاصيل وينسق معها حول الزمان والمكان ، وفي اليوم التالى 13شباط 1991 المصادف 27 رجب زارنى السيد عماد حسب الاتفاق المسبق ولكن بذريعة زيارة سجين اخر وتم الاتفاق على التوقيت التالى .... افضل وقت للهروب من السجن هو حوالي الساعة السابعة مساء من نفس اليوم 13 شباط حيث يذهب رجال المخابرات الى غرف النوم بعد تناول وجبة العشاء ، اما موعد الوصول الى البيت السري حيث ينتظرنا عماد والعائلة فهو بين الساعة الثامنة والعاشرة ليلا ، واعطانى عماد خارطة دقيقة بالمنطقة والمكان السري المتفق عليه
0
الدليل
لقد حلت اهم مشكلة وهى مشكلة الوقود واتفقنا على ساعة الصفر كما تم الاتفاق على كل التفاصيل المتعلقة بخارج السجن مع السيد عماد واخبرت العائلة ولم تبق على لحظة الانطلاق الا ساعات ، الا ان المشكلة التى جابهتنى هى عدم وجود دليل من سجناء الاقسام المغلقة اعتمد عليه لكي يهربنا الى ايران ، فسجناء المغلقة مضى على كل واحد منهم 10 سنوات وهو فى السجن ، ولا شك ان معالم القرى والمناطق قد تغيرت خلال هذه الفترة فلا يمكن الاعتماد على شخص يحمل معلومات قديمة عن الطريق الذى يجب سلوكه للوصول للحدود ، وناقشت الموضوع مع على عريان وبعد المداولة قال ، ان احد سجناء الاقسام المفتوحة واسمه صباح ابو فاطمة كان جنديا في شمال العراق وعنده اصدقاء من الاكراد ومن الممكن ان يكون دليلا لنا ، فقلت له كلمه حول الموضوع ، ولاكن لا تخبره عن هويات الاشخاص ، وسرعان ما وافق صباح على الفكرة وتقرر الالتحاق بنا في ساعة الصفر
0
الرابع
وبلطف الله عز وجل ، ترتبت كل الامور فسيارة المخابرات جاهزة في موقف سيارات السجن ، والوقود حصلنا عليه بفضل مجازفات عماد وصديقه (ل.ك) والتوقيت تم الاتفاق عليه ،كما ان مكان الاختفاء حدده عماد ، والدليل وافق على الالتحاق بنا ، الا ان السيارة كانت تستوعب شخصا آخر فعز على ان اخرج بها وهى تسع لشخص آخر ، لذلك قلت للسيد جعفر الحكيم الذى كان قد طرح على في فترة سابقة فكرة الهروب من السجن ، هل تتذكر حينما سألتنى مرة عن الهروب؟ فقال نعم ، فقلت له ستنفذ العملية في مساء اليوم فأذا كان لديك الاستعداد اخبرنى ، وجائت الفكرة مفاجأة للسيد جعفر وبقي متحيرا لفترة من الوقت ، ثم قال ، ساستخير الله ، فاستخار الله بالقرآن الكريم فجاءت الآية الاولى من سورة الاسراء { سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع العليم } فاستبشر السيد الحكيم بهذا الاسراء وقال انا معك ، وبهذا اصبح عدد الاشخاص اربعة السيد جعفر الحكيم وعلى عريان وصباح وانا
0
ساعة الصفر
انتظرنا حلول الظلام وقبل ان تجري عملية التعداد خرجنا الى الاقسام المفتوحة انا والسيد جعفر ، ولم يكن الامر يدعو للشك ففي تلك الفترة كانت الزيارات بين سجناء كل الاقسام عادية ، ثم توجهنا الى مكان صباح وكان عنده سرير فجلسنا عنده ،وفهم السجناء وجودنا هناك على انها دعوة لتناول وجبة العشاء ، وجرت عملية التعداد ولم يكن هم الادارة في تلك المرحلة معرفة من زار من انما همهم ان لا يهرب السجين ولم تكن عملية التعداد
عملية دقيقة وكان تعداد الاقسام المفتوحة قبل تعداد الاقسام المغلقة ، خرجنا ، فاعتقد السجناء بأنا رجعنا الى اقسامنا ولكنا في الحقيقة توجهنا حسب الخطة المتفق عليها نحو مخزن بجانب المطبخ الذي يطبخ فيه علي عريان لرجال المخابرات ويقع هذا المخزن امام موقف سيارات المخابرات ، وفتح على عريان الباب ودخلنا دون ان يشعر بهذه الحركة اى واحد من السجناء او الشرطة ، وتوجه علي نحو المطبخ لاعداد عشاء المخابرات على ان يعود بعد الساعه السابعة ، بعدما يتناول رجال المخابرات عشاءهم ويذهبون الى غرفة نومهم
0
بين الخوف والرجاء
بقينا في هذا المكان المظلم ونحن لا ندرى ما يجرى خارجه ولا شئ يشد من ازرنا سوى التوكل على الله والثقة به ، فقد يكشف امرنا نتيجة عملية التعداد ، فهذا الاحتمال لم يكن ملغيا ، وقد يسأل عنا رجال الامن او شرطة الشؤون الاجتماعية من باب المصادفة فتنكشف الخطة ، كل الاحتمالات واردة الا ان الاستعانة بالله كانت تبعث في قلوبنا الطمأنينة ، لا شك ان الذي يحدد المصير هو عقارب الساعة وعودة السجين الجرئ على عريان وفي مثل هذه الحالات يكون الوقت اثقل شيئ على قلب الانسان وهنا يشعر الانسان بقيمة الزمن ، لقد اخذنا نكرر النظر الى ساعاتنا كلما تقترب عقاربها نحو السابعة ، ولم يقطعها الا الدعاء او النظر الى الباب فياترى هل سيعود على عريان ؟ واذا لم يعد ، لم؟ وماذا سنفعل ؟ .... انها اسئلة صعبة تتراكض فى رؤوسنا والليل بهيم ، والسكوت مطبق الا من صواريخ الحرب الجهنمية ، والمصير المجهول ، والدعاء والتوكل على الله وتفويض الامر اليه هى امور تعيد الامل لنا وتزرع الطمأنينة في نفوسنا { ربنا افرغ علينا صبرا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } كانت الآية الكريمة التي اكررها باستمرار ، وحلت الساعة السابعة ، ومرت الدقائق ... عشر دقائق ... عشرون دقيقة ... وكل واحد منا يطمئن الآخر .. قريبا سيعود على .. ومرت ثلاثون دقيقة .. خمسون .. وحلت الثامنة ... يا رب ! لماذا هذا التأخير؟ وما الذى يحدث خارج الجدران الاربعة التى سجنا انفسنا بينها ... ونبضات القلوب تتسارع .. نكاد نسمع صوت دقاتها المتوترة ... لا يهدئ من روعنا الا ذكر الله عز وجل والاستسلام لقضاء الله وقدره ... واقتربت الساعة التاسعة ... وتجاوزت ووصلت الساعة العاشرة ولم يعد على عريان فتراكمت فى رؤوسنا اسئلة وهواجس وافكار وانقطاع ،فياترى هل يقدر الزمن بثمن ؟ وكم تفشل امور حاسمة بسبب التفسير الخاطئ للزمن وللأحداث !!
في مثل هذه الحالات يعرف الانسان قيمة التوكل على الله ، وبعد العاشرة جاء على عريان بعد ان كادت قلوبنا تتفجر من القلق وتبين ان رجال المخابرات بعدما تناولوا وجبة العشاء ، بدل ان يذهبوا كعادتهم اليومية الى نومهم وكوابيسهم اخذوا يلعبون الورق ، وبعدما خرجوا
جاء على عريان حيث نبذ القيود ومغادرة السدود وامل الحرية يراود الجميع
0
الانطلاق
لبست قميصا عسكريا كان قد اعده على عريان كالذى يرتديه رجال المخابرات مع لفاف زيتونى ادرته على وجهى وكأنى ضابط مخابرات وصعدنا السيارة واخذ على عريان يقودها وجلس السيد جعفر وصباح فى الخلف وانطلقت السيارة { بسم الله مجراها ومرساها ان ربى لغفور رحيم } وحينما وصلنا الى باب (الخاصة) وهى الباب المهمة التى يستخدمها الضباط ورجال المخابرات ، وجه الحارس الضوء نحونا واراد ان ينظر الى داخل السيارة للاطمئنان فقلت له بلهجة الآمر .. ابتعد ، اذهب وافتح الباب واربكه على عريان بتغيير ضوء السيارة بين العالى والواطئ في وجهه ، فعلا ذهب الحارس طائعا لضباط المخابرات !! وفتح الباب وهو لا يعلم بأنه فتح باب الحرية في وجوهنا ، بعد هذا الباب يوجد بابان آخران ليس رئيسيين ولا يفتش حراسها السيارات بدقة وخاصة السيارات المعروفة لديهم ، ولما اقتربنا من الباب الاول نظر الحارس فرأى سيارة مخابرات ودون ان يكلف نفسه عناء التفتيش قام وفتح الباب بعدما أدى التحية ، اما الباب الثانى فلم يكن فتحه باصعب من الاول ، فخرجنا بلطف الله عز وجل وبسلام وشممنا اول نسمة للحرية بعد قهر السجون وآلام التعذيب والاضطهاد وقد آنستنا نسمة الحرية خطر المتوقعات والمصير المجهول ،ولم نكن نخشى من نقاط التفتيش
- السيطرات - داخل المدينة وذلك بسبب تدمير محطات الاتصال ، فليس بأمكان ادارة السجن الاتصال بأى سيطرة كانت الا عن طريق مفارز المتابعة ، وهذا امر يطول ويستغرق زمنا طويلا
0
البيت السري
كانت السيارة تنطلق بقيادة على عريان ، وكانت تشق الظلام الدامس ، والصمت الرهيب الذي كان يلف بغداد - الحرب - باتجاه البيت السري حيث ينتظرنا السيد عماد ، والاخ (ل.
ك) وكان يغمرنا الامل بالله الذي وفقنا للنجاح في الخطوة الاولى ، وفي الطريق وجدت الكثير من معالم المناطق المختلفة قد تغيرت خلال السنوات العشرة التى اغتصبها منى نظام صدام حسين وراء القضبان الحديدية ، وكانت الشوارع تغوص في
ظلام مطبق بسبب اجواء الحرب ، وكانت المدينة خالية تماما من البشر الا من عيون تزرع الرعب في البلاد وتبطش بأبناء الشعب ، وصلنا الى مدينة المنصور وبالرغم من انها منطقة سكنى الا انها كانت متغيرة عن السابق كثيرا ولأن الظلام كان يلف كل مكان فلم اهتد الى العنوان المقصود وحينما مرت السيارة امام اسواق (اورزدي باك) لمحت من بعيد سيارة
نجدة تقف بجانب الشارع - عرفت فيما بعد انها كانت تابعة للقصر الجمهورى - وتراقب المنطقة حيث مدينة المنصور يسكنها الكثير من المسؤولين الحكوميين ، فقلت لعلى عريان ... هذه السياره هي سيارة شرطه او امن او مخابرات اقترب منها دون خوف ، وفعلا اوقف على السياره بالقرب من سيارة النجدة فأنزلت الزجاج وناديت احدهم ..
رفيق .. ، هكذا ينادى عناصر النظام بعضهم بعضا ، وجاء ذلك الرفيق !! ملبيا النداء فلما لاحظ سيارة المخابرات حيانا تحية عسكرية وقال ...
نعم سيدى ..
فقلت له عندنا عنوان بيت نبحث عنه ولم نجده .. فقال الرفيق هل تسمح يا سيدى بان أأتي معكم لأدلكم عليه ؟ .... فقلت له لا ولاكن دلنا عليه من هنا ، فقال الرفيق انه فى هذا الفرع ، لقد كنا قريبين تماما من المكان المقصود ولما وصلنا المكان نزلت من السيارة وطرقت الباب ، ولاكن عماد وصديقة (ل.
ك) لم يفتحا الباب لأنهما كانا نائمين فقد انتظرا من الساعة الثامنة الى العاشرة ولما لم نصل ذهب عماد الى البيت السري الاخر واخبر ام زهراء بعدم مجيء احد لكي نستعد للاحتمالات المتوقعة ، بعد ذلك رجع عماد وكانت عقارب الساعة تشير الى منتصف الليل فاستسلم هو وصديقه الى الكرى ، لعل الصباح يحمل لهم تباشير الخير ، وهكذا جلسنا في السيارة بانتظار استيقاظ الرجلين ، وفي الساعه الثانية والدقيقة الخامسة عشرة اهتزت المنطقة بسبب انفجار صاروخ سقط في احدى ضواحي العاصمة ،ويبدو ان هزة الانفجار ايقضت الرجلين ، فلمحت من وراء زجاجات البيت نورا خافتا وكأنه ضوء فانوس يدوي يتحرك في الداخل فأسرعت الى طرق الباب من جديد ففتح الباب (ل.
ك) الذي ما ان شاهدنى حتى نادى على صديقة عماد ... عماد ... عماد لقد جاء الدكتور.. وهرع عماد ويغمره فرح عارم ... وكله استفسار .. لماذا التاخير .. لقد كاد يقتلنا القلق على مصيركم ؟ ولكن لم يكن الوقت ... وقت السؤال والجواب ... وطلبت من الاخوه المرافقين الترجل من السيارة ودخول البيت بهدوء والمبادرة الى حلق اللحى وارتداء الاطقم العسكرية التي كان قد احضرها عماد من ذي قبل واستلام بطاقات الهوية المزورة
0
الوفاء
تركت الاخوة الاربعة السيد جعفر الحكيم وصباح ابو فاطمة وعلى عريان و(ل.
ك) فى البيت وغادرت المكان بصحبة عماد باتجاه البيت السرى الاخر الذي كانت تنتظرنى فيه ام زهراء مع الاطفال على احر من الجمر ، وكانت لحضات اللقاء مع شريكة الحياة ... شريكة المحنة ... شريكة الصمود والمقاومة والتحدى ... زوجتى التى تحملت خلال اكثر من احد عشر عاما ما ينوء على تحمله الكثير من الرجال ... كانت هذه اللحضات من اجمل لحضات الحياة التي وهبها الله تعالى بلطفه وكرمه لنا ، هل حقا نحن نلتقى خارج القضبان ومن عيون السجانين والمخابرات ؟ هل ما يجرى هو فى اليقظة حقا ام فى المنام ؟ كيف يستطيع من وقع في قبضة نظام البطش واجهزة القمع والاضطهاد ان يحدث نفسه بنسيم الحرية من جديد؟ ولكن هذا هو ما حدث لنا،وما هي الا ارادة الله العزيز التي هي فوق كل جبار وطاغية ، لم يكن امامنا وقت كثير ... علينا ان نستفيد من حلكة الظلام المطبق لمواصلة الطريق .. وجمعت ام زهراء بعض الحاجات الضرورية وركبنا السيارة مع الاطفال عائدين الى الاخوة الاربعة الذين كانوا مستعدين للانطلاق الى الحرية
0
وداعاَ بغداد
صعد السيد جعفر وعلى وعريان وصباح و(ل.
ك) في سيارة المخابرات التى كانت من صنف (لاند كروز) وصعدت مع افراد العائلة والسيد عماد في سيارتة الخاصة ، وانطلقت السيارتان وعلى مفرق الخط السريع الذي يؤدى الى مدينة الشعلة تركنا سيارة المخابرات باتجاه مدينة الكاظمية لاحتمال متابعتها من قبل الاجهزة الامنية ،كما ان هذا الموقع كان يموه على المكان السري الذى انطلقنا منه والمكان الي نتجه اليه ،
ترجل الاربعة من سيارة المخابرات ، وركبوا في سيارة عماد ، فأصبح العدد عشرة ، ولم تكن السيارة تسع لهذا العدد كما ان مظهرها كان يثير الريبة ومما يزيد الخطورة هو وجود عدد من السيطرات الامنية (نقاط التفتيش) فى الطريق خاصة وان الظلام اخذ بالانجلاء وبدأت الزرقة تبتسم في كبد السماء ، لذلك قال عماد سأوصلكم الى شارع كركوك ، وانزل انا وصديقى (
ل. ك) قبل نقطة تفتيش بعقوبة ويكون اللقاء فى موقف سيارات كركوك عند الساعة 12 ظهرا ، واذا لم نتمكن من الوصول بسبب مشكلة السيارات انتظرونا بعد كل ساعتين من الوقت المحدد ، وفعلا نزل الصديقان الجريئان ، وانطلقت السيارة يقودها السجين الحر على عريان ، مستبشرا بانتصارنا على كل الاطواق الحديدية التى كان النظام قد ضربها حولنا ، مزهوا بجرأته مع اصقائه ، شاكرا البارى على الطافه وشأبيب رحمته
0
صلاة شكر
وكان اهم ما اتفقنا علية قبل الخروج من السجن هو ان تكون المجموعة طوال فترة الهروب على رأى واحد ذلك لأن الاختلاف يفسد الخطة وقد يؤدي بنا جميعا الى التهلكه وقد اتفقنا كذلك على ان اكون انا قائد المجموعة لذلك عندما اجتزنا سيطرت بعقوبه الخطره ( تعتبر سيطرة بعقوبه من اخطر سيطرات العراق حيث على مر السنين قبض بها على المئات من ابناء الشعب وارسلوا الى طواحين الاعدامات ) وتلوت هذه الاية المباركه { وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم
فهم لا يبصرون } ثم قلت لهم نترجل هنا ونصلى صلاة الصبح وبعدها نصلى صلاة شكر فقال الاخوه دكتور ليس الآن وقتها امامنا متسع من الوقت فقلت لهم ليس وقت نقاش ... نصلى يعنى نصلى .. الم نتفق على ان لا نختلف في الرأى ، وفعلا صلينا صلاة الصبح ومن بعدها صلاة الشكر وقد ربط الله على قلوبنا وانزل سكينته علينا { ومن يتوكل على الله فهو حسبه
} 0