الحلقة العاشرة

التأهيلي
ولأسباب لم اعرفها - وربما كانت اسباب فنية نقلونى الى هذا القسم الجديد التابع لقاطع (الاقسام المغلقة) وكانوا يسمونه (التأهيلي) وهو بالطبع يختلف عن (التأهيلي) الخاص بالاحداث والتابع للشؤون الاجتماعية , وكان القسم الجديد يتكون من ثلاث غرف , وضعونى فى واحدة منها على انفراد, وكان فى الثانية خمسة سجناء وفى الثالثة سجين واحد ايضا اسمه (ع . ج) من محافظة الموصل , ومع الانتقال الى التأهيلي استطعت ان اهرب معى القلم والاوراق التى كانت عائلتى قد هربتها لى عن طريق الصندوق البراد , ولذلك بدأت بعد التأقلم مع الجو والمكان الجديدين بكتابة مواضيع مختلفة قصيرة على قصاصات ورقية تتحدث عن الصبر والمقاومة والتحدى وكذلك عن مواضيع تاريخية كقصص الحجاج بن يوسف الثقفي الذى كان مشابها لصدام فى تعاملة مع المؤمنين وعن الثورة الاسلامية والامام الخمينى وغيرها من مواضيع وكنت ابعثها بطرق واساليب مختلفة الى السجناء الخمسة فى الزنزانة المجاورة والى السجين السادس فى الانفرادي وقد ادت هذة القصاصات الى رفع معنويات السجناء والتخفيف عن آلامهم وزرعت فيهم الامل بالله وبرحمتة الواسعة 
النكتة السخيفة
كان حسام احد رجال الخدمات وهو طالب جامعي فى السنة الثانية وكان مسؤول الاتحاد الوطنى لشعبتة وبالطبع عضوا فى حزب السلطة , الا انه بالرغم من عضويته فى الحزب كان محكوما بالسجن لمدة عشرين عاما فى محكمة الثورة وذلك لانه كما قال حكى لزملائه نكته ساخرة حول عزت الدورى نائب صدام حسين فكتب المخبرون تقريرا عن الموضوع فاعتقل واودع السجن , تحدث هذا الطالب عن قصته وقال , حينما ارادوا اختيارى للخدمات فى السجن سألنى الضابط ماهى قضيتك ؟ فقلت له نكتة ساخرة حكيتها عن عزت الدورى , فقال احكيها لى .. فقلت له سيدى انا حكيتها مرة حكمت 20 سنة فأذا حكيتها ثانية فحكمى اعدام , فأنا لن احكيها , فقال الضابط اذا لم تحكيها سأعذبك عذابا قاسيا ولما رفضت اخذ يعذبنى عذابا شديدا حيث علقنى بالسقف وضربنى ضربا مبرحا حتى وافقت فقلت له , نعم سيدى انا احكيها فلما انزلنى من الصنارة قلت له والله سيدى لا استطيع ان اقولها , فقال اكتبها , فكتبتها وهو ينظر لها فقال ما هذة النكتة السخيفة , اجلس وانا احكى لك النكات وفعلا اخذ يحكى لى طرائف ساخرة ولاذعة عن صدام حسين وعزت الدورى  بحيث اخذت ارتجف خوفا , كان حسام هذا يتألم من هذه الازدواجية لأنه حكى نكتة سخيفة عن عزت الدوري فحكم 20 سنة بينما هذا الضابط يحكى نكتا فضيعة عن صدام حسين وعزت الدوري وهو مطمئن
توبة
فى احد الايام جاءنى مفوض واسمه عباس وقال لى .. دكتور بعد شهور سوف اتقاعد واريدك تعلمنى احكام الصلاة والصوم لانى عندما اتقاعد سوف اتوب لله رب العالمين وأبدأ بالصلاة والصيام ، فقلت له لماذا لا تبدأ الان فقال ما دمت اعمل فى جهاز الامن فان صلاتى لا تقبل ... فاذا احلت على التقاعد فسوف اتوب توبة حقيقية ، فقلت له ومن يضمن لك بانك ستبقى حيا الى ان تحال على التقاعد فقال هذى هى المشكلة اريدك ان تكون شاهد لى يوم القيامة امام رب العالمين بأنى اردت ان اتوب توبة حقيقية
الشمس
وبعد فترة سمحت ادارة السجن بأن استخدم ثلاجة فى الزنزانة مع جهاز تلفزيون كما سمحوا لى بالخروج يوميا ساعة واحدة للشمس الا انهم لم يسمحوا لى بالاختلاط مع بقية السجناء حيث كان هناك حاجز حديدى يفصل بين الساحه التى اخرج فيها هذه الساعه وبين الساحه التى يخرج فيها بقية السجناء ولاكن كانت فى الحاجز عدة ثقوب استطعت من خلالها ان ارتبط بالسجناء واحدثهم واستمع اليهم بعيدا عن عيون الحراس 
آل حكيم
كانت خارطة الاقسام المغلقه89-1990 حيث نقلونى اليها للمرة الثانية ،قد اختلفت عما كانت عليه فى المره الاولى 79-1980 حيث اصبحت الان تنقسم الى سبعة اقسام وهى القاطع الاول والثانى والثالث والجملون الثانى والثالث والانفرادى والتاهيلى ، ولاسباب سياسية وضغوط دولية كانت الاقسام المغلقة قد فتحت وتحولت - فى الواقع - اقساما مفتوحه وواجه السجناء عوائلهم وكان عددهم بحدود 1370 سجينا ، وكان آل حكيم فى القاطع الثانى ثم نقلوهم الى التاهيلى حيث كنت مسجونا فيه وذلك بعد نقل سجناء الغرفتين الاخريتين الى مكان اخر واحتجاز آل حكيم فيهما ،الا ان ادارة السجن لم تسمح لى بالاختلاط بهم ، بل بقيت مسجونا فى غرفتى على انفراد ولكنها سمحت لى بذلك بعد فترة وبعد اصرارى الكثير على المسؤولين ، وبعد فترة رفع الحاجز الحديدى الذى كان يفصل بين ساحة التاهيلى وساحة الاقسام الاخرى وقد عبر ذلك عن بداية مرحلة جديدة من الانفتاح وكان بالنسبة للسجناء بمثابة سقوط جدار برلين 
افضل الفترات
لقد فرح السجناء الذين كانوا قاطبة من الاسلاميين بالتعرف على واللقاء بى لاننى كنت اعرف الكثير عن مصائر عدد من المعتقلين فى فترة 79-1980 والذين كانت اخبارهم مقطوعة عن عوائلهم ولذلك سألونى عن السجناء القدماء فحدثتهم بما كنت اعرف ، كما حدثونى عما جرى على المؤمنين من الاعتقالات والاعدمات والمحن والاهوال خلال السنوات العشر التى كنت مقطوعا فيها بشكل كامل عن مجتمع المؤمنين وحافل الاسلاميين ، وهكذا كانت الفترة هذه من افضل فترات السجن بالنسبة لى حيث الانفراج وحرية العلاقات مع المؤمنين وان كان ذلك وراء القضبان الحديدية فكل شعبنا حتى خارج المعتقل كان سجين القهر والظلم والاذلال ، وهكذا اصبح السجناء يدعوننى فى غرفتهم لتناول وجبات الغذاء معهم فكل يوم فى غرفة وكانت الاقسام تفتح فى الصباح الباكر وتغلق عصرا ثم تمدد الوقت فكانت تغلق ليلا ، وكنت اخرج فى الصباح الباكر مع بعض السجناء للهروله والتمارين الرياضية ، لقد تحسنت صحة السجناء وترتبت امورهم وواجهوا عوائلهم ورفع الضغط عنهم فلم يبق امامهم الا ان يودعوا هذا السجن اللعين ليشاركوا عوائلهم المحن والاضطهاد فى سجن العراق الكبير ، وخلال هذة الفترة حاولت استغلال الفرص للتزود من العلماء الذين كانوا معنا فى المعتقل والقيام ببعض الاعمال والفعاليات الثقافية ، هذى وكنت احضر دروسا عند اساتذة اكفاء منهم السيد صادق يوسف الحكيم والسيد رياض الحكيم والسيد جعفر الحكيم وقد قمت باعادة صياغة المسائل الشرعية - المسائل المنتخبة - للسيد الخوئى باسلوب بسيط مفهوم لعامة الناس وقد راجع المسائل السيد جعفر الحكيم وقام السجناء باستنساخ هذه المسائل الشرعية باليد واعطائها للعوائل للاستفادة منها خارج السجن وكنت اقوم كذلك بتدريس بعض المواد العلمية للطلبة الجامعيين بهدف تنشيط ذاكرتهم العلمية 
روايات
وفى هذه الفترة حيث الانفراج والعلاقات المفتوحة والطبيعة مع السجناء وحيث غياب الضغوط والممنوعات كانت لنا فرصة التحدث مع بقية المعتقلين عن قضاياهم وما لاقوه من مر العذاب سواء خارج السجن او داخله خلال السنوات العشر الماضية كما كنت مهتما بسماع روايات المعتقلين عما يرتبط بفضائع السجن وجرائم اجهزة الامن والمخابرات بحق ابناء شعبنا المضطهد واذكر هنا بعض النماذج مما تعرض له شعبنا المظلوم على ايدى جلاوزة صدام فى سجون العراق

حتى الرضيع؟
حدثنى (ع.ك) قائلا... سجنت فى مركز تحقيقات المخابرات وهو مركز رهيب للتحقيق والتعذيب بناه الصرب اليوغسلاف لزميلهم صدام حسين ، وكان فى هذا المركز زنزانات مساحة كل زنزانة متر مربع واحد او اكثر بقليل وكانت زنزانات مصبوغة باللون الاسود الارض والجدران والسقف ... ظلام دامس وزنزانات اخرى مصبوغة باللون الاحمر وبها حنفية ماء فأذا فتحت الحنفية ترى نفسك وكأنك تسبح فى بركة من الدماء ثم اضاف قائلا اخرجونى فى احد الايام لتنظيف الممر فرأيت امرأة يبدو عليها انها من اهل الجنوب ومعها ثلاثة اطفال طفل رضيع وبنت عمرها 7 سنين وطفل عمره 4 سنين وبينما كنت انظف الممر جاء ضابط وسأل المرأة عن زوجها فقالت لا ادرى عنه شيئا ولو كنت اعلم بمكانه لاخبرتكم به فقال لها يجب ان تخبرينا فقالت له والله لا ادرى عنه شيئا ولو كنت اعلم لاخبرتكم ، ان زوجى صاحب غيرة وحمية ولو علم بأن زوجته واطفاله هنا لسلم نفسه ، سحب الضابط الطفلة ذات السبع سنوات من ظفيرتها الجميلة بقوة ووجه رصاصة من مسدسه لرأسها قضت عليها فى اللحظه ثم القاها امام امها تسبح فى دمائها ثم قال لامها اين زوجك ، فدهشت المرأة وهى تصرخ لا ادرى ، ثم سحب الضابط الطفل الرضيع من صدر امه وضرب به الحائط فتناثر مخه ثم القاه الى امه وهو يصر بكل برودة اعصاب ... اين زوجك ، صارت الام المرأة مدهوشة وشبه مجنونة وهى تردد .. لا ادرى .. لا ادرى حتى الدموع جفت من مقلتيها ولاكن هل اكتفى الضابط ؟ .. كلا ... مسك الضابط بالطفل الثالث من رجله وبقوة ضربه بالحائط فتهشمت جمجمته وتناثر مخه ايضا وهنا جنت المرأة حقيقة ، دخل الضابط غرفته ونادى المنظفين ان احملوهم ، فجاء المنظفون بعربة اوساخ ووضعوا فيها الاطفال الثلاثة  ونقلوهم
العقارب
ويروى (ع.ك) ايضا انه فى احد الايام ادخلونى فى سرداب فى مركز تحقيق المخابرات وكانت هناك مجموعة من الاقفاص تشبه اقفاص الحيوانات فى حديقة الحيوان ، ادخلونا فى قفص انا ورجل طاعن بالسن وشاب اخر وجائنا ضابط المخابرات وقال ساعطى كل شخص منكم قلما ومن حقه ان يدافع عن نفسه ولاكن ان قتل واحدة ساقتله برشاشتى هذه وسحب اقسامها مستعدا لاطلاق النار ثم فتح علبة فخرج منها عدد رهيب من العقارب الصغيرة واخذت هذه العقارب تلدغ كل مكان تصل اليه ... العين .. الانف والاذن والمناطق الحساسة ، وبالرغم من ان لدغاتها لم تكن سامة الاانها كانت مؤذية جدا ثم اضاف كانت يدا الرجل الطاعن فى السن ترتعشان فحينما اراد ابعاد العقارب عن عينه فانه فقأها وانا لا استطيع مساعدته لان العقارب دخلت انفى واذنى وملأت جسمى ولا أدرى هل احمى نفسى او اساعده
الكلاب 
ويروى ايضا انه كان فى احدى الزنزانات كلاب وحشية مدربة على تعذيب البشر وكانت مربوطه بسلاسل ويوجد طوق جديدى على فمها يمنعها عن عض الانسان بأسنانها وكان طول السلسة بحيث يستطيع الكلب ان يصل الى قرب الجدار بفاصلة حوالى 30 سانتيمترا وكانت هذه الكلاب تطلق على السجين الذى يأخذ بالصاق ظهره بالجدار للخلاص منها وكان الكلب لا يستطيع ان يصل اليه الا بمخالبه التى تبدأ بنهش السجين حتى يصبح قطعة من الدماء
الحريق
وذكر احد السجناء قضية كان ضحيتها نائب ضابط وزوجته وهى ان حدث حريق فى بيت نائب الضابط فاصيب طفلاه بحروق فى بدنيهما فنقلتهما امهما الى المستشفى لأن والدهما كان فى وحدته العسكرية ، ذهبت الام لتخبر زوجها عن بيتها وعن ولديها المحروقين واسمهما (قصى) و(عدى) انتظرت زوجها بالاستعلامات فى وحدته العسكرية ولما جاء قالت له ابو عدى لقد احترق البيت واحترق قصى وعدى ، فتم اعتقالهما لان عدى وقصى هم اولاد الرئيس فكيف تقول الام احترق عدى وقصى
السنبلة الخضراء
اقتادوا للسجن مجموعه من طلاب المرحلة المتوسطة من احدى مدارس البصرة واذاقوهم مر العذاب ثم اودعوهم السجن ، وسألناهم عن الجريمة التى ارتكبوها وهم مجموعة من الاحداث صغار السن ؟ ... فقالوا نحن اعضاء فريق رياضى فى مدرستنا واسمنا فريق السنبلة الخضراء ويشرف علينا معلم الرياضة وهو عميل لحزب السلطة وكان يؤذينا كثيرا ولم نكن نحبه ، فكتب احدنا على ظهره عبارة هذا حمار دون ان يشعر ولما اكتشف الامر غضب علينا ورفع ضدنا تقريرا للامن فاعتقلونا وجاؤوا بنا الى هنا
ببغاء الرئيس
فى فترة من الفترات كان من برامج صدام الاعلامية هو القيام بافتتاح المعارض واللقاء بالافراد المعدين سلفا لهذا الغرض وامام كاميرات التلفزيون كان يقدم بعض المتملقين هدايا للسيد الرئيس (!) فى عملية اعلامية لاظهار شعبية صدام ، وفى احدى المرات قدمت بنت هدية للرئيس هى عبارة عن ببغاء ناطق كانت قد علمته عبارة (حبيبى صدام) وقد كرر الببغاء هذه العبارة امام صدام وصورته عدسات التلفزيون ، فى اليوم التالى وفى كلية العلوم كان الطلاب فى احدى الصفوف - وقد تأخر الاستاذ عن الحضور - يتمازحون فيما بينهم كعادة الشباب وفى هذه الاثناء قال احدهم مخاطبا صديقه ، حبيبى على بلهجة مشابهة للهجة الببغاء وضحك الجميع اشارة الى ما شاهدوه فى الليلة الماضية فى التلفزيون ، ولما رفع المخبرون الموجودون عادة فى كل مكان تقريرهم بشأن ما حدث ، تم اعتقال جميع طلاب الصف من قبل اجهزة الامن بتهمة الاستهزاء ببغاء يحب السيد الرئيس 
الحلم = الاعدام
مجموعة شباب يسكنون فى منطقة سكنية واحدة ويشكلون فيما بينهم فريق رياضيا لقضاء اوقات الفراغ وتبلغ اعمارهم بين 11 - 13 سنه راى احدهم فى الحلم انه قاد ثورة فى العراق واصبح رئيسا للجمهورية وعين اصدقاءه الاعضاء فى الفريق وزراء فى حكومته ، فتحدث عن هذا الحلم لاصدقائه وتناقلته الالسن ولما عرف جهاز الامن بذلك اعتقل الحالم وكل اعضاء الفريق ، وبعد العذاب الذى لاقوه ، ساقوهم الى محكمة الثورة برئاسة مسلم الجبورى واثناء المحاكمة الصورية قال احد اعضاء الفريق سيدى هذا هو الذى حلم فما ذنبى انا ؟ ... انا لم احلم بشئ ؟ ... صرخ مسلم الجبورى وقال أخسأ ... يوجد بالعراق 16 مليون عراقى لماذا لم يحلم بهم وحلم بكم فقط ... انتم مجرمون ايضا ، وحكم مسلم الجبورى على اعضاء الفريق بالسجن المؤبد وعلى الحالم بالاعدام
غزو الكويت 
وخلال فترة وجودى فى القسم التأهيلى كان غزو صدام حسين للكويت فى آب1990 وفوجئ العراقيون والعالم بذلك فرفقاء الامس وشركاء الدم فى حرب ضروس دامت ثمان سنوات يكافؤهم بغزو عسكرى دنس على الارض والعرض وقد كثرت التحليلات بين السجناء وتشعبت فمنهم من يعتقد بأن قرار احتلال الكويت هو قرار امريكى وان التنفيذ هو صدامى ومنهم من يرى خلاف ذلك واما رأيى فقد شرحته للسجناء حينما اجتمع عدد منهم حولى متسائلين عن تحليلى للأحداث فقلت لهم ، صحيج ان صداما لعب دورا رئيسيا لتنفيذ الخطط الامريكيه والغربية في مواجهة الثورة الاسلامية فى ايران ومنع امتدادها وتأثيرها فى العراق بشكل خاص وبالمنطقة العربية بشكل عام، ولاكن لا يعنى ذلك ان صداما يبقى هو الرهان الوحيد للأمريكان والغرب لأن هؤلاء يعرفون بأن صداما هو انسان غير متوازن عقليا وطموحاته الشخصية تتجاوز الحدود الطبيعية ومن الممكن ان يرتكب حماقة ويقوم بعمل آخر يربك أمن المنطقة وبالنتيجة يعتبر تهديدا للمصالح النفطية لان استخراج النفط وضخه يحتاج نوعا من الاستقرار السياسى والامنى بالمنطقة وانا اعتقد ان صداما استنفذ دوره بالنسبة لامريكا والغرب وهو يشعر بانهم غير محتاجين اليه ولهذا ارتكب هذه الحماقة بالاعتداء على الكويت حتى يجعل العالم امام واقع جديد ويخلق من نفسه قضية من غير الممكن تجاوزها او القفز فوقها وبالنتيجة فان العالم العربى والعالم الغربى يجب ان يتعاملا معه ويعطياه موقعا خاصا وانا اعتقد ان صداما بعنجهيته وتهوره لن ينسحب من الكويت ولا تهمه الخسائر او تهديم البلد وتدمير اقتصاده وان امريكا والغرب لن يتساهلوا فى قضية الكويت لذا فان الحرب بين امريكا والغرب من جهة وبين صدام حسين من جهة اخرى امر حتمى ، كان هذا هو تحليلى لغزو الكويت فى الايام الاولى لوقوعه وقبل اشهر من الضربة الجوية ووقوع الحرب البرية 
الشيعة والغزو
ولكن ماذا كانت انعكاسات الغزو على السجناء وكيف كان تعاملهم مع اثار الغزو وماذا كانت مواقفهم بل ماذا كانت مواقف الشيعة العراقيين بشكل عام من الحماقة الصدامية ... هذه بعض الامثلة
بعد ايام قليلة من الغزو امتلأت الاسواق العراقية بالبضائع المسروقة من الكويت وتبعا لذلك اخذت حوانيت السجن تعرض هذه البضائع ايضا الا ان موقف السجناء وهم يمثلون خيرة ابناء الشعب العراقى ، كان الامتناع عن شراء اي حاجة من الحوائج المسروقة من الكويت وكانوا خلال الزيارات العائلية يوصون عوائلهم بذلك رغم الحاجة الماسة للكثير من هذه البضائع التى لم تكن متوفرة فى السوق العراقية خلال سنوات الحرب الاولى ، وكمثال على هذا الموقف المشرف ، فى احدى ايام الزيارات المفتوحة جاء جندى عائد من الكويت لزيارة احد اقربائه في السجن ، فجاءنى السجين مع الجندى يسألان عن حكم شرعي ، حيث كان الجندي حارسا لأحد البنوك الكويتية وقد تم اخلاء البنك من كل محتوياته من قبل قوات الحرس الجمهوري وقد وجد هذا الجندي صندوقا مملوء بالدنانير الكويتية فأخذه هو والحراس الذين معه ولم يسلموه للضابط المسؤول لأنه كان يصادرها ولم يكن الجندي قد تصرف بهذه الاموال وكان يسأل عن الحكم الشرعى وكيفية التصرف بها 
وبعد الغزو بأيام طلبت الاجهزة الامنية من السجناء التطوع للحرب في الكويت فقسم من السجناء رفض صراحة القبول بهذا الامر لأنه كان يرى فيه الذل والخنوع والخزي اما القسم الآخر فقد وافق على ذلك لأنه كان يرى فيه امكانية الهروب من السجن دون الالتحاق بالجبهة ولأننا كنا في فترة الانفتاح عندما حدث الغزو فقد سمعنا بوجود حوالي 70 اسيرا كويتيا فى قاطع المخابرات الذى كان كما اشرنا سابقا قاطعا مغلقا ومعزولا الا ان الكثير من اخواننا السجناء كانوا يبذلون المستحيل لكي يوصلوا لهم بعض حصصهم الغذائية رغم ان هذا العمل لم يكن ليتم بسهولة ورغم ما كان فيه من المخاطر الجسيمة ، لاننا كنا نشعر بألمهم ونعرف انهم مظلومون وانهم لا يستطيعون تحمل المجاعة التى يواجهونها فى قاطع المخابرات وبشكل عام كان هناك تعاطف كبير من قبل السجناء مع الاسرى الكويتيين 
وخارج السجن
كانت هذه نماذج حية من تعاطف العراقيين داخل السجون مع قضية الكويت اما فى خارج السجن فلم يكن الامر يختلف عن ذلك كثيرا ، فقد شهدت الاهوار العراقية فى الجنوب عمليات عسكرية كبيرة من العشائر العراقية الشيعية لعرقلة تقدم الجيش نحو الكويت كما استشهد الكثير من المجاهدين الاسلاميين الشيعة في عمليات عسكرية لعرقلة خطط الجيش الصدامى ، وبالرغم من ان الهروب من العسكرية كان جزاؤه الاعدام القطعي الا ان 40% من ابناء الجيش من شباب الشيعة كانوا يهربون من وحداتهم لكي لا يدخلوا الكويت ويلوثوا ايديهم بدماء الابرياء رغم انه لم تكن هناك اية مخاطر تهددهم في الفترة الاولى ، ورغم ان هذه المواقف لم تؤثر بالشكل المطلوب فى افشال خطط صدام الذي كان مجهزا بالآلة العسكرية والحزبية الضخمة وبنتائج الدعم الفني والعسكرى والاقتصادى من اصدقائه الغربيين والعرب خلال الحرب مع ايران الا انها تعتبر مواقف مشرفة لشيعة العراق ، ولاكن مع الاسف لم تقدر هذه الوقفة للشعب وانما حملوا جميع تبعات جرائم صدام وحزبه وجهازه العسكرى والامنى على الشعب العراقى بالمزيد من التنكيل به وتضييق الخناق عليه بدعوى محاصرة نظام صدام ، ومالا استطيع القبول به هو الخلط بين العراق وكأنه عراق واحد فيربط مصير الشعب بصدام ويحمله تبعات جرائم صدام وهذا بذاته هو من اكبر الجرائم بحق الشعب العراقى وهو ما لا يغيظ صدام بل يرتاح اليه الطاغية ، ان اكبر ضحية لجرائم صدام هو الشعب العراقى واذا كان هناك من هو جاد في الانتصار للشعب والتخلص من جرائم النظام الصدامى فعلية العمل للتخلص من الطاغوت وليس الضغط على الشعب
الكمامات الواقية
وفى ايام الحرب اعلن صدام بشكل صريح عن امتلاكه للأسلحه الكيماوية وهدد بحرق نصف اسرائيل اذا قصفت بغداد ، وكان من ذي قبل قد استخدم السلاح الكيماوى ضد الشعب العراقى فى شمال العراق واستخدمه ايضا فى بعض المدن الايرانية فكان من المتوقع ان يستخدم السلاح الكيماوى ضداسرائيل وبذلك يتوفر لها فرصة لضرب الشعب العراقي وتكون ذريعتها ان صداما هو الذى بدأ ، وكنا نتوقع ان يكون سجن ابو غريب مستهدفا من قبل اسرائيل لتصفية الاسلاميين لذلك قمت بتصميم كمامات واقية من الغازات السامة وذلك باستخدام مواد بسيطه يمكن توفيرها في السجن وهى عباره عن علبة بلاستيكية او زجاجية او معدنية وانبوب صغير كالذى يستخدم فى مغذى المريض وفحم ، كما اعطيت المساجين بعض التعليمات الضرورية التى يجب اتباعها اثناء القصف الكيماوي وطلبت منهم سد النوافذ والشبابيك بالطين ووضع النايلون لمنع تسرب المواد الكيماوية والغازات السامة الى داخل الزنزانات حد الامكان