الحلقة الرابعة


المحكمة
تتلخص عدالة القضاء العراقى فى محكمة الثورة وهى محكمة عسكرية صورية لأن الاحكام التى تصدرها مطبوخة ومعده سلفا فى دوائر التحقيق والتعذيب والحاكم الحقيقى هو الجلادالذى يتعامل مع السجناء بلغة الصنارة والتعذيب وتعد الاحكام لمحكمة الثورة بالطريقه التاليه بعد عدة ايام او اسابيع او شهور يقضيها تحت ماكنة التعذيب التى تهرسه تماما يصدر المحقق النزية حكمة بناء على قناعته التى اكتسبها من خلال تعامله مع السجين ثم يرفع الحكم ضمن تقرير الى لجنة خماسية تسمى لجنة الامن القومى تابعه الى رئاسة الجمهورية ومقرها فى القصر الجمهورى,تتكون اللجنه من خمسة اعضاء كلهم رفاق منتمون الى حزب السلطه وهم مستشار الامن القومى من القصر الجمهورى ورئيس محكمة الثوره ومدير المخابرات ومدير الاستخبارات ومدير الامن العام ويكتب كل عضو من اعضاء هذه اللجنه كلمه موافق تحت قرار المحقق ثم يعطى الى رئيس المحكمه لابلاغ المتهم به فى قاعه المحكمة , واما المحكمة فكانت تتكون من رئيس المحكمه مسلم هادى الجبورى عضو اللجنه الخماسية ومستشارين عسكريين برتبة عقيد يجلس احدهم على يمين الحاكم والاخر عن شمالة اما المحامى عن المتهم وهو المدعو محمد حسن الحديثى وكل هؤلاء ينتمون الى الحزب الحاكم وتقع محكمة الثورة على الطريق العام الموصل الى سجن ابو غريب ويقاد المتهمون من سجونهم معصوبين العيون ومكبللى الايدى الى سرداب يقع بالقرب من قاعة المحكمة وهناك ينتظرون ريثما يصل اليهم الدور ثم يصعدون السلم المؤدى الى القاعه التى تجلس هيئة المحكمة فى صدرها وامامهم قفص الاتهام الذى يوضع فيه المتهمون فى مواجهة رئيس المحكمه اما محامى الدفاع فهو شخص واحد تعينه السلطه دون ان يلتقى بالمتهم او يعرف شيئا عن قضيتة وهو غالبا ما يساعد المدعى العام فى الهجوم اللاذع ضد المتهم بدل الدفاع عنه 
القضاء
فى كثير من الاحيان تصدر القرارات والمتهمون لم يرافعوا و حتى لم يدخلوا قاعة المحكمه بل يستلمون احكامهم وهم جلوس فى قاعة الانتضار واحيانا يرافع اربعون او خمسون متهما خلال عشر دقائق ويطالب المدعى العام باقصى العقوبات والكليشه المكتوبه والمكرره انهم عملاء عملاء الصهيونيه والرياح الصفراء وجواسيس لاسرائيل وعملاء المخابرات الاجنبيه اعداء الحزب والثوره والسيد الرئيس وهكذا, واما المحامى الذى توكله المحكمه فان موقفه كما اشرنا لا يختلف عن موقف المدعى العام بل احيانا يكون اشد ويعترض على تساهل المدعى العام ويخاطب الحاكم ويقول له سيدى ان المدعى العام لم يعطى هؤلاء الخونه حقهم لقد اعتدى هؤلاء على امن وسلامة البلد وتعرضوا للسيد القائد والمحامى لم يقرأ افادة المتهم ولم يلتقى به مطلقا وانما يسمع كليشة المدعى العام ويؤيدها فى مسرحية ساخره 
المرافعه 
فى يوم 12 شباط 1982م اخذونى مع مجموعه من المتهمين من مديرية امن بغداد فى سياره مغلقه الى محكمة الثوره وكانت عيوننا معصبه والجامعات الحديده فى ايدينا وكانت المجموعه تتألف بالاضافه الى حيث كان اسمى الاول بالقائمة وهم الدكتور حسن محمد رجاء وكان مستشار فى وزارة النفط والمهندس ماجستير محمد صالح فخرى وكان مسؤول الأله الحاسبه فى وزارة النقل والمواصلات وعبد الخالق كان مهندس فى محافظة البصره وقد برأته المحكمه بالاضافه الى شخص اخر لا اذكر اسمه وكذلك شخص سادس اسمه المهندس عبد الكريم جواد مهندس فى وزارة النفط اطلق سراحه من مديرية امن بغداد قبل المثول امام المحكمه واستمرت المحكمة عدة ساعات وهذا امر استثنائى فى العداله الصداميه حيث ان عادة المحاكمات لا تتجاوز الدقائق ولعل ما حدث هو بسبب الثقل العلمى والشهره الدوليه والتى كانت تحضى بها قضيتنا بعتبار موقعى من منظمة الطاقه الذريه ومساهمتى الواسعه فى المؤتمرات الدوليه وكتابة البحوث العلميه فى مجالات ذات العلاقه , وكان سير المرافعه كالتالى دفع الجلاوزه بنا الى قفص المحكمه وقد رفعوا العصابات عن عيوننا ولاكن ايدينا بقت مقيده بالجامعات الحديدية ثم سالنا الحاكم عن اسمائنا واحدا واحدا   
 ثم بدأ بالتهجم علينا باستخدام كلمات بذيئه والفاظ سوقية فحاولت ان ارده فقال لى اسكت سيتكلم المدعى العام وبعدها انت تتكلم,كان للمدعى العام قوالب معده سلفا يقراها فى كل مره وعلى اى مجموعه تصعد الى المحكمة لا علاقه لها بقضية الاعتقال او التحقيق وانما يذكر فيها ان هؤلاء عملاء للصهاينه وعملاء الاستعمار وضد الحزب والثوره وضد السيد الرئيس يريدون من الريح الصفراء ان تكتسح الوطن الحبيب ان هؤلاء منتمون الى حزب الدعوه واطالب لمحاكمتهم وفق المواد كذا وكذا ولم يطل الادعاء اكثر من دقيقه واحده ثم بدا رئيس المحكمه بالسباب واستخدام الكلمات البذيئه ومما قاله انتم العجم ما يصير لكم جاره ( كلمة جاره هى كلمه فارسيه وهى تعنى الحل) وانتم كم تفضل البلد عليكم ثم خاطبنى من بين المجموعه وقال لى لقد عينوك فى اكبر منصب علمى بالبلد ولقد تفضل به عليك السيد الرئيس ولكن يبقى العرق الفارسى دساس عندكم دائما تخونون وطنكم انكم عملاء للاجنبى وهكذا استمر رئيس المحكمه بسرد التهم والتى كانت اشبه بالشتم التى لا تليق بمن يتبوأ مجلس القضاء لما سمعت ذلك منه تأثرت كثيرا بهذه المهزله وقلت له بصوت مرتفع ودون مراعاة الأداب المتداوله فى المحاكم ..... 
انظر مسلم الجبورى وهو لم يكن يتوقع ان اجاببه بهذا الاسلوب فانتبه مستغربا واما العقيدان الذان كانا على جانبه وهم كانا يغطان بالنوم العميق ربما بسبب السكر الليلى انتبها ايضا مستغربين ان يتحدث المتهم بهذه الصوره .. فقلت له انك تنسب لنا العماله والخيانه لهذا الوطن وانا لسنا من ترابه لذا احب ان اقول لك ان من جملة الاوراق التى اخذها عناصر الامن من البيت هى شجرة انتساب عائلتى فنحن يعود نسبنا الى الامام موسى ابن جعفر عليه السلام ونسب الامام يرجع الى النبى عليه الصلاة والسلام ونسب النبى يرجع الى النبى ابراهيم الخليل عليه السلام  والذى ولد فى اور فى العراق سنة 1850 قبل الميلاد فتاريخ شجرتى وعائلتى يرجع الى هذا الوطن واتحداك انت ومن يدعى الوطنيه مثلك ان يعرف تاريخ عائلته فى هذا الوطن فاترك عنك ترديدات عبارات عجم وعرب فاذا وجد لب للعروبه فهو نحن فنحن سادة العرب واصل العراق ثم انك تنسب لى الخيانه لهذا البلد فاحب ان اقول لك ان هذه الدوله التى تحكمون بها انتم الان شارك فى تاسيسها والدى وعمى فهم كانوا من قيادات ثورة العشرين وهم الذين ساهموا بتحرير الوطن من الانجليز فمثلنا لا يخون هذا الوطن وهنا تسائل مسلم الجبورى وقال ومن هم 
ابوك وعمك فأجبته انهم السيد ابراهيم الشهرستانى والسيد هبة الدين الشهرستانى فهز رأسه موافقا واعترف ان السيد هبة الدين الشهرستانى كانت له مواقف معروفه ومشرفه فى ثورة العشرين ثم واصلت كلامى وقلت له انك تنسب لنا العماله للصهيونيه والاستعمار فبامكانك ان تراجع الاوراق التى اخذها عناصر الامن من البيت لكى تعرف بانى لما كنت طالبا فى جامعة تورنتو بكندا حدثت نكسة حزيران1967 وفى حينها كنت رئيسا بالجمعيه العربيه الفلسطينيه فتحدثت فى وسائل الاعلام عن الحق الفلسطينى والحق العربى فى فلسطين ولقد ارسلت لى عشرات رسائل التهديد من مؤسسات صهيونيه تهددنى بالقتل والطرد من الجامعه وكندا وهذه كلها موجوده عندكم فى الاوراق المصادره من البيت فقد كنت احارب الاستعمار والصهيونيه وانا فى عقر دارهم والان انت تتهمنى بالعماله لاسرائيل والتجسس للاجانب ان هذه التهم لا تلصق بنا ولما لم يجد مسلم الجبورى جوابا منطقيا للردود على الاتهامات وانه لم يكن يتوقع ان يقف متهما فى هذه القاعه بوجهه ويجرأ على مناقشته ورد الاتهامات كان جوابه... والله لو تبقون مو بس 1850 سنه قبل الميلاد لو تبقون 4000 الاف سنه تضلون عجم وما يصير الكم جاره ثم قال صحيح ان هبة الدين الشهرستانى كان من قيادات ثورة العشرين   
  ولاكن لما خنتم وطنكم ووضعتم يدكم فى يد الاجنبى فقلت له نحن لم نضع يدنا فى يد الاجنبى ولكن لنا وجهة نظر انتم ترونها غير مناسبه للحكم وهكذا استمر الجو المشحون بينى وبينه ولم يتم التطرق الى التهم المنسوبه واما الاخرون فانه سأل كل واحد منهم انت مذنب ام برئ فكان جوابهم بانهم ابرياء وبعد ذلك قرأ الاحكام علينا فكان حكمى بالسجن المؤبد وحكم على كل من الدكتور حسن محمد رجاء ومحمد صالح فخرى بالسجن سبع سنوات والرابع خمس سنوات ونصف واما عبد الخالق فقد افرج عنه ومره اخرى عصبوا اعيننا ومن ثم نقلونا الى سجن ابو غريب واودعونا فى سجن الاحكام الخاصه 
 

هذه العدالة
يسمع العراقيين خارج السجون الكثير من مهازل القضاء وصور العداله عن طريق حزب البعث العراقى وقد يتصور البعض ان فيها شيأ من المبالغات الاعلاميه ,ان من يدخل دهاليز العدالة الصداميه ويشاهد صور القضاء العراقى من الداخل يعرف تماما ان ما يتناقله ابناء الشعب خارج السجون ليس الا صورة باهته عما يجرى وراء القضبان وبمناسبة الحديث عن المحاكمه والقضاء فى عراق صدام اروى للقارئ الكريم قصة واحد من عشرات القصص الحقيقيه التى لمستها بنفسى داخل السجن عن عدالة القضاء العراقى ... حدثنى رجل تركمانى تجاوز عمره الستين عام من اهالى طوزخورماتو التابعه الى محافظة كركوك عن قضيتة وقصة محاكمتة فقال انى أملك محل نجارة فى الساحةالرئيسية فى طوزخورماتو وفى احدى الايام داهم رجال الامن محلى واعتقلونى ونقلونى من محافظة كركوك الى مديرية امن الحله وهناك وجدت مائة شاب معتقل يحققون معهم وعلمت بوجود شابين باع احدهم مسدسا للأخر وتوعدا على الاستلام والتسليم بالقرب من محلى وانا لا اعلم بذلك ولا علاقة لى بالموضوع وكان محلى مجرد علامة بين الشابين ولما اعتقلونى قالو لى انت متواطؤ معهما والا لما تواعدا بالقرب من محلك ولتواعدا فى مكان اخر ثم اخذوا يعذبوننى 
وضربونى 300 ضربة وانا استحى ان اقول اااه وقال احدهم قول اااه حتى يتركونك وفعلا قلتها فتركوننى ثم عندما لم يجدوا ما اعترف به ولم يثبت تورطى فى قضية السلاح نقلونى مع الشباب المائه الى المحكمه وقلت للمحقق ماالذى عملته حتى تأخذوننى الى المحمكه انا برئ فقال المحقق ان كل شخص يدخل الى الامن يجب ان يذهب الى المحكمه وانت لا تخف فسوف تحكم حكما خفيفا سبع سنوات فقط ليس غيرها فتوسلت اليه ان يخفف الحكم لاكنه رفض وقال لى اخف حكم سبع سنوات ولا توجد عقوبه اخف من هذه ويضيف التركمانى المسكين كانت عيوننا معصبه والجامعات الحديدية فى ايدينا ولما دخلنا المحكمه فان قفص الاتهام لم يسعنا لان عددنا كان كبيرا فاجلسونا فى سرداب الانتظار ورفعوا العصابات عن عيوننا وادخلوا خمس اشخاص بالنيابه عنا جميعا وبعد خمس دقائق عاد هؤلاء الخمسه وقد حكم عليهم بالاعدام اما الخمس وتسعون شخصا الباقين فقط اعطى كل واحد منهم ورقه صغيره ملفوفه كعقب السيجاره وقالوا هذه احكامكم وحينما استلمت ورقتى اعطيتها للشخص الذى كان جالسا بجنبى طالبا منه ان يقرأها لى لانى امى لا اقرأولا اكتب فقرأها لى وقال انت محكوم بالسجن المؤبد فتوسلت الى الضابط وقلت له هذه الورقه ليستورقتى انت قلت لى ان حكمى سبع سنوات وهذه حكمها سجن مؤبد فركلنى الضابط برجله وقال اخرس  كلها نفس الشئ 
 هذه صوره من صوره محاكم البعث نعرضها على قضاة العالم