انني غير مطمئن لك،لانك ستفعل بنا ما فعله عمك برفاق دربه، حيث
قتلهم الواحد تلو الآخر
حضرت في احد الأيام ووجدت حسين كامل مرهقاً لم يحلق ذقنه ويرتدي ذات الملابس التي
تركته في الليل يرتديها وقرب كرسي صالة الجلوس غطاء صوفي وتأكد لي أن حسين كامل قد
قضى ليلته على الكنبة، وسيتكرر هذا المنظر كثيراً فيما بعد لان زوجته كانت لا تسمح
له بالدخول إلى الجناح الذي تقيم فيه، وكان يضطر إلى تغيير ملابسه في النهار.
وبعد ان عرفت أن حسين صار يقضي ليله بعد أن نتركه ويبقى وحده في الحديث بالهاتف فهو
خليله الوحيد، وهو كما قلنا لم يكن يحب القراءة ابداً بل ام يكن يقرأ حتى الرسائل
التي ترده، مثلما كان لا يحب مشاهدة التلفزيون، وتبين لي ذلك إذ عندما كنت أكلم بعض
الشخصيات المعارضة غالباً ما يقال لي أن الفريق حسين قد كلمهم يوم أمس لمدة
ساعتين.وقد لاحظت عليه أحياناً لا يتكلف من مكالمة بعض العراقيين في أمريكا عندما
يكون الوقت في ساعات الفجر الاولى ، وكان لا يكلف نفسه عناء الإعتذار عن الإزعاج.
وقد طلب عدد من المثقفين العراقيين والأدباء العراقيين المقيمين في عمان لقاء
الفريق حسين كامل وقد رتبت هذا اللقاء بناء على طلب الفريق حسين كامل في بيتي.
لكن هؤلاء المثقفين قالوا فيما بعد للصحافة ان حسين كامل هو الذي طلب اللقاء بهم،
والحقيقة ليست كذلك فقد كان المثقف الوحيد الذي طلب حسين كامل اللقاء به هو الشاعر
المرحوم عبد الوهاب البياتي الذي اتصلت به ودعوته على العشاء في منزلي وأخبرته أن
حسين كامل سيكون موجوداً ودعوت صديقي العزيز المرحوم عاكف الفايز وقد كان سابقاً
وزيراً ورئيس البرلمان الأردني وهو من الشخصيات الأردنية المرموقة، كما دعوت العديد
من العراقيين المقيمين في عمان إضافةً إلى صلاح عمر العلي وهشام الشاوي. وعند دخول
حسين كامل إلى المنزل كان ولدي يزن موجوداً وكان لا يتجاوز الثالثة عشرة من عمره
وصافحه حسين كامل ولاحظ أن يزن لم يكن ودودا معه وسألني أمام الجميع: لماذا يزن
ينظر الي بنظرات حاقدة؟ قلت له يا سيادة الفريق: ان ابني مستغرب كيف أبوه يستقبلك
في بيته وأنت قتلت عمه وخاله. وقد قال لي هذا الكلام قبل أن تأتي وقد قال لأمه كيف
تحضرين الطعام لمن قتل شقيقك، وكان يزن قد سمع داخل الاسرة ان زوجة خاله المرحوم
خيري الألوسي قد ذهبت إلى منزل حسين كامل متوسطة ان لا ينفذ الاعدام بالشهيد خيري
الألوسي ولم يكتف حسين كامل بعدم التدخل بل طردها وقال لها: إن زوجك خائن وعلى صلة
بمشعان الجبوري ويجب أن يعدم.
وبعد أن أنهيت كلامي انفجرت قنبلة في المجلس من الصمت وراحت النظرات تتجه إلى حسين
كامل لتعرف رده فما كان منه إلا أن استجمع قواه وابتلع لعابه وقال: لست أنا هذا ما
فعلته الدولة وخلال النقاشات المتلاحقة في تلك الجلسة وعلى خلفية ما قلته على لسان
يزن جرت مناقشات حامية حول كيفية اخراج العراق من محنته وان يبدأوا مرحلة جديدة.
وقلت لحسين كامل في تلك الجلسة اسمع يا أبو علي انني غير مطمئن لك، واعرف انه لو
قدر وأحدث تغيير في العراق وعدنا سويةً فأنا على يقين بأنك ستقتلنا في الرطبة
(مدينة على الحدود الأردنية العراقية) وإن طال صبرك فلن تمهلنا أكثر من الرمادي
(مدينة 100كم غرب بغداد) لانك ستفعل بنا ما فعله عمك برفاق دربه، حيث قتلهم الواحد
تلو الآخر بمن فيهم الرجل الذي اعطاه الفرصة ليجلس على كرسي الحكم وكنت اقصد الرئيس
الراحل أحمد حسن البكر الذي جعل من صدام نائباً له وسلمه السلطة فيما بعد.
لقد كان المرحوم البياتي يذكرني بهذه الواقعة كلما شاهدني ويعبر عن اعجابه بصراحتي
وهو ما كان سبباً في أن تكون علاقتي حميمية مع الراحل البياتي.
لا أستطيع ان اورد كل ما قلته في تلك الجلسة لانني اخشى ان اتهم بالاستعراضية. وهذا
ما يجعلني ادعو الاستاذ صلاح عمر العلي أو الاستاذ هشام الشاوي للتعقيب واعطاء
شهادة عما جرى في تلك الليلة خدمةً للحقيقة واتعهد بنشرها كما ترد وحتى ان أرادوا
أن ينفوا هذه الواقعة. لقد تركت هذه الحادثة ظلالها على الوضع النفسي لحسين ولا أشك
أبداً انه شعر بالندم على الكثير مما فعله عندما كان في السلطة .
وفي يــــــوم اخر دعوت صدام كامل على العشــاء في بيتي وجرت العادة ان نقضي انا
وصدام أطول الوقت سويةً.
لقد دخل صدام إلى بيتنا ووجد ضيفاً آخر معه في المنزل، وكان الضيف هو الدكتور
سلمان الجبوري وهو طبيب عراقي مقيم حالياً في السعودية، لقد فوجيء صدام بمشاهدة
سلمان في بيتي ذلك لأن الدكتور سلمان كان معتقلاً عند صدام كامل وكان معه عشرات من
أقاربي أو المتهمين بأنهم لهم صلات معي وكان صدام يشرف على حفلات التعذيب الرهيب
لأقرب الناس الي مما كان يتسبب في وصولهم حد الإغماء فكان يستدعي الدكتور سلمان وهو
معتقل أيضاً لإجراء الإنعاش لفاقدي الوعي بسبب التعذيب ,وحين يستفيقون كان صدام
يبدأ حفلة التعذيب من اولها مجدداً .
وكان سلمان قد ذكر لي هذه الوقائع حين وصل إلى خارج العراق قبل خروج حسين كامل وقد
ساعدتة على الاقامة في تركيا .وقد تعمدت دعوته إلى عمان في تلك المرحلة لئلا يتوقع
حسين كامل وصدام كامل باني مخدوع بهم واني لا اعرف الحقائق ولكني قررت التسامح وقد
قلت وقتها لصدام اني ما اردت ان اضعك في هذا الموقف الا لتعرف اني اعرف كل شيء
والاعتذار الوحيد الذي يمكن أن تقدمه هو العمل الصادق والحقيقي لانقاذ العراق من
حكم اسرتك .والحقيقة تقتضي ان اقول ان صدام ما كان يرغب بالسياسة فيبدو انه اصبح
شخصاً متعباً لكثرة ما شاهد من
مناظر التعذيب والموت ،وكان قد شبع من نفوذ السلطة وبهجتها فقد اصبح يعاني من
حساسية من الضوء سواء ضوء النهار أو اضواء مصابيح الكهرباء الساطعة .وظهر الشيب في
لحيته على الرغم من صغر سنه وقال انه يتمنى لو نتركه يعيش لوحده في مزرعة يهتم
بالارض والاشجار والنبات وهو لا يرغب بان يكون جزءاً من أية سلطة قادمة في العراق.
في احد الأيام: ضمن دائرة الاتصالات التي كان حسين كامل يجريها مع المعارضين كان
يقابل احياناً قادمين من العراق. وأذكر ان حسين كامل كان فرحاً في أحد الأيام وقال
لي أنه استلم رسالة من ثائر عبد القادر سليمان المجيد وقد قال ثائر في رسالته إلى
حسين كامل أنه معه ويؤيده ومستعد أن يغتال صدام أو يأسره مع احضاره إلى حسين كامل.
وكان حسين كامل يعتبر أن ثائر سيكون أحد أدواته في استلام السلطة لقد تأكد فيما بعد
وعندما عاد حسين كامل إلى بغداد أن ثائر كان أول من قتل وهو يتقدم المهاجمين على
حسين كامل وهذا يعطي الإنطباع كم كان هذا الرجل مخطئاً في تقديراته ورؤيته للأشياء
وكان يقول لي طوال الوقت ايضاً ان لديه شخصية دبلوماسية في السفارة العراقية في
اسبانيا سيعلن استقالته ان هو اتصل به وأذكر أن الشخص كان شقيق نبيل نجم مندوب
العراق في الجامعة العربية انذاك ووكيل وزارة الخارجية حالياً وهو من أقرباء حسين
كامل وحين اتصل به حسين كامل وما إن عرف الرجل ان المتحدث هو حسين كامل حتى أمطره
بالشتائم وأغلق الهاتف بوجهه .
إشارات :
ان حسين كامل اراد ان يفهمني ان كل شيء في القصر تحت المراقبةوحين
اخذني إلى البستان الخلفي للقصر قال لي ان السلطات الاردنية تطلب منه التعاون مع
بعض المعارضين وهو يرى ان بعضهم لاتاثير له وغير معروف وميزته الوحيدة عند
الاردنيين انه من مروجي الفدراليةاو مؤيدشي المملكة والبعض الاخر لان له علاقات
مميزة مع الامريكان أو الانكليز كما قال ان اهتمام الديوان الملكي به قد تغير وانه
بدأ يتعرض لمضايقات كثيرة وصلت إلى انه يطلب استقبال بعض الاشخاص لكن حرس القصر
يمنعهم من الدخول وهذا ما اضطره لاحقاًلاستعمال فيلا خاصه بي كنت املكها في عمان
وقد كنت اخصصها للضيوف فاجرينا فيها مقابلات مع الذين منعوا من دخول القصر وكانت
المقابلة الابرز هي التي اجراها مع محطة تلفزيون MBC حيث اصرت السلطات
الاردنيةآنذاك على عدم دخول مراسل ال MBC إلى عمان بصحبة مندوب المحطة واذكر ان
الاستاذ عدنان نظام الدين مدير عام محطة الMBC قد كلمني وطلب مني ايجاد حل بعد ان
علم بقصة منع مراسله من دخول القصر الذي يسكنه حسين كامل لقد اتفقنا من اليوم الاول
ان نفكر بالمستقبل ونطوي صفحة الماضي وطلب مني ان اتواجد معه في القصر يومياً وطوال
الوقت لنتعاون ونتذاكر فيما يجب ان نفعله حيال الوضع في العراق في اليوم الثاني
اخذني النوم طويلا فطلبني في التلفون وسألني لماذا تاخرت وذهبت إلى قصر الحمر
بسيارتي الخاصة ولم اتعرض لاية مضايقات عند باب الدخول .وبدأنا يوم العمل بمجموعة
من الاتصالات الهاتفية وكان حسين يريد ارسالي على عجل إلى دمشق وكانت حلقة الاتصال
بيننا وبين دمشق هو اللواء وفيق السامرائي الذي ابلغني بالهاتف بانه رتب لزيارتي
إلى سورية وبامكاني الحضور متى ما أريد ووعدني باني ساقابل شخصيةمهمة معنية بالشأن
العراقي واتفقنا على موعد الزيارة. كان قد وصل عمان الاستاذ صلاح عمر العلي الذي
اسقبلناه انا وصدام كامل في مطار عمان وصحبناه من المطار إلى قصرالحمر .وقد كان
لصلاح علاقة خاصة مع حسين كامل عرفت من خلالها ان الاستاذ صلاح حين ارسل استقالته
وترك وظيفته عندما كان مندوب العراق في الامم المتحدة عام 1981 كلف الرئيس صدام
حسين حسين كامل بالذهاب إلى نيويورك والاجتماع بصلاح لإقناعه بالتراجع عن
الاستقالة.وفهمت من الاكلام ان حسين كامل لم يتمكن من اقناع صلاح بالتراجع لكنه
اقنعه بعدم العمل ضد النظام وان لا يسمح باستغلال قصة استقالته من قبل وسائل
الاعلام بما يؤثر على العراق الذي كان قد بدء بحرب ضروس مع ايران ونام الاستاذ صلاح
في الفندق وفي اليوم التالي ذهبت لاحضار الاستاذ صلاح حسب الموعدالمتفق عليه و
فوجئت بان حسين كامل قد حضر واصطحبه منذ ساعات الفجر الاولى .
هذه الاشارة واشارات اخرى جعلت احساسي يتعمق بان حسين كامل حائر بامره يعيش في
دوامة من الاحتمالات والمتناقضات ويحتاج إلى ناصح يرشده إلى الطريق الصواب فلم تكن
زيارته في الفجر لاصطحاب الاستاذ صلاح مجرد مصادفةبل لانه كان يأمل ان يجد لديه ما
يهدئ من ارقه ويخفف من غموض الايام المقبلة.ولم تكن احاديثه الطويلة على الهاتف
ليناقش الاخرين بما قرر ان يفعل بل لأنه يعيش محنة حائرةواكثر ما كان يؤجج هذه
المحنة هو كبرياؤه أو طباعه الحادة التي كانت تمنعه من كشف نفسه للاخرين وكان
السؤال الذي يواجهني بجسارة هو إذا كان حسين كامل يتخبط بلا برنامج أو منهج فهل
ساستطيع ان العب دورا ايجابيا كما يجب وكما اريد؟وكيف يكون ذلك؟