الحلقه الخامسه

وفي الأيام التالية، وبعد أن أصدر الأردن بياناً قال فيه أن الفريق الأول حسين كامل ومن معه قد طلبوا اللجوء السياسي في الأردن، وعلى إثر ذلك وصل عدي صدام حسين إلى عمان وطلب اصطحاب كريمتي الرئيس إلى بغداد.
وقام حسين كامل بخديعة الملك حسين وإيهامه بأن كريمتي الرئيس لا ترغبان في العودة إلى بغداد من خلال أخته، وربما كانت هذه الخديعة سبباً في المشاكل التي ثارت بين حسين كامل والأردنيين فيما بعد.
وقرر حسين كامل بإيحاء من رئيس الديوان الملكي الأردني عقد مؤتمر صحفي وقبل ساعة المؤتمر قطع البث التلفزيوني عن القصر الذي يضم عائلته وأحدث مشكلة تقنية في القصر بمساعدة أخيه عبد الحكيم، وذلك ليمنع كريمتي الرئيس من الاطلاع على مجريات المؤتمر.
وأعلن في المؤتمر عن معارضته للنظام العراقي في بغداد وعن ما أسماه برنامجه السياسي وخططه لتغيير النظام، بعد أن تحدث عن ماضيه وعن فصائل المعارضة للتعاون معه.
بعد المؤتمر الصحفي الناجح تملك حسين كامل شعوراً بأنه الرئيس القادم للعراق، وبعد المؤتمر اجتمع بالأمير تركي الفيصل رئيس جهاز المخابرات السعودية، الذي قيم حسين كامل سلبياً حيث حاول حسين كامل اقناعه بخطة عراقية لدى الرئيس صدام حسين لإعادة احتلال الكويت وشرقي السعودية ولم يستطع حسين كامل من تقديم ما يثبت أن هذه الخطة قيد التنفيذ، كما اجتمع حسين كامل بوفد من الإدارة الأمريكية، وعندما سأله الأمريكان ماذا تريد منا؟ قال أريد دعماً سياسياً لمشروع التغيير، وتعهداً أمريكياً برفع الحصار بعد التغيير.
وقدم خطة عسكرية قيمها الأمريكان بأنها ساذجة وهي كذلك.
كما نجح حسين كامل في قطع البث التلفزيوني عن القصر المخصص لإقامة عائلته لكي يتحاشى مشاهدة زوجته له، وهو في المؤتمر الصحفي، وعندما سئل عما يفعله بالرئيس صدام لو هو تمكن من استلام الحكم، قال بأنه سيحافظ على حياته ويؤمن له حياة لائقة وحماية من الملاحقات
قصة خروج وعودة الفريق الأول حسين كامل وشقيقه صدام كامل
عندما انتهى الاجتماع مع الوفد الأمريكي، حيث تم الاتفاق أن تتم مناقشة موضوع الأسلحة بين حسين كامل وأكيوس رئيس لجنة الأمم المتحدة لنزع الأسلحة العراقية، والذي كان العراق قد دعاه إلى زيارة بغداد بشكل عاجل.
لقد استدعت السلطات العراقية "أكيوس" خوفاً من أن يستبقهم حسين كامل في كشف معلومات كان العراق يحرص دائماً على إخفائها لأهميتها بالنسبة لأمنه القومي، ولأنه انفق من أموال البلد المليارات من أجل الحصول عليها، على الرغم انها لم تنفعه أو لم يستعملها عندما هددت البلاد وتعرضت لعدوان وهجوم عسكري كان الأعنف والأشرس والأكثر تدميراً في القرن العشرين.
ويمكنني أن أجزم وأقول لو أن السلطات العراقية استعملت الحكمة والصبر وطول البال، وانتظرت ما يكشفه حسين كامل من أسرار العراق التسليحية وبرنامجه النووي ومن ثم وجهت الاتهام لحسين كامل على أنه هو الذي كان يخفي هذه الأسرار لكان أفضل لها وللعراق لأن عند ذلك ولما عرفته لاحقاً عن شخصية حسين كامل ومن معه فإنهم ما كانوا ليكشفوا أشياء مهمة عن برنامج العراق التسليحي لأن حسين كامل كان يتملكه شعوراً وخاصة بعد المؤتمر الصحفي بأنه الرئيس القادم للعراق وهذا يعني بأن هذه الأسلحة والقدرات هي ملك للبلاد التي سيرأسها أي أنها ستبقى تحت تصرفه، لكن سياسة رد الفعل الغامض التي كانت السمة الملازمة لأداء السلطات العراقية هي التي انتصرت وأدخلت العراق وحسين كامل في منافسة ما كان يجب أن تكون حول من يقدم معلومات أكثر للجان نزع الأسلحة.
لقد ذهب (أكيوس) إلى بغداد وهناك قدموا له الكثير من الوثائق التي لم يعترفوا بها في السابق وقالوا له هذا كل ما عندنا وما وجدناه مخبأ أو كان يماطل في تسليمه وإن كشف لكم حسين كامل غير هذا عليكم أن تسألوه عن الأماكن التي توجد فيها هذه الوثائق لأننا لا نعرف أين هي مخبأة لأنه هو الذي كان مسؤولاً عن برنامج التسليح والطاقة والتصنيع العسكري.
كان (أكيوس) ومفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة يستعملون مطاراً عسكرياً في مدينة الحبانية التي تبعد 90 كم غرب مدينة بغداد.
وغادر (اكيوس) بغداد عبر مطار الحبانية وكان أهم شيء حصل عليه هو وعد من السلطات العراقية بتقديم كل ما لديها من معلومات واستعداد كامل للتعاون، وقبل أن يصعد سلم الطائرة جاءه اتصال عاجل من طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وقال لاكيوس لا تغادر وعد إلى بغداد، ولأننا وجدنا معلومات مهمة ووثائق ومستندات مخبأة في مزرعة حسين كامل وصدام كامل وعز الدين محمد.
وحسب تقديرات حسين كامل عندما طلبت منه تفسير هذا الاتصال قال أنه يعتقد أن هناك من قال للرئيس صدام حسين أن ما قدموه (لاكيوس) من معلومات لا يمثل كل ما لديهم ومن المحتمل أن حسين كامل يكشف أكثر من ذلك ولكي نثبت أن حسين كامل هو المسؤول عن إخفاء الوثائق فعلينا أن نقدم كل ما عندنا من أسرار ولكي نثبت هذه التهمة على حسين كامل علينا أن نضع هذه الوثائق في المزارع الخاصة بحسين كامل ورفاقه.
لقد أخذت السلطات العراقية اكيوس وفريقه إلى مزرعة حسين كامل ووجد حاويات مليئة بالوثائق الهامة حيث قام بتشميعها ووضعها في مكان تحت حراسة الأمم المتحدة لحين إحضار فريق يقوم بتدقيقها والاطلاع على مضمونها وجرى ذات الشيء في مزرعة صدام كامل.
مفاجأة للجميع
المفاجأة كانت في مزرعة عز الدين في هذه المزرعة لم يجدوا حاويات فقط بل لدى فحص التربة وجدوا أن في باطن هذه الأرض مواد كيميائية مخبأة طالما بحثت عنها الأمم المتحدة حيث كانت لدى الأمم المتحدة معلومات بأن العراق قام بشرائها، ووجدوا معها أيضاً في باطن الأرض كماً هائلاً من الوثائق والأجهزة التي تستلزمها عملية تطوير هذه المواد وانتاجها كسلاح كيميائي وهي لها علاقة بصناعة القنبلة النتروجينية التي أهم من القنبلة النووية.
ويبدو أن الذين وضعوا الحاويات الجديدة في مزرعة عز الدين لتوريطه ما كانوا يعرفون ما تحتويه هذه المزرعة من أسرار لأنه لا أحد يعرف أين اختفت هذه الأسرار عام 1991 إلا عز الدين وربما الرئيس صدام حسين وشخص ثالث.
وضعت كل هذه المواد تحت حراسة الأمم المتحدة وكان أكثر ما يهم اكيوس عندما وصل إلى عمان هو لقاء عز الدين للحصول على مزيد من المعلومات حول ما وجدوه مخبأ في مزرعته وكانوا يبحثون عنه طيلة سنوات.
لقد اجتمع اكيوس وفريقه مع حسين كامل وعز الدين وصدام كامل وقال اكيوس في بداية الاجتماع بأنه حين ذهب إلى هذه المزارع كان واضحاً له ولمن معه أن الحاويات والوثائق قد وضعت في هذه المزارع على عجل ولأن الذي وضعها لم ينفذ فعلته بدقة حيث آثار دواليب الشاحنات التي وضعتها ما زالت في الأرض وأن أي شخص بسيط يستطيع أن يعرف أن كانت هذه الحاويات قد وضعت منذ أيام أو منذ وقت طويل.
لكنه فاجأ الحاضرين خاصة حسين كامل وصدام كامل، عندما قال بأننا وجدنا في مزرعة عز الدين مواد ووثائق طالما نفيتم وجودها، موجها الكلام لحسين كامل، كما أنك لم تتحدث عنها منذ بدء الجلسة وهي من المواضيع التي كانت سبباً خلافياً بيننا وبينكم.
لقد شعر عز الدين بالحرج وبدا وكأنه يخبىء وبشكل شخصي أسلحة فتاكة فلم يجد غير قول الحقيقة.
قال عز الدين: في عام 1991 وعندما كان العراق يتعرض لقصف قوات التحالف كنت ضابطاً في الحرس الرئاسي وكنت أعرف أهمية هذا السلاح للعراق مثلما كنت أعراف الأموال التي تم انفاقها للحصول على هذا السلاح ولكي لا تتعرض للتدمير مع ما دمر في العراق خلال الهجوم الجوي لقوات التحالف على العراق فقمت وبمساعدة بعض العاملين معي بنقل الوثائق والأجهزة والمواد المتعلقة بهذا السلاح إلى مزرعتي وخاطرت بحياتي ومن معي حيث حفرنا المزرعة وخبأنا ما وجدتوه في داخلها ودون أن نعلم أحداً بها متحملاً مسؤولية ذلك ومقرراً الكشف عنها عندما يعود العراق إلى وضعه الطبيعي لقناعتي أن هذه الأسلحة هي ملك للعراق وليست لحاكم أو نظام.
وإزاء ذلك قدم حسين كامل في ذلك الاجتماع لاكيوس العديد من الأسرار وظهر أنه هو والسلطات العراقية في سباق من يقدم أسراره أولاً.
عندما عاتبت حسين كامل في عمان لاحقاً وبحضور صدام كامل وعز الدين عن أسباب كشفه أسرار العراق كان نادماً لكنه كان يبرر ذلك بأن النظام هو الذي دفعه لذلك معتبراً أن رفضه استقبال اكيوس عندما حضر إلى عمان في طريقه إلى بغداد وقوله لاكيوس بأنه ليس لديه شيء يقوله حول أسرار العراق التسليحية وعليه إن أراد أي شيء الذهاب إلى السلطات العراقية.

إشارات :
لقد بذلت جهوداً كبيرة لترتيب الاجتماع الذي اتفقنا أنا وحسين كامل وكما هو معروف فإن المعارضة العراقية منقسمة على نفسها، والانقسام لم يكن محصوراً على المقيمين في الدول المجاورة للعراق، بل امتد إلى لندن فالذين تمول أحزابهم إيران، كالأحزاب الإسلامية مثل الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، فإنهم لا يستطيعون حضور اجتماع مثل هذا دون موافقة المخابرات الإيرانية التي تمولهم مثلما كانت الأحزاب القومية المشاركة في لجنة التنسيق القومي لا تستطيع حضور مثل هذا الاجتماع بدون موقف دمشق التي كانت آنذاك لها موقف سلبي لا يعطي قيمة لخروج حسين كامل عبر عنه الرئيس الراحل حافظ الأسد في مؤتمر صحفي، وكذا الحال ينطبق على الذين تمولهم السعودية والكويت، وكان الأكثر تحرراً من الضغوط الأكراد والقوى التي تمولها أمريكا، فهامشهم من الحرية أوسع.
لقد كان الاعتذار الخطي عن المشاركة في الاجتماع الذي وصلني هو من الصديق الدكتور إياد علاوي الأمين العام لحركة الوفاق الديمقراطي واعتذار هاتفي من قريبي وصديقي الوزير السابق الأستاذ حامد الجبوري والذي اعتذر استجابة لقرار الوفاق الذي كان الأستاذ حامد الجبوري أحد قيادييها آنذاك، وكنت على قناعة بأن هذا الاجتماع سيحضره ما يقرب الـ 300 شخصية، أغلبهم من الشخصيات المستقلة أو التي تركت العمل الحزبي والتي وجدت فيما نطرحه وحسين كامل استجابة لما تريده لمستقبل العراق بعد أن يأست من طروحات الأحزاب العقائدية.
قبل موعد المؤتمر بيومين، عدت إلى الفندق متأخراً وأخذت صحيفة الحياة التي وصلت الفندق مبكراً، وكان أحد العناوين الرئيسية في الصفحة الأولى (يقول أن حسين كامل يتبرأ من اجتماع لندن، ويقول بأن لا علاقة له به ولن يحضره أو يتحدث إليه)، نزل الخبر علي كالصاعقة كم كان مرعباً ذلك التصريح وتساءلت في أي موقف وضعت نفسي إنه موقف محرج وعندما أكملت قراءة الخبر تبين أن مصدره السيد عز الدين محمد وهو ابن عم حسين كامل وصهره وأعرف أن عز الدين قليل الكلام، ولا يحب الأضواء والصحافة، وهذا يعني أن صدام كامل صديقي الشخصي، رفض أن يكون التصريح باسمه فعلقوه باسم عز الدين أي وصف لتلك اللحظات هو أقل من شعوري الغاضب من حسين كامل، ومن اليوم الذي قبلت فيه التعاون معه، وسألت نفسي: كنت أقيم في تركيا وأتابع أعمالي التجارية الناجحة، وتركتها لأعمل مع هذا المجنون الذي وضعني في هذا الموقف، والسؤال هو: ماذا سأقول لمن دعوتهم؟ ماذا سأقول لوسائل الإعلام التي كانت تهتم بأتفه أخبار حسين كامل؟ في تلك المسألة، قررت أن أقطع وسائل الاتصال عن جناحي في الفندق وأغلق جهاز الموبايل، وأخذ ما يكفي من الحبوب لتمكيني من النوم العميق، لعلي عندما أستيقظ، أكون قادراً على اتخاذ مواقف أو قرارات حكيمة.
لقد نمت ما يقرب العشرين ساعة، ووجدت عشرات الرسائل قرب باب الجناح الذي أنام فيه، مررها موظفو الفندق، كانت أغلبها مثلما توقعت من وسائل إعلان وأصدقاء ومحبين كانوا يريدون معرفة ماذا سأفعل إزاء إعلان حسين كامل، وكان من بينها رسالة من المرحوم صدام كامل، وكان يلح أن اتصل به لإيضاح الأمر، ويبدو أن حسين كامل قد فعلها ويريد من صدام كامل أن يسترضيني، لقد قرأت كل هذه الرسائل واخترت من بينهم شخصين قررت الاتصال بهم، الأولى هي صديقتي الصحفية البريطانية هيلغا غراهام والآخر صديقي الصحفي زكي شهاب ، لقد حضر الاثنان إلي لقد استجابت هيلغا للحضور على الرغم من أن الوقت كان متأخراً ليلاً، وفي الصباح جاء زكي شهاب.
لقد كانت هيلغا من الذين عارضوا تعاملي مع حسين كامل، وكان رأيها من الصعب على دكتاتور صغير مثل حسين كامل، أن يتحول إلى ديمقراطي أو جاد في إنقاذ الشعب العراقي من محنته.
وكنت أهتم بما تقوله هيلغا، فهي سيدة في الستين من عمرها قضتها في دهاليز السياسة والصحافة، مهتمة في الشرق الأوسط، وأستطيع القول أنها لم تبد تشفياً بي لكنها قالت لي ألم أقل لك أن هؤلاء لا يؤتمنون، بل هي قالت لي لماذا ترهن مستقبلك السياسي، تغامر بتضحياتك ضد هذا النظام مع حسين كامل، الذي كثيراً ما قلت لي بأنه كان مسؤولاً عن مقتل شقيقك وآخرين لك، قلت لها يا هيلغا إذا أردت أن أعمل بنظرية العين بالعين والسن بالسن، فإننا سنصبح شعب بلا أسنان وكلنا عميان دون أن نجد من يقودنا إلى الطريق الصحيح وأذكر أنها كتبت مقالا من صفحة كاملة عني في صحيفة الأندبندنت البريطانية الشهيرة وكان هو الرأي جوهر المقال الذي نشرته.
عموماً لقد انتهى لقائي مع هليغا دون التوصل إلى ما هي الخطوة الثانية لكن في صباح اليوم التالي وضع لي زكي شهاب مقترح نفذته وجعلني أخرج من هذا المأزق أكثر قوة