الحلقة الثانية

لندن يلفها الصخب. ووسائل الإعلام العربية أصابها الجنون.. لكن روحي هادئة.. رغم أن الوقت ثقيل. ألقيت الصحيفة من يدي.. وأغلقت هاتفي.. أريد الحفاظ على هدوئي.. كانت كل حواسي وجميع قنوات دماغي تعمل بأقصى طاقتها وبشكل استثنائي..
هذا الخروج مؤشر واضح على رجحان كفة الفكر المعارض.. وفرصة مهمة قاب قوسين أو أدنى.. لتحقيق حلم كبير بانتقال سلمي للسلطة من يد دكتاتور إلى أدمغة عدة تريد إنقاذ العراق وإنهاء محنتنا. كنت واثقاً أنها خطوة كضربة قوية على ظهر النظام الحاكم. إن فشلت ستكسبه قوة.. انتابني قلق طفيف فوددت الحديث مع آخرين.. في اللحظة التي فتحت فيها هاتفي رن جرسه.. وكان صدام كامل على الخط..
أستطيع القول أنه كان صديقي منذ عام 1980.. وكان مهذباً لطيف التعامل دمث الأخلاق.. لم أسمع أنه اعتدى على أحد.. أو تجاوز على أحد.. أو تسلط على أحد.. أو أساء الأدب أو حاول أن يأخذ ما ليس له.. وكان يستطيع أن يفعل كل ذلك دون أن تطاله يد المحاسبة..
هناك من يعتقد خطأ بأني كنت شريكاً تجارياً لعدي صدام حسين.. والحقيقة أن الشخص الوحيد الذي كان بيني وبينه تعامل تجاري من عائلة صدام حسين هو صدام كامل.. وقد كنا شركاء في معمل صغير للألبسة الجاهزة سنة 1982، أغلقناه بعد سنة ونصف وخلافاً لكل التوقعات التي كان يتداولها البعض بأن الذي يشارك هؤلاء دائماً هو الطرف المغبون..
انتهت شراكتنا رضائياً وبمحبة واحترام ودون أدنى إساءة. وظلت صداقتنا محتفظة بتوهجها طوال الوقت.. أنا أتحدث على المستوى الشخصي.. وأغض طرفي عما قيل عن دور صدام كامل في الإشراف على عمليات التعذيب المروعة عندما كان في جهاز الأمن الخاص.. هذه العمليات التي طالت أشخاصاً من أهلي، وأصدقائي وبعض رموز المجتمع الذين يحترمهم ويقدرهم الجميع.
لكننا في ذلك الاتصال.. الذي دام أكثر من ساعة ونصف لم نتحدث أبداً بالماضي.. لم نتعاتب.. ولم نتحاسب.. فقد كان ندمه جلي الوضوح.. وكان تسامحي ناصع النقاء..
لم نتحدث بما مضى.. تحدثنا بالحاضر.. وبالمستقبل.. وكان جلّ همي أن أدفع هذه الخطوة العظيمة التي أقدم عليها مع شقيقه.. إلى الأمام.. وأن أؤمن لها مناخاً مناسباً لتأتي ثمارها..
مرر لي شقيقه الفريق حسين كامل وتحدثنا طويلاً وروى لي بعض الأحداث التي حدثت بالقرب مني ووعدني بأنه سيحدثني بالكثير من الأسرار عندما سنلتقي قريباً في عمان.
وفوضني بالاتصال بمن أراه مناسبا للتعاون.. فاتصلت بالحزب الشيوعي العراقي وهيئت لقاءً بيننا.. كما أجريت لقاء مع حزب الدعوة الإسلامي. ولقاء آخر مع السيد هاني الفكيكي نائب رئيس المؤتمر الوطني العراقي. كما أجريت لقاء مع شخصيات دبلوماسية في وزارة الخارجية البريطانية في لندن.. ولقاء مع الدكتور عبد الحسين شعبان ومع السيد سعد صالح جبر..
ولم أتردد لحظة بالاتصال بالسيد صلاح عمر العلي رغم ما كان بيني وبينه من خلاف كبير وصل حد الشتائم على صفحات الجرائد..
قلت للسيد صلاح عبر الهاتف: علينا أن ننسى خلافاتنا يا أبو عمر.. إذا كنا نريد إنقاذ العراق.. واستجاب دون كلمة عتاب والتقينا على موعد حددناه.. ولم نتعاتب.. بل تحدثنا فيما يمكن أن نفعله للم شمل المعارضة، وجعل خروج حسين كامل مآزراً للفكر المعارض وإشراقة لحل الأزمات..
 

اتصــالات مكثفـــــة

تلفونات في الصباح، وتلفونات عند الظهيرة، وفي المساء وبعد أن يخيم الليل، رنين جرس الهاتف يقتحمني وأنا على طاولة الطعام، ورنين آخر يقطع سيل أفكاري، ورنين يلحّ ويوقظني من إغفاءة قصيرة.
أي لعنة أحمل في جيبي؟!
كان صدام كامل يتصل خلال النهار، أما (حسين) فقد كانت أغلب اتصالاته في وقت متأخر من الليل، كان يتابع تفاصيل الأشياء، ويتابع نتائج نشاطي في لندن أول بأول.
ـ طلب مني أن ألتقي الشخصية العراقية الوطنية، وزير الدولة للشؤون الخارجية والإعلام في العراق سابقاً، الاستاذ حامد الجبوري، لأستطلع إمكانية أن يتصل به حسين كامل، ولأنقل له تمني حسين كامل بلقائه، وكان بينهما فيما مضى علاقة خاصة ومعرفة شخصية، لأنهما كانا معاً في قيادة الدولة عندما كانا في العراق.
وكان الفريق حسين كامل يحاول عدم إجراء أي اتصال هاتفي بأي شخص قبل معرفة رأي هذا الشخص به.
اجتمعت بالأخ الكبير الأستاذ حامد، وتحدثنا سوية وعبر هاتفي مع الفريق حسين كامل، وتبادلا أرقام الهواتف، وتبع ذلك أن تمت اتصالات مباشرة ودائمة بينهما، كما طلب مني الاتصال باللواء عبد الأمير عيسى الصباح، وهو شخصية عسكرية عراقية، انحازت إلى الانتفاضة في العام 1991، في أعقاب حرب الخليج، وتم الاتصال بينهما عن طريقي، والتقيت السيد الصباح وكان صريحاً جداً، وكان اللواء عبد الأمير أيضاً على معرفة شخصية بالفريق حسين كامل.
كما اتصلت بناءً على طلب حسين كامل، بالعديد من الشخصيات وممثلي والأحزاب العراقية، أذكر منهم الحزب الإسلامي العراقي، حيث زارني الأخ والصديق (السامرائي) عضو قيادة الحزب آنذاك، وأمينه العام حالياً، وكان موقفهم في الحزب إيجابياً من موضوع حسين كامل، وأمنّا اتصالاً بين الفريق حسين كامل والدكتور أسامة التكريتي، الأمين العام للحزب آنذاك، والتكريتي ينتمي لعشيرة البو ناصر، التي ينتمي إليها حسين كامل.
ولكن من المستغرب أن حسين كامل كان يطلب مني الاتصال بشخصيات عراقية مقيمة في لندن، وكانت أسماء هذه الشخصيات غريبة وغير معروفة بالنسبة لي، وبالنسبة للسيد (صلاح عمر العلي)، الذي كان حاضراً في عدد من اتصالاتي مع حسين كامل، أو مع أي جهة أخرى لذات الشأن.
وأذكر أن أحد الذين كلفني بالاتصال معه، كان اسمه الجنابي، وقد شدد على الاهتمام به والتعاون معه، لتوسيع دائرة الاتصالات مع المعارضة العراقية، بصفته شخصية سياسية مهمة، من شخصيات المعارضة العراقية.
والحقيقة لم أكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل، كما أن السيد صلاح عمر العلي بدوره لم يعرفه، وهذا ما شجعني على عدم الاتصال به.
وبينما كنت أتابع مجريات الأمور مع الفريق كامل، وفي أحد الاتصالات، سألني: هل اتصلت مع السيد نبيل الجناني أم لا؟
وعندما أخبرته بأنني لا أعرفه ولا وزن له في ساحة العمل السياسي المعارض، غضب جداً وتكلم معي وكأنه على كرسي السلطة، ويأمر أحد العاملين معه أو أحد معاونيه.
طبعاً سأعود لاحقاً للحديث عن هذه الخصلة في حسين كامل، كما سأعود للحديث عن نبيل الجنابي الذي يستحق أن يؤلف عنه كتاباً لأنه يعبر عن الوضع الكارثي للمعارضة العراقية التي يتسلل إليها الطارئون والأفاقون.