الحلقة الرابعه العشرة

في الأجواء المتوترة التي أشرنا لها سابقاً حضر الدكتورحميد الأزري الذي يزعم أنه عالماً فلكياً ويقرأ الغيب والكف أيضاً وكان اللقاء الأول بين حسين كامل والأزري في منزلي لكنهما كانا يعرفان بعضهما من قبل وحاول أن يقرأ كفي وأفراد أسرتي وأعطانا بعض التنبؤات التي لم يتحقق منها شيئاً وطلب أن يكون لقاؤه منفرداً بحسين كامل وهي أيضاً رغبته، وكان يحمل الأزري معه بعض الخرز والأشياء التي أعطاها لحسين كامل وقبض ثمنها نقداً، لقد سألت حميد الأزري فيما بعد عندما طلب مني بعض المال عما تنبأ به لحسين كامل عن المستقبل وقال لي إنه لم يرَلحسين كامل أي مستقبل خارج العراق وأنه قال لحسين كامل أن مستقبله أن يعود إلى العراق ويتصالح مع عمه الرئيس صدام حسين أن وهي سبيله الوحيد لأن يصبح حاكم البلاد فيما بعد وحاول الأزري أن يقنعني بهذه النظرية الافتراضية واليوم وبعد مرور هذه السنين وعندما أستعرض تلك اللحظات لا أستبعد أن يكون الأزري قد استلم ثمن تلك النصيحة من السلطات العراقية أو أنه اتصل بمسؤولين عراقيين عندما توجه إلى عمان وقال لهم أنه سيذهب للاجتماع بحسين كامل بناء على طلبه وطلبوا منه أن يقدم له هذه النصيحة، وفي ذات الوقت وصل الأستاذ وليد أبو ظهر رئيس تحرير مجلة الوطن العربي التي تصدر من باريس والتي كانت تمول من العراق حتى دخوله إلى الكويت وكان لدى الأستاذ وليد استثمارات سياحية وتجارية في بغداد كمكافأة له على مواقفه المؤيدة للنظام الحاكم في العراق حتى أن العدد الذي صدر بعد دخول الكويت قد وضعت عليه صورة الرئيس صدام حسين مع موقف مؤيد وحاسم للغزو وفي الأسبوع الذي بعده تبدل الموقف ووجهت المجلة رسالة إلى الرئيس صدام حسين تبلغه بأنها لم تعد مؤيدة له وتطلب منه الإنسحاب من الكويت، لقد اجتمع الأستاذ وليد أبو ظهر مع حسين كامل في منزلي وللأمانة فإننا لم ندفع له تكاليف السفر أو الإقامة كما جرت العادة مع بعض الضيوف وعندما انتهى لقائه بحسين كامل وخرج طلب مني حسين كامل أن أعطي الأستاذ أبو ظهر عشرة آلاف دولار وأخرجتها فعلاً ووضعتها في مغلف وعندما ودعته على باب منزلي حيث أقله سائقي إلى حيث مكان إقامته أعطيت الأستاذ وليد المبلغ وقلت له هذا من الفريق حسين كامل لتغطية نفقات سفرك وقد رفض الرجل ذلك بإصرار وأعاد المبلغ معتذراً وشاكراً.
لقد اتصل السيد حسين كامل بالسيد مسعود البارزاني وطلب منه الدعم والمساندة معتمداً على علاقة شخصية نشأت بينهما خلال المفاوضات عام 1991 في أعقاب حرب تحرير الكويت ففي إحدى المرات وبينما كان يجتمع الطرفان تصرف حسين كامل بطريقة غير لائقة وعنيفة مع السيد سامي عبد الرحمن أحد قياديي الحزب الديمقراطي الكردستاني فأوعز الرئيس البارزاني للسيد سامي بالرد على طروحات حسين كامل وحدثت مشادة كلامية وقال على إثرها الرئيس البارزاني بأننا مفاوضون وليس أسرى وسوف لن نحضر جلسات أخرى يحضرها حسين كامل وغادر حسين كامل الجلسة منفعلاً وترك عمه علي حسن المجيد الذي كان عضواً أيضاً في الوفد الحكومي الذي كان يرأسه طارق عزيز.بعد هذه الحادثة حضر قصي صدام حسين إلى مقر إقامة الوفد الكردي وأبلغ البارزاني أن حسين كامل لن يحضر بعد الآن جلسات المفاوضات وفعلاً غاب حسين كامل عن المفاوضات لكنهوبعد عدة أيام من هذا الموقف حضر حسين كامل إلى مقر إقامة البارزاني معتذراً ودعاه أن يرافقه في سيارة يقودها حسين كامل لزيارة بابل وفي الطريق اعتذر حسين كامل من البارزاني بشدة وكأنه كان يعرف بأنه سيحتاج البارزاني في وقت آخر وعندما اتصل حسين كامل بالبارزاني كان يأمل منه دعماً مطلقاً دون أن يدرك أن قضايا الأوطان والشعوب ومستقبلهم لا تخضع للأمزجة الشخصية للزعماء وأن ما يجري في العراق وجعل كل شيء يخضع لمزاج الرئيس وقدراته هو ليس سمة زعماء آخرين.
لقد رحب البارزاني بهاتف حسين كامل وعبر عن استعداده لمساعدته مادياً إذا كان محتاجاً واستضافته إن أراد و أبلغه أنه لا يستطيع أن يحدد موقفه السياسي من موضوع مجلس الإنقاذ الذي يتولى تشكيله حسين كامل إلا بعد أن يطلع على شيء مكتوب يرسل إليه باليد وهو الشيء الذي زاد من شعور حسين كامل بالفشل وحاول حسين كامل أن يتصل بالبارزاني مرات أخرى وكان يحصل على نفس الجواب.
كما طلب مني حسين كامل الاجتماع إلى السيد جلال الطالباني الذي كان في دمشق واجتمعت معه وعبر عن استعداده للتعاون مع حسين كامل وأكد ذلك خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه مع حسين كامل خلال اجتماعنا لكن السيد جلال الطالباني وتنظيمة الاتحاد الوطني الكردستاني كانوا منغمسين مع المؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه أحمد الجلبي ويناصبه حسين كامل العداء مما يجعل التعاون بينهما غير ذي جدوى.
وفي هذه الفترة عبر الأستاذ صلاح عمر العلي عن رغبته بالسفر إلى لندن حيث مقر إقامته بحجة انشغاله وقد وافق حسين كامل على مضض وكان يدرك مثلما كنت أدرك أيضاً إن صلاح عمر العلي قد ندم ندماً شديداً على اليوم الذي قبل فيه التعاون مع حسين كامل لما شاهده من تصرفات ومواقف قام بها الفريق حسين كامل مع الآخرين لكنه كان دائماً يمتدح شقيق حسين كامل الأصغر صدام كامل وكان أيضاً معجباً بشخصية عز الدين محمد الذي هو ابن عم حسين كامل وصهره وغادر الإستاذ صلاح ووجدت أنا أيضاً من الصعوبة أن أستمر بمفردي مع حسين كامل في عمان، وعدت إلى تركيا حيث مقر أعمالي وبعد يومين اتصل بين حسين كامل ليطلب مني العودة ولسبب ضروري، وعدت براً بسيارتي عبر سوريا لأني لم أحصل على طائرة توصلني إلى عمان على وجه السرعة وعندما وصلت عمان وذهبت إلى حسين كامل لم أجد هناك أي موضوع يستحق استدعائي بل أن الرجل كان كئيباً ويشعر بالوحدة واليأس وكان يريدني علاجاً ولكن موقفي النفسي منه لم يعد كما كان سابقاً، ويبدو أنه قد شعر بذلك أيضاً وبدأت أنزعج من ذهابي إلى القصر الذي كان يقيم فيه كل يوم الذي هو ضمن القصور الملكية لأن بوابة القصر بدأت تستوقفني وتفتش سيارتي وعندما عبّرت لحسين كامل عن إنزعاجي قال لي إنهم يريدون أن يزعجوك لتمتنع عن المجيء وربما يعتقدون أنك أنت من يحرضني على مقاومة طروحاتهم حول الفيدرالية في العراق بتحريض من السوريين ويبدو أن حسين كامل أراد أن يحسن علاقتي مع الإردنيين فاتصل بالفريق مصطفى القيسي رئيس المخابرات الأردنية وهذا الرجل كنت أحترمه وتربطني به علاقة جيدة جداً لكن أعتقد أنه وافق على اتخاذ إجراءات مضرة بي منها منع تجديد جواز سفري الأردني الذي كنت أحمله لأسباب سيأتي اليوم الذي نتحدث عنها.
ويبدو أن حسين كامل كان يريد أن يجمعني مع الرجل لذلك اتصل هاتفياً بالفريق مصطفى وقال له نجلس أنا ومشعان الجبوري وأتمنى أن تنضم إلينا لنتذاكر في ما يجب أن نفعله وأستجاب الفريق مصطفى وقال أنه سيحضر فوراً وبعد أن أغلق سماعة الهاتف قلت لحسين كامل بأني أعتذر عن الاجتماع مع الفريق مصطفى القيسي لأسباب لا أريد ذكرها وكان عليك أن تأخذ رأيي قبل أن تدعوه.
قررت البقاء في داخل القصر دون أن أشارك في اللقاء وعندما أبلغتنا بوابة القصر أن الفريق مصطفى قد وصل خرج حسين كامل لاستقباله على وذهبت أنا إلى غرفة التلفزيون وبقيت هناك إلى انتهاء اللقاء.
بعد أن خرج الفريق مصطفى أخذني حسين كامل إلى الحديقة الخلفية للقصر وهي عادة كنا نقدم عليها حين نريد أن نتحدث بأشياء لانريد أن يسمعها الأردنيون لقناعتنا أن القصر كان مليء بأجهزة التنصت وقال لي هناك إن الفريق مصطفى بعد أن لم يجدني في الاجتماع تحدث عني سلبياً وقال له أن لديه معلومات أن مشعان الجبوري على صلة بالنظام العراقي وهو يخاف عليه مني فقال حسين كامل للفريق مصطفى إنه هو الذي يعرف إن كان مشعان على علاقة بالنظام أم لا وأنه يعرف حجم العداء والكره الشخصي بينه وبين النظام، وأخر شخص ممكن أن يكون على صلة بالنظام هو مشعان لكن الفريق مصطفى لم يرق له هذا الكلام وقال لحسين كامل أنت من يتحمل مسؤولية ذلك.
(ويمكنني الآن أن أرد على الأسباب الحقيقية التي جعلت الفريق مصطفى ومعاونيه يروجون لمثل هذه الإشاعات لكن الملح والزاد الذي بيننا هو الذي سيمنعني من استغلال هذا المنبر في تسمية الأشياء بمسمياتها لأنها ستسيء إلى سمعة بعض معاونيه الفاسدين)
وأوضح لحسين كامل إن قناعته أن الإردنيين يعتقدون بأن ما أعلنه من تصريحات ضد مشروع الفيدرالية هو بتحريض من السوريين، وعليه هو يقترح إرسالي مرة أخرى إلى دمشق معبراً عن رغبته هذه المرة في أن أستشف في إمكانية انتقاله بشكل نهائي إلى دمشق وقال لي إنني لا أريد منهم شيئاً عدا الحماية وأعتقد أن ليس أمامنا من مخرج إلا الانتقال إلى هناك وقال لو اصطحبت عائلتي ومن يرافقني إلى الحدود السورية هل سيمنعوني من الدخول.
وهذا الكلام أذكر أنه قاله أيضاً للأستاذ صلاح عمر العلي عندما طلب منه الذهاب إلى السعودية وقال له قل للإخوان في السعودية قد يفاجأون بوصولي إلى الحدود البرية بدون موافقتهم ولا أعتقد إنهم سيسمحون لأنفسهم برفض دخولي، طبعاً هذا الكلام كان واقعياً بالذهاب إلى سورية فسورية لا تفرض على العرب تأشيرات دخول كما أن المسافة من عمان إلى دمشق قصيرة جداً ويمكن الذهاب بالسيارة لكن الموضوع بالنسبة للسعودية كان انتحاراً ومعقداً ويعبر عن جهل حسين كامل بالجغرافيا فكان يعتقد أن المسافة بين عمان والرياض تستغرق ساعات قليلة بالسيارة.
ذهبت إلى دمشق وكان ذلك في نهاية شهر ديسمبر 1995م. على الجانب الآخر كان حسين كامل يقاتل على أكثر من جبهة وطلب من عبد الحميد الخربيط أن يحصل على عفو خطي من الرئيس صدام حسين، وتعهد بعودته إلى دائرة المسؤولية وبدأ حسين كامل يردد أمام من حوله بأن الرئيس صدام حسين لا يخون العهد ويلتزم بالكلمة محاولاً من خلال هذه المناقشات معرفة تقييم الآخرين وردود فعلهم لأنه هو نفسه لم يكن مقتنعاً بذلك وكان يريد أحداً يشجعه على الموافقة على التصديق بالتزام عمه بما سيعده به، وفي ذات الوقت اشترى حسين كامل مطبعة في عمان محاولاً إصدار جريدة ملبياً بذلك طلب بعض العراقيين الطامعين بقليل من المال ينفقه عليهم تحت غطاء الإنفاق على الجريدة وكان أيضاً متحمساً أن يكلف الأستاذ صباح سلمان بهذه المهمة لما يعرفه من قدرات الأستاذ صباح الصحفية وأعتقد أن الأستاذ صباح لم يعد سعيداً هو الآخر بالتواجد بالقرب من حسين كامل، فربما شعر إنه لم يجد كثيراً من الفرق بين الأسباب التي دعته للهروب من العراق وما يراه من تصرفات حسين كامل وأعتقد في تلك المرحلة إن الشخص الوحيد الذي بقي على علاقة حسنة وجيدة مع حسين كامل وكان مصدر ثقته وأسراره هو السيد فخري وهو عراقي يعيش في ألمانيا منذ ثلاثين سنة وكان يتعامل مع حسين كامل قبل مغادرته العراق وعندما وصل حسين كامل إلى الأردن كان أول من استدعاه إلى عمان وبقي على اتصال به إلى حين مغادرته وهذا الشخص لم يكن يهتم كثيراً بالسياسة وكان تقريباً مسؤولاً عن الأعمال التجارية والمالية وبدأ عز الدين يكثر من أسفاره أيضاً معطياً انطباعاً لحسين كامل بأنه غير معني بنشاطاته المعادية لنظام عمهما.
 

قبل أن نذهب إلى دمشق بتكليف من حسين كامل، قامت المخابرات الأردنية باعتقال عشم الجبوري أحد ضيوف حسين كامل الذي حضر إلى الأردن قادماً من كردستان العراق عبر تركيا بناءً على طلب حسين كامل حيث كنا آنذاك، نعد لفتح مكتب عمل في كردستان العراق وكنا نريد أن نوكل المهمة إلى السيد عشم الذي يشغل الآن عضوية الأمانة العامة لحزب الوطن العراقي ومسؤول تنظيمه في الولايات المتحدة الأمريكية والذي اعتقلته المخابرات الأردنية بعد أن داهمت الشقة التي استأجرناها له واستحوذت على جميع الأوراق التي كانت بحوزته من أجل معرفة الأسباب التي دعت حسين كامل لاستدعائه والاطلاع على تفاصيل المهمة التي أوكل بها اليه حسين كامل لأن اللقاء الذي جرى بيننا-حسين كامل وعشم وأنا- كان في مكان لا يتيح للمخابرات الأردنية معرفة ما جرى بيننا فيه، وقد اتصلت بحسين كامل بعد أن عرفت قصة اعتقال عشم الذي أفرج عنه بعد مرور ساعات على اعتقاله وقد رفضت السلطات الأردنية أيضاً السماح لزائر آخر من زوار حسين كامل بالدخول عن طريق مطار عمان بعد أن وصله قادماً من استنبول وأعتقد أن ما قامت به السلطات الأردنية من أعمال كان مؤشراً إلى العلاقة السيئة والمتوترة التي تربطها بحسين كامل.
في هذه الأثناء نشرت صحف أردنية أو قريبة من الأردن تصريحات مجهولة المصدر تزعم أن حسين كامل قد وضع حداً لطموحاته السياسية وكنا ندرك أن وراء هذه التصريحات جهات أردنية تحاول ارباك حسين كامل بهدف ايصاله إلى مرحلة اليأس والاستسلام والقبول بكل ما يخططون له.
في منتصف كانون الاول /ديسمبر عام 1995 جرى اجتماع في عمان عقده مخولون عن حركات عراقية معارضة هي حركة ضباط الجيش لانقاذ العراق وطلائع البعث في العراق والتجمع الديمقراطي لانقاذ العراق اضافة إلى شخصيات سياسية وعسكرية مستقلة وقد تمخض عن هذا الاجتماع قرار توحيد هذه الحركات ضمن حزب جديد سمي حزب الوطن العراقي تم انتخاب مشعان الجبوري أميناً عاماً للحزب وقد تناولت مختلف وسائل الاعلام أخبار الاجتماع ومقرراته ولا سيما تشكيل حزب الوطن العراقي وانتخاب أمينه العام بأشكال وطروحات مختلفة وصلت حد التناقض، ففي حين حاول البعض تصوير تشكيل الحزب على أنه دعم لحسين كامل وصفه البعض الآخر بالضد من طموحات حسين كامل السياسية، وقد نشرت احدى الصحف الأردنية تقريراً متخماً بالمعلومات المغلوطة التي تزعم أن تشكيل حزب الوطن العراقي ما هو الا برنامج الانقاذ العراقي الذي أعده حسين كامل مما شكل استفزازا واضحاً لحسين كامل وكانت هذه الأحداث قد تزامنت مع نشر قصة ملفقة قامت بنشرها جريدة تدعى-البلاد- عن حسين كامل الذي اتصل برئيس تحرير الجريدة المعروف أنه من المقربين لعبد الكريم الكباريتي رئيس وزراء الأردن الأسبق بمعاتبته والاستفسار عن الأسباب التي دعته لنشر هذه القصة الملفقة الأمر الذي أدى إلى مشادة بينهما وصلت إلى حد شتم حسين كامل الذي كان في حالة غضب عاصفة لرئيس تحرير الجريدة وتهديده بالقتل إن رآه.
كنت قد ذكرت في حلقات سابقة أن هاتف حسين كامل كان موضوعاً تحت المراقبة من قبل المخابرات الأردنية التي قامت بتسجيل هذه المكالمة وتسليم شريطها إلى رئيس تحرير جريدة-البلاد- محرضةً إياه على إقامة دعوى ضد حسين كامل أمام المحاكم المختصة بتهمة القذف والتهديد بالقتل وأخذ رئيس التحرير يكتب في جريدته مهاجماً حسين كامل وملوحاً بشريط الكاسيت الذي يتضمن تهديد حسين كامل له بالقتل.
في هذه الأجواء جئت الى دمشق والتقيت باللواء وفيق السامرائي الذي كنت قد حدثته هاتفياً وتوصلنا بعد مناقشات مستفيضة إلى قناعة مشتركة أن ورقة حسين كامل لم تعد مهمة وأن العمل معه أصبح صعباً بل ومستحيلاً ولكننا اتفقنا أيضاً على أن لا نتخلى عنه لأننا ندرك أن أي مصير غامض أو مدمر سيلحق بحسين كامل سيعني لكل الذين لازالوا في السلطة، أنهم سيواجهون ذات المصير إذا ما قرروا التمرد والخروج على نظام الرئيس صدام حسين ولذا قررنا اللواء السامرائي وأنا تقديم الدعم لحسين كامل منعاً لوصول مثل هذه الرسالة إلى أولئك الذين لازالوا في خندق السلطة.
لقد فهمت من لقاءاتي مع الأشقاء السوريين بأنه من غير الوارد تقديم أية تسهيلات لوجستية مثل إقامة معسكرات لحسين كامل تعمل ضد نظام الرئيس صدام حسين، كما كان يتمنى حسين كامل وقد كان موقف الأشقاء واضحاً، أن طلب تقديم مثل هذه التسهيلات أمر غير مقبول بتاتا وأن ثمة أفكار لم تتبلور بعد بالسماح لحسين كامل بالإقامة في سورية وأن هذه الخطوة هي أقصى ما يمكن أن يقدموه لحسين كامل.
أثناء هذه الزيارة لدمشق تعرفت على الرفيق فوزي الراوي عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي أصبح فيما بعد من أقرب أصدقائي وقد عمقت لقاءاتنا وحواراتنا المشتركة مستوى الرؤية والموقف لخارطة المعارضة العراقية وقد شكلت تلك الرؤية بالنسبة لي فيما بعد أساس النهج الذي سارت عليه جريدة الاتجاه الآخر منذ تأسيسها.
استمر مكوثي في دمشق لغاية ليلة رأس السنة الميلادية في 31 كانون الأول عام ،1995 التي رأيت أن أقضيها مع أفراد أسرتي في عمان، وقررت على الفور التوجه بسيارتي إلى هناك، وكان بانتظاري على الجانب الأردني من الحدود السورية الأردنية الأخ والصديق المرحوم صدام كامل وشقيقه عبد الحكيم وقد فوجئت فور وصولي بمنعي من دخول الحدود الأردنية بناء على أوامر السلطات الأردنية التي وجهت مسؤول المركز الحدودي بضرورة منع دخولي وأن أعود من حيث أتيت، ولم تنفع كل الجهود التي بذلتها مع ذلك المسؤول والذي أخبرته خلالها أنني أعتبر مواطناً أردنياً لكوني احمل جوازاً أردنياً نافذ المفعول لغاية تلك اللحظة، ولكن السلطات الأردنية التي اتخذت هذا القرار لم تتراجع عنه وقد أصبح فيما بعد ممارسة دارجة، لا سيما بعد أن مورس نفس الموقف مع قادة حركة حماس الذين يحملون الجوازات الأردنية والذين منعوا من دخول الأردن بعد ابعادهم إلى قطر، بعد سنوات من هذا الموقف الحدودي الذي مارسته معي.
في اليوم الثاني نشرت معظم الصحف العربية خبر منعي من دخول الأردن الأمر الذي شكل احراجاً للسلطات الأردنية التي بادرت على الفور بتمرير خبراً عبر مراسل جريدة الحياة اللندنية في عمان،


الاستاذ سلامة نعمات الذي أصبح فيما بعد رئيس الدائرة الصحفية في الديوان الملكي، مفاده أن قرار منعي كان لأسباب أمنية، موصين من خلاله، أنني أشكل خطراً على أمن الأردن وصادف أن قابلت ذات المراسل بعد عدة سنوات في لندن وكان بصحبة الاستاذ الصديق جورج سمعان رئيس تحرير جريدة الحياة ، وسألته عن ما كان يعنيه بالأسباب الأمنية حين نشر الخبر، فأخبرني أن السلطات الأردنية أبلغته أن مشعان الجبوري عميل للنظام العراقي، الا أنه حاول صياغة الخبر بطريقة لا تسيء لي، ولا توفر لي المبررات والقرائن لإقامة دعوة تشهير ضد جريدة الحياة ، مما دعاه إلى صياغة الخبر بذلك الشكل المبهم.
كانت اسرتي تقيم في عمان في بيت أملكه شيدته بنفسي لأنني لم أتصور مجرد تصور إمكانية منعي من دخول الأردن لاسيما وأنني أحمل جواز سفر أردنياً نافذ المفعول الأمر الذي أصابني بأذى نفسي كبير لم يخفف من وطأته سوى موقف الأشقاء السوريين النبيل الذين بادروا على الفور بمنحي جواز سفر سوري وتقديم كل ما من شأنه أن يمتص حجم الصدمة التي أصابتني إثر منعي من دخول الأردن.
وقد كان لنبل ومبدئية موقف الأشقاء السوريين أثراً كبيراً في دعم عناصر القوة والثبات على المبادئ وعدم الاهتزاز، أما مواقف البعض الذي حاول ترهيبنا وتخويفنا إضافة إلى البعض الآخر الذي حاول التدخل في علاقتنا بالأشقاء من خلال التشكيك بمواقفنا لا سيما فيما يتعلق منها بالقضية العراقية التي جهدنا لشرحها وتوضيحها عبر لقاءاتنا الصحفية وظهورنا الإعلامي المتزايد في الفضائيات.
لقد كان لموقف السلطات الأردنية بمنعي من دخول الأردن شقاً مهماً يتعلق بالضغط النفسي على حسين كامل وعزله عن محيطه وقد جرى في هذا الوقت بالفعل تسخين الخط بين حسين كامل وبغداد التي كانت مطلعة على كامل تفاصيل الوضع النفسي لحسين كامل الذي منحته آنذاك عفواً خطياً باسم مجلس قيادة الثورة إن أراد العودة إلى بغداد.
في عمان كان حسين كامل يقضي ومن معه أول أيام العيد وكان عز الدين محمد ابن عمه وزوج شقيقته في تركيا وحضر إلى القصر الملكي رئيس المخابرات الأردنية آنذاك الفريق سميح البطيخي الذي قد تبوأ موقعه حديثاً في أعقاب إحالة رئيس المخابرات السابق الفريق القيسي إلى التقاعد ورئيس الديوان الملكي الأردني والأمير فيصل بن محمد السكرتير العسكري لجلالة الملك ونجد شقيقه الأمير محمد، كان حسين كامل يعتقد أن ضيوفه جاءوا ليهنؤوه بالعيد وأن جلالة الملك الحسين قد أحب أن يطمئن على أفراد الأسرة باعتبار هذا هو العيد الأول الذي يقضوه خارج بلادهم فابتهج حسين كامل بهذه الزيارة وشعر بإمكانية إعادة العلاقة إلى طبيعتها مع الأردن إلا أن الزوار كان لهم مهمة أخرى