تطور الاستراتيجية الأمريكية في الخليج العربي

 

مقدمة

 

تهدف هذه الدراسة إلى رصد وتحليل منهج الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي منذ بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقائدة للمعسكر الغربي بعد الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا. وهدفنا من هذا البحث إيضاح التوجهات الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي للقارئ العربي. لأن المكتوب عن السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي من قبل الكتاب العرب الخليجيين والعرب لا يتناسب كلية مع حجم الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة تجاه المنطقة على الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية. صحيح أن هناك متابعات كثيرة تناولت السياسة الأمريكية تجاه الخليج العربي، ولكننا وجدنا معظم هذه الكتابات لم تحلل بعمق الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى وجدنا أن جزءاً كبيراً من هذه الدراسات متحيزة سواء كان ذلك بالإيجاب أو السلب.

ماذا تريد الحكومات الأمريكية من دول الخليج العربي؟ سؤال طرحناه في بداية هذه الدراسة التي تحوي أربعة فصول بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ وحاولنا الإجابة عنه بطريقة السرد التاريخي لتطور المصالح الاقتصادية للولايات الأمريكية وحلفائها سواء أكانت تلك المصالح تتمثل في إنتاج النفط الملبي لحاجات الدول الغربية، أهمية السوق المحلي للصادرات الأمريكية، إعادة تدوير العائدات النفطية.

ما هي الأساليب التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية للمحافظة على مصالحها ومصالح حلفائها في منطقة الخليج العربي؟

وقد حاولنا الإجابة عن هذا السؤال في الفصول الثلاثة المتبقية من هذه الدراسة وذلك برصد الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الخليج العربي منذ عقد الخمسينات وحتى يومنا هذا. ولا بد من التأكيد على أن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة لم يطرأ عليها أي تغيير في المضمون وإنما التغير كان دائماً يدخل في مجال المنهج. وإن أسس هذه الاستراتيجية قائمة على استمرارية تدفق النفط لأمريكا وحلفائها الغربيين والشرقيين وبالكمية التي يريدونها، وبالأسعار التي لا تهدد اقتصادهم، وكذلك على اعتبار الإتحاد السوفيتي الخطر الأول الذي يتهدد المنطقة. وإن هذه المنطقة لا تستطيع تأمين

دفاعها الذاتي، ومن هنا نصبت الولايات المتحدة نفسها مسؤولة عن أمن هذه المنطقة.

إذا كانت الاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الخليجح العربي قائمة على الأسس الآنفة الذكر، فهل هي في الواقع تتماشى مع تطلعات قادة وشعوب هذه المنطقة؟ والإجابة عن هذا السؤال تضمنها القسم الأخير من هذه الدراسة.

ونحن نطرح في هذا البحث فرضية أساسية تحدد على ضوئها منهجنا التاريخي لرؤية العلاقات الخليجية الأمريكية وهي أن العالم اليوم أصبح قرية صغيرة وأن وسائل الاتصال تكاد تغرق المسافات الجغرافية والحدود السياسية ووسائل الرقابة المعلوماتية ومع هذا التقدم المذهل في الاتصال فإن الوجود الأمريكي في الخليج اليوم على قربه الشديد يعد أمراً غير مفهوم فهناك الأغلبية الساحقة اليوم التي تحبذ هذا الوجود لمخاوف تظن أنه يحميها من تحققها مع نشوء مخاوف أخرى جديدة تترتب على هذا الوجود نفسه. فهم يرغبون في هذا الوجود الأمريكي ولا يرغبون. إن هذه الحالة أمر طبيعي تماماً في ظل الوعي بالمخاوف القائمة وميلاد مخاوف قادمة دون تعقيل لهذه المخاوف. إن المخاوف أشباح اشبه بالعفاريت في قصص ألف ليلة وليلة وهي تخلق حالات سيكولوجية ولا تخلق فهماً وبالتالي فإن الدراسة الدقيقة بقدر الإمكان هي السبيل الوحيد لفهم جذور هذا الوجود الأمريكي ومستقبله في المنطقة فهماً يبدد المخاوف لأن الفهم يشبه ضوء الشمس التي تقضي على كوابيس ظلام الليل.

ومن ثم فالفرضية المطوحة هي أن التسلسل التاريخي الذي حمل إلى اللحظة الراهنة بكل ملابساته يجعل من الحاضر أمراً مفهوماً فالحاضر هو البدء والميعاد عند كل دراسة تاريخية وهذا التسلسل طبقاً لما سيطرح في هذه الدراسة المعاصرة يرتبط به وينطلق منه وإليه. إن أوروبا تتعامل مع الوجود الأمريكي في أوروبا بهدوء وفهم مرة داخل دائرة الصراع العقلي السلمي، وأخرى داخل دائرة التحالف العقلي المصلحي. فهل تؤدي هذه الدراسة وأمثالها إلى أن نتعامل مع الوجود الأمريكي تعامل الأوروبيين معه؟؟