الزّمن المر

  قصاصات مستلّة من سِفر  الأحزان

 

الفصل الخامس والعشرون

 

  حقباً متطاولة متثاقلة تبدو الساعات هذه الأيام لا تكاد تنقل أقدامها إلا بمشقة بالغة وكأنها امرأة مقربة تخوض في رمال رخوة تنغرز فيها حتى ركبتيها المتورِّمتين المرتجفتين… الرخوتين… وقوافل الموت والضياع لا تنفك متلاحقة متواصلة تطوِّح ليلاً ونهاراً بمئات المعتقلين المرتهنين في سجون العراق المتناثرة كبقع الجدري على جسد المصاب… مسالك متعددة وأبواب مشرعة كأفواه الأفاعي لم تكتف بكثرة ما ازدردته طوال سنين القحط هذه… فهي ما زالت تطالب بالمزيد… وكأنها غرثى طوحتها سنين من الجوع وسط موائد عامرة مترعة…

  بدت مقصلة النظام شرهة نهمة هذا اليوم الى أبعد الحدود… كان يتردد بعنف صريرها الموحش عبر جنبات القاعة الصامتة الوجلة كصدى ارتطام الصخور المتهاوية من شاهق… ولم يكن ليكف نهمها كثرة الرؤوس التي أطاحت بها منذ ساعات الصباح الباكرة… بل كان لعابها اللزج المنساب عبر شفرتها اللامعة المزمجرة يثير التقزز والغثيان وهي تبحث عن مزيد من الأعناق الغضة لتفريها ولتصنع منها تلالاً متناثرة تثير فيها الرعب والرهبة في قلوب الآخرين…

  لم يكن علي ليثيره موقف الشاهدين اللذين استدعيا للمثول أمام المحكمة كدليل اثبات على خيانته وموقفه المعارض للسلطة… رغم انهما رفيقين حزبيين كبيرين… فقد كان يدرك انهما لا يملكان حجة في اثبات هذرهما الذي استرسلا فيه لدقائق طويلة وهما يغالبان مظاهر الخوف التي كانت ترتسم على سحنتيهما المتيبستين كلوحي خشب متهرئين… شعور عارم بالرهبة كان يعتصرهما ويصيبهما بالذهول حتى اختلطت عليهما المواقف، فكان احساسهما بانهما في قفص الاتهام أقرب منه الى موقف شهود الاثبات… هو هلع الغريق الذي يجاهد لاستنشاق قليل من الهواء… والتشبّث بأي شيء يطفو على سطح الماء…

  العبارات الحادة التي تواصيا على التصريح بها… والتي تبادلا ترديدها حرفاً بحرف دون أي تغيير أو تعديل… كانت سقيمة باهتة… لا تثبت شيئاً… ولا تبرهن أمراً… بل هي أقرب منها للشعارات الثورية المداهنة التي بدت سمجة مملة… تافهة…

  بدا العريف عبدالسلام أشد رباطة جأشاً من رفيقه النائب ضابط جبار… رغم قطرات العرق الباردة التي كانت تلمع فوق جبينه المتغضِّن… وأرنبة أنفه المرتعشة رغماً عنه… كان يحاول جاهداً رتق الخروق البادية في سلسلة حديثه المتلعثم المهلهل العبارات… وملامح التوجس ترسم هالات متماوجة من الخوف على تقاطيع وجهه الأسمر الذي لوّحته شمس البصرة الحارقة وعجنته تربة "أبي الخَصِيْبْ"[1] قرية الوداعة… والطيبة… والجمال… والبساتين المتشابكة الجذور… والمتعانقة الأغصان… والتي تتبرأ منه وتزدريه.

  كان التلعثم والاضطراب سمة بادية على الشاهدين وهما لا يجدان ما يجيبان عليه من الأسئلة الملغّمة الذكية التي كان يوجهها لهما علي من خلال رئيس المحكمة المسترخي في كرسيه الوثير... ولم يجد صراخ جبار المدوي باتهام علي بالخيانة نفعاً في محاولاته المتخبطة للامساك بدفة الأمر… كان قد بدأ يدرك متأخراً أن علياً يخيط له شبكة متقنة توشك أن تطبق عليه وهو يستدرجه باسئلته المتلاحقة تلك…

  ـ ويح نفسي ان جزمي بصحة ما يدعيه علي تعني وقوعي في مصيدة التستّر على خائن… رباه أين يقودني هذا الخبيث…

  كان جبار يردد في نفسه واحتدام عارم بين الغضب والخوف يدوي في صدره فتتهدج له أنفاسه وتضطرب فينفلت اثرها عبر فكيه الفاغرين هدير متلاحق من العبارات النارية المدوية والكلمات المبعثرة الصارخة حين كانت أنامله المنقضبة تبدو متشنجة مرتعشة ترسم صورة مكتملة الملامح لهلع وارتباك شديدين كانا يعصفان بهذا الرجل ويطحناه طحناً…

 

*                              *                              *

 

  أطبقت غلالة كثيفة من الحزن والخوف على ملامح جليل وعلاء رفيقي علي في المعمل... كانا ينصتان بتوجس مشوب بالذهول لتفاصيل المحاكمة التي بالكاد انتهى منها علي… أخذ الاثنان يبحلقان به وقد هالهما هذا التشابك الذي وصلته قضية رفيقهما وشريكهما في جلسات المحاكمة هذا اليوم… لم يسع جليل وهو يغالب دمعة حائرة مترددة بدأت تطل من طرف عينه اليمنى إلا أن يطلق تنهيدة طويلة وهو يشيح بوجهه المتلبّد حزناً وألماً حين بدت أصابع كفه اليسرى تئن وتتلوى بين أصابع كفه الاُخرى التي كانت تطبق عليها بقسوة وعنف…

  كان جليل ببنيته الصغيرة النحيلة ورأسه الذي غزاه الصلع من مقدمته يجاهد ليمسك بشتات نفسه المضطربة وهو يعتقد بانه هذا الرجل الذي أحبه كثيراً ربما سيفارقه بعد قليل الى الأبد... نفس الاحساس الذي لم يفارقه منذ اُبلغ بخبر أخيه الأكبر الذي توفي قبل أشهر أثناء التعذيب في احدى دوائر الأمن الرهيبة...

  ـ ويحك ايتها البصرة... يا مدينتي المتشحة بالسواد أما آن لنزف دمك أن يتوقف... ولجرحك أن يندمل...

  ردد جليل في نفسه وهو ينصت بذهول لصياح الحاحب المنتفخ كالطاووس المتمايل عند الجانب الآخر من السلَّم الحجري المؤدي لمدخل قاعة المحاكمة والذي يبدو كفحيح الافعى الشرهة حين كان وقع الأقدام المنسابة من جوانب القاعة يخف شيئاً فشيئاً…

  الكثيرون انسابوا عبر تلك البوابة المشرعة كبوابة جهنم للاستماع للأحكام الصادرة بحقهم… ولكن من عاد منهم كان أقل بكثير… أحكام بالاعدام… وطوابير متلاحقة من الرجال والنساء تُقاد كالأضاحي المكبّلة صوب مسالخ النظام… ومقاصله النهمة…

  ـ أرجوك… أن… توصني بشيء نعم أرجوك قبل أن تدعى لتلقي الحكم...

  كلمات متعثّرة مشتتة جهد جليل في لمِّ شتاتها وهو يطيل التحديق بعيني علي الساهمتين المزدحمتين بالكثير من الألم والقلق… والتوجّس والغضب…

  ـ أرجو أن لا تبادر بابلاغ أبي شيئاً إلا بعد التيقّن من إعدامي…

  ردد علي بهدوء ومشاعر متفاوتة تتنازعه بين التسليم بحدس جليل المتكوّم على نفسه والمطرق برأسه الأصلع الصغير الى الأرض… وبين احساسه بأن الأمر لم ينته بعد…

  ـ أنا لا أرجو منكم إلا الاستغفار لي… وأن تبلغ أبي أني اقبِّل يديه وأرجوه أن يصلّي لي هو واُمي…

  توقف علي عن مواصلة الحديث مطلقاً تنهيدة طويلة وكأنه يغالب عبرة جاش بها فؤاده رغماً عنه… وأشاح بوجهه صوب المدخل الموصد لقاعة المحكمة حين بدت عيناه تتفحّصان دون وعي منه أبعاد ذلك الباب المفضي الى مسالك الموت المشرعة… ودهاليزه العتمة التي ابتلعت الكثير من صفوة رجال العراق وخيرة نسائه…

  ـ واوص أبي بزوجتي وولدَيَ خيراً…

  أضاف علي بهدوء وصفحة وجهه المقابلة لجليل وعلاء لا تفصح عما كان يجوش في جوفه من المشاعر المحتدمة… لا والكلمات الهائجة المضطربة التي كان يعجز أن يعيد ترتيبها… حين بدت أنامل يده اليمنى تتحسس موضع الساعة الذهبية التي تناثرت شتاتاً في تلك الليلة التي ما زالت جراحها في جسده نازفة… ندية…

 عاد اثنان من رفاقهم في المعمل وقد حكم عليهما بالسجن المؤبَّد… بدا مرسوم على وجنتيهما السمرواتين المشوبتين بصفرة داكنة شيئاً من الاسترخاء الممزوج بالكثير من الحزن والأسى… فقد أمضيا أكثر من عام مترقبين هذه اللحظة تتنازعهما مشاعر الخوف والتوجّس والقلق… هي ذي نهاية تلك الرحلة الشاقة المليئة بالعذاب والألم وبداية رحلة جديدة لن يطل بهما العهد حتى يمخرا عبابها شاءا أم أبيا…

  التفت علي صوب جليل فالتقت عيناهما كأنهما تتعانقان في لحظة فراق أبدي… وهال علي ما بدا مرسوماً على تلك العينين الصغيرتين الحادتين كعيني نسر من مظاهر الحزن واللوعة على ما سيحل به… رغم أن جليلاً هذا يترقَّب بين الفينة والاُخرى حكماً لا يعرف إن كان بالافراج عنه… أو بجز رقبته رغم تقديمه للمحاكمة دون أي تهمة أو شبهة…

  امتدت يدا علي المتورمتين بهدوء واحتضنتا يدي جليل الباردتين كقطعتي جليد وهو يرسم على شفتيه المتورمتين ابتسامة مشرقة ربما تمنحه قليلاً من العزاء مستنشقاً ملء رئتيه هواءً فاسداً لزجاً... متحسساً برفق ساقه اليسرى المتورّمة حتى الانفجار حين كان اسمه يتردد في جنبات القاعة الواجمة وهو ينسل من بين شفتي وأسنان حاجب المحكمة: جليل... أتعتقد اني ساُعدم؟ واني لن أعود اليك بعد قليل؟ صدقني أنا لا أعتقد ذلك… إن هناك شيئاً ما يسكن في قلبي أنا مؤمن به، نعم أنا متيقن باني سأعود اليك بعد قليل لاقبّلك قبل أن تفارقني... لتعود أنت الى البصرة محمَّلاً اليها بأشواقي…

  جهد جليل في أن يتمالك نفسه وهو يغالب سيلاً متدافعاً من الدموع المنحدرة كالسيل الهائج حين كانت عيناه تراقبان علياً وهو ينقل بصعوبة ساقيه المتورّمتين حاثاً خطاه نحو فاه الافعى المشرع عند الجانب الآخر للقاعة المطرقة… الساكنة…

  بدأت الدقائق تكرُّ متثاقلة بطيئة… حتى لتبدو وكأنها أشبه بدهور طويلة مريرة… وأعين الرجال الأربعة الجاحظة المبحلقة ترقب بوجل حركة الباب الموصد منذ دخول علي… يتقاسمها الخوف والأمل… ويتنازعها اليأس والترقُّب… ترى أتكون تلك اللحظات العابرة آخر ما جمعهم بعلي… أم لعل الأمر لم ينته بعد…؟

  خمسة أو ستة دقائق من الترقب... والاعين المبحلقة ببوابة الموت بدت جاحظة... حائرة... مضطربة وهي تتأمل الباب الموصد يتململ ببطء وكأنه يستمرئ انحباس الأنفاس المضطربة في صدور الرجال الأربعة الذين بدوا كتماثيل شمع متهرئة… أو كرمم محنطة بالية… إلا أنها لم تلبث أن دبت فيها ذبالة الحياة المتوارية خجلاً خلف تلك السحن الجافة وهي تبحلق بعلي المنحدر بتمهّل ممزوج بألم يحاول ازدراده رغماً عنه وهو يحث الخطا بعرج متناوب نحو رفاقه الذين تحلّقوا حوله بأعينهم التي ومض فيها شعور باهت بالفرح لم يلبث أن تلاشى في خضم ما كان يشوبها من حزن دفين عميق… لا يُسبر له غور…

  فهاهو رفيقهم وإن أفلت باعجوبة من حبل المشنقة فانه سيُقاد عنوة نحو معتقل رهيب ليمضي فيه سنين طوال بكل ما فيها من الألم والحسرة والخوف والترقّب... وليطوي فيه صفحات موحشة اخرى من سِفر الأحزان...

*          *          *


 

[1] قرية جميلة تمتد على ضفاف شط العرب في البصرة جنوب العراق.