الفصل الثامن


 

الحقيقــة الكبيرة ...قراءة وتحليـل
توطئـة
تضمنت فصول الكتاب السابقة وقائع ومشاهدات وأحداث ملموسة تم استعراضها وفقاً لحالة حدوثها وانسيابها الزمني المتسلسل، وفي هذا الفصل الخاص، نود ان نعطي رؤيتنا في التحليل الذي ربما ينطوي على أمور قد تبدو هامة فيما يتعلق بحقيقة الانتفاضة والنظر الى خلفياتها وأبعادها المستقبلية في النواحي السياسية والاجتماعية والإنسانية. ونحن هنا نؤكد على ضرورة فهم ومعالجة الحالة الوطنية وما أحدثته سياسات النظام وأساليبه القمعية والتمييزية في محاولات خلق الانشقاق والانقسام بين أبناء الشعب الواحد، مسلطين الضوء على طبيعة الحقائق التي نراها تتحرك وتسود في المشهد العراقي الآن، من أجل رصدها وكشفها، حتى يتسنى لنا بلوغ الأهداف المرجوة في إقامة الحكم الوطني الديموقراطي الجديد.

جوهر الانتفاضة

بقي اسم "الانتفاضة " متألقاً ومعبراً عما حدث في آذار 1991 من أيام باسلة، كان وقوعها مرتقبا وانتشارها بهذا الشكل السريع متوقعا لأنها الرد العملي على حشد من المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتراكمة التي أوجدها النظام الحاكم في العراق منذ توليه السلطة عام 1968، والتي لم يظهر لها مثيلً في أي منطقة في العالم حتى في اشد الدكتاتوريات تعسفا وظلما. جاءت الانتفاضة لتغير الواقع السيئ واستبداله بواقع جديد يعبر عن مصالح واهداف الشعب العراقي الذي ما انفك يناضل من اجل تحقيقها، واقع يتلاءم ومعطيات الزمان والمكان، ويتفق مع قواعد حماية حقوق الإنسان واحترام الشرعية الدولية المبنية على الاحترام المتبادل وحقوق الجوار وحماية المصالح المشتركة المشروعة، لذا كانت الانتفاضة تعبير حياً عن حقيقة الأمل المزروع في قلوب العراقيين بمختلف شرائحهم الاجتماعية وانتماءاتهم العرقية والمذهبية والتي تمخضت عن أسباب كثيرة منها:
1 0 الجو النفسي الخانق الذي سيطر على نفوس العراقيين طوال فترة ليست قليلة من الزمن، نتيجة الاضطهاد السياسي والتمايز الطائفي والقومي مما شكل لهم حجم معاناة كبيرة.
2 0 الانكسار النفسي الحاد في ضمير أفراد الجيش ضباطا ومراتب بسبب الهزيمة المؤلمة التي فرضها النظام عليهـم والتي شكلت أرضية خصبة للانفعال المعنــوي الذي خلق الهزيمة التي تلقاها النظام من قبل الجماهير0
وعليه نرى التأكيد على جوهر ونقاء الانتفاضة الذي كان نابعا من الروح الوطنية العراقية العامة واستجابة لمعاناتها وأهدافها التي تمثلت في جهود العراقيين بعيدا عن أية تأثيرات خارجية سواء أكانت سياسية أو عرقية أو طائفية 0

البداية كانت من الجنوب..؟

كما هو معروف، فإن البصرة كانت معقل الانتفاضة الأول ومصدر توهجها ثم امتدت على نحو سريع إلى مدن الجنوب الأخرى "ذي قار- ميسان" حتى مدن الفرات الأوسط "بابل-القادسية-كربلاء-النجف الأشرف - واسط -المثنى-" وكادت ان تصل ضواحي بغداد القريبة، إلا أنها انحسرت قبل بلوغها هذا الهدف !
وهناك جملة عوامل جعلت تلك المحافظات والمدن تحظى بأولوية اندلاع الانتفاضة فيها، يمكن إيجازها بالآتي:
اولاً: تاريخياً، كان لأبناء الجنوب والفرات الأوسط دورا فاعلا وقياديا في الحركة الوطنية العراقية إذ أسهموا بدور فاعل بقيام ثورة العشرين التي فجروها وقدموا التضحيات الجسام خلالها، والتي فتحت الطريق لتأسيس الدولة العراقية وتحملوا نتائج ردة الفعل ضدهم بالمزيد من الظلم والعزل عن الإدارة والحكم وعلى مدى العقود الماضية، وقد لعب هؤلاء الدور الرئيس في الحركة السياسية من خلال تشكيلهم القاعدة الشعبية للقوى والأحزاب الوطنية الفاعلة والبارزة، كالحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث والأحزاب الإسلامية التي بدأ دورها يتصاعد منذ السبعينات وكان لها الدور الرئيسي في التصدي للنظام الجائر.
ثانياً : كان الاضطهاد السياسي والعزل الطائفي شديد الوطأة على أبناء تلك المحافظات من قبل الحكومات والأنظمة التي تعاقبت على الحكم وبخاصة نظام صدام حسين وحيث لم يحظ سكان تلك المناطق (وهم غالبية سكان العراق) وعلى مدى تلك السنوات الطويلة بما يلزم من اهتمام ورعاية في تقديم الخدمات الأساسية لهم* ، أو معالجة مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية، كذلك إحساسهم المتراكم ببعدهم عن مركز السلطة وهو ما ولّد فيهم روح اللاتقارب والبعد عن النظام ومركز اتخاذ القرار، إضافة إلى وجود الأنواع المختلفة من التمايزات الاجتماعية والطائفية التي أبعدتهم عن الوظائف العامة والمواقع ذات الأهمية 0
ثالثاً : كانت تلك المحافظات ساحة حرب وعمليات حربية رئيسية في الحرب العراقية الإيرانية على مدى ثماني سنوات وكان أبناؤها وقوداً للحرب ومادة رئيسية لها مع كل ما ترتب من تضحيات جسيمة في الرجال والأموال وما أعقبها من ظواهر اجتماعية واقتصادية ذات أثر سلبي واضح.
رابعاً : وفي حرب الخليج، كانت تلك المدن ساحة حرب أيضا، وقد تحملت ضغطها الشديد، فقد دمرت فيها جميع وسائل الحياة الاعتيادية والخدمات والطرق والجسور وعمت الفوضى وانتشرالارتباك والتداخل بين جيش منسحب ومنكسر، وجماهير غاضبة تترقب شيئا ما، وقوات أجنبية على الأرض الوطنية!
خامساً : أما في كردستان العراق، فكانت السياسة واضحة بخصوص أساليب التمييز والاضطهاد القومي والسياسي للكرد والتركمان والآشوريين ولجميع الأقليات والطوائف الأخرى وهذا ما تجسد في أحداث "الأنفال" سيئة الصيت وجريمة ضرب حلبجة بالقنابل الكيمياوية ومطاردة الوطنيين والاعتقالات المستمرة، كلها كانت عوامل أسهمت بتسخين الأحداث وجعلها قريبة من الانفجار والثورة 0

لماذا محافظات بيضاء ؟!!

أطلق النظام هذه التسمية في البداية على محافظات ( بغداد - ديالى - الأنبار - صلاح الدين - نينوى ) لأنها لم تشارك في الانتفاضة ضده، ولكنه استثنى بغداد وديالى من تلك التسمية وشملها بضوابط العزل التي اتبعها مع المحافظات المنتفضة دون أن يعلن ذلك، مع بعض الاستثناءات لهذا المكان أو تلك المدينة ضمن المحافظة وفقا لتعليمات سرية خاصة، وفي الحقيقة لا توجد محافظات بيضاء مثلما عبر عنها النظام وبالمعنى الذي يقصده، فمحافظة الأنبار قد رفعت شعارات وكتب شبابها على الجدران ما يدعو إلى الثورة، وتحشد الكثير منهم في الجوامع استعداداً للانطلاق وحدثت تجمعات هنا وهناك وهكذا كان الحال في محافظة نينوى،أما محافظة صلاح الدين، فهل يعقل أن أبناء "بلد" و"الدجيل" لم يقفوا ضد النظام ولم يتهيؤا للانتفاضة وهم الذين قتل صدام مجاميع كبيرة من شبابهم على اثر محاولة اغتياله هناك عام 1983 ، وهل يصدق أحد أن يقف مع النظام أبناء الضلوعية من عشيرة الجبور وغيرهم أو عشائر "المجمّع" في "الاسحاقي" وما حولها أو "أبناء سامراء" وهم محملون بروح المعارضة للنظام منذ زمن بعيد؟ أم أهل الدور أو الشرقاط والبيجي؟ انه في الحقيقة لا يستطيع ضمان ولاء أهل تكريت لوحدهم ! وقد برهنت الأحداث التي أعقبت الانتفاضة عدم وجود أية محافظة أو ناحية أو قرية مضمونة الولاء لصدام وحكمه فانتفاضة الأنبار كانت عارمة وجدية والمحاولات التي قام بها ضباط من أبناء عشيرة الجبور في صلاح الدين والشرقاط ونينوى جدية هي الأخرى ومحاولة راجي عباس التكريتي بالاشتراك مع ضباط من أهل الموصل كانت كذلك، وبرهنت على عمق الوعي الوطني لدى العراقيين، ولكننا ينبغي أن نأخذ بنظر الاعتبار على الرغم من الأحداث المتفرقة التي وقعت في أجزاء معينة من محافظتي بغداد وديالى والتي تزامنت مع أحداث الانتفاضة الكبرى في الفرات الأوسط والجنوب إلا أن أحداثا من هذا النوع لم تقع في محافظات الأنبار، صلاح الدين ونينوى، في تلك الفترة ولأسباب تعود في تقديرنا إلى ما يلي :
أولاً : إن تلك المحافظات لم تتعرض إلى نوع وحجم المعاناة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرضت لها مناطق الجنوب والفرات الأوسط وشمال العراق، فقد كان واضحا أن النظام قد تعامل معها بنوع من الإجراءات ذات الأوجه المتعددة والانتقائية وتعامل مع كل حالة على حدة، فلم يتخذ ضدهم إجراءات سياسية تعسفية شاملة تخص جميع سكان المحافظة أو القضاء ( مثلما حدث لأبناء الجيزاني في الخالص وبلد والدجيل عام 1983 عندما وضع آلاف من الرجال والنساء في السجون وقضى عليهم تدريجيا بعدما هدمت بيوتهم واقتلعت حقولهم وبساتينهم ولم يسمح حتى بتعيين شرطي أو موظف بسيط منهم في دوائر الدولة وعزل الضابط أو الموظف منهم بعد احالته على التقاعد أو التخلص منهم بشتى الوسائل!
ثانياً : خلو هذه المحافظات من التنظيمات السياسية المعارضة ذات الطابع الأيديولوجي المنظم المؤثر والواسع كما هو عليه الحال في المحافظات الأخرى، فكان الاتجاه المعارض يتبلور آنيا أما من قبل ضبـاط أحرار أو بعثيين مسؤولين في الحزب يرون أن المسيرة قد انحرفت عن مسارها الطبيعي، أو شخصيات سياسية مستقلة أو البعض من رجال الدين الذين يبدون نوعاً من التشكك وطرح التغيير السياسي، ولذا كانت مهمة النظام سهلة في انتقاء هؤلاء وتصفيتهم، فقد تم إعدام الكثير من كبار القادة العسكريين في تلك المحافظات وهو دائم البحث والتقصي عنهم لمعرفة المنافسين له وتحديد تحركاتهم ونشاطاتهم، دون الحاجة إلى إجراءات شاملة رادعة مثلما كان يفعل مع أبناء المحافظات الأخرى.
وبصراحة، فان النظام كان قد تعامل مع أبناء تلك المحافظات بنوع من المجاملة السياسية الرخيصة وخاصة ما يتعلق بتوزيع المناصب والمواقع القيادية والإدارات وأجهزة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية بتعيينهم فيها وفتح الآفاق والمجالات الاقتصادية والتجارية لهم وكان هذا التمايز واضحاً ومقصوداً.
ثالثاً : لم تتعرض تلك المحافظات إلى ضغط الحرب المباشر (الحرب العراقية الإيرانية - حرب الخليج) لأن أراضيها وحدودها لم تكن ساحة عمليات حربية، باستثناء بعض عمليات القصف الجوي.
رابعاً : الوضع الاقتصادي والاجتماعي الجيد الذي تمتاز به تلك المحافظات، حيث التسهيلات الزراعية والمقاولات وحركة تجارية واسعة لابنائها داخل وخارج البلاد والتي كان النظام يسهل أمورها ويشجع نشاطها0
خامساً : لا بد أن نعترف بأن النظام نجح إلى حد ما في إثارة المخاوف في نفوس أبناء تلك المحافظات من إمكانية نجاح الانتفاضة في الجنوب والوسط، من خلال تركيزه على إثارة الروح الطائفية والتعصبية، حيث أرسل صدام مندوبين عنه شخصياً تحدثوا مع وجهائها بهذا المضمون. ومن الأفعال الأخرى إطلاق الشائعات السوداء، فالشهداء الذين قتلوا في الكويت، أمر بتسليمهم إلى ذويهم (بعد أن كان يحتفظ بهم بثلاجات في مركز جمع الشهداء في البصرة والصويرة) على أن تسبق جثثهم إشاعة مفادها أن ( أهل الجنوب قتلوهم لانهم من أهل السنّة) وإشاعة (اقتل عشرة من السنّة تدخل الجنة..!!) ليست خافية أهدافها وتأثيرها على أحد، وإشاعة أخرى تقول (إن سيطرت الثوار تعتقل أبناء السنّة فقط!) وكل ذلك كان خلافاً للواقع طبعاً.

الهجوم على الانتفاضة

الحرس الجمهوري
كان لوجود قوات الحرس الجمهوري في مناطق الأحداث، خصوصاً وأنها كانت قريبة من الحدود العراقية - الكويتية أثرها البالغ في استخدامها في قمع الانتفاضة، حيث لا يزال لديها أكثر من 50% من عجلات القتال والأسلحة الصالحة للاستعمال والتي لم تتعرض الى خسائر كبيرة خلال الانسحاب، أي أنها كانت تتمتع بموقف عسكري مناسب تمتلك فيه الإمكانية المادية والمعنوية لضرب الانتفاضة سيما وإنها مصممة في الأساس لخدمة وحماية نظام يرأسه صدام حسين تحيط به مجموعة تم انتقاؤها وفقاً لمعايير القرابة والمحلة والتعصب! إن هذه القوات معبأة نفسياً للوقوف ضد الشعب، فطبيعة تشكيلها وانتقاء أفرادها من الضباط والمراتب مبني على ذات الأسس التي ينتقي صدام بها مجموعة الحمايات الخاصة والتابعة له.
أما البناء الفكري والنفسي لتلك القوات، فيكاد يقتصر على مفاهيم الطاعة والولاء لرأس النظام وتنفيذ رغباته وتأمين مستلزمات بقائه في الحكم وكل هذه المفاهيم والتصورات هي بالضرورة بعيدة عن تطلعات الشعب نحو الحرية والديمقراطية،وهذه التشكيلات المصطنعة وجدت بديلا عــن الجيش العراقــي ذي التقاليد العريقة والتربية الوطنية الصادقة، فهناك فروقً جوهرية بين الجيش والحرس الجمهوري من ناحية الأشخاص والإعداد الفكري والنفسي لهم ودراسة التاريخ الوطني وتقاليد الضبط العسكري وقيم الشهامة والفروسية التي شكلت أهم سمات الشخصية العسكرية العراقية ومبادئها الوطنية العامة، وانه لمن الخطأ الجسيم الخلط بين الجيش العراقي وتلك القوات المصطنعة (الحرس الجمهوري، الحرس الجمهوري الخاص، منظومات الاستخبارات) التي نفذت حتى الآن أهم حدثين وهما احتلال الكويت في 2 آب 90 وضرب الانتفاضة في آذار 1991 ومن ثم تحولها إلى قوة أمن وحماية للنظام، لكن ذلك لا يلغي وجود الكثير من الضباط والجنود من منتسبي تلك القوات، من هم خارج هذا الفهم ويشعر بالورطة بوجوده ضمن هذه المؤسسة ولا يتجاوب مع مفاهيمها وأهدافها وقد تهرب كثير منهم من تنفيذ مهمات كلفوا بها*، وقد سمعت الكثير من الآراء والأفكار والحقائق بهذا الصدد ومن الموضوعية أن نشير إلى أن الحرس الجمهوري قد ضم مجموعة كبيرة من الضباط المخلصين لوطنهم وشعبهم وهم في مشاعرهم الحقيقية بعيدون عن "طبخة النظام" كما معروف عنهم. مما جعل النظام يتخذ إجراءات أمنية إضافية وصارمة للسيطرة على تحركاتهم ونشاطهم، بما في ذلك تعيين أشخاص مدنيين في مقر كل لواء فما فوق يسمونهم ( أساتذة ) مهمتهم المعلنة والسرية هي مراقبة الضباط ! وتسجيل نشاطاتهم الشخصية والاجتماعية والعسكرية وهؤلاء ( الأساتذة ) الذين تم انتقائهم بشكل خاص جداً، يرتبطون بمدير جهاز الأمن الخاص مباشرة بغض النظر عن مستوى الموقع العاملين فيه ! وقد نفذ هؤلاء سياسة عزل القادة والآمرين عن أقرانهم في الجيش وفقاً لضوابط جديدة وتوجيهات عملوا بها وصلت إلى حد منع تبادل الزيارات فيما بينهم داخل المعسكرات!

الحرس الجمهوري الخاص

وهو أيضا قوات عسكرية كبيرة تجاوز تعدادها الـ (30) ألف منتسب تم اختيارهم من مدينة تكريت والقرى والنواحي المجاورة لها وبعض الأطراف هنا وهناك وفقاً لمعايير وأسس خاصة اكثر تطرفا وانعزالا وأقليمياً من الحرس الجمهوري وتخضع هذه القوات لبرامج تدريبية وإعداد نفسي خاص تهدف إلى جعلها قوات معادية للشعب تماما من خلال الافتراض بأن الجميع أعداء للنظام وهم مكلفون بحمايته، ويطرح مثل هذا الأمر في برامج تدريبهم وإعدادهم الفكري وإذا ما اخذ بنظر الاعتبار انهم شباب صغار بأعمار (15-19) سنة وهم من القرى المنعزلة والبعيدة عن المدن ولم يتجاوز تحصيلهم الدراسي المستوى الابتدائي وقد أغدقت عليهم الامتيازات المادية والمعنوية وأعطيت لهم صلاحيات واسعة في عموم البلاد!
وقد لعب هؤلاء دورا كبيرا في قمع الانتفاضة في كربلاء والنجف وبقية المحافظات، أما في بغداد فكانوا على أهبة الاستعداد للحركة السريعة وتطويق الأحداث المتوقعة في مدن الثورة والشعلة وحي العامل والمناطق الشعبية الأخرى وتحولت معسكراتهم في بغداد "الرضوانية" إلى سجن كبير وساحة إعدام جماعية للثوار المنتفضين من جميع المحافظات، وابتكروا أساليب وحشية جديدة في التعذيب الجسدي والنفسي وتنفيذ الإعدام الجماعي، كما اشتركوا على نحو فاعل في عمليات المطاردة والتفتيش والقاء القبض على المواطنين خلال وبعد توقف فعاليات الانتفاضة وخاصة في مدينة بغداد وضواحيها، وكانت تنقل أفواج منهم بملابس مدنية الى مدن البصرة وميسان وكربلاء مهمتها خطف الشباب بأعمار(12-20) سنة والعودة بهم الى بغداد والاحتفاظ بهم كرهائن أو إطلاق سراحهم بعد سحب المعلومات منهم وإرهابهم ومحاولة تجنيد البعض منهم كوكلاء معلومات لجهاز الأمن الخاص! ومع ذلك كان للكثير منهم (ضباط وموظفين ومراتب) مواقف شجاعة تدل على انتماء وطني حقيقي للعراق وليس إلى فقه الحكم، ولذا تم تسريح الكثير منهم خلال السنوات التي تلت الانتفاضة وأحيل آخرون على التقاعد أو نقلوا إلى الجيش العراقي (الضباط) كما نفذ النظام حكم الإعدام السري بعدد منهم!

المنظومة الأمنية

( جهاز الأمن الخاص، جهاز المخابرات،الاستخبارات العسكريةوالأمن العسكري، جهاز الأمن العام)
ودور تلك الأجهزة كان معروفاً، سواء في قمع الانتفاضة أو بعدها وذلك بالضغط والمراقبة ونقل المعلومات والقيام بمهمات أمنية داخل المؤسسة العسكرية وخارجها، هذه الأجهزة كانت تمثل عين السلطة التي تراقب الشعب والمؤسسات التنفيذية والمؤسسة العسكرية والحزب، وقد نفذت أدوارا في غاية الخسة والدناءة من خلال عمليات المداهمة وإلقاء القبض والتحقيق تحت ظروف التعذيب الشديدة،شراء الذمم وتنفيذ الاغتيالات السياسية، التوريط وابتزاز المواطنين، بتنفيذ الإعدام بأشكال مختلفة بحق ثوار الانتفاضة أو المؤيدين لها0
ولهذه الأجهزة تأريخ بشع في معاداة الشعب وقمع تطلعاته، أما في القوات المسلحة فقد إزدادت بشاعة وانحرفت كثيراً عن دورها الأساسي الوظيفي المتعارف عليه في مثل هذه المؤسسات في دول العالم، فقد سُخرت موارد مديرية الاستخبارات العسكرية، مثلاً، لقمع الانتفاضة والبحث عن المتعاطفين معها من الضباط والجنود وتنفيذ عمليات الجرد والعزل الطائفي، بينما الواجب الحقيقي لهذه المؤسسة هو البحث عن جيش العدو على الحدود وخارجها!

الجيش العراقي

كان اشتراك الجيش بعمليات قمع الانتفاضة محدودا من حيث الحجم والتأثير وذلك يعود لعوامل عديدة أهمها :
أولاً: انسحبت تشكيلات الجيش من الكويت بعد أن فقدت القسم الأكبر من تجهيزاتها وأسلحتها ومعداتها، مدمرة أو معطوبة أو عاطلة فوق ارض الكويت0 وقد استعرضنا في مباحث الكتاب ما يشير إلى حالة الجيش بعد انسحابه من الكويت من حيث الاستعداد القتالي المادي والمعنوي0
ثانياً: التركيبة الاجتماعية لعموم منتسبي الجيش من الجنود وضباط الصف وطبيعة انحداراتهم الاجتماعية التي لا تقل نسبتهم عن 90% من المحافظات المنتفضة (محافظات الجنوب والفرات الأوسط)0
ثالثاً: الجيش العراقي له تقاليده الخاصة ومفاهيمه الوطنية والقومية ولذا كان الكثير من ضباطه يمتنعون عن تنفيذ أوامر القمع بأشكال مناسبة ووفقا لكل حالة والظرف المناسب مبررين موقفهم بعدم تيسر الإمكانية (أسلحة، معدات ) والنقص الكبير في الأشخاص 000 الخ 0
وتأسيساً على ذلك، فقد لاحظنا أن أغلبية قادة فرق الجيش العراقي وعدد كبير من آمري التشكيلات قد تم عزلهم خلال أو بعد الانتفاضة فمن مجموع (20) قائد فرقة كانوا في الكويت، لم يرشح منهم إلى منصب أعلى سوى ثلاثة فقط، أما الباقون، فمنهم من حكم عليه بالإعدام· ، وآخرون وضعوا في السجن، وأحيل العدد الآخر على التقاعد أو تم عزله وتعيينه في مواقع ثانوية* ،بينما أسندت المواقع والقيادات الرئيسية في الجيش إلى ضباط نقلوا من الحرس الجمهوري أو الأجهزة الأمنية ..!!
وسرح آلاف الضباط من الخدمة على أساس الاعتبارات الخاطئة والمرفوضة ومئات آخرين أحيلوا إلى محاكم عسكرية بتهمة عدم تنفيذ أوامر القمع أو التستر على الثوار المنتفضين أو الإهمال في تنفيذ الواجبات.. الخ !!

الحزبيون والانتفاضة !!

تتمثل التشكيلة القيادية لحزب البعث في الجنوب والفرات الأوسط بقيادات الفروع واغلبهم جاء من محافظات نينوى، صلاح الدين، الأنبار وبغداد، أما القواعد الحزبية من الأعضاء العاملين والأنصار والمؤيدين فهم من أهالي المنطقة المعنية.
ولذا كانت تلك القواعد الحزبية والمنظمات الجماهيرية (الطلاب، النساء، العمال) متعاطفة مع الانتفاضة ومؤيدة لها، ففي بعض الأماكن شارك أعضاء حزبيون وكذلك بعض منتسبي تلك المنظمات الجماهيرية في فعالياتها بشكل سري أو علانية، وهذا ما يفسر انهيار الحزب على نحو سريع جدا في جميع تلك المحافظات المنتفضة كذلك لم يتعرض الثوار لمقاومة مؤثرة من قبل هؤلاء وهذا ما كان واضحاً عند المنظمات الحزبية التي تحولت إلى مقرات للمنتفضين وقتل من حاول من الحزبيين التصدي والوقوف بوجه الثوار بغض النظر عن انتمائه المذهبي، ولكن وجدت بعض العناصر الحزبية التي تعاونت مع الأجهزة الأمنية فيما بعد وشاركت بعمليات القمع والملاحقة وقتل المواطنين.
وعلى صعيد الحزب في الجيش، فقد اختفى دور المنظمات الحزبية قبيل الانسحاب من الكويت، عندما بدأ المسؤولون الحزبيون للفرق والتشكيلات يتهربون عن مسؤولياتهم الحزبية والوظيفية وكان يهمهم الخلاص بأنفسهم، وقد تسرب كثير منهم تاركين مواقعهم الحزبية وقد تبادل بعد ذلك كثير منهم الاتهامات من خلال كتابة تقارير سرية، كان نتيجتها فصل المئات بتهمة التقصير في أداء الواجبات أو التهرب منها أو التهجم على القيادة.. الخ.
وكانت معاناة البعثيين القياديين من أبناء الشيعة قاسية جداً، لأن الخطاب الطائفي للدولة، كان قد أخذ شكلاً مؤثراً وتركز في بعض الأحيان على محاولات الاتهام المباشر للشيعة وأبناء الجنوب والفرات الأوسط والهجوم العنيف عليهم، والذي بدا واضحاً وجلياً دون مراعاة لروح المجاملة والمواطنة العراقية في أقل اعتبار! وبدأت المعاملة الرسمية والحزبية مع البعثيين القياديين ومقدار احترامهم والثقة بهم يعتمد الأساس المذهبي الطائفية السياسية، وليس الدرجة الحزبية أو الانتماء البعثي 000 الخ ، وهكذا اصبح هؤلاء في موقف حرج للغاية في تلك الفترة قال لي أحدهم وهو عضو قيادة شعبة عسكرية وبرتبة عقيد : (بالله عليك، أنا بعثي منذ 40 سنة ولم اعرف غير الحزب والبعث والمبادئ والعروبة!! والآن يعاملونني على أساس انتمائي المذهبي الشيعي وليس على أساس عمق انتمائي البعثي 00 إذن، كم نحن كنا مغفلين؟!) وسمعت العبارة الأخيرة من كثيرين مدنيين وعسكريين وفي الأجهزة الأمنية وخاصة بعد طردهم من مواقعهم الوظيفية ! انهم كانوا حقيقة (كالمهزومين الذين يعيشون في معسكر المنتصرين !)، أما عموم العناصر الحزبية، فقد أعلنت فشلها الذريع في عملها التنظيمي أو كسبها للشارع العراقي وأن الثلاث والعشرين سنة الماضية لم تثمر عن أية نتائج، وفي المحافظات الشمالية بذلت الدولة جهوداً لتجميع الحزبيين تحت لافتة الجيش الشعبي وخاصة في المناطق القريبة من "ضواحي تكريت والدور والشرقاط والموصل" بغرض زجهم في مقاتلة الأكراد! وفي كركوك طلب منهم تنفيذ عمليات السلب والنهب لمحتويات الدور السكنية في مركز المحافظة والمناطق المنتفضة وقضاء طوز خورماتو، وتحت إشراف مباشر من عزة الدوري وعلي حسن المجيد ! ولكنهم لم يكونوا على استعداد لتنفيذ ما طلب منهم.

الانتفاضة 00 ومشكلة القيادة

لم تظهر للانتفاضة قيادة واضحة المعالم ممثلة بشخوص معروفين00 ولم يعلن أي فصيل من فصائل المعارضة مسؤولية القيادة عنها ولكن كان يوجد إيحاءاً وشعور شعبي عام، بأن قيادات الأحزاب الإسلامية كانت وراء الانتفاضة وكان حديث يدور في بعض أوساط الجيش والمجتمع يشير بأن للسيد محمد باقر الحكيم، دور فيها وربما يقودها ميدانيا! ولم يذكر أحد غيره في تلك الأثناء !
والواقع أن العفوية كانت السمة السائدة للانتفاضة وإذا كانت هناك بعض مظاهر القيادة في بعض مناطق الانتفاضة، فهي لم تكن سابقة على وقوعها بشكلها العفوي، أي أن الانتفاضة كانت تقوم ويكون استعداد الناس سريعاً وفاعلاً والكل يسعى إلى إعلان موقفه، ولكن ليست هناك جهة مخططة ولا نقول أن الناس فوجئوا بها! وإنما كان البعض مستعداً لها، ولكن بفعل الأحداث المتصلة التي شكلت هزيمة صدام في الكويت جزءا مهما منها، وليس بفعل قيادة أو تنظيم معين وهكذا وجد العراقيون أنفسهم في طريق لا بد أن يؤدي إلى نهاية النظام ولا بد أن تظهر القيادة في يوم من الأيام المقبلة!

الانتفاضة 000 ومؤسسات الدولة

إن سمة العفوية التي طبعت الانتفاضة تنطبق على الأفعال والتصرفات بشكل أو بآخر. فبعد سنوات من الحكم الظالم والسياسة التعسفية، وجد الناس أنفسهم وقد تهدمت أسوار الكبت وأنهار حاجز الخوف وأن بإمكانهم التعبير عن معاناتهم بحرية والهتاف بسقوط النظام وكذلك التوجه إلى كل ما يمت بصلة له من مؤسسات وأجهزة وعناصر وأشخاص. فكان كل قيادي في الحزب أو مسؤول حكومي يمثل النظام وكل مؤسسة كأنها جزء من وجود صدام، فاتجهت الأفعال إلى تحطيم وتدمير هيكلية الدولة، لأن الفردية والدكتاتورية الصارمة جعلت من المؤسسات والمقرات الحكومية كأنها ملك شخصي لأفراد معينين كانوا قد ارتكبوا جرائم بحق العراقيين مما لم تشهده الشعوب الأخرى 0
لقد عبرت الانتفاضة في كثير من مظاهرها وفعالياتها عن المكنون الداخلي الذي هو عبارة عن تراكم حشد من المعاناة التي ارتبطت مركزياً في الذاكرة العراقية وعلى مدى تفاصيل ونتائج الحكم السياسي في البلاد. فالمؤسسات والأجهزة الحكومية التي تعرضت للتدمير والحرق إنما تمثلت بواجهات الدولة التي تحمل الطابع العدائي للشعب، كالدوائر الأمنية (مديرية أمن، مركز استخبارات، مركز مخابرات) ومقرات الحزب الحاكم بعد أن تحول إلى جهاز أمني مهمته جمع المعلومات عن المواطنين وتقديمها إلى دوائر الأمن الرسمية للاقتصاص منهم، وضمن ذات المضمون دوائر الأحوال المدنية والشرطة ودوائر التجنيد العامة وكلها مرتبطة بحالة واحدة تخدم النظام اكثر من المواطن، علاوة على طابعها البيروقراطي المهين وأنماط من التعامل الصعب وأحيانا اللاإنساني والذي شكل بمجمله إطارا من العقد النفسية والاجتماعية للكثيرمن أبناء الشعب الذين كانوا يتعاملون معها مباشرة، فالتدمير الذي حصل في تلك الدوائر والمؤسسات الحكومية كان يحمل أشكالا للتعبير عن حقيقة تلك الضغوطات والتعاملات الفضة التي مارستها تلك الدوائر طوال فترة ليست بالقليلة مما أصبحت لدى الثائرين هدفا مقصوداً للثأر والانتقام وتعويضاً عن كل اللحظات الإنسانية التي شكلت هموما واحباطات وتهميشاً متعمداً ما زال يرن في الذاكرة، كما وعبرت حالات الهجوم والسيطرة على مخازن الأغذية والتموين الحكومية عن الحاجة الماسة للأهالي والأفراد لتلك الأغذية التي كانت مخزونة في المخازن والمتاجر المخصصة لذلك إذ كان الكثير من أبناء الشعب وخصوصا في تلك الظروف التي أعقبت الحرب يعيشون حالة الكفاف ولم يحصلوا على الغذاء الكافي وسد الحاجات الطبيعية لهم ولأفراد عوائلهم، إذ كان كل شيء معطلا، إضافة إلى إحساس هؤلاء بان مجاميع كثيرة من قوات النظام المقربة له وكذلك حاشيته، يتنعمون بتلك الخيرات ويتصرفون بها حسب ما يشاؤون دون وازع من ضمير وطني وكأن العراق ملكاً شخصياً لهم!

الانتفاضة 000 شعارات وصور

كانت الشعارات التي رفعها شباب الانتفاضة تتسم بالعفوية وكان انتشارها من خلال سلسلة من التفجرات الطبيعية، وليس في ذلك انتقاصً أو طعنً كما يحاول البعض تفسير الأمور وفقا لما يراه، بل أن عفوية الانتفاضة الباسلة دليلً ملموسً على نزاهتها وهويتها الوطنية الصرف وابتعادها عن الشبهات. كان شعار (يسقط صدام) يطغي على كل الشعارات وكان الثوار عندما يقتربون من العسكريين أو يسيطرون على موقع عسكري أو حزبي معين يطالبون الضباط والجنود بالهتاف بهذا الشعار، والحديث عن إقامة نظام عادل بعد سقوط الديكتاتورية وسيادة المساواة، وقد شاهدتهم يرفعون صورا للسيد محمد باقر الحكيم والشهيد محمد باقر الصدر وكان ذلك بشكل عفوي أيضا ويبدو على تلك الصور وكأنها خلعت من أماكن تعليقها داخل البيوت وقد حملوها في تظاهراتهم بنحو عفوي صادق ! ولكن الثوار في بعض المواقع رفعوا شعارا تقليديا (ماكو ولي إلا علي 00 نريد قائد جعفري )* وقد اعتبر هذا الشعار (طائفيا) من قبل النظام، و اعتبروه آخرون شعاراً غير مناسب وقد ذهب البعض الآخر إلى أكثر من ذلك، حين اعتبره أحد عوامل فشل الانتفاضة! وكأن الطائفية في العراق شيءً غريبً وبعيدً عن مجمل تفاصيل السياسة العامة لأنظمة الحكم المتعاقبة على العراق ونظام صدام حسين بالذات، مما أدى إلى ردود أفعال متباينة من داخل الانتفاضة وخارجها وفي قطاعات معينة من الشعب، ولتسليط الضوء على هذا الموضوع الذي ينطوي على أهمية كبيرة00 نرى بحث الحقائق الآتية :
أولاً: عندما أثيرت الشعارات هذه المرة، والتي كانت تعبر عن الإرادة السياسية الحقيقية برفض المخطط الطائفي الذي رافق قيام الحكم الوطني في عام 1921، والذي استبعد الأغلبية العربية العراقية عن الحكم كــ (رئيس دولة، سلطة قرار، مؤسسات تنفيذية، قوات مسلحة ) تلك الأغلبية التي شكلت عماد الحركات السياسية الوطنية وقاعدة العمل الثوري، فإن المنطق الحقيقي والذي يجب أن يسود، هو أن يكون لها المستوى الواضح من القيادة بعيداً عن الظواهر التي انتعشت في مراحل ظهور الإقليمية والطائفية السياسية في الحكم.
ثانياً : كان الخروج عن هذه الحقيقة وتجاوز الواقع العراقي الوطني تنفيذاً لمصالح الأجنبي ورغباته من خلال احتكار السلطة وجعل رئاسة الدولة والمؤسسة الحاكمة بيد فئة محدودة لا تمثل الشعب، وتمارس التمايز الطائفي والإقليمي، يعد انحرافاً خطيراً أدى إلى ما نراه في العراق اليوم !
ثالثاً : رفع هذا الشعار بشكل عفوي ولم يجر التأكيد عليه بشكل متواصل لكنه حقيقة يمثل هاجس الجميع 00 أما النظام فقد كان يرى في شعار (نريد قائد جعفري) أمرا خطيراً على مستقبله لأنه أقرب إلى واقع العراقيين ويعبر عن شيء أساسي قام على تجاوزه المشروع الطائفي ورغم عفوية الشعار في اللحظة التي رفع بها، فقد انتشر على نطاق واسع*، دون تنظيم لانه يمثل هاجساً مكبوتاً تعيشه الأغلبية العراقية! وليس فيه من الغرابة أو التطرف شيء بل الغريب عدم طرح مضمونه بشكل واضح ومباشر واعتماد الأسلوب الباطني بديلاً في معالجة الأمور السياسية ذات الأهمية الخاصة، التي يتحدث بها العراقيون، فإن هذا الموضوع يشكل هاجس الأغلبية العراقية التي تشعر بالظلم وهاجس الفئة الحاكمة والعناصر المستفيدة لأنها لا تريد أن تغادر هذه الحالة التي تتيح لها فرصا أوسع في الوصول إلى مواقع التحكم والنفوذ، لذا فإنها لا تريد أن تناقش هذه الظاهرة بموضوعية وضمير عراقي مخلص بل وتتهم من يتوخى ذلك بالطائفية 00! وهنا يحق لأي عراقي أن يتساءل 00
أيهما اقرب إلى تبني وممارسة السلوك الطائفي من يدعو سراً وعلانيةً إلى حكم الأقلية الفئوية ( المحدد بإقليم وطائفة) كما هو سائد الآن، أو الذي يدعو إلى حكم وحاكم يرشحه الشعب وفقا لانتخابات حرة مباشرة ويكون لصندوق الاقتراع القرار النهائي العادل الذي يرضي الجميع ؟
لماذا يسمح للفئة الحاكمة بتبني الأسلوب الطائفي وممارسته بشكل سافر؟ بينما يحكم على الآخرين بالموت عندما يطالبون بالعدالة والمساواة؟

النظام الحاكم 00 دعاية سوداء

كشف نظام صدام خلال الانتفاضة وبعدها عن سلوكه الطائفي وعلى نحو سافر وبدأ الحديث عن موضوع الشيعة واتهامهم بالعجمة والشعوبية والولاء لإيران يأخذ شكلا هستيرياً، واصبح عدم التحلي باللياقة الأدبية والتخلي عن الاعتبارات الأخلاقية أمرا عادياً مما أوقع الحزبيين وبعض المسؤولين من الأصول الشيعية وبعض الضباط في إحراجات شديدة دفعتهم إلى مراجعة قاسية مع النفس وقد أشرنا إلى ذلك في مكان سابق 00 وقد تبلورت تلك السياسات الطائفية من خلال طرح الشعارات الآتية :
أولاً : شعار (لا شيعة بعد اليوم) وهذه العبارة بلّغ بها منتسبو قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص قبل قيامهم بقمع الانتفاضة وروجته الأجهزة الأمنية والاستخباراتية فيما بينها كوسيلة للحث على الإرهاب ومحاولة يائسة لتكتيل أهل السنّة ضد أهل الشيعة وتصوير الانتفاضة بأنها طائفية تستهدف أهل السنّة إنها في الحقيقة عبارات مخزية يأنفها شعبنا ولو لم نكن نتوخى كشف الحقائق لما تم ذكرها!
ثانياً : شعار ( لا شيعة ولا شروال)* ، أطلق النظام هذا الشعار بعد ان اندلعت الانتفاضة في كردستان العراق بعد يوم 10 آذار، وهو يعني تخليه عمليا عن 80 % من سكان العراق في الشمال والجنوب وتركيزه على جانب طائفي إقليمي محدد.
ثالثاً: شعار ( اقتل عشرة من السنّة تدخل الجنة) روج النظام هذا الشعار ونسبه إلى ثوار الانتفاضة ضمن حملته التشهيرية ضدهم وكان يتوخى منه تحقيق الآتي :
أ 0 إثارة النعرة الطائفية وبالتالي استمالة أهل السنّة له، فهو يدعي حمايتهم من الهجوم الشيعي الطائفي وليس لهم من خيار غير اللجوء إليه ومساعدته في القضاء على الانتفاضة0
ب 0 تصوير أهل الشيعة وكأنهم متخلفون ويؤمنون بأفكار وأوهام خرافية بعيدة عن الدين الإسلامي!
وقد عمد النظام إلى نشر هذه الشائعات في محافظات بغداد، الأنبار، ونينوى، في وقت كان فيه الناس في تلك المحافظات ينتظرون عودة أبنائهم العسكريين من حرب الكويت ! مما أثار قلقهم المتزايد وقد أشرنا في مكان آخر إلى أن النظام قد أرسل جثث بعض الشهداء إلى ذويهم في تلك المحافظات ومعها ما يشاع من انهم قتلوا من قبل أهل الجنوب ! كما أشاع النظام أيضا بأن الثوار الذين فتحوا سيطرات تفتيش في المحافظات المنتفضة، كانوا يستوقفون السيارات المدنية والعسكرية ويعتقلون الراكبين فيها ان كانوا من محافظات (الأنبار، نينوى، صلاح الدين) بعد تمييزهم من " لهجتهم في الكلام" أو بطاقاتهم الشخصية .
رابعاً: روج النظام من خلال أجهزته المخابراتية بأن رجال الانتفاضة قد اعتدوا على الجيش واهانوا الضباط وقتلوا كثيراً منهم وكان القتل يجري على أساس طائفي محض، وفي الحقيقة قتل عدد من الضباط، ولكن لم يكن للانتماء الطائفي دور فيه، بل أن أغلبية الضباط الذين قتلوا في القاطع الجنوبي كانوا من الشيعة ! ولو كانت الممارسة الطائفية غالبة في حينها وإنها من الدوافع الأساسية لما قتل اللواء الركن حميد الكناني وهو من واسط والعقيد الركن عبد الكريم السمار وهو من العمارة، بينما أطلق سراح الفريق نزار الخزرجي قائد عمليات غرب الفرات ومعه معاون مدير الاستخبارات العسكرية اللواء الركن محمد رضا التكريتي وضباط آخرون يعملون في دوائر الاستخبارات والعمليات.
أما الضباط من منتسبي الحرس الجمهوري أو الحرس الخاص أو المخابرات الذين قتلوا في كربلاء والنجف، فقد كان ذلك من خلال الاشتباك التلاحمي والدفاع البطولي الذي أبداه شباب الانتفاضة عن تلك المدينتين المقدستين ! وحيث لا يوجد ضمن تجهيزهم عتاد يميز بين الشيعي ليتجاوزه والسني ليقتله ! ألم يقتل أربعة ضباط شيعة بقذيفة واحدة في مقر الفرقة السادسة يوم 15 آذار؟ ألم يقتل ثلاثة عشر عضو فرقة في حزب السلطة يشكلون منظمة الحزب في ناحية المجر الكبير في ميسان! وجميعهم من أهل (العمارة، المشرح، البصرة)؟ وبالمقابل ألم يستضيف سكان المحافظات المنتفضة الكثير من الحزبيين القياديين وبعض الموظفين (قائممقام- مدير ناحية) وأمّنوا وصولهم إلى ذويهم في الموصل والأنبار وصلاح الدين؟ أما استضافتهم لمئات الضباط من مختلف الرتب وآلاف الجنود فكانت أمرا طبيعياً ومعروفاً وقد تحدثت مع العشرات من هؤلاء الضباط ولم ألمس منهم فيما إذا سئلوا إن كانوا شيعة أم سنّة، بل هناك حقيقة يعرفها الجميع، وهي أن أغلبية الضباط من أهل السنّة ! ولم يتعرض لهم أحد بالاستفزاز أو الاعتداء، كما روج النظام ذلك..‍‍‍‍!!
وبعد كل ما تقدم من حقائق، علينا كعراقين أن نقول بصوت عالٍ (الطائفية السياسية في العراق ممارسة وسلوك مناقض لفكرة العروبة والوطنية وأنها تعمل على تمزيق العراق وتفتيت شعبه.) ولكن من هو الذي مارسها وتبناها عملياً؟ الشعب العراقي (المحكوم)؟ أم الحاكم الذي لا يمكن أن نعتبره ممثلاً أو محسوباً على طائفة أو قومية معينة؟ ويخطئ من يظن أن هذه الممارسات غير المشروعة كانت لصالح طائفة أو قومية أو مذهب محددين. ويخطأ أيضاً كل من يظن أن العراقيين سيلبسون ثوب الطائفية في يوم ما.

إيران 000 والانتفاضة

دأب النظام العراقي على اتهام إيران بتدخلها بشؤونه الداخلية في كل موقف طارئ يمر به، وليست الأحداث التي سبقت الحرب عام 1980 هي الأخيرة في هذا المسلسل الذي يخفي وراءه دوافع سياسية وهو بذلك يريد أن يعطي إشارة إلى الغرب والدول العربية بأنه جاهز للتصدي لإيران وطروحاتها التي برزت بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وما سمي بـ(تصدير الثورة) في حينه، وفي نفس الوقت لكي يروج اتهاما خفيا ضد الأغلبية العربية في العراق بالتعاون أو التعاطف معها مما يتيح له فرصة عزل تلك الأغلبية سياسياً وابعاد أبنائها عن مواقع السيطرة والحكم في الدولة مع ما يترتب على ذلك من ضمان للفردية والتسلط، لذا لم يكن غريبا عندما يتهم نظام صدام إيران بتدخلها في العراق وإرسالها الرجال لتفجير الانتفاضة في 2 آذار 91، فهو يبغي تحقيق آلاتي :
أولاً: إقناع الرأي العام بأن الشعب العراقي لم يتحرك ضده، بل يؤيده ويسانده !
ثانياً: العودة إلى ترديد نغمة الخطر الإيراني المزعوم الذي يثير حفيظة الغرب.
ثالثاً: كسب تأييد أو "حياد" الدول العربية التي تخشى الخطر الإيراني في تلك المرحلة 0
رابعاً: حشد ما تيسر له من قوات ضد الانتفاضة بذريعة كونها عمل خارجي عدواني جديد تقوده إيران ضد العراق 0
وفي الحقيقة ومن خلال المشاهدة العيانية المباشرة، لم نعثر على إيراني واحد اشترك في الانتفاضة سواء برفع السلاح أو التظاهر ضمن مسؤوليتنا في قاطع البصرة، كذلك لم نشاهد أي تواجد للإيرانيين في الأماكن التي انتشرت فيها الانتفاضة، وفي حينها صدرت توجيهات من قيادة النظام للبحث عن الإيرانيين ومسكهم لغرض عرضهم في وسائل الإعلام 00! وكان الموضوع غريبا علينا وإلا فكيف نتصور وجود إيرانيين داخل حدودنا! وكأن لسان حالنا يقول (هل الإيرانيون اكثر شجاعة من العراقيين لكي يتصدوا لصدام داخل حدودنا بينما شعبنا يلتزم الصمت) ؟
إنه في الحقيقة استخفاف واضح بالشعب العراقي وقدراته، وهل يحتاج العراقي إلى من يأتيه من خارج الحدود لتثويره ؟
ثم صدرت توجيهات للبحث بين جثث القتلى من الثوار وتفتيشها، عسى أن يتم العثور على وثيقة أو إشارة أو أي شيء يدل على كون القتيل إيرانيا! وفي حينها صدرت أوامر شديدة بقتل المنتفضين ولكن بعد التأكد من إمكانية وجود إيرانيين معهم، فهؤلاء مطلوب الاحتفاظ بهم لأغراض إعلامية، ولم يتم العثور على أحد وفشلت جميع المحاولات لإثبات ما يدعيه النظام.!
وعندها أٌضطر أن يَعتبر الشباب الذين يحملون الإشارات الخضراء على الجبهة وعلى الزند وغيرها دليلا على انهم قدموا من إيران واظهر منهم ثلاثة أو أربعة على شاشة التلفزيون ! فهزأ الضباط والجنود من هذا الإجراء لأنهم أدرى بما جرى!
ولكن هناك حقيقة ساطعة لا يمكن إخفائها، وهي أن إيران قدمت دعماً إعلاميا ومعنويا للانتفاضة وفتحت حدودها لإيواء اللاجئين العراقيين وأعلنت تأييدها ومساندتها للشعب العراقي للإطاحة بحكومته وكنا نأمل من الأشقاء العرب أن يكون دورهم في دعم الانتفاضة وشعب العراق أكبر وأكثر تأثيراً مما قدمته إيران وبهذا الإسناد الأخوي تتم مواجهة الخطر الإيراني المزعوم! ولكن العكس هو الذي حصل، فقد لاذ الإعلام العربي بالصمت حيال ما يجري داخل العراق من مذابح للشعب على يد حكومته وانفرد الإعلام الإيراني بتغطية ما يجري من وقائع وأحداث! فكيف لا يكسب الإيرانيون ود العراقيين واحترامهم ؟؟
هل يستوي الذي يسند الشعب العراقي بطاقاته وموارده الإعلامية مع من يلزم الصمت ويهمس هنا وهناك قائلاً وجود (صدام ضعيف افضل من خطر أيراني قادم) ونسي أو تناسى حقيقة لا تقبل الشك أن الأغلبية العربية الشيعية العراقية الذين يتم قتلهم، هم عرب عراقيون أولا وآخراً وان الرابطة المذهبية بين شعبي البلدين العراق وإيران لم ولن ولا تلغي الخصوصية الوطنية والقومية لكل منهما وان "الشيعة العراقيين" قاتلوا إيران ثمان سنوات قدموا خلالها80% من مجموع تضحيات العراق من الشهداء وضحايا الحرب، ولم يكن للمذهب دورً في إيقاف نهر الدم الذي امتد عبر مسافة 1200 كم من الحدود بين البلدين.!
ونسي البعض من أشقائنا العرب أيضا، أن صدام "ضعيف حقا" وقد قصمت الانتفاضة ظهر نظامه، ولكنه بقي وسيلة جيدة "يُبتز" عرب الخليج بسببها ! وان السبع سنوات الماضية كانت هي الأكثر تأثيراً في إضعاف العراق مادياً ومعنوياً وان نسبة التخريب الذي حدث خلالها يفوق ما حدث من ضعف وتراجع وتخلف منذ ربع قرن مضى.
لنفكر ونتساءل بصوت عال.. من هو المستفيد من ضعف العراق؟ من هو المستفيد من ابتزاز عرب الخليج؟ من هو المستفيد حقاً..؟؟‍

الانتفاضة .... متواصلة

الانتفاضة لم تفشل، وان لم تحقق أهدافها في آذار 91، وأنها متواصلة في العطاء والتضحية إلى أن يتم تحقيق النصر النهائي والذي يعتبر البداية الحقيقية لعراق ديمقراطي موحد تسود الحياة فيه روح الإخاء والمساواة والعمل المشترك.
لقد استطاعت تلك الفاصلة التاريخية بجهود ثوارها وإمكانياتهم المحدودة من تثوير أربعة عشر محافظة عراقية ودفعت بالنظام الديكتاتوري إلى حافة الهاوية، إنها في الحقيقة قصمت ظهر النظام واذهبت جبروته، إنها تمثل بحق الإرادة العراقية الشعبية والتي لم تفقد مضمونها في يوم من الأيام وإنها لدليل قائم وثابت على حيوية شعبنا وإصراره في القضاء على الظلم والطغيان واللصوصية 0
تميزت الانتفاضة، بعفوية ذات دوافع وطنية متأججة ولو أن هذا يعني ضمن ما يعنيه فقــدان أو عدم تكامل أمور كثيرة كالقيادة الميدانية المؤثرة أو الاتصالات مع قياديين عسكريين ومدنيين، وكذلك التنسيق الإعلامي والعملياتي بين المحافظات المنتفضة 000الخ 0 ولكننا ومن خلال نظرة ميدانية واقعية لسير الأحداث في حينها، كنا ندرك عاملين أساسيين في تحقيق النصر وبلوغ الأهداف النهائية للانتفاضة، أو التوقف في تلك الحدود التي وصلت لها وهما :
أولا : الموقف الداخلي 00 وهو عدم تفجير الانتفاضة على نحو علني وفاعل في محافظات (نينوى، الأنبار ) وعدم تطوير الأحداث المتفرقة التي وقعت في محافظتي بغداد وديالى وتوسيعها لإيجاد التأثير السياسي في العاصمة بغداد مركز الحكم 0
ثانيا: العامل الخارجي 00 وهو موقف الدول العربية المجاورة والغرب (أميركا وبريطانيا) وقد كانت مفاوضات صفوان مؤشراً للتحول المفاجئ في مجريات الأحداث. وعلى أية حال، إذا كان نظام صدام قد أُعطي جرعة ديمومة بقاء أخرى بتأثير عوامل كثيرة، لكنه سيسقط حتما وقريبا إن شاء الله وسواء كانت نهايته "بطلــقة ذهـبية " أو " انقلاب عسكري " أو "انتفاضة أخرى فإن ذلك لم يكن له أن يتحقق لولا انتفاضة آذار 1991، ويومها سيتذكر العراقيون جنديهم "البطل ابن العراق البار" الذي رشق تمثال صدام بوابل من الرصاص يوم 2 آذار 1991 في "ساحة سعد" في البصرة وأعلن شرارة الانتفاضة الكبرى في عموم العراق..!!