الفصل السابع


 

ما بعـد الانتفاضة

التداعي المر 00 ؟
ما الذي يمكن وصفه وسط ركام الحرب وزحمة الأحداث المتدافعة00؟
كل شيء منهار 00 الأجهزة الحكومية والدوائر العامة 00 الحالة النفسية والاجتماعية للشعب، ما تركته ضربات الحلفاء الجوية من هياكل الجسور والطرق والمباني 00 اصبح كل شيء يتداعى ويرسم مشهدا واضحا للخراب. في هذا الوقت بالذات، حيث يبدو الوضع ضبابيا ومجهولا إلى حدما00 اخذ القلق يتزايد لدى العوائل العراقية ويتسع التساؤل عن مصير أبناءها حين بدا غامضا وغير معروف أثناء عمليات الانسحاب من الكويت.. فقد قتل البعض منهم، وسلم آخرون إلى قوات التحالف 00 أما القسم الآخر وفي طريق عودته، فقد ألتحم بالانتفاضة التي كانت مشتعلة في مدن الجنوب والفرات الأوسط 00 في تلك الأثناء، بدأت الدولة تستعيد عافيتها بعد أن هدأت الأمور نسبيا في مناطق الجنوب والوسط خصوصا بعد سيطرة قوات النظام على زمام الأمور من خلال الضغط العسكري المباشر والذي أسهم في قمع الانتفاضة الشعبية في المناطق التي اندلعت فيها .
عندئذ جاء صوت الإذاعة شاحباً وهو يحمل خطاب صدام حسين الذي ألقاه في منتصف آذار 91، والذي أشار فيه إلى القضاء نهائيا على انتفاضة الجنوب والتي اسماها ( بصفحة الغدر والخيانة ) وكذلك توعده بالسيطرة والتصدي للانتفاضة المشتعلة في كردستان ( تمرد العملاء والخونة في الشمال).
اشتمل هذا الخطاب على عدد من النقاط، أشار فيها صدام إلى الانتفاضة في الجنوب والتي اتهمها بأنها كانت محاولة إيرانية غادرة وان العناصر التي اشتركت فيها وأسهمت في قيادتها جاءت من خارج الحدود، كذلك حدد الخطاب المشهد الذي يرسم الوضع الخاص بالدولة مستقبلا وضرورة تعاملها الجدي مع المستجدات الاجتماعية والسياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي وذلك بخلق مناخات جديدة في العمل السياسي، منها إجراء انتخابات عامة ، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية من شأنها إعادة ترتيب الوضع الاجتماعي والقانوني للبلاد بعد ما مر بإنعطافات حادة في المجالات كافة.
كذلك أشار الخطاب إلى ضرورة التركيز على العمل الوطني بما يخدم قضايا المواطن وبالشكل المباشر في إمكانية تفعيل الاقتصاد وجانب الخدمات العامة ذات الصلة بالمجتمع، كذلك أعلن صدام عن عفو شامل عن كافة المشتركين في الأحداث، لكن تلك الوعود والنوايا التي طرحها الخطاب لم تدخل حيز التطبيق والواقع والسبب معروف يتلخص، بأن النظام الحاكم لم يفكر في أي حال من الأحوال بإمكانية رسم وتنفيذ سياسة متوازنة لعموم الشعب وعلى مدى فترة حكمه ، فقد اخذ يفتعل الأزمات الداخلية ويسعى إلى تطوير مظاهرها بما يخدم سياساته التي تعبر عن نظرته في إدارة الحكم، فضلا عن تفجير المشاكل الخارجية والتي أدت إلى حروب وخلافات كبيرة مع دول الجوار والمنطقة عموماً · 00

مقالات صفراء ..!

بعد أيام قليلة وضمن حالة التداعي السياسي والاجتماعي الذي أنتجته الانتفاضة الشعبية التي عمت الجنوب والفرات الأوسط وشمال العراق، خرجت جريدة "الثورة"، الناطقة باسم الحزب الحاكم، بمقالات يمكن اعتبارها المصدر الوحيد الذي يمثل وجهة نظر القيادة الحاكمة من تلك الأحداث، على الرغم من عدم تطرق المقالات لتفاصيل وأسباب الحرب ودوافع احتلال الكويت وأسباب رفض الانسحاب عنها وغيرها من الأسئلة التي لا تزال بحاجة إلى إجابة، إلا أن هذه المقالات لها أهمية خاصة في معرفة طريقة تفكير رأس النظام وحاشيته 00 فالمقالات تتطرق لجوانب تاريخية واجتماعية وطائفية تتعلق بصميم المجتمع العراقي، خاصة في التعامل مع سكان جنوب الوطن وشماله في إضافة إلى موضوعات أخرى، كالمرأة العراقية وظاهرة العنف وغيرها * 0
أما على الصعيد السياسي، فالمقالات تضع السلطة بمنزلة خاصة، فنعتبرها الواهبة للخير، بينما تنظر لقطاعات شعبية واسعة تشكل في حـقيقة الأمر غالبية السكان كفئات حاقـدة ومارقة تسيرها أيدي خبيثة ومطامع ضيقة ، وبذلك تختزل المعارضة في الجنوب والشمال إلى مجرد طابور خامس في خدمة الأجنبي والاستعمار.
ومما جاء في بعض تلك المقالات والتي تعبر بوضوح عن الحقد الدفين المستقر في ذهن قيادة النظام حيال شعبنا في الجنوب، إذ تقول:( إن هذا الصنف من الناس بوجه عام، كان مركز إيواء ونفيضة غير شريفة لعناصر الشغب والخيانة التي اجتاحت جنوبي العراق ومدن الفرات الأوسط في الأحداث الأخيرة، وإذا ما عرفنا كل هذا وغيره كثير، وعرفنا أن بعض هذا الصنف من الناس في أهوار العراق هم من أصول جاءت مع الجاموس الذي جلبه القائد العربي محمد القاسم من الهند، وعرفنا أن من ابرز عاداتهم سرقة ممتلكات الخصم عندما يتخاصمون، وحرق دار القصب التابعة لمن يتقاضون منه أو يتنازعون معه، سهل علينا تفسير الكثير من ظواهر النهب والتدمير والحرق والقتل وانتهاك الأعراض التي اقدم عليها المجرمون المأجورون)0

مناخ تعسفي يتشكل 00!!

في ظل هذه المستجدات، طرح النظام صيغا وأساليب جديدة للعمل في مكافحة الآثار الناجمة عن الانتفاضة الشعبية، منها تلك الإجراءات التي تبنتها أجهزة النظام في محاولة لتفكيك عرى وأواصر البناء الاجتماعي الذي شكل سمات الأرضية التي انطلقت منها الانتفاضة والذي كان لها دور كبير في اهتزاز أركان النظام ورفضه من قبل اكثر من 14 محافظة بالكامل، إذ كانت بمثابة هبة شعبية شملت العرب والأكراد والأقليات الأخرى من الجنوب حتى الشمال، الشيعة والسنة وجميع التيارات الفكرية والسياسية داخل البلاد.
فمن جملة الإجراءات التي بدأ النظام بتنفيذها على الصعيدين الرسمي والشعبي، هي شمول الدوائر الحكومية كافة ، بدءاً من ديوان رئاسة الجمهورية ونزولا إلى المنظمات الأمنية والقوات المسلحة والأجهزة الإدارية الأخرى والحزب، بإبعاد الأشخاص الذين يعملون بها والذين تنحدر أصولهم من المحافظات الجنوبية والوسطى، وبهذا الإجراء أكد من جديد عن عمق نزعته الطائفية السياسية التي اتسمت بالفعل والممارسة العلنية خلافاً لمقتضيات التعامل الوطني الصحيح بين الدولة والشعب، وهذا ما كان واضحا في حقيقة التعامل مع القوات المسلحة حين بوشر بإجراء جرد واسع النطاق لكافة منتسبي الجيش وبالذات الضباط بمحاولة تقسيمهم إلى ثلاث اتجاهات*.
الأول : فرزهم على أساس طائفي مذهبي، شمل العناصر ذات الأصول الشيعية سواء كانوا مشتركين في الانتفاضة أو لم يشتركوا، ومهما كان موقفهم من النظام 0
الثاني : فرز العناصر التي كانت غير مؤيدة للنظام وغير متحمسة للحرب، كذلك الذين لم يشتركوا في قمع الانتفاضة بصرف النظر عن انتمائهم الطائفي 0
الثالث : العناصر الموالية للنظام والتي أبدت نشاطا متميزا في قمع الانتفاضة وتنفيذ سياسات النظام والدفاع عنه، وكانت أولوية التقييم تستند إلى الدور الذي تميز به العنصر في عملية قمع الانتفاضة وإجهاضها وليس على أساس دوره في العمليات العسكرية التي جرت في الكويت.. فقد تمت مكافأة هؤلاء بإحلال البعض منهم في مواقع قيادية لا يستحقونها ضمن قياس الكفاءة والتدرج الوظيفي، كذلك منحهم مبالغ طائلة واراض وعقارات وبهذا الصدد حاول النظام وبشكل استعراضي أن يوسع من دائرة هؤلاء ، حيث اعتبر كل من لم يتغيب عن وحدته أو تشكيله خلال فترة الحرب مع الحلفاء والانتفاضة مواليا له، وخصص نوطا لكل من يحصل عليه سيصبح تقليديا " صديقا " لصدام وبموجبه يستطيع الحصول على الامتيازات التي خصصت وفقا لذلك، وهذا الأمر كان قد شمل الأجهزة المهمة في القوات المسلحة والحرس الجمهوري والخاص والأجهزة الأمنية والحزب * 0

تصفيات وملاحقات

بعد استقرار الأوضاع نسبيا، شرع النظام بتطبيق خطة أمنية للطوارئ اتسمت بالشدة والانتقام والتصفية لبعض الوجوه والشخصيات التي أسهمت بتغذية وتأجيج الانتفاضة واستمراريتها، سواءً أكان بالفعـل المسلح أو حشد التأييد أو بالدعم المادي أو المعنوي لها، وكانت مدينة بغداد وضواحيها مشمولة بتلك الخطة، فقد تعرضت إلى حملة تفتيش واسعة ولعدة مرات وخاصة في المناطق الشعبية التي تقع (شرقي القناة) كالثورة وبغداد الجديدة والشعب والمناطق الأخرى وفي جانب الكرخ الكاظمية والشعلة والبياع وحي العامل والوشاش وأطراف أبي غريب0 أما المحافظات الأخرى وخاصة الوسطى منها والجنوبية، فقد قامت قطعات الجيش المتواجدة فيها وبشكل دوري بتفتيش شامل وإلقاء القبض على المشتبه بهم وتم ذلك بمشاركة مباشرة من قبل الأجهزة الأمنية والحزب 0
وكانت المحصلة النهائية من تلك الإجراءات وتطبيق الخطة، هو امتلاء السجون والمعتقلات بالأفراد الذين تم إلقاء القبض عليهم بتهمة الاشتراك في أحداث الانتفاضة، بعدها سيق هؤلاء إلى سجون الرضوانية لإجراء التحقيقات الصورية معهم وصدرت أحكام بالإعدام للكثير منهم ودفنهم في مقابر جماعية مجهولة أعدت لهم في منطقتي الثرثار والنهروان!

تجفيف الأهوار 00 لماذا ؟

وكان من الإجراءات التي نفذها النظام لأغراض أمنية، هو قيامه ميدانيا بحملة واسعة وكبيرة لتجفيف منطقة الأهوار في الجنوب معتقدا أن بهذا الفعل يمكنه القضاء على التجمعات والفعاليات التي تنطلق من تلك المنطقة والخاصة بالثوار ورجال المعارضة الوطنية وذلك بمحاولته اختزال مياه الأهوار في بحيرات وانهار صناعية خصصت لهذا الغرض، ثم قص البردي والأعشاب حتى تبدو الأرض سالكة ومنظورة بعد ذلك الشروع بفتح الشوارع المعبدة لتسهيل مهمات الملاحقة الأمنية والعسكرية التي تقوم بها أجهزة النظام للضغط على المعارضة الوطنية وضرب تجمعاتها.
لكن قوى المعارضة المتواجدة في المنطقة ومن خلال مفارزها المنتشرة، حاولت اكثر من مرة وبجهد قتالي متميز من ضرب مواقع العمل الهندسي والتأثير فيه ومن قتل بعض العاملين وحرق الآليات المستخدمة، بالرغم من وجود حراسات مشددة من قبل قوات النظام ومنظومة أمن التصنيع العسكري0
إن قرار تجفيف الأهوار بحد ذاته قرار مجحفً بحق سكان المنطقة ويحمل بعداً لاإنسانيا في محاولة الهجوم والإبادة الكاملة للكائنات الحية من طيور وحيوانات وأعشاب وبراري واسماك ومياه.
وهذا يشكل بمجمله تخريبا طوبوغرافيا لجمالية المنطقة وتكوينها المتميز الأخاذ ، كذلك يعد تدخلا سافرا بتلك الأرض التي تميزت بخصائصها الطبيعية الساحرة على مر التاريخ . وكان من ضمن التوجيهات القيادة العراقية أيضاً عدم السماح لسكان الأهوار النازحين منها من السكن في تجمعات سكنية مجاورة للأهوار، لأن ذلك يؤدي إلى تنظيم عملها المعارض ولمنع تكرار ما حدث في شمال العراق عندما تم ترحيل الأكراد من قراهم الآمنة حول مدينة كركوك إلى تجمعات سكنية أعدتها الدولة لهم في بعض المناطق الشمالية، بل كان المطلوب هو بعثرتهم وتفريقهم في المدن والأرياف.

سجل الـ 57 00 والعاصمة بغداد !!

واستطرادا لما تقدم من فضح لإجراءات النظام وضمن سياسة العزل الطائفي والاجتماعي التي تبناها، يواجهنا قرار آخر ينطوي فعله وتأثيره على الكثير مما رأيناه وشاهدناه 00 ويتلخص هذا القرار بضرورة التخلص من سكان العاصمة بغداد الذين تنحدر أصولهم من المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط والذين يشكلون حوالي نسبة 75 % من مجموع سكان المدينة، ويقضي هذا القرار بموجبه ترحيل كافة القاطنين في بغداد من الذين لم يسجلوا في إحصاء 1957 إلى محافظاتهم الاصلية00
واستثنى القرار القاطنين في بغداد والذين تنحدر أصولهم من تكريت والرمادي والموصل. والهدف من هذا تغيير البنية الديموغرافية لسكان العاصمة، في محاولة إنشاء بنية اجتماعية جديدة تنسجم مع رؤى النظام الفكرية ومخططاته السياسية . وكان من نتائج هذا القرار ومعطياته العملية، إيقاف عمليات البيع والشراء والتملك للعقار والمعامل الصغيرة والمصانع والمحلات التجارية … الخ، وتبعا لذلك فقد ارتأى النظام أن تبقى مدينة الأعظمية مثلا محافظة على هوية سكانها من الناحية المذهبية ولا يجوز لأي فرد من غير سكانها أن يبيع أو يشتري، كأن يأتي أحد من سكنة الكاظمية مثلا ويشتري عـقارا أو أرضا. إن هذا الأمر يعتبر ممارسة طائفية مكشوفة في إدارة محاولات الانقسام والتشتت بين الشعب وقد فضحها وكشف مغزاها الخبيث أهل الأعظمية قبل غيرهم! وبهذا الصدد، يمكننا القول بأن ما أظهره نظام صدام من نزوع طائفي كان الغرض منه تعزيز مواقعه ليس إلا، بغية أدامة السيطرة والتحكم من خلال "التعكز" على مذهب معين دون سواه. وأراد من خلال هذا الأسلوب تجزئة بنية الشعب وإشاعة الفرقة الطائفية والتمايز الاجتماعي لبلوغ أهدافه التسلطية في إدارة الحكم، ولكن شعبنا العراقي الواعي المدرك لهذه السياسة، يأنف هذا السلوك المعوج ولا ينخدع به، فنظام صدام حسين في حقيقته وجوهره كان عادلاً إلى حد ما في توزيع أرهابه وبطشه على عموم الشعب حيث شملت قاعدة الاضطهاد السياسي كل العراقيين، وإن اختلفت درجة تركيز هذا الاضطهاد طبقاً للمقاومة التي يبديها هذا الطرف أو ذاك، وتعتمد شمولية وسعة العقوبة وشدتها على اتساع نسبة الرفض، فالعقوبة التي طالت المنتفضين عام 1991 كانت أعم وِأشمل لأنها كانت تمثل رفضاً جماعياً لسلطة صدام، ولم يجابهوا ويعاقبوا بهذا العنف لكونهم شيعة فحسب، بل لكونهم أعلنوا رفضهم بشكل علني لسلطة صدام.
وضمن هذه السياسة المكشوفة، فقد أمر صدام بتخصيص مليار دينار عراقي للخدمات في مركز محافظة الأنبار. وتوالت زياراته للمحافظة وعين عدداً من أبنائها في مواقع حكومية في الواجهة الأمامية للدولة والقوات المسلحة، وتعامل بنفس الأسلوب مع ابناء الموصل و صلاح الدين وبعض الأماكن هنا وهناك حول مدينة بغداد وأصبح الحديث عن تمذهب الدولة وطائفيتها يظهر بشكل علني يرافقه همس مقصود على ألسنة مسؤولين كبار في الدولة، وحول هذا الموضوع التخريبي. قال لي مسؤول حزبي يمثل موقع إداري كبير في معرض تقييمه للوضع العراقي بعد الانتفاضة قائلاً، ( لا توجد أحزاب أو حركات سياسية قومية أو غيرها في العراق وإنما هي كما قالها توفيق السوبدي "رئيس وزارة العراق الأسبق (قبل عام 1958) … يوجد في العراق حزبان فقط، حزب الشيعة وحزب السنة).
كان القصد من هذا كله هو "التعكز!" على صيغ جديدة تتيح للنظام فرصة البقاء لفترة آخرى، أما شعارات الحزب في الوحدة والرسالة الخالدة وغيرها فقد طمرت مع قادة البعث المبدئيين الذين تمت تصفيتهم (فؤاد الركابي، عبد الخالق إبراهيم السامرائي، محمد عايش، مرتضى الحديثي، منيف الرزاز… وغيرهم) على أيدي العصابة الحاكمة ذاتها.
لكن هذه اللعبة لم تنطلي على أحد، وأنفضح أمرها أمام العراقيين وتلقى المنفذ لها الصفعة التي يستحقها بعد حين.

رحيل وتنقل اضطراري 00 !!

في خضم هذه التطورات والوقائع السياسية والأمنية التي أفرزتها الأحداث ونتيجة للطبيعة المأساوية التي شكلتها من ملاحقات واستفزازات، اضطرت الكثير من العوائل في المحافظات الجنوبية والوسطى إلى تغيير محل السكن بالانتقال من أماكنهم الأصلية إلى أماكن جديدة ربما يجدون فيها شيئاً من الطمأنينة والأمان.
لكن النظام وكعادته في مثل تلك الأمور، كان قد اعد خطة تعسفية أخرى لملاحقة تلك العوائل والأفراد ومنعهم من حرية اختيار مكان العيش الذي يرغبون فيه، فقد اصدر توجيهات شديدة اصبح العمل بها قائما وهي منع نقل الأثاث من أي محافظة إلى العاصمة بغداد خاصة للذين استطاعوا السكن فيها أو في المدن الأخرى !
وكذلك وجوب عودة تلك العوائل إلى أماكنهم الأصلية خوفا من انتعاش التكتلات الاجتماعية لا سيما ان هؤلاء من المحافظات التي اندلعت فيها الانتفاضة.
كذلك أدت النشاطات الجائرة إلى هجرة عشرات الآلاف من السكان عوائل وأفراداً إلى الأقطار المجاورة بحثا عن أماكن آمنة تتيح لهم العيش بعيدا عن حراب السلطة وإجراءاتها القمعية .
وكان هؤلاءالمهاجرون قد وجهت إليهم تهما تشير إلى اشتراكهم في تنفيذ صفحات الانتفاضة الشعبية في آذار 1991 0

محافظات بيضاء 00 ولكن !

ظل النظام وهو في غمرة تلك الأحداث ، يدشن خطابه السياسي المحلي بتأكيده على توجيه أصابع الاتهام والتحذير ورمي الأخطاء على سكان المحافظات الجنوبية والوسطى ويصفهم (بمحدثي الشغب)، وأخذت محاولاته وافعاله تزداد للانتقاص من تلك المحافظات وخاصة فيما يتعلق بشمولها بالرعاية الكافية في مجال تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين من إصلاح المنظومة الكهربائية إلى توفير مياه الشرب الصالحة او تعبيد الشوارع وبناء الجسور المحطمة وكذلك ضعف الاهتمام بالمباني والدوائر الرسمية واحتياجاتها المستمرة، في الوقت الذي أخذت تطغي على لغة النظام طبيعة تعاطفه مع بعض المحافظات التي لم يتسن لها المشاركة الفعلية في الانتفاضة الشعبية. فقد أطلقت وسائل الإعلام الحكومية وصفها على المحافظات الخمس، بلقب (البيضاء) وهي كل من بغداد، ديالى، الأنبار، صلاح الدين، نينوى، لكن حقيقة الأمر تقول شيئا آخر ، فقد كان النظام يتعامل بنحو آخر مع بغداد وديالى ويضعهما ضمن حساباته من الناحيتين السياسية والأمنية على انهما غير مواليتين له، وقد جاء هذا التقدير من ان اضطرابات ونشاطات معادية امتدت إلى أجزاء معينة في تلك المحافظتين اتسمت بروح التعارض للنظام ومؤسساته مما جعلها تقع في إطار مشهد التأييد والانتصار للانتفاضة وبرنامجها الثوري الفاعل حيال النظام ، وبذلك فقد انحصر ومن الوجهة العملية لقب المحافظات (البيضاء) على المحافظات الثلاث الأخرى وهي صلاح الدين، الأنبار، نينوى0
ولكن بدا الأمر في وقت لاحق وضمن تفجرات الوضع الوطني، بأن حسابات النظام وتقديراته على موالاة المحافظات الثلاث له، كانت خاطئة، فقد وقعت محاولات انقلابية ومعارضات واسعة في تلك المدن، وكان من أبرزها في "تكريت" مجموعة الدكتور راجي التكريتي وجاسم أمين مخلص وصفر مولود مخلص، والعقيد سفيان الغريري من "الأنبار"، وفي "نينوى" كان اللواء الركن_سالم البصو واللواء الطيار الركن خضر الحاج حسن واللواء الركن بشير الطالب وغيرهم وقد سبقتهم محاولة عشيرة الجبور في الشرقاط وبيجي والعلم. أما في بغداد والأنبار فقد حاول اللواء الركن وضاح ثامر الشاوي والعميد الطيار الركن محمد مظلوم الدليمي ومجموعة من الضباط (غالبيتهم من الأنبار وبغداد وصلاح الدين ونينوى ) بمحاولة للإطاحة بنظام الحكم عام 1994 ولكن المحاولة فشلت، والقي القبض على المشتركين فيها حيث اعدموا في منتصف عام 1995 ، وفي مراسيم التشييع لجنازة محمد مظلوم الدليمي والتي جرت في مدينة الرمادي، تحولت تلك المراسيم إلى تظاهرة واسعة عمت شوارع المدينة .. فقد اشترك في التظاهرة اكثر من عشرة آلاف شخص، توجهوا الى مقرات الدوائر والأجهزة الحكومية لتدميرها وإشعال الحرائق فيها، تعبيرا عن إحساسهم بالغضب والمرارة التي لحقت بهم، وكذلك التعويض عما فاتهم من مشاركة في انتفاضة آذار الشعبية الكبرى، حدث هذا بالفعل وبالرغم من ان النظام كان يحاول وبشكل دائم استمالتهم للعمل في مؤسساته ومحاولة إرضاءهم من خلال تقديم المنح والمكافآت المالية والمناصب والتركيز على مغازلتهم طائفيا بغية إبعادهم عن مشاركة العراقيين في مهمات العمل الوطني العام ضد النظام..!

قطع الأذن 000 ووشم الجباه

من الممارسات والإجراءات الانتقامية التي ابتكرها النظام ضد الشباب الذين فجروا وشاركوا في الانتفاضة، وللحد من ظاهرة الهروب الجماعي التي انتشرت في القوات المسلحة وعلى مدى سنوات عديدة، بدءاً من الحرب مع إيران وحتى احتلال الكويت الذي يعد دخولا غير مبرر ويحمل حقائق غير عادلة في مضمار الادعاء عن الحقوق الوطنية وحق الدفاع عن الأرض، فقد صدر قرار بوجوب قطع صوان الأذن ووشم الجباه لكل من يلقى القبض عليه ويكون مشمولا بذلك.
تمت المباشرة بتنفيذ القرار بإرسال كل من يلقى القبض عليه الى مستشفى حكومي لقطع صوان أذنه ووشم جبهته وكان هذا يحدث تحت حراسة مشددة وبعد ذلك يجري حجزه في السجن، وقد بلغ عدد الذين نفذ بهم بحدود 700 شاب، توفي (20) عشرون منهم على الأقل بسبب المضاعفات الجراحية.
يذكر، إن 680 شابا من الذين نفذ بهم القرار كانوا من المحافظات المنتفضة في الجنوب والوسط والمناطق الشعبية في بغداد والذي يعتقد النظام بان هؤلاء كانوا نواة الانتفاضة ومصدر قوتها، كما كان للقرار تبعات أخرى منها قطع الحصة التموينية عن عائلة المشمول وترحيلها إلى مكان آخر.
وكون هذا القرار قد حمل أسلوباً وحشياً ولا أخلاقيا من الناحيتين الإنسانية والقانونية، فقد وجد صداه في المحافل الدولية حيث نوقشت مضامينه وأبعاده وكان مدار إدانة كاملة من قبل جميع الأطراف سواء في مجلس الأمن أو منظمات حقوق الإنسان أو غيرها 00

من اقترح هذا00 ؟

قبل ظهور القرار الذي اتخذه صدام بتنفيذ هذه العقوبة اللاإنسانية ترددت احاديث مفادها أن محافظ البصرة اللواء الركن "لطيف محل السبعاوي" هو الذي اقترح هذا الحل لمشكلة الهاربين واسماهم بالغوغائيين مشيرا إلى دورهم الفاعل في الانتفاضة التي انطلقت من البصرة.
وفي مكان آخر، تحدث علي حسن المجيد، وزير الدفاع آنذاك، بحضور عدد من الضباط القادة في كركوك قائلا: سنقطع آذان الهاربين، ثم صدرت التوجيهات بعد ذلك من صدام مباشرة وشكلت لجان للمتابعة.
قوبل القرار باستهجان واضح من قبل الضباط العراقيين وظهرت بوادر للتعاطف مع الجنود الهاربين الذين التحقوا إلى الخدمة ومنحوهم إجازات خلافا لتوجيهات صدام التي تنص على حجزهم في المعسكرات لمدة شهرين وتكررت هذه الحالة مما جعل الفريق أياد الراوي رئيس أركان الجيش يقول مخاطبا بعض الضباط : (سأقطع أذن الضابط الذي يتساهل مع الهاربين ..!!) .

عزت الدوري00 قطع الأذن سهوا !

كان الجميع يتحدثون فيما بينهم عن لا إنسانية هذا القرار ولا اخلاقيته وقد تهرب الضباط المسؤولون عن المتابعة والتنفيذ بمختلف الأعذار واستنفر صدام حاشيته وحثهم على المتابعة وكان أول المتحمسين في المتابعة نائب القائد العام عزت الدوري حيث خرج إلى مدخل مدينة الثورة ببغداد مشرفاً على التنفيذ الفوري للقرار، والقى القبض بنفسه على جندي وأمر ببتر أذنه وبعد التحقيق ظهر إن الجندي غير مشمول بالقرار لعدم دخوله الغياب الرسمي ! ولم يكن هذا الجندي وحده الذي قطعت أذنه سهواً بل يوجد غيره كثيرون!

بتر الأذن… بالجملة!

حشد النظام كل طاقاته الأمنية لتنفيذ تلك الحملة سيئة الصيت، فبعد إنتهاء الفترة القصيرة التي أعطاها لالتحاق الجنود الهاربين إلى وحداتهم، باشرت الأجهزة الأمنية (أمن عام، مخابرات، أمن خاص ) بالإضافة إلى الحزبيين والانضباط العسكري بحملة واسعة واقامة السيطرات المفاجئة على الطرق الداخلية والخارجية في العاصمة بغداد وبقية المحافظات وبشكل خاص (المحافظات والأماكن التي اندلعت فيها الانتفاضة). وحدثني كثير من الجنود الذين كانوا هاربين حينما قالوا: إن عناصر حزبية بعثية قد تسترت عليهم، أو أشعرتهم بوقت مبكر قبل حصول مداهمات ليليـــة أو نهارية على بيوتهم ولكن النظام انتبه إلى هذه الحالة وعالجها بتشكيل المفارز المختلطة بحيث تشمل المفرزة عناصر من المخابرات أحيانا، وفي تلك الفترة كلفت بواجب رسمي بزيارة الى قيادة فرع أبو جعفر المنصور للحزب في بغداد / الكرخ، وعند دخولي عليهم كانوا منهمكين بإعداد (قوائم تكريم)، وقال لي عضو قيادة الفرع (وهو من الحزبيين المتميزين بنشاطهم في الحملة أعلاه)، ( أنا قطعت آذان 47 هاربا، كان سكنهم ضمن قاطع مسؤوليتي الذي يشمل مناطق (أبو غريب، الوشاش، البياع، حي العامل)*!
استفسرت عن عضو الفرع هذا وعن بطاقته الشخصية، فقال لي أحدهم: (هذا الرفيق اصله ضابط شرطة ويعمل في جهاز المخابرات منذ عشرين عاما وعملية قطع الآذان عنده سهلة (مثل الزلاطة)، وليس هو وحده، فهناك كثير من أمناء سر الشعب الحزبية في تنظيمات بغداد، منسبون من جهاز المخابرات!)
ولم تمض فترة طويلة، حتى صدرت قوائم تكريم بأنواط شجاعة وهدايا إلى الأشخاص الذين ساهموا بفعالية ونشاط في مسك الشباب الهاربين وقطع آذانهم!

موقف أطباء ..!!

تعرض الأطباء في المستشفيات إلى احراجات كثيرة في عملية قطع الأذن، فالقرار لم يوضح على نحو كاف، فيما إذا كان المطلوب ببتر صوان الأذن بكامله أو جزء صغير منه!!؟
وللأمانة التاريخية، فقد تهرب كثيرٌ من الأطباء من التنفيذ بمختلف الذرائع برغم العقوبات الشديدة التي كانت تنتظرهم!!
تم حجز المنفذ بهم في سجون ومواقف اعتقال تفتقر إلى النظافة والخدمات الطبية والإنسانية مما تسبب ذلك بوفاة (20) منهم على الأقل وبمعدل (1) أسبوعيا في كل سجن بسبب مضاعفات الجروح 0
كان منظر هؤلاء مؤلماً، فهم يلفون رؤوسهم حول الجبهة والاذان بلفاف طبي ابيض ويرتدون فوقه اليشماغ، لكي لا يظهروا أمام الآخرين بهذا الشكل!
لم يكن هذا الأمر بشعاً على الشاب المعاقب وحده، بل ترك أثرا نفسيا سيئا على أهله وذويه 00 فعبارة (قطع أذن) تحمل دلالات ومعاني اجتماعية سيئة في المفهوم الشعبي العراقي والعربي عموما 0
وقد شعرت بذلك عندما التقيت رجلاً مسنا في مضيف أحد أقاربي في ناحية الإسحاقي (شمال مدينة بلد ) في مناسبة اجتماعية 00 وهمس بأذني يسألني، متى يطلق سراح هؤلاء المعاقبين ببتر صيوان الأذن؟ وكان حريصاً على أن لا يسمعه أحد غيري..! قلت: لماذا؟ قال: بصوت خافت، لان ابني واحد منهم!!
حينها شعرت بألم جارف يعتصرني على الضحية ووالده وأستطيع أن أتصور موقف أشقائه ووالدته وحجم الألم في نفوسهم , إنها جريمة بشعة حقاً!

دولة الوسط - العاصمة البديلة !!

شرع النظام الحاكم منذ عام 92، بالعمل لجعل مدينة تكريت عاصمة بديلة، حيث تم بناء المقرات والقصور الرئاسية ودوائر الدولة على شواطئ دجلة ضمن المدينة وبالشكل الذي يجعلها عاصمة بديلة (للدولة الوسطى) بعد تفتيت العراق إلى ثلاث دويلات، ينتقل إليها النظام ويزاول أعماله اعتياديا، إذ تم تأمين كل ما يلزم من خدمات واتصالات وطرق ومنظومة أمنية ودفاعية ومطارات وكثيرا ما تعقد الاجتماعات وتدار فعاليات على مستوى القطر من المقرات الجديدة ، وهناك ممارسات سرية نفذها النظام لكيفية الانتقال واشغال هذه الدوائر عند الضرورة، كما وضع النظام هناك مقر لاحد فيالق الحرس الجمهوري وأفواج من الحرس الخاص ومقرا لجهاز المخابرات والأمن الخاص ومحطات إذاعية وتلفزيونية خاصة 0 كما مارس النظام التعبئة السياسية والنفسية على نطاق العراق وبعض دول الجوار عن طريق عملائه ، فكثيرا ما ينوه النظام عن خطورة تقسيم البلاد من قبل الاستعمار والإمبريالية وضرورة التحسب لذلك، في الوقت الذي يعمل بجدية لتفتيت البلاد عن طريق إثارة الطائفية والإقليمية بين المواطنين مركزا جهوده على أهل السنّة من العرب مدعيا انتمائه إليهم وراميا بثقله عليهم مصورا لهم أخطارا وهمية سيتعرضون لها بدونه أو عند الإطاحة بنظامه ، ولذلك يجب التحذير بمواجهة الخطر المزعوم القادم من الشيعة وهو يهدف من وراء التلويح به لأبناء المنطقة الغربية أن يستمر المخدوعون منهم في الدفاع عن نظامه.
من جانب آخر عمل صدام حسين على نقل الثروة الوطنية بشتى الوسائل ومنها (العملة العراقية الورقية المزيفة) وتوزيعها بالطريقة التي يراها على المقربين والمحسوبين والأجهزة التي تتولى الدفاع عن نظامه ليشتروا بها العقارات والمعامل والبيوت والسيارات وجمع اكبر كمية ممكنة من الذهب والمجوهرات والأثاث والتحفيات التي بدأ السكان المحرومون ببيعها لاعالة أبنائهم ودرء الجوع والمرض عنهم أو بسبب التهيؤ للسفر الى خارج البلد بعد أن أصبحت الحياة لا تطاق فيه نتيجة الاضطهاد والمحاسبة والضغط المستمر بدافع التهجير لخيرة أبنائه من الكفاءات حتى بلغ عدد المهاجرين منهم في أواخر عام 1996 ما يربو على المليوني عراقي وعراقية ، وبذلك انقسم الشعب العراقي بين قلة من الأغنياء وبين الأغلبية من الشعب العراقي وهم الفقراء المعدمون الذين يعيشون على حافة المجاعة واغلبهم مصابون بالأمراض الخطيرة ولا سيما الأطفال والشيوخ منهم، لقد أصبحت سمة الغالبية العظمى من سكان العراق في المدن والأرياف شبيهة بالأشباح، فالرجال والنساء تلفهم التعاسة والبؤس والفاقة، يوزع عليهم النظام الحاكم بالبطاقة التموينية ( قوت لا يموت) يمثل كما أشارت إليه المنظمات الدولية 34 % من حاجة العائلة العراقية وهي كمية من الغذاء تؤدي إلى الموت البطيء. كما بدأ النظام الحاكم منذ 1992 بإفراغ منطقة جنوب العراق من المنشآت الصناعية والمعامل والخدمات الأساسية واعتبار محتوياتها (مواد احتياطية) لنظيراتها في المنطقة الوسطى وقد شمل ذلك الخدمات الطبية والهاتف والكهرباء والماء مما افرغ المنطقة الجنوبية من جميع مؤسسات البنية التحتية والصناعات الرئيسية التي أقامتها الدولة طوال نصف قرن من الزمان . لقد اصبح سكان المحافظات الجنوبية محرومين من المياه الصالحة للشرب ومن الطاقة الكهربائية ومن الخدمات الصحية والتعليمية بحيث نستطيع القول، ان هذه المناطق، هي أراض محروقة أراد صدام حسين أن يجعلها متخلفة عشرات السنين عن المنطقة الوسطى عقابا لها على ما قامت به من انتفاضة عارمة عام 1991، كما تخلى النظام الحاكم عن شمال الوطن في ربيع 1991 أو فرض عليه حصارا (اقتصاديا) جائرا من خلال الإجراءات التالية :
1 - عدم شمول أبناء شعبنا الكردي في كردستان بتوزيع المواد الغذائية بموجب البطاقة التموينية 0
2 - منع التبادل التجاري بين شمال العراق وبقية المناطق 0
3 - منع السفر من والى شمال البلاد 0
4 - طرد الموظفين والعاملين في الدولة من الأكراد 0
5 - منع وصول مصادر الطاقة إلى شمال العراق ولا سيما الطاقة الكهربائية.
وبعد كل ما تقدم ، اصبح نهج صدام حسين من تجزئة العراق واضحا وقد يقول قائل، إن صدام أراد أن يصبح زعيما على المنطقة العربية كلها، فكيف يقبل ان يكون حاكما على محافظتين أو ثلاث في وسط العراق ؟
الجواب ببساطة، إن صدام يقبل أن يكون حاكما مطلقا على قرية واحدة إذا تعذر عليه بقائه زعيما على العراق، فالمهم أن يبقى متنفذا تحيط به مجموعة من المنافقين على منطقة تكريت أو حتى (العوجة) فقط وليذهب العراق وشعبه إلى الجحيم!!

أفعال وانعكاسات

مقبرة النجف تتهدم 00؟
من الممارسات المشينة التي اقدم عليها النظام وبشكل غير مبرر، تلك الأفعال التي استهدفت مقبرة النجف الكبرى ، والتي أراد أن يصب فيها غضبه على أهالي المنطقة وبالتالي يعبر عن انتقامه ضد أبناء الجنوب والفرات الأوسط بمحاولة استفزاز مشاعرهم وذلك من خلال القيام بهدم القبور تحت مبرر فتح شوارع جديدة، وكذلك ادعاء أن تلك المقابر، وبسبب احتوائها على سراديب وبنايات ، ممكن أن تكون مأوى للمعارضين ونقطة انطلاق لهم، ولكنه بهذه الأفعال والممارسات أكد حقيقة بشاعته وعدم احترامه لكل ما يمت إليه بصلة للحقيقة الإنسانية بتجاوزه السافر هذا على قبور الموتى الذين يشكلون لأغلبية الشعب وبمختلف قطاعاته عالماً كبيراً من المشاعر الإنسانية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال الانتقاص منها أو التجاوز عليها وهذا ما شكل عبئا نفسيا ومرارة كبيرة لكل الذين ذهبوا للمقبرة لزيارة ذويهم ورأوا بأعينهم الدمار الذي حل فيها! والخراب الذي عمها.

خطوط العرض 36-32 00!!

كان لحجم وشراسة عمليات القمع والملاحقة والتصفيات التي مارسها النظام وقواته على أهالي الجنوب والفرات الأوسط وخاصة بعدما تمكن النظام من معالجة الانتفاضة وتطويق فعالياتها ، انعكاسه الواضح على الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والحكومات ، ولذلك سارع مجلس الأمن بإصدار قرار يحمي فيه سكان الجنوب والوسط من الأفعال والممارسات التي يرتكبها النظام من فاعلية قواته وتأثيرها المباشر على السكان والتأكيد على الحظر الجوي الذي يمنع استخدام الطائرات من قبل قوات النظام إلى خط العرض 32، الذي تقع في إطاره اغلب مناطق المحافظات الجنوبية والوسطى، كما اصدر مجلس الأمن قراراً منع بموجبه الطيران في إطار خط العرض 36، والخاص بالمناطق التي تقع في شمال العراق وبذلك يكون النظام قد منع من استخدام طيرانه في الجنوب والشمال..!

الحس الطائفي 00 إلى أين ؟

لقد ارتكز نظام صدام على التفرقة الطائفية من أجل السيطرة على العراق ففي خضم تلك المرحلة الحرجة والتصدع الذي أصاب النظام والدولة العراقية، كرس النظام جهوده على إنعاش العامل الطائفي وتغذيته بالممارسات والدعم الإعلامي وذلك بإطلاق الشائعات وافتعال الدسائس والأخبار الكاذبة من اجل تكوين تصور وهمي لدى أهل السنّة بأن الذي حصل كان يستهدف وجودهم المذهبي والسياسي. وعليه فأن وقوفهم إلى جانبه في هذا الوقت سيشكل لهم قوة واثبات وجود وتصدي للمؤامرات الطائفية والمذهبية كما كان يزعم ويبشر به الآخرين، فقد اخذ النظام ينشر الكثير من مظاهر التفرقة والاحتراب الطائفي والمذهبي الذي يشكل أحد هواجسه وصار عاملاً أساسياً من عوامل بقائه واستمراريته في الحكم، من خلال إصدار التعليمات السرية إلى الحزب* والدوائر الأمنية وكذلك العمل على إبراز النشاطات الدينية ذات السمة المذهبية والعمل بها من خلال بعض مسؤولي النظام.
ولكن وعي شعبنا وإدراكه العميق لخطورة المرحلة والأهداف التي يتوخاها النظام الجائر وسجله الإرهابي الذي شمل جميع العراقيين وعمق العلاقات الصميمه بين أبناء الشعب الواحد، كل هذه العوامل زادت من تماسكه وتمسكه بوحدته الوطنية، ورفضه للسلوكيات والنزعات المنحرفة (طائفية وإقليمية…) ومن يقف خلفها كائناً من يكون.