الفصل السادس


 


الانتفاضة في كردستان

البداية المستمرة
ما أن تم إعلان وقف إطلاق النار بين دول التحالف والعراق في 28 شباط 1991، حتى وجهت الحركة الكردية دعوة إلى قوات البيشمركه للاستعداد والتهيؤ لتنفيذ الأوامر والتوجيهات التي ستصدر إليهم عن طريق إذاعتي "صوت شعب كردستان" و"صوت كردستان العراق" *وكان لهما دور رئيسي في تحفيز الجماهير الكردية والعراقية عموماً نحو التحرك والانتفاضة.
في هذه الأثناء، تناقلت وكالات الأنباء أخباراً عن حصول انتفاضة شعبية في الجنوب ضد السلطات الحكومية وبالتحديد في البصرة بقيام أحد الجنود العائدين من ساحة القتال بإطلاق الرصاص من فوق دبابته على صورة كبيرة لصدام حسين كانت معلقة على واجهة مبنى المحافظة ثم توسع هذا الأمر بأن شاركت أعداد كبيرة من الجنود والضباط العائدين وكذلك جموع من الجماهير وأفراد مسلحين من قوى المعارضة في الهجوم على دوائر الاستخبارات ومقرات الحزب ومبنى المحافظة والدوائر الأخرى والمعسكرات التابعة للجيش، وتمكنوا من الاستيلاء عليها، وامتدت هذه الحركة بسرعة شمالاً حتى شملت الناصرية والعمارة والكوت والنجف وكربلاء والديوانية والحلة والسماوة، وهذا ما ورد ذكره في الفصول السابقة بشيء من التفصيل0
وتابع سكان كردستان أنباء الانتفاضة في الجنوب باهتمام بالغ وكانت المعلومات الواردة عنها مقتضبة وغير دقيقة لعدم وجود مراسلين أجانب في مواقع الأحداث وفرض تعتيم إعلامي عليها من قبل السلطات الحكومية، حيث كان مصدر المعلومات، أما الإذاعات الخارجية، أو الجنود والضباط الذين وصلوا كردستان من الجنوب بعد الانسحاب ونقل هؤلاء العسكريون بعض التفاصيل عن مشاهداتهم لأحداث الانتفاضة في المدن التي تواجدوا فيها أو مروا بها في طريق عودتهم.
يذكر، بأن قسماً كبيراً من الجنود الأكراد كانوا قد تركوا وحداتهم العسكرية بوقت مبكر بناءاً على توجيهات قد صدرت من القيادة الكردية، واثناء توارد أنباء الانتفاضة الواقعة في الجنوب بدأت تطرح بين الجماهير الكردية تساؤلات حول الموقف الذي ينبغي عليهم اتخاذه حيالها، ولم تكن لدى الغالبية فكرة واضحة حول القيام بأي عمل، وكان هناك آخرون يرومون الانتظار لحين أن تتوضح الأمور في الجنوب، وخاصة ذوي الرأي القائل ، بأن الكرد قاوموا النظام لسنين طويلة والآن جاء دور أهالي الجنوب كي يظهروا مقدرتهم في التصدي لنظام الحكم، أما رأي المعارضة الكردية والتي تتمثل في أبرزها الحزبان الرئيسان الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، فكان ينطوي على ضرورة التحرك السريع للقضاء على مرتكزات النظام في كردستان ومن اجل ذلك، فقد أبرم الحزبان المذكوران اتفاقاً بمشاركة بعض أحزاب المعارضة القيام بالانتفاضة وتحرير كل المدن العراقية.
في هذه الآونــة، أخذت ( صوت شعب كردستان ) بإذاعة النداءات بالشفرات والرموز الموجهة إلى وحدات البيشمركه بصورة مستمرة وكان يمكن للمرء التوقع بإمكانية حصول أحداث مثيرة في كردستان في هذا الوقت بالذات.

تظاهرة في أربيل

وفي خضم هذه التطورات والأحداث، حصلت في مدينة أربيل بتاريخ 4 آذار1991، تظاهرة ضد النظام انطلقت من وسط المدينة بمئات من المتظاهرين هتفوا بشعارات ( الحرية والديمقراطية )، ورغم التوقع من وصول قوات حكومية إلى موقع التظاهرة والاصطدام بها، كذلك ظهور علامات الخوف على المتظاهرين والتي بدت واضحة على وجوههم، إلا أنهم استمروا بسيرهم وفي هذه اللحظات، وصلت قوة من أفراد الجيش الشعبي والشرطة والمفارز الخاصة للتصدي للمتظاهرين وبدءوا بإطلاق نيران مختلفة من بنادقهم فوق الرؤوس واستطاعوا تفريق التظاهرة بسرعة دون إراقة دماء.
وكانت لهذه التظاهرة دلالات منها· :
1. تعد أول تظاهرة معادية للحكومة تحصل في أنحاء كردستان خلال ما يقارب عشر سنوات .
2. كان يلاحظ من الملابس الريفية لبعض المتظاهرين الذين كانوا يوجهون سير التظاهرة إنها لم تكن عفوية بل كان مخطط لها من قبل قوى المعارضة الكردية.
3. إن موقف البعض من سكان أربيل يمكن اعتباره سلبياً حيث لم يكتفوا بعدم مساندتها أو الانضمام إليها بل آثروا الابتعاد خشية الاصطدام بالقوات الحكومية.
4. إن هؤلاء المتظاهرين الذين يستحقون لقب أبطال وان لم يفلحوا في التأثير على سكان المدينة وجرهم للاشتراك في التظاهرة إلا انهم تركوا في نفوسهم أثرا ايجابياً0
هذا الأمر أثار تساؤلاً هاماً، هل إن الانتفاضة الشعبية التي حصلت في كردستان بعد أيام معدودة كان يمكن أن تحصل لولا تدخل القوات التابعة للأحزاب المعارضة الكردية؟
نستطيع القول، إن الانتفاضة لم تكن أمرا عفوياً، بل خططت لها ونفذتها قوى المعارضة الكردستانية بالتعاون والتفاعل مع الجماهير المنتفضة صاحبة القضية الأساس وذلك من خلال الاستمرار في بث النداءات والتوجيهات من خلال إذاعتي "صوت كردستان العراق" و"صوت شعب كردستان"، حيث نقلت هذه الإذاعات ما كان يحصل من حوادث متفرقة في أنحاء المنطقة.
وفي الوقت ذاته، بدأت قيادة الجبهة الكردستانية الاتصال بمستشاري أفواج الدفاع الوطني وآمري المفارز الخاصة* وطلبت منهم الوقوف إلى جانب شعبهم وربط مصيرهم بمصيره وليس بالنظام الحاكم0

الإنتفاضة في رانية

في يوم 5 آذار 1991، قامت مفرزة من رجال أمن السلطة بحملة اعتقالات واسعة ضد المواطنين في مدينة رانية (قضاء حدودي يرتبط إداريا بمحافظة السليمانية) شملت بعض الجنود الفارين، وقد تصدى لهم مجموعة من المنتفضين الذين كانوا على اتصال مع قوات البيشمركه حيث تمكنوا من القضاء عليهم جميعاً، وفور وقوع هذه الحادثة، انتفض أهالي المدينة وبدءوا الهجوم على الدوائر التابعة للأمن والاستخبارات والاستيلاء عليها مما اضطر بعض الوحدات لتسليم أسلحتها إلى المنتفضين.
ويبدو أن السيطرة على هذه المدينة كانت نقطة البدء في سلسلة عمليات تحرير كل المدن الكردية، فقد تحدث شهود عيان عن حصول حادثة مروعة أثناء الاستيلاء على المدينة المذكورة، (حيث اجبر الثائرون عدد اً من رجال الأمن بالصعود إلى سطح مبنى عال ثم دفعوهم منه، وكان بانتظارهم على الأرض المحيطة بالمبنى مسلحون شاهرون رؤوس حرابهم نحو الأعلى ليسقط هؤلاء عليها!)
وبعد ذلك أخذت إذاعة ( ص . ش . ك ) تكرر إعادة خبر تحرير رانية على مدى يومين!

الانتفاضة في السليمانية

أذاعت " صوت شعب كردستان " يوم 7 آذار، نبأ تحرير مدينة السليمانية وكان لهذا الخبر وقع مهم على نفوس الشعب الكردي لما لهذه المدينة من أهمية بالغة بالنسبة لهم، فهي من اكبر المحافظات الشمالية من حيث عدد سكانها الذي يقارب المليون وربع المليون، كما وإنها كانت طوال تاريخها معقلاً من معاقل المعارضة والنضال الوطني من اجل نيل الحقوق المشروعة للشعب الكردي وقد استطاعت قوات البيشمركه التي لم يزد عدد أفرادها على المائة بالاشتراك مع الجماهير الشعبية من السيطرة على معسكرات الجيش ومقرات الحزب الحاكم ومراكز الشرطة والمخابرات ومبنى المحافظة وجميع الدوائر الأخرى في غضون ساعات قليلة باستثناء مبنى مديرية أمن السليمانية حيث تجمع هناك عدد كبير من المسؤولين الحكوميين من بينهم المحافظ ومدير الأمن ومسؤولي الحزب في المحافظة0
وأبدى المتواجدون في بناية تلك المديرية مقاومة عنيفة استمرت 26 ساعة تقريباً رغم أن البناية كانت محاصرة من كل الأطراف وتهاجم من قبل مهاجمين غاضبين بمختلف الأسلحة بما في ذلك القاذفات للدروع، إلا أن المقاومين أبدوا نوعاً من التصدي والثبات لأنه لم يكن في تصورهم أن الحكومة تتركهم لوحدهم إنما ستهب لنجدتهم حتماً وقد غاب عن ذهن هؤلاء انشغال الحرس الجمهوري بقمع الانتفاضة في الجنوب. وبعدما يأس من بقي منهم على قيد الحياة من تلبية نداءاتهم التي أرسلوها إلى كركوك وبغداد عبر أجهزة اللاسلكي المتوفرة لديهم، اضطروا إلى التسليم، وبدءوا بالخروج من المبنى المحاصر، وما أن وصلوا إلى أبواب البناية حتى هوجموا من قبل الجماهير الغاضبة المجهزة بالسلاح والتي تجمعت طوال اكثر من يوم حول المبنى، فبدءوا بقتل كل من يخرج من البناية، وكان من بين القتلى أربعة من أعضاء الفرع التابع للحزب الحاكم وعدد من أمناء الشُعب والأعضاء الحزبيين بالإضافة إلى 186 من أفراد جهاز الأمن ضباطاً ومراتب وعلى رأسهم مدير الأمن العقيد خلف عبد احمد الحديثي إضافة إلى المحافظ وأبنائه وكان هذا الأمر وبالصورة التي حدثت بمثابة ردة فعل عنيفة للممارسات القمعية الرهيبة التي قامت بها السلطات الحكومية ضد أبناء الشعب الكردي عموماً وابناء السليمانية بشكل خاص على مدى أكثر من عشرين عاماً خلالها كانت دائرة الأمن على رأس الأجهزة المنفذة لتلك الممارسات.
ورافق تحرير السليمانية تطهير كافة الأقضية والقصبات التابعة لها مثل قلعة دزه ودوكان ودربندخان وحلبجة وسيد صادق وكلار وجمجال من القوات الحكومية وقوات الأمن والأجهزة الحزبية، وكما تم الاستيلاء على معسكرات الجيش المنتشرة في كافة أرجاء المحافظة ، ومن بين المواقع العسكرية المهمة التي تمت السيطرة عليها ، رحبة عينة الفيلق الاول في منطقة بكرجو، والتي احتوت على مختلف الأسلحة والأعتدة مع كمية كبيرة من التجهيزات ومواد للتحصينات والملابس ، والمواد الكهربائية والأثاث، كما تم الاستيلاء على مراكز العتاد الواقعة في السليمانية وسيد صادق ودربندخان وجوار قرنة التي احتوت على عتاد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والصواريخ، والمدافع النمساوية والمدافع المتوسطة والثقيلة والأسلحة الكيماوية وقد بلغ مقدار هذه الاعتدة ملايين الطلقات.

الانتفاضة في مدينة طوز

تتمتع مدينة طوز (طوز خرماتو) بموقع حيوي ، فهي تقع على الطريق العام الذي يربط مدينة كركرك بالعاصمة بغداد وتبعد عن الأخيرة حوالي 180كم وعن كركوك 70كم وعن تكريت حوالي 100كم ، عدد سكانها يتراوح بيــن100 –150 ألف نسمة من الكرد والتركمان والعرب0
وقد أولت قوى المعارضة الكردية اهتمامها بتحرير هذه المدينة ومدن أخرى مثل خانقين وجلولاء ودربندخان وكلار وقد أشرف مسؤولون في المعارضة الكردية على العمليات في تلك المنطقة التي تقع فيها هذه المدن وكلفت قوة من البيشمركه يبلغ عددها 35 مقاتلاً وبأمرة اثنين من القادة الميدانيين للهجوم على مدينة ( طوز ).
واستطاعت هذه القوة الاتصال بعدد من سكان المدينة وشكلت منهم مفارز وتم تزويدهم بالأسلحة اللازمة كما تم الاتصال بعدد من مستشاري أفواج الدفاع الوطني وآمري السرايا والمفارز الخاصة ( كلهم من الكرد) وابلغوا بقرار الجبهة الكردستانية بالعفو عنهم وطلبوا منهم المشاركة في انتفاضة شعبهم ضد السلطات الحكومية.
وقررت القوة المكلفة بتحرير مدينة( طوز ) أن تبدأ أولا بمدينة ( كفري ) التي تقع شرقي المدينة وقد تم تحريرها ليلة 9/10 آذار 91، بعد ذلك تم الإيعاز إلى قوة أخرى بالتوجه لتحرير مدينة ( طوز ) وعند ذلك بدأت العمليات العسكرية ضد قوات النظام، وفي الساعة الثالثة بعد ظهر يوم 10اذار، قامت المفارز المسلحة داخل المدينة بمعاونة المسلحين من الجماهير بالهجوم على دائرة الأمن والمخابرات والشرطة ومقر الحزب الحاكم وتم تحرير المدينة بأكملها، وعند وصول القوة المكلفة بتحريرها بساعات وجدتها واقعة تحت سيطرة الجماهير المنتفضة، ويذكر أن الكثير من الشباب التركماني ومن أهالي المدينة كانوا قد شاركوا رفاقهم الكرد في مجمل النشاطات والفعاليات التي استهدفت الاستيلاء على المقرات والدوائر الحكومية.

دفاعاً عن المدينة

منذ اليوم الأول لتحرير مدينة (الطوز ) أي 10اذار، ظلت تتعرض لقصف مدفعي من جانب الجيش بصورة مستمرة، أو في بعض الأحيان من جانب قوات مجاهدي خلق* ، وكذلك بقصف صاروخي وقنابل فسفورية من قبل الطائرات التي كانت تنطلق من مطار عسكري قريب يبعد ثلاثة عشر كيلومتراً عن المدينة، وكان القصف يشتد أثناء قيام وحدات الجيش بشن هجماتها البرية لاستعادة السيطرة على المدينة، كما وتعرضت لسلسلة من الهجمات العنيفة من قبل الألوية الخاصة ولواء من المغاوير ابتداءً من يوم 11اذار ولغاية 18منه، وقد أبدت قوات البيشمركه مع جماهير المدينة مقاومة بطولية متميزة. وفي يوم 16 آذار، وصلت قوات أخرى من البيشمركه لتعزيز القوة المدافعة، كذلك وصلت في اليوم التالي مفرزة مسلحة أخرى للغرض نفسه واستطاعت أن ترد جميع الهجمات على أعقابها والتي استمرت تسعة أيام بعد أن تكبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة، أما بالنسبة لخسائر المدافعين عن المدينة فقد بلغت 250 قتيلاً، إضافة إلى عشرين من أفراد البيشمركه وإصابة أعداد كبيرة بجروح اثر اشتداد وطأة القصف المدفعي والصاروخي وتكثيف هجمات الوحدات التابعة للجيش، عندئذ أبرق قائد القوة المدافعة عن المدينة إلى قيادة الجبهة الكردستانية طالباً قوة إضافية لنجدتهم، وقد وعدت تلك القيادة بالاستجابة للطلب، لكن لم تصل تلك القوات حتى يوم 19 آذار، مما جعل القوة المدافعة عن المدينة* تقرر الانسحاب باتجاه كفري والمرتفعات الواقعة شرق المدينة.

الانتفاضة في أربيل

تعد مدينة أربيل عاصمة الحكم الذاتي الذي أقرته الحكومة العراقية في كردستان عام 1974 ، لذلك تواجدت فيها هيئات المجلس التنفيذي والتشريعي وكذلك كانت مقراً للفيلق الخامس التابع للجيش، كما كانت فيها مديرية منطقة أمن الحكم الذاتي ومديرية استخبارات المنطقة الشمالية.
وقبل تحرير أربيل استطاعت الجماهير بمساعدة قوات البيشمركه يوم 9 آذار من السيطرة على مدينة ( كويسنجق ) التي تبعد عن أربيل 70 كم وكذلك السيطرة على مدينة شقلاوة وأدت السيطرة على هذه المدينة إلى قطع الطريق على وحدات الجيش المنتشرة في شقلاوة وجومان وحاج عمران على الحدود العراقية الإيرانية، لذلك لم يمض إلا وقت قصير حتى سلمت هذه الوحدات نفسها بكامل أسلحتها ومعداتها إلى قوات البيشمركه والجماهير المنتفضة، ومنذ الحادي عشر من آذار بدأ أفراد من البيشمركه والمفارز المسلحة الداخلية وعدد من مسلحي أفواج الدفاع الوطني والمفارز الخاصة بالهجوم على مديرية أمن منطقة الحكم الذاتي ومديرية أمن أربيل ومقر الفيلق الخامس ومقر الحزب الحاكم ومبنى المحافظة وتم الاستيلاء عليها جميعاً باستثناء مديرية استخبارات المنطقة الشمالية التي قاوم أفرادها حتى عصر ذلك اليوم حيث قتل قسم منهم واحتجز البقية. وقد أفاد شهود عيان آخرين بأن مدينة أربيل تم تحريرها بجهود أبنائها دون تدخل مباشر من البيشمركه.

الانتفاضة في دهوك

تم تحرير مدينة دهوك بتاريخ 14 آذار بالأسلوب نفسه الذي تم به تحرير أربيل وبالأسلوب ذاته تم تحرير مدن مخمور، عقرة، والعمادية وزاخو وغيرها0* ففي يوم 12 آذار، وصلت مجموعة من قوات الجبهة الكردستانية إلى زاخو ووجدوها محررة من قبل البيشمركه والجماهير الشعبية، كذلك واصل المنتفضون استيلائهم على المواقع العسكرية الحكومية، فقد سيطروا على كدس عتاد عين هيزوب قرب كويسنجق، ومخازن عتاد ديانا - صديق ومخازن عتادأربيل، واحتوت هذه المخازن على كمية كبيرة من عتاد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والصواريخ وعشرات الملايين من العتاد الخفيف والمتنوع.

تعسف ورهائن في كركوك!

علمت السلطات الحاكمة في بغداد باستعدادات القوات الكردية للسيطرة على مدينة كركوك، لذلك تحركت بسرعة للحيلولة دون حدوث ذلك رغم انشغالها بقمع الانتفاضة في الجنوب، فقد قام علي حسن المجيد بزيارة ميدانية للإشراف على الاستعدادات المتخذة للدفاع عنها وعدم التخلي عنها بأي ثمن.
في هذه الأثناء جرت عملية كبرى لاعتقال السكان الأكراد في المدينة حيث قام رجال الأمن والجيش الشعبي والمنظمات الحزبية بإجراء تفتيش في المناطق والمحلات الكردية والفنادق والأسواق واعتقال كل شخص كردي أو تركماني يصادفونه بصرف النظر عن عمره أو مهنته أو انتمائه السياسي. وخلال هذه الفترة القصيرة تم إلقاء القبض على حوالي ثمانية آلاف شخص، نقل أكثرهم إلى معسكرات اعتقال في تكريت0
وقصدت الحكومة من هذه الإجراءات والاعتقالات الحد من معاونة أهالي المدينة قوات البيشمركه في هجومهم المتوقع وكذلك الاحتفاظ بهم كرهائن!

الانتفاضة في كركوك

وضعت خطة للهجوم على كركوك من محورين.. الأول، محور أربيل والثاني، محور سليمانية - جمجمال :
محور أربيل
بعد يومين من تحرير أربيل ، أي في 13 آذار، تمت الاستعدادات لشن هجوم على مدينة كركوك وشاركت في قوة الهجوم مجاميع من فصائل قوى المعارضة الكردية ودخلت هذه القوة في 15 آذار مدينة التون كوبري التي تقع على مسافة 40كم شمال كركوك ووجدتها محررة من قبل جماهير المدينة، وعقد اجتماع يوم 16 آذار لوضع الخطة النهائية للهجوم وتوزيع المهمات على القوات المهاجمة، وتم الاتفاق على أن تباشر هذه القوات عملياتها ليلة 16/17 آذار مع قوات البيشمركه الآتية من محور السليمانية - جمجمال، إلا أن تأخر القوات الأخيرة أدى إلى تأجيل الهجوم، وعقد اجتماع آخر في التون كوبري ليلة 18/19 آذار واتخذ قرار بضرورة التسلل إلى داخل المدينة لحث السكان على القيام بالانتفاضة .. وفي فجر يوم 19 آذار، وصلت القوة المهاجمة إلى كركوك والتحمت في معركة كبيرة مع قوات النظام المدعوم بالدبابات والطائرات المروحية وتم في المساء إلحاق الهزيمة بقطعات النظام وتكبيدهم خسائر في الآليات والمعدات والأفراد.

محور سليمانية - جمجمال

تم إعداد قوة من البيشمركه للهجوم على مدينة كركوك إذ وصلت هذه القوة إلى جمجمال التي تبعد عن كركوك 40كم وحاولت بعض ألوية المشاة الحكومية معززة بالطائرات المروحية مساء يوم 13 آذار بشن هجوم على جمجمال ، وفي معركة كبيرة استطاعت القوات الكردية من رد الهجوم وسحقه والاستيلاء على آليات القطعات المهاجمة، وكذلك استطاعت قوات البيشمركه التقدم إلى منطقة قره هنجير المجاورة ليلة 14/15 ثم وضعت خطة لدخول كركوك .
وفي هذا الوقت، تم إعادة تنظيم قوات البيشمركه وتعزيزها استعدادا لشن هجوم آخر نحو المدينة، ووقعت معارك بين الطرفين استمرت حتى الفجر، حيث عادت قوات البيشمركه إلى مواقعها السابقة0
عقد اجتماع في جمجمال يوم 18 آذار، حضره القادة المسؤلوون عن عملية الهجوم، تم فيه توزيع المهمات على القوة المهاجمة للمدينة، وحاولت تلك القوة التسلل إلى داخل كركوك مساء يوم 18 آذار، لكنها أخفقت بسبب وجود بعض الكمائن العسكرية وحاولت مرة ثانية أن تتجنب الاصطدام مع القوات العسكرية للتمكن والتوجه بسرعة إلى وسط المدينة.
وبدأت القوات الحكومية في يوم 19 آذار، هجوماً على القوة المتقدمة من اجل محاصرتها والقضاء عليها حيث تعرضت إلى قصف شديد بالمدافع والطائرات الهليكوبتر، وفي هذا الوقت، قامت قوات البيشمركه بتسليح الأهالي لأجل الحصول على مؤازرتها واشتد ضغط القوات الحكومية على البيشمركه التي اصبح وضعها قلقاً خاصة بعد مقتل العديد من قادتها الميدانيين.. لكن القتال استمر إلى الساعة الرابعة عصراً، وبعد ذلك وضعت خطة سريعة لدخول قوة إلى المدينة من طرف جنوب شرقها للقضاء على مقاومة الجيش وتسهيل دخول قوات أخرى إليها لمعاونتهم، وحققت هذه الخطة نجاحا كبيراً حيث تم تطهير عدد من المواقع، مما أدى إلى تدفق البيشمركه إلى داخل المدين، وفي هذا الوقت بالذات، كان عدد من الوحدات العسكرية قد سلم أسلحته بالكامل وبصورة جماعية للقوات المهاجمة.
في هذه الأثناء، استطاعت قوات البيشمركه والجماهير المنتفضة أن تضع يدها على قاعدة ( دارمان) التي كانت تعد المستودع رقم (1) لقوات الجيش في المنطقة الشمالية لما تحتويه على عدد كبير من الأسلحة بمختلف أنواعها وعلى التجهيزات والمعدات وغيرها.
كما تمت السيطرة على مقر الفيلق الأول ومطار للطائرات يحتوي على 25 طائرة ومحطة التلفزيون الحكومية ودوائر المخابرات والاستخبارات والأمن ومقر الحزب الحاكم ومراكز الشرطة ومبنى المحافظة ومباني ومنشآت شركة النفط ، كما وقعت في أيدي القوة المهاجمة كمية كبيرة من الوثائق والملفات التابعة لدوائر الأمن والمخابرات الحكومية.
وقد رحب الأهالي في كركوك وخاصة الكرد والتركمان والأقليات الأخرى ترحيباً حاراً بقوات البيشمركه، وكان ترحيب التركمان اشد بهذه القوات، إذ شاركوا بحمل السلاح لمعاونة تلك القوات، في تشكيل بعض اللجان المحلية لحماية المناطق السكنية.
وهكذا استطاعت القوات الكردية بالاشتراك مع أهالي المدينة من الاستيلاء على المدينة في غضون ثلاثة أيام من المعارك الطاحنة.
وقد فر معظم قادة قوات النظام ومسؤوليه تاركين بيوتهم وممتلكاتهم، وكان على رأس هؤلاء الهاربين علي حسن المجيد .. وبذلك حقق أهالي كركوك من الكرد والتركمان والأقليات الأخرى انتصاراً كبيراً لم يشهد تاريخهم مثيلاً له، حيث تم بسط السيطرة على المدينة بأكملها وبعد ذلك زينت السماء بالألعاب النارية التي عبرت عن الفرحة الكبيرة النابعة من الدلالات العميقة لتحرير كركوك من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية.

سقوط حلم !!

في الوقت الذي كان صدام حسين يوجه خطاباً إذاعيا يذكر فيه انه تم القضاء على الانتفاضة في الجنوب والتي اسماها بـ (صفحة الغدر والخيانة)، أكد على القضاء على الانتفاضة الكردية والتي اسماها بـ (تمرد الخونة والعملاء في الشمال ).
كانت تشكيلات من الحرس الجمهوري والجيش قد بدأت هجومها الواسع على كردستان منتصف شهر آذار عام 1991، وكانت خانقين أول مدينة تمكن الجيش من إعادة السيطرة عليها بسهولة ثم شن هجوما على مدينة ( طوز) تمكنت فيه للمرة الأولى قوات البيشمركه والأهالي من رد الهجوم على أعقابه، لكن قوات النظام كررت هجومها على المدينة حتى تمكنت من إعادة السيطرة عليها في 19 آذار. بعد ذلك وفي إطار توجه الجيش للسيطرة على كركوك ، دارت معارك على أطراف المدينة بين قوات البيشمركه والقوات الحكومية خاصة في منطقة تازة خورماتو وقرية يارمجة اضطرت القوات الكردية إلى الانسحاب ليلاً شرق كركوك وذلك للتفوق الحاصل عند قطعات الجيش عدة وعدداً0
وبعد أيام قليلة، أخذت مدينة كركوك تتعرض إلى قصف مدفعي عشوائي، ففي ليلة 27 / 28 آذار، تحركت القوات الحكومية نحو المدينة من عدة اتجاهات وكانت الخطة تقضي بالتقدم السريع بمحاولة تطويق المدينة وسد مخارجها، للحيلولة دون وصول مساعدات إلى قوات البيشمركه المتواجدة في داخلها ولذلك وصلت قوات حكومية إلى مدخل المدينة وشمالها وشرقها، أي الطريق الذي يربطها بجمجمال - سليمانية، وتقدمت قوة أخرى من منطقتي دبس والتون كوبري لقطع طريق كركوك - أربيل في الوقت الذي تقدمت فيه قوة أخرى عن طريق تكريت ومعسكر خالد متجهة نحو قلب المدينة، لكن قوات البيشمركه المتبقية فيها تصدت ببسالة للقوات المهاجمة واصطدمت معها حوالي ساعتين، لكن القوات الحكومية استطاعت بعد ذلك من بسط سيطرتها على المدينة بشكل كامل بعد أن تخلى عنها المدافعون!
وكانت إعادة سيطرة الجيش على كركرك مفاجأة مؤلمة لقيادة الحركة الكردية ونكسة كبيرة لها واعتبرت نقطة تحول لتغيير الوضع العسكري العام ومن ثم تعرضت المدينة إلى عمليات سرقة ونهب للمساكن والمحال التجارية ثم واصلت قوات النظام تقدمها نحو التون كوبري واحتلتها دون مقاومة وتقدمت شمالاً نحو مدينة أربيل وفي الوقت ذاته، أخذت بعض قطعات الجيش تتقدم من كركوك نحو السليمانية رغم نداءات الحركة الكردية التي تحث على الصمود والمقاومة والتي لم تلق أذنا صاغية لا من قوات البيشمركه ولا من السكان المدنيين.. وهكذا دخل الجيش مدينة السليمانية وتكرر ما حصل في أربيل من نهب وسرقة للمحلات التجارية من قبل أفراد الجيش.
بعد ذلك، تقدم الجيش من أربيل شمالاً نحو صلاح الدين وشقلاوة، ومن جانب آخر تقدم باتجاه مدينة الموصل نحو مدن زاخو ودهوك وعقرة وغيرها واستطاع السيطرة عليها دون مقاومة فقد تعرضت مدينة دهوك يوم 29 آذار إلى قصف مدفعي صاروخي شديد أدى إلى هروب الغالبية من سكانها وتشريدهم وفي يوم 30 آذار دخلها الجيش دون مقاومة وتعرض قسم كبير من المحال التجارية والمنازل للنهب والسرقة.
وهكذا تمكن الجيش في غضون أسبوعين من إعادة احتلال أجزاء واسعة من أراضى كردستان بما في ذلك مراكز المحافظات الأربع، السليمانية، كركوك، أربيل، ودهوك، ومدن خانقين وطوز خورماتو وعقرة وغيرها من المدن والقصبات* .
وضمن هذه الأحداث وتطوراتها، يكون الشعب الكردي قد تعرض إلى نكسة كبيرة وكذلك حركته التحررية المعاصرة التي هي جزء لا يتجزأ من التاريخ الوطني والقومي للشعب العراقي.