من البصرة إلى بغداد
سريان الشرارة
سرت شرارة الإنتفاضة الباسلة في معظم أنحاء العراق مثل سريان النار في الهشيم وذلك
لسرعة استجابة العراقيين لها واستعدادهم الذي أدى إلى سقوط وتهاوي الأجهزة الأمنية
والحزبية دون مقاومة. كنا نتلقف الأخبار من الأشخاص الذين بدأوا يتوافدون إلى
البصرة من أرجاء البلاد للاستفسار عن مصير أبنائهم الجنود والضباط بعد عملية
الانسحاب من الكويت، حيث القلق المتزايد وسط دخان حرائق الحرب الذي كان لا يزال
ينبعث من آبار نفط البصرة والكويت التي التهمتها النيران. وبالرغم من صعوبة التنقل
وشحة البنزين والمخاطر الكثيرة عبر طرق ملتهبة، كان كل واحد منا حريصا على مقابلة
هؤلاء القادمين للتعرف على آخر الأخبار والأوضاع التي بدأت تسود المحافظات كافة.
كانوا يسألون عن أبنائهم، وكنا نسأل عما يدور في محافظاتهم عما حدث كيف تسير
المقاومة الشعبية ؟ الوضع المعاشي .. الماء، الكهرباء، الخدمات وعن آثار القصف
الصاروخي والجوي .. الخ.
كان كل واحد منهم يحمل قصة وصوله إلينا .. المشاكل التي صادفته في الطريق الطويل
لمسافة "600كم" .. حوادث الطرق الكثيرة .. تعرضهم إلى عمليات الإبتزاز والتسليب ..
واستبدالهم لأكثر من عجلة وعلى شكل محطات .. واسط أولاً ثم العمارة وأخيراً البصرة،
وتحدثوا لنا عن نشاطات المنتفضين الثوار في المحافظات التي مروا بها، واسط
والعمارة، كذلك حدثنا من جاء من جهة الفرات الأوسط والجنوب، كر بلاء، النجف، بابل،
الديوانية، المثنى وذي قار حيث سادت الانتفاضة كل هذه المدن.
وكذلك عمت الانتفاضة المحافظات الشمالية، دهوك، سليمانية، أربيل وكركوك بكل قراها
وضواحيها، أما ديالى، هذه المحافظة المتوازنة في تركيبة سكانها من العرب والكرد
والتركمان وطوائف أخرى، فقد حدثت في بعض أقضيتها ونواحيها انتفاضات صغيرة في كل من
خانقين وجلولاء وضواحيهما حيث أصبحتا تحت سيطرة الثوار، وحدثت تجمعات شبابية تنادي
بالانتفاضة وإن شرارتها على وشك الاندلاع في ضواحي مدينة الخالص ذات التاريخ
النضالي المجيد، أما بعقوبة المركز، وضواحيها والمقدادية، فقد كانت كالقنبلة
الجاهزة للانفجار.. وهكذا الحال في محافظة الأنبار والفلوجة والموصل حيث تحشدت
الجماهير في الجوامع، وفي صلاح الدين، كان أهل تكريت وبلد والدجيل والاسحاقي
وسامراء والضلوعية على أهبة الاستعداد للمشاركة في الأحداث، يتحفزون أيضا والجميع
بانتظار تطور الأحداث، أما في قضاء "طوز خورماتو" التابع إداريا إلى مركز المحافظة
فقد انفجرت فيه انتفاضة عارمة.
الانتفاضة في العمارة
هذه المدينة العراقية الباسلة التي تحملت آلام ومعاناة ثمان سنوات من الحرب
المتواصلة مع إيران إذ دارت فوق أراضيها وعلى حدودها معارك ضارية قدمت خلالها
تضحيات جسيمة من شبابها وكان الضغط الاقتصادي عليها شديداً لاستضافتها ما يعادل عدد
سكانها من الجنود والمقاتلين منذ عام 1980.. أهلها عرب أقحاح من عشائر "السواعد
والبو محمد وبني مالك والفريجات وآل ازريج وغيرهم"، وهم على الرغم مما كانوا يلمسون
من تمييز طائفي ضدهم مارسته مختلف الحكومات والأنظمة الحاكمة منذ بداية ما يسمى
بالحكم الوطني عام 1921، فان سوح المعارك والسواتر والمواضع على حدودنا الشرقية
تشهد لهم بالبسالة والشجاعة والتضحية بسخاء دفاعاً عن العراق.
ينتابني شعور بالحنين إلى مدينة العمارة، وإذا كان لا بد من تشخيص سبب مباشر لهذا
الحنين، فهو ما لمسته من أهلها من كرم وعناية عندما أصبت بجروح في "14 تشرين الأول
1980"، في بداية الحرب مع إيران ونقلت إلى مستشفى العمارة الجمهوري وكان معي ضابط
جريح من أهل العمارة، فكان أهله وأصدقائه يزورونني معبرين عن اعتزازهم بي ويتمنون
لي الشفاء قبل أن يمروا على إبنهم وصديقهم مما جعلني لم أشعر بأني بعيد عن أهلي
الذين لم يعلموا بأني جريح إلا بعد خروجي من المستشفى وذهابي إليهم بإجازتي
المرضية. وفي "7 تشرين الثاني 1982"، جرحت مرة أخرى ونقلت إلى مستشفى الطوارئ في
العمارة ولم تختلف تلك المعاملة عن سابقتها من قبل أبناء المحافظة، ويبدو أن تلك
القيم والعادات متأصلة في نفوسهم ولم تغيرها الأحداث والمعاناة.
وفي المعارك، كان الضباط والجنود "الميسانيون" في قمة الرجولة والشجاعة والبسالة في
الدفاع عن أرضهم، شأنهم شأن كل عراقي نجيب ولكني كنت أشعر أو أميل إلى تمييزهم
إنصافا لما لمسته فيهم من شجاعة وشهامة، فقد كان كثير من أبنائهم معي في كتيبتي
السابقة "كتيبة دبابات 1 حزيران" وما زالت أسماء شهدائهم، عبد الرضا ومحيسن ومحمد
وعلي ترتسم صورا استقرت في ذاكرتي ووجداني.
ظهر يوم 2 آذار 1991، اندلعت شرارة الانتفاضة في مركز محافظة ميسان وخلال ساعات
سيطر الثوار على المدينة وضواحيها وهرب أزلام النظام واشتعلت النيران في دوائر
الأمن ومؤسسات الدولة التي كانت الهدف الأول للثوار. هكذا رويت لي قصة الانتفاضة في
العمارة باختصار شديد من قبل أحد أبنائها الذي جاء يبحث عن شقيقه الجندي في الفرقة
المدرعة السادسة وكانت المدينة مركزا لتجمع كثير من القوات العائدة من الجنوب وخاصة
من الحرس الجمهوري .. وفي جنوب المدينة على بعد (10كم)، يوجد مقر للفيلق الرابع
الذي تعرض له الثوار منذ اليوم الأول وسيطروا على جميع محتوياته، لذا فان كثيراً من
الفرق العسكرية قد مكثت في العمارة لبضعة أيام في طريق عودتها شمالاً أو غرباً.
وقبل نهاية آذار 91، مررت بمدينة العمارة عند تمتعي بالإجازة وأنا في طريقي إلى
بغداد .. كانت المدينة تحكي قصة مأساوية عن التخريب والدمار الـلذين أصاباها،
فالجسور مقطعة وهناك استدارة واسعة حول مدينة "المشرح" * لغرض اجتياز المدينة وآثار
قصف الحلفاء بادية على الجسور والمواقع الحيوية، أما الدور المخربة والبنايات
المحروقة وحواجز الطرق فإنها دليل مقاومة باسلة أبداها السكان المدنيون ضد قوات
النظام. كانت الشعارات المعادية للنظام تغطي الجدران ولا وجود لجداريات أو صور
"الرئيس القائد..!" التي كانت قد أزيلت وكسرت كلها وكان البؤس بادياً على وجوه
أهالي العمارة المتجمعين هنا وهناك للحصول على كمية الطحين من وكلاء توزيع المواد
التموينية.
نُسّب الفريق الركن "هشام صباح فخري" ** قائداً عسكرياً لمدينة العمارة، وكان هشام
في بداية الثمانينات قائداً للفيلق الرابع وهذا هو سبب تعيينه بهذا المنصب، فهو
يعرف أهل ميسان وهم يعرفونه أيضا لما له من سوابق خطيرة معهم، فهو متهم بقتل
العشرات من شبابهم في الاهوار بين عامي "1982-1984" وهو طموح ويحاول استرضاء صدام
ولكن الأخير يضطر إلى أن يكبح جماحه من حين لآخر ليوقف حدة طموحه الذي يعتبره غير
شرعي بالتأكيد، خاصة وان هشام يمتلك تاريخاً حزبياً، فهو من أوائل البعثيين في
مدينة الموصل ويتمتع بشخصية فيها قدر من الجرأة. وعلى أية حال، تم اقتحام المدينة
بالقوة المسلحة واشتركت قوات الحرس الجمهوري وقوات قليلة من الجيش في استباحتها،
وعلى الرغم من كل ذلك، ظلت المدينة تحتضن كثيراً من الضباط والمسؤولين الذين
اختبئوا فيها، فأكرمتهم وأمنت وصولهم إلى بغداد بسلام. وهناك قصص كثيرة حول هذا
الموضوع، فقد دار حوار بيني وبين ضابط برتبة مقدم من الأنبار وهو ينتسب إلى إحدى
وحدات الحرس الجمهوري التي هاجمت مدينة المشرح حيث قال:
في هذه المدينة، اضطررت إلى دخول أحد البيوت إنقاذا لحياتي من خطر موت يترقبني بعد
انقطاع الاتصال مع وحدتي!
- وكيف كانت استجابة أهل الدار لك في تلك الظروف ؟
- ما أن طرقت باب الدار، حتى خرج أهلها كلهم يرحبون بي ويدعونني للدخول وهم يلهجون
بـ "أهلاً وسهلاً، بالضيف العزيز، تفضل.. تفضل.. إنك في بيتك وبين أهلك" !
ثم دخلت وجلست وكانوا أمامي يبدون من كرم الضيافة ما أعجز عن وصفه، وأثناء ذلك دخلت
مجموعة شباب يحمل أحدهم جريحا وهو ينزف، فطلبت أن أتولى أمر معالجته وبدا لي حينها
أن جميع أولادهم يقاتلون في صفوف الانتفاضة.
- (الشيخ) سنعالجه نحن ولا تكلف نفسك.
- لا يا شيخ، إني أحمل معي ضماداً طبياً وعندي خبرة في العلاج وسوف استخدم الضماد
لإيقاف النزيف.
وخلال دقائق ضمدت الشاب وتوقف نزيفه ولكنه ظل في حالة خطرة وعند سماعي بوصول قوات
الحرس الجمهوري إلى المدينة التمست الشيخ صاحب الدار، وقلت له:
- يجب أن أخرج وبسرعة قبل وصولهم إلينا وإلا فسوف اتهم بالعمل معكم واقتل حالاً !
- لك ما تشاء أيها الضيف العزيز !
- غير أن وصولي إلى أحد المعسكرات يتطلب أن أرتدي ملابس مدنية وأن تصاحبني أنت
شخصيا للوصول بسلامة حيث أن الثوار يسيطرون على الطرق.
وفعلا تفرغ الشيخ كلياً لي وقد أحضر لي ملابس مدنية وسار معي حتى أوصلني إلى مكان
أمين، تاركا إبنه الجريح في البيت !!!
هذا الموقف بين الضابط من الأنبار والعائلة الجنوبية من المشرح يعكس نوعا من روح
الفروسية التي تعني (النبل والشهامة والعفو عند المقدرة) عندما تستقبل العائلة وهي
من الثوار عسكريا في جيش يقاتلهم فيضيفونه ويكرمونه وعندما يتطوع الضابط لإيقاف
نزيف ثائر ضد النظام وهو يعلم حجم المساءلة التي يتعرض لها ونوع العقوبة التي ستطبق
عليه في حال الوشاية به.
وهذا النموذج يعبر عن عمق العلاقة الحميمية بين أبناء الشعب الواحد التي حاولت
مختلف الأنظمة السياسية المتعاقبة على حكم البلاد تمزيقها من خلال إتباع سياسة
التمييز الطائفي بين عرب العراق خاصة وفقا لسياسة "فرق تسد" كي يسهل ترويض هذا
الشعب ومن ثم تسهل قيادته.. كانت هذه السياسة أكثر وضوحا منذ انقلاب 8 شباط 63
وتصاعدت تدريجيا ووصلت ذروتها في عام 1991 خلال قمع الانتفاضة وبعدها، ولكن أي حكم
ديمقراطي عادل كفيل بإزالة كل ترسباتها خلال فترة مناسبة من الزمن..!
جنود ... طعم للاسماك !
حدثني اللواء الركن "رعد مجيد فيصل التكريتي"، قائلاً: إن فرقته "قيادة قوات
الأربعين" التي اشتركت في اقتحام مدينة العمارة الباسلة في منتصف آذار 91 قد
استخدمت المدفعية وكل الأسلحة المتيسرة لديها في عملية "تحرير المدينة" على "حد
قوله" وانه كان لا يخاف ولم يخلع رتبته العسكرية عندما كان يقتحم المدينة مثلما فعل
الآخرون، وذكر لي بعض أسمائهم، وحينما سألته عن الاشتباكات المسلحة قال، وقع قتال
مدن ضار وتم هدم كثير من البيوت بنيران الدبابات والقاذفات كما وقعت خسائر بأفراد
من الحرس الجمهوري والقوات الأخرى. هذا الضابط كثيراً ما يخلط بين الجد والهزل في
حديثه، فقد عرفته هكذا منذ كان زميلي في كلية الأركان عام 1984، وعندما سألت بعض
الأصدقاء عن مدى الصدق في حديثه ، قالوا : صحيح، إن المدينة تعرضت لقصف مدفعي وكذا
وكذا ولكن رعد كان متمارضا ومؤشرا عليه بعلامات تقصير في إنجاز ما طلب منه! قلت؟
كيف يتهم نفسه بهكذا جرائم إذن ؟
قالوا: هذه هي الانتهازية والوصولية، المهم عنده الآن أن يثبت حماسته للنظام وهذا
كان شأن كثيرين مثله، فاللواء الركن "فوزي أحمد لطيف التكريتي"، قائد قوات عدنان،
حرس جمهوري آنذاك تحدث أمام مجموعة من الضباط قائلا:-
"لقد قدمنا للأسماك في الأهوار طعماً يكفيها لمدة سنة!، فقد رمينا لها جثث آلاف
الغوغائيين والخونة". هكذا يأخذ حديث هؤلاء المستأسدين صيغة الاستهتار المبالغ به
بحياة الناس، لأن النظام السياسي الذي منحهم ميزة على الآخرين دون استحقاق مشروع،
يطلب منهم التصرف بهذه الصورة وإلا فانهم يصبحون غير مرغوب فيهم * . لا شك أن
أياديهم قد تلطخت بدماء أبناء الشعب من مناضلين وأبرياء ولكنهم كانوا خائفين على
أنفسهم في الوقت ذاته، لذا نجد من بدأ يصور جرائمه بجهاز الفيديو أو يبالغ في حديث
القتل والجريمة ويتهم نفسه علنا بأفعال دنيئة وبأكثر مما فعلت يداه أو بما لم يفعله
أصلا! لذا فاني أجد في حديث فوزي كثيراً من الاستخفاف بحياة المواطنين العراقيين
الذي نتج عن الشعور بالتعالي والغطرسة التي غرسها النظام في نفوسهم على مدى ربع قرن
من الحكم الجائر.
الطفل "الغوغائي"
روى لي ضابط ركن كان يعمل في مقر الفيلق المتواجد في مدينة العمارة (بأن قائد
الفيلق أحمد إبراهيم حماش التكريتي، * وبينما كنا معه ومجموعة الحماية نجتاز أحد
الطرق في مركز المدينة، شاهدنا طفلاً لا يتجاوز عمره ستة سنوات يركض من حولنا سريعا
.. فقال حماش اقتلوه.. اقتلوه، وعندما قال له أحد الضباط :
- سيدي هذا طفل عمره ست سنوات وهو لا يحمل سلاحاً! أجابه.. "هذا من يكبر يصير
غوغائي"!!
ربما لم يقتل الطفل حيث لم يجد أمر أحمد حماش صدى عند ضباط ركنه ولكن عندما يأخذ
الحديث هذا الاتجاه الذي يدل على مدى الاستخفاف بحياة الناس إلى حد الاستهتار
والحقد بين أبناء الوطن الواحد، فان النتائج التي تترتب على هذا السلوك تكون خطيرة
بلا شك. فسلوك حماش هذا هو انعكاس لنظرة النظام السياسي حيال هؤلاء الناس في تلك
المحافظات عموما وليس تجاه أهل ميسان وحدهم!
بعد بضعة أشهر، صدر أمر نقلي من رئيس أركان الفرقة المدرعة السادسة إلى منصب ضابط
ركن في مقر الفيلق الرابع وكان المقر في الديوانية آنذاك، وعندما كنا نتحدث نحن
كضباط ركن عن فعاليات الفيلق عندما كان في العمارة خلال الانتفاضة، علمنا بأن هيئة
تحقيقية قد شكلت في مقر الفيلق برئاسة عميد ركن كان مدير شعبة في مديرية
الاستخبارات العسكرية* ، وبدأت الهيئة في التحقيق وأصدرت أحكام الإعدام التي شملت
المئات من الشباب الذين تم القبض عليهم خلال عملية قمع الانتفاضة في العمارة وان
جثثهم كانت تلقى على السواتر الترابية المحيطة بمقر الفيلق وكان الكثير منهم جنوداً
عائدين من الكويت وجدوا في الانتفاضة ما يعبر عما يعتمل في دواخلهم فاشتركوا في
التظاهرات والمسيرات والهتافات .. الخ.
أحكام الموت ...!؟
لكن عوائل هؤلاء المعدومين ظلت تنتظر عودتهم، وبعد أن فقدت الأمل في العودة،
اعتبروا مفقودين في الكويت (وربما حتى الآن لم تفقد عوائلهم الأمل في عودتهم !).
كنت أتساءل كيف كانت تجرى المحاكمات ؟ ومن الذي يحيل المتهمين إلى المحكمة ؟
فكان الرد على تلك التساؤلات يأتي واضحاً، بأن المئات من الشباب كانوا يحملون
بأرتال من السيارات من مركز المحافظة وهم مكبلون وتحت الحراسة المشددة ومعهم قوائم
تضم أسمائهم (مؤشر على بعضها) بما يدل على أن قرار الحكم أُعد مسبقا وينفذ في مثل
هؤلاء الإعدام فورا، أما الآخرون فانهم يخضعون للتعذيب والتحقيق وبعدها يقرر
إعدامهم أو ترحيلهم إلى بغداد أو وضعهم في السجن المخصص لأمن الفيلق، وكان ضباط أمن
الفيلق يعملون كأعضاء في هيئة التحقيق، وقد سمعت همساً كثيراً حول هذه الهيئة سيئة
الصيت إذ كان الضباط يتحدثون بألم كبير عن مجمل الأحداث المأساوية. *
مجزرة في المجر الكبير..!
يقع قضاء المجر الكبير جنوب محافظة العمارة "30كم"، وهو ذو كثافة سكانية عالية
وتستند حافاته الجنوبية على هور الحمار وقد تفجرت فيه مقاومة شعبية باسلة استمرت
بضعة أشهر وقال لي صديق من أهالي المجر: عندما اندلعت الانتفاضة في 2 آذار، قتل
الثوار ثلاثة عشر عضواً من حزب السلطة الحاكم.
- تساءلت.. لماذا ؟
- لأنهم تورطوا مع النظام كثيراً وأصبحوا جواسيس له وتسببوا في قتل العشرات من
أبناء القضاء بعد اتهامهم بالهروب من الخدمة العسكرية أو النشاط السياسي المعارض ..
الخ.
- قلت، هل يوجد بين هؤلاء الـثلاثة عشر، أفراد جاءوا من غير محافظات الجنوب ؟
- قال: لا، الجميع من المجر أو المشرح أو البصرة ولكن المحافظ (دوري)* ! ونحن نعلم
أن النظام لا يهتم لقتلهم طالما هم من نفس المنطقة، إذ أنه يعتبر الجميع أعداء له
سواء كانوا بعثيين أو معارضين ولا أظن ذلك يخفى عليك !
واستطرد يقول: في الحرب العراقية - الإيرانية، كان النظام لا يبالي بالتضحيات لان
أغلب الشهداء كانوا من جنوب ووسط العراق ولا تنس مقولة "خير الله طلفاح"، "هدوا
كلابهم عليهم"، وقبلها قال عبد السلام عارف حول القتال في شمال العراق عام 1964
عبارات تدل على المضمون ذاته، واستطرد صديقي * قائلا: لو كان هؤلاء الأعضاء
البعثيون من المحافظات الوسطى أو الشمالية ويقصد "بغداد - صلاح الدين - الأنبار -
نينوى" لكان التعامل معهم من قبل الثوار أسهل وربما لم يحدث القتل، حيث أن الحاجز
الأخلاقي والاعتباري قد يحول دون قتل المحايدين منهم على أقل تقدير، كما حصل لكثير
من المسؤولين الإداريين الذين جاءوا من تلك المحافظات الذين تمت رعايتهم واحترامهم
والمحافظة على سلامة حياتهم، وعندما سألته عن الحس المذهبي الطائفي وانعكاساته في
التعامل مع الموظفين الإداريين والعناصر الحكومية المنسبين من محافظات شمال وغرب
العراق، أجاب بوضوح: لم يكن للجانب الطائفي المذهبي دور في تعامل الثوار مع هؤلاء،
لقد كان لحسن السيرة ومدى العلاقة الإيجابية مع المواطنين دور حاسم في تحديد نوع
العقوبة أو المكافأة التي يستحقها أي من هؤلاء المسؤولين، ولكنهم بلا شك عوملوا
كأشخاص يمثلون النظام سواء كانوا من ميسان أو من خارجها، كما بدأنا نتحسس بعدم قبول
هؤلاء حكاماً علينا !
لماذا ينصب رؤساء الدوائر والمسؤولون الإداريون والأمنيون من خارج محافظاتنا بينما
ينسب أبناؤنا للعمل في الخدمات ( جندي ، معلم ، مضمد ، موسيقي ، فراش ! )
ترى، هل أننا غير جديرين بتحمل المسؤولية! أم خلت محافظاتنا من الكفاءات ؟ وهل كتب
علينا القتال والموت والخدمة الذليلة من أجل أن يظل هؤلاء يحتلون مراكز القيادة
سياسياً وعسكرياً وأمنياً وإدارياً!؟
إذا حدث ذلك في الماضي وأثناء الوضع الراهن السيئ، فسوف لن نتقبله في المستقبل بأية
صورة كانت ومهما بلغت التضحيات !
ولم يخف صديقي ما يعانيه هو وبقية الشباب من أقرانه وعموم أهل مدينته من شعور حاد
بالاضطهاد والتمايز الطائفي والعزل السياسي الذي مارسته مختلف الأنظمة المتعاقبة
على الحكم ضدهم وخاصة منذ عام 1980، فأشار إلى التمايز في الوظائف العامة والتدرج
في السلم الوظيفي والقيادي في الدولة وفي القوات المسلحة والمحاكم والإدارة
العامة..الخ. واعتبر هذا التمايز المجحف واحداً من أهم أسباب الانفجار
والانتفاضة،وأن الجيل الجديد من الشباب ليس على استعداد لتحمله أو السكوت عليه
مثلمـا فعل آباؤهم.
الانتفاضة في ذي قار
كانت محافظة ذي قار مهيأة للانتفاضة ضد الطغيان وكانت بانتظار الوقت المناسب، فهذه
المحافظة ذات تأريخ وطني ونضالي عريق، فهي منبت الحركات الوطنية اليسارية والقومية
على حد سواء، وفي قراها وأهوارها ترعرعت تنظيمات الأحزاب الإسلامية التي لا تزال
تخوض نضالاً جهادياً ضد النظام، وذي قار أسوة بمحافظات الجنوب الأخرى عاشت أوضاع
الرفض والإحتجاج على سياسة النظام ولم يمر يوم دون أن تكون هناك عمليات تعرضية
جريئة ضد المقرات الحزبية والأمنية انتقاما لما يقوم به هؤلاء من تعسف واضطهاد
للمواطنين..!
ومعروف أيضاً، أن هــذه المحافظة تعرضت إلى ضغط شديد خلال الحرب *، فقد كانت هدفاً
لغارات جوية كثيفة أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح والمباني والجسور التي دمرت
جميعها، إنها كالبصرة عندما أصبحت ساحة عمليات رئيسية لجيوش التحالف التي طوقتها من
الشمال حيث وصلت إلى قاعدة "علي بن أبي طالب" الجوية ومما زاد الأمر سوءاً، الكره
الشديد الذي كان يبديه أهل ذي قار للتركيبة الإدارية في المحافظة (المحافظ
وجماعته)، فقد قال لي أحدهم (إن المحافظ جمع حوله بطانة من المنتفعين والمنافقين
الذين فقدوا الروابط مع أبناء بلدتهم وعاشوا حياة الفسق والمجون وسرقة أموال
المواطنين والمتاجرة بالحصص التموينية حتى وصل بهم الأمر إلى أن يؤجلوا توزيع الحصة
الشهرية للمواطنين من المواد الغذائية بحجة الاستعداد للطوارئ وهذه سياسة اتبعوها
لإذلال العوائل التي كانت تنتظر تلك الحصة شهريا بفارغ الصبر لعجزها عن شراء تلك
المواد بسبب ارتفاع أسعارها من جهة ولمحدودية موارد تلك العوائل من جهة أخرى مما
اضطر بعضهم إلى أكل علف الحيوانات ووصل الحال بالبعض الآخر إلى التفتيش عن فضلات
الطعام في القمامة!!)
الطائفية ... سياسة إذلال !؟
من المظاهر والأفعال التي أفرزتها الطائفية والعزل السياسي التي اتبعها النظام تجاه
أبناء المحافظات الوسطى والجنوبية، هو تعيين المحافظين والمسؤولين الإداريين
ومسؤولي الأجهزة الأمنية والحزبية من خارج تلك المحافظات وبالتحديد من محافظات
(صلاح الدين و الأنبار و نينوى) لإذلال الناس والسيطرة عليهم وغرس الضعف والتبعية
في نفوسهم ومنع تطلعهم نحو المناصب القيادية في الدولة * (وقد مارس أغلب هؤلاء
المسؤولين سلوكا غير شريف ودون نزاهة في تعاملهم مع أهل المحافظة، حيث يبدأ هذا
المسؤول حال استلامه لمنصبه بتجميع عدد من المنافقين والوصوليين والانتهازيين
والسماسرة وضعاف النفوس حوله لكي تبدأ مرحلة علاقات المنفعة الشخصية والمصالح
بعيداً عن احترام المواطنين وتقديم الخدمة المطلوبة لهم وسوف يكشف لنا المستقبل
الكثير من الحقائق حول هذه السياسة الخبيثة التي أدت بشكل أو بآخر إلى تمزيق الوحدة
الوطنية العراقية إلى حد يصعب فيه رتقها واعادتها إلى وضعها الطبيعي دون تغييرات
جذرية في البنية السياسية للدولة العراقية. وبنظرة سريعة إلى لوحة المحافظين الذين
تناوبوا في ذي قار تجد فيها هذه الحقيقة الدامغة، ففي خلال العشر سنوات الأخيرة كان
المحافظون في ذي قار كالآتي:
1- طه الهيتي ... قتل في الانتفاضة / الأنبار.
2- نوري فيصل الحديثي / الأنبار
3- عبد الإله حامد العناز / نينوى.
4- طاهر جليل الحبوش التكريتي / تكريت.
5- صلاح عبود محمود الجبوري / الأنبار.
6- أحمد عبد الله صالح / صلاح الدين.
وفي هذا الصدد، حدثنا اللواء الركن "عبد الإله حامد العناز" في نهاية عام 1991 في
مبنى المحافظة وبحضور اللواء الركن "صباح التكريتي" قائد الفيلق الرابع وأشخاص
آخرين، وفي معرض إنتقاده للمحافظ السابق "نوري فيصل الحديثي" قال: زارنا وزير
التجارة "محمد مهدي صالح" في ديوان المحافظة قبل بضعة أيام وكان هنا نوري فيصل شاهر
(المحافظ السابق)، ولما سأله الوزير عن حاجة المحافظة إلى المواد الغذائية أو أي
خدمة ضمن صلاحية وزارة التجارة لتقديمها .. أجابه نوري وبأسلوب شخصي خاص يجمع أبناء
"الديرة الواحدة!" حيث هو من "حديثة" والوزير "من راوة" المتجاورتين في أعالي
الفرات !
(هذوله، وهو يقصد "أبناء ذي قار"، بحاجة إلى عرق "خمر"، أكثر لهم من العرق، أهم شيء
لديهم شرب العرق! مع ما رافق الحديث من استهزاء واستخفاف بهؤلاء الناس..!
هذه هي نظرة المسؤولين في الدولة العراقية، ليس لأبناء ذي قار وحدهم، بل تشمل كل
أبناء محافظات الجنوب والفرات الأوسط الأخرى، ففي البصرة صدرت توجيهات بتنشيط دور
الدعارة والإكثار من الملاهي ومنح مزيد من إجازات محلات بيع الخمور بعد 1991.
في اليوم الثاني من آذار 1991 * ، اشتعل فتيل الانتفاضة في الناصرية على يد جماعة
لا تتجاوز العشرين شخصاً ممن كانوا يعيشون حالة المقاومة الدائمة للنظام متخفين هنا
وهناك وقد دخلوا مدينة الناصرية تحملهم سيارات بيك آب وبأسلحة خفيفة وكلهم ثقة
واعتداد بالنفس وتوجهوا نحو مقرات الحزب والمؤسسات الإدارية والأمنية وبسرعة هاجت
الجماهير وانتفض الناس، فقد كانت القلوب متعطشة والنفوس قد آلمها الصبر الطويل
وتنتظر هذه اللحظة حين تدفق الشباب بأسلحتهم التي وزعها حزب البعث لمواجهة أي إنزال
لقوات التحالف !
هوجمت المؤسسات الحكومية وقتل المسؤولون الذين اشرفوا على إعداد قواطع الجيش الشعبي
وقادوا الناس بالقوة واهانوهم والقي القبض على المحافظ وكانت أعداد كبيرة من
المنتفضين تطالب بمحاكمته ثم وضع في سيارة مكشوفة وطافوا به في الشوارع ثم اعدم !
ويروى أن أحد المواطنين واسمه "علي" توسل بكل طريقة لتكون نهاية المحافظ على يده
ليثأر لدم اخوته وعائلته. * القي القبض على مدير الأمن مع مجموعة من ضباط أمن
المحافظة وارتأى البعض أن يبقوا على حياتهم وفعلا استبقوهم ولكن لما تقدمت قوات
الحرس والأمن الخاص في هجومها المقابل تم إعدام مدير الأمن وجماعته واتجهت مجموعات
مسلحة نحو مركز الاستخبارات العسكرية واتحاد النساء ومديرية الطرق والجسور التي
تحولت إلى مقر عسكري ** وتمركزت جماعة منهم في ساحة "القيثارة" خلف مدفع مضاد
للطائرات عيار 37 ملم فيما قامت مجاميع أخرى بإيصال الإمدادات الطبية والغذائية
للمدافعين عن المدينة قرب "نهر الهولندي".
لقد هبت العشائر في "الناصرية وسوق الشيوخ والفهود والجبايش والإصلاح والشطرة
والقلعة والغراف والكرمة" وغيرها من المدن والمناطق "كآل جويبر وبني سعيد والبو
صالح وحجام والنواشي وبني حسن والعساجرة والجماملة وآل ازريج وآل ابراهيم وآل غزي
والبدور وغيرهم من العشائر".
وفي سوق الشيوخ، حيث اندلعت الانتفاضة في اليوم الأول من آذار 91 وتدفقت الجماهير
إلى الشوارع واتجه اغلبها إلى مقر فرع الحزب الحاكم الذي سقط بيد الثوار بعد مقاومة
طفيفة أبداها بعض الحزبيين، وكان لعشائر سوق الشيوخ دور كبير في المساهمة في
الانتفاضة وكان من ابرز رجالاتها "الشيخ كاظم آل ريسان" الذي دعم الانتفاضة واسهم
مع أبناء عشيرته "حجام" مساهمة فعالة فيها واستطاع أن يحد الكثير من التصرفات
المتطرفة لبعض الثوار وان يكون مؤثرا في اتخاذ سياسة متزنة وقد كان مضيفه ملجأ
لكثيرين من الحزبيين البعثيين والمسؤولين الإداريين والضباط العسكريين.
وتكاد تكون الصورة واحدة في أغلبية المحافظات التي سرت فيها شرارة الانتفاضة حيث
تبدأ أولاً بتقدم الثوار باتجاه الدوائر والمقرات الحزبية والأمنية وقد وضع الثوار
ضوابط لمن يرغب من المسؤولين الحزبيين في التخلي عن سيرته وان يدين الممارسات
السابقة ويتعهد بالإخلاص والعمل النزيه للشعب ولا يعود إلى ممارسة العنف والاضطهاد
ضدهم وانحاز فعلا الكثيرون منهم إلى جانب الانتفاضة، أما الذين التجأوا إلى مقراتهم
وقرروا المقاومة، فقد حكموا على أنفسهم بالموت إذ ليس أمام المنتفضين إلا القضاء
عليهم وفضل الكثيرون الهرب والتخفي وقد القي القبض على بعض المسؤولين الحزبيين
وضباط الأمن وهم متنكرون لإخفاء شخصيتهم. وقد ذكرت أسماء كثيرين من المناضلين
والثوار من أبناء ذي قار،كان في المقدمة منهم السادة آل يوشع ومنعم الكطان وحسين
البناء وشمخي آل ياسين وترددت أسماء شهداء كثيرين تميزوا بالبطولة مثل، محمد جواد
كاظم السهر، وحيدر السنيد وحسن داخل وعشرات آخرين* ومما يذكر أن بعض عناصر حزب
البعث اسهموا بشكل واضح وفعال في الانتفاضة كما كان لمشاركة المواطنين الصابئة
والمسيحيين وتواجدهم الدائم في أماكن تجمع المنتفضين دور هام في التأكيد على طابع
الانتفاضة الشعبي الشامل وعدم طائفيتها.
الهجوم على ذي قار ..!
وكما كان الحال في البصرة وبقية المحافظات المنتفضة، كان رد
فعل الدولة عنيفا وقاسيا ضد الجماهير المنتفضة في ذي قار، إذ تحركت قوات كبيرة من
الحرس الجمهوري وأفواج من الحرس الخاص وعناصر من أجهزة الأمن الخاص والمخابرات
يقودهم هذه المرة اللواء الركن كمال مصطفى التكريتي * ومعه كل من حسن العامري ومحمد
حمزة، والحقيقة كان هؤلاء الاثنان يعملان بإشرافه أو تحت أمرته المباشرة بتعبير
أدق. استخدمت المدفعية ومدافع الدبابات في قصف المواقع المدنية وكأنها استحكامات
دفاعية في حرب نظامية! وقد حدثني بعض الضباط والجنود في الحرس الجمهوري أن كثيراً
من المنتفضين وبإسناد أهالي ذي قار قد قاتلوا ببسالة نادرة دفاعاً عن مدينتهم ضد
قوات الحرس الخاص والحرس الجمهوري ولكن التفوق في التسليح وتراجع الموقف الدولي
وعدم تكامل القيادات الميدانية للانتفاضة أدى إلى انهيار المقاومة في النهاية وبذلك
استعادت الدولة سيطرتها على المدن والمواقع الرئيسة أما مواقع الثوار القريبة من
الأهوار فقد استمرت في المقاومة وبقيت لها نشاطات محدودة تتكرر من حين لآخر حتى
الآن.
عفواً، عفواً .. سيادة رئيس الوزراء!
اظهر فلم وثائقي مسجل على كاسيت فيديو ساعدت المعارضة الوطنية على توزيعه في داخل
العراق عام 1991 صورا لكمال مصطفى يتحدث إلى عناصر الأمن ويطلب منهم القبض على أحد
الثوار في ذي قار وجلبه إلى مقر القوة بعد تقطيعه إلى قطعتين وحمل كل قطعة في عجلة
بيك آب !
كان الأمر واضحا بالصورة والصوت ويظهر في الفلم محمد حمزة وهو يعطي تعليماته أيضا
لكيفية هدم بيوت الثوار ويقول (اضربوها أولاً بالقاذفات RBG7، ثم امسحوها بالشفل !)
ويبدو من كلامه رغبته في إرضاء كمال مصطفى، وكذا بالنسبة إلى حسن العامري الذي وقف
واضعاً يده اليمنى فوق اليسرى على بطنه دون حماس لما يجري. كان الإثنان أذلاء في
الصورة رغم المكابرة، فقد اختيرا لهذه المهمة القذرة لأسباب مقصودة، فهما "شيعيان"
ومن الواضح أن المعاناة كانت قاسية على حسن العامري وبادية على وجهه، لذا اهمل ولم
يعطه صدام أي دور حتى ولو شكلي منذ ذلك التاريخ، أما الثاني فقد عينه رئيسا لمجلس
الوزراء ولكن أية شخصية هزيلة يمثل هذا الرجل ! قال لي ضابط تكريتي برتبة كبيرة وهو
من "احبال المضيف" ! كما يقول المثل الشعبي،
والله هذا الرجل"يقصد محمد حمزة "خوش ازلمة!
قلت،لازم على كد اليد ! *
قال، طبعا ..
قلت، كيف ..؟
قال، انه يقيم لنا (يقصد بعض الضباط من أهل تكريت في القصر الجمهوري وذكر بعضهم
ومنهم كمال مصطفى وآخرون) دعوات طعام وشراب .. الخ في بيته أو مزرعته ويصر على أن
يقدم شخصيا لكل واحد منا (ماعونه) بيده مليئا بالمزات ويملأ كؤوس الشراب بيده أيضا
ونحن نسخر منه ونقول له … عفواً، عفواً.. سيادة رئيس الوزراء ! فيرد علينا، أنا أحب
أن أخدمكم يا أهل تكريت !
قلت، أهكذا يتصرف رئيس وزراء العراق؟
قال، طبعا، اشتعرف أبو عدي، خو ما ايخلي رئيس وزراء شايل خشمه علينا ! **
آباء يبحثون عن أبنائهم ..؟
جرت عمليات تمشيط واسعة لعموم المحافظة والقي القبض على كثير من الشباب بتهمة
الاشتراك في الانتفاضة واقتيدوا إلى أماكن مجهولة وظل ذووهم يبحثون عنهم دون جدوى.
وفي منتصف عام 1991، التقى قائد الفيلق الرابع مع رؤساء العشائر وأعضاء المجلس
الوطني في مبنى محافظة ذي قار وأبلغهم (مكرمة الرئيس القائد) "حفظه الله"! بإطلاق
سراح جميع المعتقلين من أبناء المحافظة على أن يقدم كل شيخ عشيرة أو عضو مجلس وطني
قائمة بأسماء الأشخاص العائدين أو الذين يتعهد بهم .. الخ.وسوف يتسلمهم هو شخصيا
(الشيخ أو عضو المجلس) ليسلمهم بدوره إلى ذويهم.
فرح هؤلاء الناس بـهذه (المكرمة)، فأنها تسبغ عليهم وجاهة واحتراما أكثر في
مجتمعهم ولذا تحركوا نحو عشائرهم وقدموا ما طلب منهم من قوائم وظلوا ينتظرون. هذه
القصة حكاها لي عضو مجلس وطني وشيخ عشيرة جاءا إلى مقر الفيلق في تشرين الثاني 91
وحينها كنت خفراً في غرفة العمليات وكان يوم جمعة وطلبا مني الجواب" لما وعدا به"
لأن العشائر والمواطنين في المحافظة ينتظرون التنفيذ وإطلاق سراح أبنائهم وفقا لذلك
وكما وعدهم قائد الفيلق أيضاً !.
وفي ذلك الوقت لم تكن لدي أوليات حول هذا الموضوع الذي هو من اختصاص هيئات ركن
الاستخبارات والأمن، وبعد ضيافة قصيرة طلبت منهما أن يعودا بعد ثلاثة أيام إذ ربما
سيكون هناك جواب.
وفي تلك الليلة استفسرت عن الموضوع وأحضر لي خفر هيئة الاستخبارات قوائم تتضمن
المئات من أسماء هؤلاء الشباب الملقى القبض عليهم وإلى جانب كل مجموعة إسم شيخ
العشيرة أو عضو المجلس الوطني الذي يطالب به.
قلت، وأين أصبح هؤلاء الآن ؟
قال، سيدي .. "صفى عليهم الماي"، قتلوا جميعا قبل أن يصلوا إلى بغداد، قتلهم الحرس
الجمهوري في الناصرية !!!
قلت، إذن كيف يوعد قائد الفيلق هؤلاء المواطنين ؟
قال، إن قائد الفيلق لا يعلم ويشعر بأنه تورط بعد أن علم الحقيقة، ولذا فانه لا
يريد مقابلة الشيوخ حيث يحرجونه *، ولكن ما ذنبه وقد نفذ توجيه القيادة ! وهل كان
بإمكانه أن يفعل غير ما فعل ؟
مقر "عمليات الغرب" ... وموقف
ضمن استحضارات الحرب، تم فتح مقر لعمليات غرب الفرات في الناصرية، مركز محافظة ذي
قار الذي اتخذ من بناية مديرية طرق وجسور المحافظة مكاناً له وعيّن الفريق الأول
الركن "نزار الخزرجي" قائداً له بينما عين اللواء الركن "محمد رضا غثيث التكريتي"
معاون مدير الاستخبارات العسكرية رئيسا للأركان إضافة إلى عدد من ضباط الركن أغلبهم
من الاستخبارات. وقد بلغ مجموع الأشخاص في المقر سبعة عشر، بينهم عدد من السواقين
وجنود الحماية وكانت المهمة المكلف بها المقر هي إدارة العمليات العسكرية التي قد
تتطور غرب البلاد. وفي يوم الانتفاضة، تعرض المقر إلى ما تعرضت له مقرات الدولة
العسكرية والأمنية الأخرى في مركز المحافظة من تطويق ومحاصرة الثوار المنتفضين لها
والطلب من الأشخاص المتواجدين داخل المقر تسليم أنفسهم مقابل ضمان سلامة حياتهم
وكان المنتفضون يستخدمون مكبرات الصوت في مخاطبة الضباط داخل المقر مع الإلحاح
الشديد بضرورة التسليم أو التعرض إلى الرمي تمهيدا لاقتحام المقر بقوة السلاح في
حالة الإصرار على عدم رفع الراية البيضاء وكانت عناصر المقر تنتظر وصول القوات
الحكومية لفك الطوق عنهم خاصة بعد الاتصال الذي تم مع مقر القيادة العامة في بغداد
حول الموقف. ويبدو أن موقف الأشخاص في هذا المقر وفي تلك اللحظة الفاصلة بالذات
يتنازعه مركزا جذب، النظام الذي لا يزال قائماً في بغداد، والإنتفاضة التي تتهددهم
بالموت ولم تلح بعد إشارة تغلبها على النظام لحسم الموقف.
لذا قرروا القتال حتى وصول قوات النجدة إليهم ولكنهم لم يكونوا متفقين على هذا
القرار، إذ كان بعضهم يرغب في التسليم والمحافظة على حياته في أقل تقدير، إن لم نقل
لا يريد مقاتلة شعبه الثائر، واستمرت الاشتباكات بضع ساعات قتل على أثرها عشرات من
المنتفضين وجرح آخرون، أما داخل المقر، فقد جرح بعض الضباط والمراتب كان من بينهم
الفريق نزار نفسه ثم تم اقتحام المقر ووقع الجميع بقبضة المنتفضين الذين كانت
عيونهم تتطاير شرراً من شدة الغضب على هؤلاء الضباط بسبب مقتل الكثير من رفاقهم
المقاتلين حول ذلك المقر ولكنهم، أي الثوار، لم يفقدوا صوابهم بل تصرفوا بشهامة
فأخلوا الجرحى إلى المستشفى واعتنوا بالفريق نزار عناية خاصة ووفروا له الحماية
والرعاية التي كان بحاجة لها وضمن الظروف السائدة والممكنة آنذاك، * أما بقية
الضباط، فقد احتجزوا مع بقية الذين تم إلقاء القبض عليهم من ضباط أمن ومسؤولين
حزبيين وأُجريت معهم تحقيقات مطولة.
تحدث لي اثنان من الضباط الذين أطلق سراحهم وهم لا يزالان في الخدمة الآن قائلين:
لا نعلم ما هي الاعتبارات التي تمت بموجبها عمليات التحقيق، كنا في البداية نعتقد
بأنها ستكون لاعتبارات طائفية بحتة، لأن أغلبية ضباط الركن كانوا من الاستخبارات
والضباط الشيعة كما هو معلوم ليس لهم مكان في هذه الأقسام ولكن المنتفضين بدأوا
بقتل ضابط ركن شيعي كان يعمل في قسم الحركات وهو العقيد الركن "عبد الكريم السمار"
من أهل العمارة أصلا وخلال التحقيق معنا لم نلمس هذا الاعتبار ولا هذا القياس
الطائفي الذي توقعناه على الرغم من أن بعضنا بدأ يهيئ نفسه بجمع الأحاديث والعبارات
والأسماء والأنساب التي تتلائم مع أصول المذهب الجعفري لكي يدعي أنه شيعي وسيد ...
الخ لغـرض إنقاذ حياته المحكومة بالإعدام حتما. هكذا كنا نظن ذلك * وأخيراً أطلق
سراح أغلبية الضباط وكان من بينهم "محمد رضا التكريتي" في حين تم قتل آخرين لم
يكونوا عناصر سيئة ولم يؤشر على أي منهم بعلاقة سلبية ضد الشعب، فقد كان "وعد الله،
وزهير السامرائي، وعبد الكريم السمار" وآخرون، يتصفون بسمعة طيبة في القوات المسلحة
ومع ذلك تم تنفيذ حكم الإعدام فيهم. قال المنتفضون، إن وصول قوات الحرس الجمهوري
المفاجئ والمعركة غير المتكافئة جعل حرس السجن الخاص بالضباط يفقد توازنه ويقتل
عددا من المحتجزين دون إذن من مرجعه الأعلى بينما قال بعض الضباط الذين أطلق سراحهم
إن وصول قوات الحرس الجمهوري هو الذي أنقذهم من موت محقق ولكني اعتقد أن بضع دقائق
كانت كافية لقتلهم جميعا قبل أن يطلق الحرس الجمهوري سراحهم، أي لو كان هناك أمر
بتصفيتهم.
وعلى أي حال، فان قتل الأبرياء جريمة لا يمكن تبريرها مهما كانت الجهة المنفذه لها
سيما وأن هؤلاء الضباط كانوا قد وقعوا بقبضة المنتفضين ولم يقتلوا خلال
الاشتباك!ولكننا لو أجرينا مقارنة بين ما كان عليه تصرف المنتفضين مع الفريق
"الخزرجي" وجماعته حينما تم مسكهم بعد قتال دام بضع ساعات،سقط خلاله عشرات القتلى
والجرحى * وبين ما حصل للثوار الذين سقطت مواقعهم القتالية ووقعوا أسرى بيد قوات
الحرس الجمهوري أو الحرس الخاص حيث كانوا يرصفون على الشارع المعبد وتدوسهم سرف
الدبابات طولاً وعرضاً .. ولم يبق من أجسادهم سوى أثر مطبوع على الأرض وقد ذهلت من
المشهد عندما شاهدته لأول مرة بعد دخول الحرس الجمهوري إلى مدخل ناحية السويب شمال
القرنة عند اقتحامها يوم 15/3/91، لتأكد لنا عند المقارنة أن موقف الثوار كان يحمل
كثيراً من القيم الإنسانية والوطنية المتجردة من أي نزوع طائفي وخلافاً لكل
المحاولات التي أبداها البعض لتصوير مجريات الأحداث بالشكل الذي يتناغم وينسجم مع
ما يريده النظام أو لعقدة ذاتية في النفس.
"فمحمد رضا التكريتي، * وإبراهيم السامرائي وعطيل وقصي وباسل" وغيرهم من الضباط
الذين أطلق سراحهم كانوا ضباط ركن في الاستخبارات والعمليات ومذاهبهم وخلفياتهم
وعلاقاتهم الاجتماعية وغيرها معروفة.
بعد عودة جميع الضباط إلى بغداد وإجراء التحقيق معهم في الأمن العسكري قرر صدام
تكريمهم بأنـــواط الشجاعة عدا "محمد رضا التكريتي" فقد قرر طرده من الجيــش
وإيداعه السجن حيث عثرت المخابرات على السجل التحقيقي الــذي
استخدمه المنتفضون في ذي قار وقد ورد فيه ما يدل على أنه قد تبرع بمعلومات
استخباراتية وشخصية لم تنتزع منه، ولم يطلب منه الإدلاء بها كما أن الضباط الذين
كانوا معه قالوا عنه (انه كان كثير التوسل بالمنتفضين وأبدى لهم ألوانا من الخضوع
والذلة مقابل إطلاق سراحه ولم يراع احـترام رتبتـه العسكرية).
ولم استغرب هذا الموقف من "محمد رضا التكريتي"، فتجارب الحرب العراقية الإيرانية
وحرب الخليج والإنتفاضة الباسلة قد أكدت بالبرهان العملي بأن هؤلاء المنتفعين الذين
يحكمون العراق منذ ثلاثين عاما كحاشية منتفعة مترفة متعالية على الشعب كانت أبعد ما
تكون عن التضحية أو الصمود في المعارك أو المواقف الصعبة التي كان لها رجالها من
أبناء العراق بل كانوا دائما أشخاصا يستثمرون تضحيات وجهود الآخرين وأصبحوا آمرين
وقادة في ظل السلطة ولم يكن أي منهم في يوم من الأيام شهما أو فارساً، بل كانوا
ذئابا مفترسة بوجه العراقيين، وكانوا جبناء ومتخاذلين في المواجهة على الحدود وفي
المواقف الصعبة التي تتطلب صلابة الرجال. إن أمثال هؤلاء الذين عرفوا بالقسوة
والعنف ضد الشعب وممارستهم لشتى ألوان التمايز الطائفي والتكتل والاقليمية على حساب
وحدة العراق وأبناء شعبه. لم يسبق للتاريخ الوطني والعراقي أن سجل لهم أي موقف مشرف
حقيقي وكانوا من أضعف الناس في المواقف التي تتطلب مستوىً مشهوداً من التضحية
المعبرة عن الأصالة والوطنية.
الانتفاضة في واسط
اندلعت شرارة الانتفاضة في محافظة واسط في الأيام الأولى من آذار، وجاءت انسجاماً
مع تطور الأحداث في محافظات الجنوب والفرات الأوسط . وكما أخذ شكل الحدث- الانتفاضة
-مظهره وتأثيره في تلك المحافظات، تكرر ذات الأمر في واسط وبالقابليات نفسها
والنتائج التي أكدها المنتفضون من الجماهير والعشائر في أغلب مناطق المحافظة.
فلقد ثار أهالي قضاء الحي، واستولوا على المقرات والمراكز الحكومية الأمنية منها
والحزبية وقاموا بتطهير المدينة من واجهات النظام ومؤسساته.
كذلك كانت انتفاضة الثوار في بقية المناطق الأخرى وخاصة مركز المحافظة مدينة الكوت،
فقد سيطر الثوار عليها أيام عديدة واستولوا على دوائر الدولة ومؤسساتها وكذلك مراكز
الشرطة والأمن.
لكن النظام ونتيجة لأهمية الكوت باعتبارها منطقة قريبة على بغداد ولها تأثير واضح
في مجمل الأحداث، والخشية من اتساع رقعة الانتفاضة فيها، فقد قامت قوات الحرس
الجمهوري بهجوم سريع ومكثف بغية السيطرة واحتلال المدينة وبقية المناطق الأخرى في
المحافظة وقد تم ذلك بالفعل حيث انحسر دور الانتفاضة فيها.
الانتفاضة في النجف الأشرف ...
يعود تاريخ مدينة النجف الأشرف إلى حوالي "1400" عام وتسمى (وادي السلام) وهي تقع
على أطراف الصحراء التي تمتد حتى حدود المملكة العربية السعودية وقد اشتهرت
بأراضيها الزراعية الخصبة وعرف أهلها بممارسة العمل التجاري خصوصا أثناء فترة
العمرة والحج إلى بيت الله الحرام حيث تمر قوافل الحجاج عبر صحراء النجف إلى "عرعر"
ثم المدينة المنورة، فمكة المكرمة، وكانت مدينة النجف حتى عام 1920 محاطة بسور ذي
أربع أبواب تغلق مساءً وقد بقيت آثار هذه السور إلى فترة 1970.
سكنت النجف منذ القدم عشائر وعوائل عريقة تنتمي إلى قبائل عربية محتفظة بقيمها
الأصيلة انحدرت إما من نجد أو الحجاز أو جنوب العراق كـ (آل الحبوبي، الحكيم، بحر
العلوم، الصافي، كاشف الغطاء، آل شبر، الخرسان، خفاجة، معله، العطية، الفضل، شعبان،
الشبيبي، سميسم، أبو كلل، الاعرجي، الشيخ راضي، العامري، البو شبع، آل كمونه،
المظفر، النجم، الجواهري، آل الصدر، آل جريو، الشمرت، الفرطوس، الأنصار، الجيلاوي،
الرفيعي، المحمدي، الفتله، آل ياسر، الظالمي، الدجيلي، الحكاك وكثيرين غيرهم) .
احتلت النجف موقعا متميزاً في تاريخ العراق من النواحي الدينية والسياسية والعلمية،
فقبل الإسلام كانت جزءاً من مناطق ملوك الحيرة ومدفن الأنبياء آدم ونوح وهود وصالح
(ع) وفي ظل الإسلام احتضنت مرقد بطل العروبة والإسلام الإمام علي بن أبي طالب "كرم
الله وجهه"، وظلّت عبر العصور مركزاً للحوزة العلمية تحتفظ بالمرجعية الدينية
والزعامة السياسية وتعقد حلقات علمية في الفقه والشريعة واللغة العربية وعلوم
الكلام والفلسفة في المدارس الدينية المنتشرة في المدينة والمساجد وفي الصحن الشريف
حيث مرقد الإمام وهي لذلك تشتهر بدورها الثقافي ومنتدياتها الشعرية وقد أنجبت فحول
الثقافة والشعر ومنهم شاعر العرب الكبير "الجواهري واحمد الصافي النجفي وعبد الرزاق
محيي الدين والشيخ علي الشرقي ومصطفى جمال الدين وغيرهم ".. كما تنتشر فيها العديد
من المكتبات العامة والخاصة التي ضمت مئات الآلاف من الكتب المخطوطة والمطبوعة بدعم
من رجالات الدين المعروفين، كالإمام الطوسي وصاحب الجواهر وكاشف الغطاء، وأبو الحسن
الاصفهاني ومحسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي والشيخ الأميني والشهيد محمد باقر الصدر
وعبد الأعلى الشبزواري، والسيد السيستاني، وغيرهم من الأعلام، كما أنها أسهمت من
خلال أسماء بعض أبنائها بصنع التاريخ السياسي الحديث للعراق، إذ برز من هذه الأسماء
الكثير من قياديي الحركات السياسية الذين اعدموا واعتقل منهم المئات كالسيد محمد
سعيد الحبوبي والشيخ رضا الشبيبي وسعد صالح جريو ولا يمكن التحدث عن مصير العراق أو
مستقبله السياسي دون الإهتمام بموقف النجف ودورها.. ففي ثورة العشرين ضد الاحتلال
البريطاني اجتمعت لها الزعامتان الدينية والسياسية، والنجف معروفة بتاريخها الوطني
والقومي ويتميز أهلها برفضهم للظلم والاستبداد ومقاومتهم له حتى قبل تأسيس الدولة
العراقية عام 1921، وكان ثمن ذلك قوافل متعاقبة من الشهداء على مذابح الحرية وظلت
النجف مصدر قلق للأنظمة المتعاقبة على حكم العراق، فكانت دوما موضع الريبة عند
الحكام لعدم طواعيتها في تقديم الولاء، وهي المدينة التي يتم احتلالها تحسبا لأحداث
متوقعة عسكرياً وأمنياً قبيل كل مناسبة دينية كانت أم سياسية وعلى مدار السنوات
الماضية.
تظاهرة ... ثم انتفاضة؟
عند سريان شرارة الانتفاضة في البصرة، تدفق المئات من عناصر
الأمن والمخابرات إلى مدينة النجف لتطويق أية محاولة وإخمادها، وقبل أن تندلع شرارة
الانتفاضة فيها يوم 3 آذار، كانت الأوضاع تنذر بالانفجار بين لحظة وأخرى وبدأت قوى
الأمن تعيش حالة التأهب والرعب معا، وبرغم امتلاء شوارع المدينة بمظاهر القوة
والقمع فقد مارس النجفيون قبل انتفاضتهم نشاطات بسيطة للنيل من النظام والجهر
بالمشاعر المكبوتة.
كانت الجماهير بانتظار أن تبادر "الحوزة العلمية" بإطلاق الشرارة الأولى لتكون
منطلقا لثورة عارمة لأن مثل هذه المبادرة تزرع في النفوس روحاً فدائية عالية لكن
المبادرة الأولى جاءت من أبناء المدينة الذين استعدوا للقيام بما يمليه عليهم
الواجب الوطني المشرف فأخذ أبناء النجف يتماسكون ويتحركون وينسقون فيما بينهم وهكذا
اندلعت الانتفاضة وخرجت السيوف والقامات من أغمادها وبدأت النجف تشهد مرة أخرى
زمجرات الشباب وأعمال البطولة الرائعة وكان توجه الجماهير طبعا نحو مرقد الإمام علي
بن أبي طالب وكأنهم يستأذنونه ويستمدون منه العزم على مقاومة الطغيان، وقد غص الصحن
الشريف بأفراد الأمن والمخابرات واندفع المنتفضون وكان أغلبهم من الشباب من مركز
المدينة "ميدان الإمام علي" على اثر نداء بمكبرات الصوت يدعو الشعب للتظاهر ورفض
الهزيمة التي لحقت بالعراق.. توسعت التظاهرة وشملت مئات الشيوخ والأطفال واتجهوا
بجموعهم الهادرة إلى الصحن الشريف وحاول أفراد الأمن التدخل فكانت نهاية بعضهم على
أيدي المنتفضين * ثم ولى الآخرون هاربين ودوت الزغاريد واستقر وضع الانتفاضة بدخول
المنتفضين إلى الصحن.. ثم بدأت جماهير أطراف النجف تنقض على المراكز الأمنية
والحزبية والإدارية وانهارت مقاومة أزلام السلطة أمام الحشود الثائرة من الشباب
الذين كانوا بأعمار لا تتجاوز الثامنة عشرة وقد أسهموا في القتال مساهمة الأبطال
وبروح معنوية عالية واتسعت رقعة الأمل في التحرر من آثار النظام واصل الثوار ملاحقة
وتصفية الزمر المحسوبة عليه والتي ولت هاربة ثم امتدت الانتفاضة إلى الكوفة وقد
حدثني أحد شهود العيان· عما حدث في النجف في 3 آذار قائلاً:
لجأ الكثير من المسؤولين الحزبيين وضباط الأمن إلى الفرار متخفين في أثواب نسائية
وكانت أصوات الجماهير تهدر بهتافات وشعارات تثير الحماس في النفس ونزعت مدينة النجف
وشاح الألم والحزن وأصبح الصحن الحيدري الشريف مركزاً لإدارة شؤون الانتفاضة وبدأ
بعض من وجوه الحوزة العلمية الدينية يشترك في إدارة المركز بعد أن تمت دعوتهم من
قبل المنتفضين.
ظل المنتفضون والكثير من أبناء النجف ينتظرون أن يعلن السيد الخوئي الجهاد والكل
بات يتوقع ذلك بين لحظة وأخرى وقد استمر النشاط على أساس القناعة بان الجهاد قد
توفرت شروطه مما خلق الاندفاع والحماس عندهم مثل هذه التصورات التي ربما لم تجد لها
صدى حثيثا عند السيد الخوئي، حيث اكتفى بإصدار البيان الآتي:
أبنائي الأعزاء المؤمنين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله على نعمه وآلائه والصلاة والسلام على أفضل أنبيائه محمد وعترته الأطهار
وبعد، لا شك في أن الحفاظ على بيضة الإسلام ومراعاة مقدساته أمر واجب على كل مسلم
وإنني بدوري إذ أدعو الله تبارك وتعالى أن يوفقكم لما فيه صلاح الأمة الإسلامية،
أهيب بكم أن تكونوا مثالاً صالحاً للقيم الإسلامية الرفيعة برعاية الأحكام الشرعية
رعاية دقيقة في كل أعمالكم وتصرفاتكم وجعل الله تبارك وتعالى نصب أعينكم في كل ما
يصدر منكم، فعليكم الحفاظ على ممتلكات الناس وأموالهم وأعراضهم وكذلك جميع المؤسسات
العامة لأنها ملك الجميع والحرمان منها حرمان الجميع.
كما أهيب بكم بدفن جميع الجثث الملقاة في الشوارع ووفق الموازين الشرعية وعدم
المثلة بأحد فإنها ليست من أخلاقنا الإسلامية وعدم التسرع في اتخاذ القرارات
الفردية غير المدروسة والتي تتنافى والأحكام الشرعية والمصالح العامة حفظكم الله
ورعاكم ووفقكم لما يحب ويرضى إنه سميع مجيب .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التحق ضباط وعسكريون كثيرون من أهل النجف وأبي صخير والمشخاب والمناطق الأخرى
بإدارة شؤون الانتفاضة واستلموا بعض الأسلحة وبادر أهل أبي صخير والشامية وكربلاء
وغيرها من المدن المجاورة إلى تقديم العون والدعم لانتفاضة النجف.
تولت إدارة الانتفاضة قيادة مركزية فيها عدد من الضباط في الخدمة ومتقاعدين من أهل
النجف وكان لعلماء الدين دور هام فيها حيث أخذت تأثيراتهم تلعب دورها في مراقبة
التصرفات والأعمال والدعوة إلى الابتعاد عن مظاهر العنف، وبدأت الأسواق تعرض المواد
الغذائية والبضائع المختلفة بأسعار زهيدة تقترب من الأسعار التي كانت قبل حرب
الخليج أو دونها واستمرت المستشفيات ومرافق الحياة الأخرى على وضعها الطبيعي واتجه
الناس إلى مزاولة الشعائر الحسينية التي كانت قد منعت وعاشوا وكأنهم في موسم
عاشوراء وقد التقيت بأحد المثقفين من أبناء النجف الأشرف الذي تحدث عن هذا الجانب
قائلا ..
(اهتم أبناء النجف بإحياء الشعائر الحسينية وما صاحبها من ولائم وطبخ الطعام لأن
رأس النظام كان يرى في كل ممارسة لهذه الشعائر تهديداً لنظامه إذ كانت مدينة النجف
وكربلاء تمنعان في كل مناسبة دينية من إقامة أي شعيرة من شعائر إحياء ذكرى الحسين
أو أهل البيت "ع").
ولإحياء هذه الشعائر وجهان، الوجه الشعبي الذي يشد الناس بعواطفهم الطاهرة إلى هذه
المناسبات والوجه التعبوي ولا أسميه السياسي، وقد منع النظام المؤمنين من إقامة هذه
الشعائر مما أحدث قطيعة في التعايش معها وأدى ذلك إلى ابتعاد أذهان الجيل الجديد عن
هذه الشعائر الحميدة. وقد أحيا المجاهدون * هذه الشعائر وجعلوا الناس يعيشونها في
أجواء سقوط النظام وكأن الناس استفاقت من هول كابوس جثم على صدورهم لسنين طويلة وقد
حاول الثوار أن تكون هذه المراسيم الدينية هادفة قريبة من النفوس وذات مضمون وليست
مجرد ممارسة لعادات دينية مألوفة.
كربلاء ... الانتفاضة .. والصمود
اندلعت شرارة الانتفاضة، بصرخة انبعثت من جذوة الإيمان المستعرة قرب ضريح الإمام
الحسين "ع" وانتشرت بأسرع مما يتصوره الإنسان وفي ليلة كانت كربلاء تضم آلاف الزوار
وخلال ساعات استقر الوضع في المحافظة وتهاوت مؤسسات النظام وانتهى وجود الحزبيين
ومسؤولي الأمن ولقي المجرمون منهم جزائهم العادل وتمتعت كربلاء بأجواء الانتفاضة
على غرار بقية المدن العراقية حيث هبّت رياح الحرية عليها بعد معاناة رهيبة استمرت
عشرات السنين، ويروى أن مركزية الانتفاضة فيها كانت أقل درجة من مثيلتها في النجف
الأشرف.
زرت كربلاء المقدسة بعد الانتفاضة ببضعة أشهر .. وكان ما مسح من البساتين والأبنية
ومن مساجد وحسينيات وبيوت سكن لم يعد لها أثر شاهدا على بسالة أهل كربلاء وبطولة
المنتفضين وشاهدا على حجم الحقد والكراهية التي سعرها النظام ضدهم وهو يحاول أن
ينقذ نفسه (فقد حوصرت المدينة وطلب من أهلها أن يتركوا البلدة باتجاه بحيرة الرزازة
ورشقت البلدة برشقات متوالية من الصواريخ ثم اشتد القصف مما اضطر السكان إلى مغادرة
بيوتهم باتجاه البحيرة وما أن امتدت حشود السائرين على الطريق مسافة طويلة حتى بدأت
الطائرات السمتية تحصدهم وتقتل الأبرياء والعزل) * وكلما تقدمت قوات النظام
كان ثوار كربلاء يتصدون لها بعمليات تعرضية جريئة وأوقعوا بها خسائر، فلقد جرى في
كربلاء قتال باسل من متر إلى متر ... ومن شارع إلى شارع .. ومن بيت إلى بيت .. وان
ما شاهدته من تدمير في المدينة وما سمعته من قصص بطولية رويت لي من عسكريين ومدنيين
متميزين بدقة وأمانة وصفهم لما جرى، جعلني أضع كربلاء في مقدمة المحافظات المنتفضة
من حيث البطولة الفردية والاستبسال القتالي الرائع وليس في ذلك عجب أو غرابة، فهي
مدينة سيد الشهداء ورمز البطولة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب "عليهما السلام".
صدام : لقد انتهينا.. انتهينا!
كان حسين كامل، وبأمرته فرقة مدرعة ووحدات متفرقة من الحرس الجمهوري والحرس الخاص
وعناصر من الأمن الخاص وبقايا المخابرات والأمن العام وعدد من المرتزقة الحزبيين،
هو الذي يقود الهجوم على كربلاء وقد أبدى من القسوة وانحطاط الخلق وانعدام الضمير
ما يندي له جبين الإنسانية وخاصة كلمته الشائعة على ألسن الناس وهو يقف أمام قبر
الحسين "ع" قائلاً "أنت حسين وأنا حسين كامل" تعبر عن النفسية المريضة لهذا الإنسان
التي كشفت مدى الكراهية الدفينة لآل البيت والتي لا نجد لها مكاناً إلاّ في قلوب
أعداء العروبة والإسلام معاً، فقد كان يصدر أوامر مشدّدة إلى قواته بتدمير البيوت
وقتل السكان.
ورداً على المقاومة العنيفة للثوار ومقاومتهم الباسلة لقواته، وعندما تم اقتحام
المدينة، ألقى حسين كامل القبض على المئات من شباب كربلاء فأعدم بنفسه الكثيرين
ورمى الأحياء في مقابر جماعية في الرزازة وأخرى في منطقة الحر قريباً من مرقد
الشهيد "الحر بن يزيد الرياحي"، ولما توغلت القوات داخل المدينة أخذت تترك ورائها
آثار دموية مروعة، جثث وحرائق وخراب واقتحامات للبيوت ونهب محتوياتها ودبابات تتفجر
القذائف بداخلها وسط الأحياء السكنية مما اضطر بعض الثوار إلى الاعتصام داخل مرقد
الإمام الحسين، فأمر حسين كامل بتوجيه مدافع الدبابات والقاذفات R.B.G7 إلى الصحن
الشريف وقد هدمت الدور الواقعة حول الصحنين الشريفين، صحن مرقد الإمام الحسين وصحن
مرقد أخيه العباس "عليهما السلام" على من فيها وبقيت الجثث أشهرا تحت الأنقاض!
لقد كان حسين كامل يريد أن ينهي مهمة القتل والتدمير في كربلاء دون تأخير لكي يتجه
نحو النجف الأشرف وقد أصدر من الأوامر والتعليمات ما يكفي لقتل أكبر عدد ممكن من
أهل المدينة وإنزال الدمار بها وسوق الآلاف من شبابها إلى معتقلات الرضوانية في
بغداد وما أن أنهى الأجزاء الهامة من خطته وتأكد له أن بقايا الثوار قد لجأت إلى
البساتين المحيطة بكربلاء أمر بمطاردتهم بالدبابات والسمتيات وتوجه هو إلى مدينة
النجف حسب الخطة الموضوعة التي اتفق عليها ليكون مع طه الجزراوي للانقضاض عليها. *
الهجوم المقابل .. على النجف
حين ورد نبأ الهجوم المقابل الذي شنه النظام على محافظة كربلاء، هب أهل النجف
لمساعدة الثوار فيها ووجهت نداءات إلى النجفيين واعدت الشاحنات وعجلات النقل وتدفق
الناس من مختلف الأعمار وراحت تتوجه الارتال وهي تنقل المئات وهم في الغالب يحملون
هراوات وسكاكين والبعض من الشيوخ كانوا يلوحون بعصيهم وينوون القتال بها وقد شارك
أهل النجف ثوار كربلاء في ملاحم بطولية رائعة للدفاع بحق عن مدينتهم.
الخطة العسكرية التي وضعها النظام كانت على دراية تامة بنوعية المقاومة التي
سيبديها النجفيون وكان النظام يدرك جيدا بان استمرار الثورة في النجف سيؤدي إلى
تأجيج نار الثورة ثانية في كل مكان، لذا تضمنت خطة الهجوم أن تتجه القوات التي
بقيادة حسين كامل إلى كربلاء والقوات التي بقيادة طه الجزراوي إلى الحلة وتلتقي في
نقطة النجف وكان في أذهانهم أن المقاومة الحقيقية هي في مدينة الإمام "علي" وكانت
المقاومة البطولية لأبناء كربلاء وبابل قد أثرت بشكل ما على سير الأحداث وتوقيتاتها
في النجف الأشرف.
لقد كان الهجوم على النجف شرساً وعنيفاً ودون رحمة وقد استخدمت عشرات من صواريخ أرض
- أرض (التي أعدها صدام لحرق نصف إسرائيل)!؟ في ضرب الأحياء السكنية في هذه المدينة
المقدسة وخرجت العوائل هائمة وكان عدد الضحايا بالمئات في الشوارع واكتظت طرق
المدينة بالناس وهم يحاولون أن يتركوها بينما كان الثوار يأخذون مواقعهم لمواجهة
القوات العسكرية والدفاع عن النجف بقتال بطولي رائع. لقد فقدت مئات العوائل أبنائها
وبناتها بسبب القصف الصاروخي والمدفعي وقد رويت لي قصص مأساوية كثيرة * عن معاناة
النجفيين من جرائم الهجوم الوحشي عليهم، وان بعض هذه القصص يقترب من الخيال ولا
يصدقها العقل، إلا أن ذاكرة النجفيين ستظل تحتفظ بصفحات مؤلمة من جرائم طه الجزراوي
في تاريخ تضحياتها وكفاحها البطولي الطويل ضد الطغاة المعتدين.
اتلفوا ... أضابيرهم ..!
حدثني اللواء الركن "صباح إسماعيل فرحان التكريتي"،* قائد الفيلق الرابع نهاية عام
1991في الطريق إلى محافظة ذي قار خلال زيارتنا لإحدى التشكيلات وحينها كنت ضابط ركن
الثاني حركات للفيلق ومقرنا في الديوانية. كنا أربعة بداخل عجلة نوع باجيرو موديل
90 أنا وهو وجندي سائق وآخر حماية وكان صباح قد عاد لتوه من بغداد بعد حضوره
اجتماعاً للقيادة العامة للقوات المسلحة، وعلى الرغم من عدم وجود علاقة متينة أو
قديمة لي معه ** إلاّ أنّه بادرني القول، "هذا العراق أصبحت شغلته معقدة ! وخاصة
بعد الأحداث الغوغائية"، "ويقصد الانتفاضة"، "لقد وجدت جروح لا تندمل ووقعت أخطاء
كبيرة يصعب إصلاحها .. قتول كثيرة، ظلم كثير، فوضى لا نعرف من هو الوطني، من هو
الحريص.. هذوله شيعة .. هذوله سنة .. هؤلاء أكراد .. هؤلاء تكارتة .. وهؤلاء
بعثيون.. كم شكلاّ أصبح العراق ؟! "
قلت مع نفسي .. لا بد أنه سمع أشياء في بغداد تدفعه لمثل هذا الكلام، فسألته عن
الأخبار في بغداد فقال، دعنا يا نجيب ! الأخبار هنا! وأشار بيده إلى المدينة التي
كنا نمر بها وهي "عفك" * ناحية فقيرة جدا من نواحي محافظة القادسية، قال، ماذا تبدل
من حالهم من السابق وحتى الآن ؟ هناك مثل شعبي يقول (قيّم الركاع من ديرة عفج) ..
في إشارة إلى أن الناس هنا حفاة ولا يلبسون الأحذية من شدة فقرهم وطلب من السائق أن
يخفف السرعة ونحن نجتاز المدينة وهو يقول، انظر، أنظر لا زال الناس حفاة ! ماذا
تغير منهم ؟ ماذا عملنا من أجلهم منذ ربع قرن وحتى الآن ؟ (ويقصد بذلك منذ تموز
1968) يبدو ماكو شيء ! لم نعمل شيئاً ... الخ، ثم طلب من السائق أن يتوقف خارج
الطريق لأداء فريضة صلاة الظهر وعندما ابتعدنا قليلا عن العجلة همس بأذني قائلا، لا
تسألني عن بغداد وما فيها بحضور هؤلاء وأشار باتجاه السائق والحماية!
ماذا أجيبك عن بغداد ... غير الخراب .. باقية عاصمة بالاسم فقط وأردف قائلا ..
أخبار بغداد تقول أن نظام صدام على وشك السقوط ..! وسيتم تبديله بحكم يشبه نظام
نوري السعيد .. والغرب مشغول الآن بالبحث عن هذا (السعيد) الجديد ..! وضحكنا سوية
.. وبعد أن سارت بنا العجلة من جديد نحو مركز محافظة ذي قار .. كان صباح يردد مع
نفسه ولكن بصوت مسموع عبارة (اتلفوا أضابيرهم) وكررها عدة مرات مع نوع من الحسرة
والتأفف البالغين، قلت، ما هو الموضوع؟ هل هي نكتة جديدة في بغداد ؟
قال، لا، إنها مأساة مررت بها ولم تغادر ذاكرتي منذ بداية العام وحتى هذه اللحظة..
وسأحكيها لك.. قال، عندما كنت قائداً للفرقة الرابعة مشاة، كلفت في آذار 1991
بالهجوم على الحلة والنجف لتطهيرها من "الغوغائيين" وتحت امرة طه الجزراوي وحسين
كامل، وفي النجف حيث التقيت طه الجزراوي في مقره وكان "عبد الرحمن الدوري وماهر عبد
الرشيد وعناصر من الحرس الخاص والحمايات" جالسين أيضا .. الخ.
دخل علينا أحد المخبرين وقال .. (توجد مجموعة من علماء الدين مجتمعين في أحد البيوت
واعطى العنوان والدلالة كاملة .. فاهتم الجزراوي بذلك وصرخ يأمرهم، "كتفوهم
واحضروهم فورا"، وبعد مدة تم إحضارهم وكانت تظهر عليهم الهيبة والوقار ويتقدمون
باتجاهنا بثقة واطمئنان وتعرف بعضنا على أحدهم وهو ابن السيد الخوئي وكان الخوئي قد
أرسل إلى بغداد بناءاً على أوامر من صدام نفسه.
وخاطبهم طه الجزراوي: على من تتآمرون يا خونة ؟
أجابه أحدهم: لا .. نحن لا نتآمر .. هدفنا تهدئة الأمور وقد أوصينا الناس بذلك
ونعمل على حفظ الأرواح ونتجنب سفك الدماء ما أمكن، وهنا أومأ الجزراوي إلى ضابط
الحماية قائلا: "اتلفوا أضابيرهم!"
وأضاف محدثي "صباح التكريتي" .. فهمت من عبارة "اتلفوا أضابيرهم انه أمر بإعدامهم
واقتيد العلمــاء الثمانية إلى مقر قوات النداء حرس جمهوري * لتنفيذ الإعدام فيهم
رميا بالرصاص .. وتم ذلك بالفعل ..!!
وبعد ذلك اتصل صدام هاتفياً، يريد أن يرى هذه المجموعة من العلماء، ويبدو انهم
كانوا موضوع حديث للسيد الخوئي مع صدام، فأصبح الجميع في مأزق ولا بد أن يتدبروا
الموضوع ويلبوا طلب صدام، رغم أن هذا الفعل، وهو قتل رجال الدين، لا يعرض أحدا إلى
المحاسبة وانما بالعكس في تلك الفترة بالذات يعتبر صفة للولاء والشجاعة!
ماهر عبد الرشيد .. اقترح أن يقولوا أن الغوغاء قتلوهم !
عبد الرحمن الدوري .. اقترح وضعهم داخل عجلات مقلوبة على الطريق فيبدو موتهم وكأنه
حادث!
ثم قال صباح: لا اعلم كيف تم تدبير الموضوع!
ولكن كان يبدو عليه تأثر شديد لما حدث دون أن يعلن ذلك صراحة وكان يردد بين الحين
والحين ساخرا من عبارة "اتلفوا أضابيرهم"، وعند وصولنا الناصرية ولقائنا بالمحافظ
اللواء الركن عبد الإله العناز .. أعاد صباح سرد الحكاية نفسها وبذات التفاصيل
والأسلوب ودون أي تحفظ أيضا!
ماذا جرى في قوات النداء ..؟
بقيت هذه القصة تتردد في ذاكرتي أنا أيضا وكنت أحاول تكملة جوانبها الأخرى وبدأت
ابحث عن رواية أخرى اكثر صدقا ! وكيف تم تنفيذ حكم الإعدام بمجموعة علماء الدين
ومتى ومن هو المسؤول .. الخ ؟ وبعد عام، التقيت بأحد الضباط في مقر قوات النداء
حينذاك .. وقلت له سمعت كذا وكذا (رويت له ما سمعت) ما هو رأيك هل في الكلام مبالغة
؟ فقال: الكلام صحيح، ولكن القصة ناقصة وسأروي لك الفصل الثاني منها والذي بقي
غامضا، قلت: ما هو ؟ قال: جيء بهؤلاء العلماء إلى مقر قوات النداء.. حيث كان القائد
العميد الركن "معتمد التكريتي" * واخبروه بان هؤلاء محـكوم عليهم بالإعدام وعليك
إعدامهم خلال (30) دقيقة وإخبار "طه الجزراوي" بذلك ..
قال معتمد مع نفسه وسمعه قريبون منه، "هاي ورطة جديدة ! ما ذنب هؤلاء الأبرياء؟"
وبدأ يماطل في تنفيذ الإعدام وكان كل نصف ساعة تقريبا يأتي إلى مقر القيادة مسؤول
حماية الجزراوي ليتأكد من تنفيذ الإعدام، ويعطيه معتمد عذرا ليصرفه بعض الوقت عسى
أن تنجلي بعض الأمور ولكن طه الجزراوي كان يلح في موضوع الإعدام كثيراً ومعتمد يدعو
الله سبحانه على تخليصه من هذه الشدة وكان ينتنظر وصول حسين كامل عله يؤثر عليه
ويمنع تنفيذ الإعدام وخلال ذلك الوقت الحرج جاء مرافق الجزراوي ليخبر معتمد قائلا
..
الرفيق طه يقول، أمامك ثلاثون دقيقة فقط لتنفيذ حكم الإعدام بهؤلاء الخونة وإلا
سأخبر صدام وأقول له انك متخاذل أو ... الخ ..
وصل حسين كامل الذي استقبله معتمد على الفور شارحا له الموقف وأجابه حسين أمام عدد
من الضباط لماذا يعدمون، انهم لم يفعلوا شيئا وأبدى تعاطفه الظاهري معهم، ولكنه لم
يصمد أمام إصرار الجزراوي على إعدامهم والذي هدد ثانية بإخبار صدام بهذا التردد
والتخاذل، (هؤلاء الناس لا أمان لهم في مواقف الخير لان قانون الشر يحكمهم وما
يتعلق بالشر يصرون عليه فما كان أمام قائد قوات النداء إلا أن ينفذ حكم الإعدام
برجال الدين الثمانية على مضض منه * )
ومما يذكر أيضا، أن طه الجزراوي بعد أن فرغ من مهمة محافظة بابل وتقدم باتجاه النجف
وشرعت قواته وقوات حسين كامل بالهجوم اخبر صدام قائلا "إننا نطبق على النجف وإنها
فرصة التاريخ لسحق رأس الأفعى "ولا يستغرب مثل هذا الوصف وهو يصدر من شخص الجزراوي،
فهو من بين جملة الأفراد الذين حافظوا على بقائهم في مواقعهم من خلال العزف لصدام
على النغمة التي تطربه واسماعه الكلمات والأوصاف التي يرغب بها وإعادة التعابير
التي تترجم أفكاره ولذلك فهو على علم بموقف صدام من هذه المدينة، فتراه يوقع بأهلها
الضربات الصاروخية ليقتل اكبر عدد ممكن ويتجه إلى الحوزة العلمية ليختار من يمثلون
وجودها التاريخي وروحانيتها المعروفة كما كان بحاجة إلى أن يعزز برقيته السابقة إلى
صدام بإنجاز فعلي يعزز مركزه لديه لا سيما وانه كان قد تأخر في الوصول إلى النجف
بعد تطورات المقاومة في مدينة الحلة وما واجهته من مقاومة عنيفة في طريقه نحو
النجف، فقد كثرت الاشتباكات واستمرت على طول الطريق ولقد كان يلاحق الجزراوي شعور
بأنه قد تأخر يومين في إنجاز مهمته، فكان يخشى عدم رضا صدام عنه.
ماذا حدث في فندق السلام ؟
روى لي مفوض أمن كان ضمن مجموعة الأمن والمخابرات والحرس الخاص والحرس الجمهوري
التي نفذت الهجوم المقابل لاستعادة مدينة النجف الأشرف من أيدي الثوار، قائلا:
(في مرحلة الاستعداد للهجوم في تلك الأيام، أذعنا نداءات بواسطة مكبرات صوت من
الجوامع طلبنا رقمها من الشباب "النجفي" التوجه إلى فندق السلام لضمان حياتهم لان
قوات الحكومة ستبدأ بتمشيط المدينة بحثا عن الخونة والغوغائيين وقد تجمع في الفندق
حوالي أربعمائة شاب استجابة لذلك النداء الذي كنا نعتقد أن فيه نوعا من الإنسانية
والفرز العملي بين من شارك في أعمال التخريب وبين من لم يشارك فيها !
ولكن يبدو أن الهدف كان الانتقام العشوائي من كل النجفيين ومن شبابهم خاصة دون
تمييز بين من انتفض أو من لم ينتفض! فصدرت الأوامر بقتل الجميع ونقل جثثهم إلى
مقابر جماعية أعدت في ضواحي المدينة !
نعم قتلوا جميعا دون تمييز أو حتى تحقيق شكلي، حقد اسود ينتج عنه انتقام بشع بهذه
الصورة الوحشية واللاإنسانية ..!!
مقبرة النجف
إن مختلف الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق قد مارست السلوك الطائفي ضد الأغلبية
العربية فيه بدءاً بسلاطين آل عثمان ومرورا بما يسمى بالحكم الوطني وحتى صدام حسين،
ولكن لأول مرة في تاريخ العراق الحديث أصبحت سياسة التمييز الطائفي بهذه الدرجة من
الشراسة والعلانية والوقاحة ودون وازع من ضمير أو حياء من مشاعر المواطنة أو حتى
مقتضيات المجاملة التي يجتمع عليها العراقيون في اقل اعتبار، مستهدفا ما يميزهم
ويدلل على هويتهم، فدمرت أربعة مساجد في داخل مدينة النجف واتجهت جرافات الدولة نحو
مدافن النجف حيث رمال ذلك الوادي الفسيح الذي ضم قبور الأجداد ورفاة مئات الألوف من
الشهداء والأخيار العراقيين على اختلاف مذاهبهم الإسلامية وقومياتهم والتي تعتبر من
اكبر مقابر العالم بعد مقبرة الصين لتجرف قبورهم وتحولها إلى شوارع عرضية وطولية
واسعة. أن منظر القبور وشواهدها التي تحمل أسمائهم وتواريخ استشهادهم وتراصفها
وتجمعها في مقبرة النجف يعطي الدليل الساطع على حجم روح التضحية وحب العراق، ولو
استعرضنا الألقاب التي تذكر في العديد من الشواهد، لرأينا أن شهداء هذه القبائل
والعشائر العربية كانوا هوية أصالتها وبرهانا على دورها في بناء وحماية هذا البلد
الذي ينتظر منهم الآن أن يسهموا في إنجاز خلاصه ورسم صور مستقبله المشرقة. وإذا كان
لا بد من ذكر منظر لهذه المقبرة التي تمتد إلى مسافات بعيدة حتى تتصل بتخوم محافظة
كربلاء، يجدر أن نشير إلى حديث عدنان خير الله قبل مقتله في اجتماعات القيادة
القطرية التي خصصت لمناقشة أمر الحرب وغيرها فيقول: (سقطت من يد إيران ورقة تعاطف
الشيعة معها بدليل أن مقبرة الشهداء في النجف كادت أن تصل إلى حدود محافظة
كربلاء).. وهذا برهان على أن هاجس الاتهام الدائم لطائفة الأغلبية العربية في
العراق لم يجد ما يبرره أو يؤكده في هذه الحرب.
ولقد اجتاز "أبناء المذهب الشيعي في العراق" الاختبار التاريخي وكتبوا صفحاته
بدمائهم وتضحياتهم عندما قاتلوا إيران "المنتمية لذات المذهب الشيعي" نحو ثماني
سنوات متواصلة اثبتوا خلالها صدق انتمائهم القومي والوطني ولولا وقفتهم وتضحياتهم
هذه لاندفعت القوات الإيرانية نحو أهداف أخرى تروم الوصول إليها في المنطقة تتعدى
حدود العراق* في تلك المرحلة !!
شخصيات كردية .. موقف محسوب!!
في تلك الظروف الحرجة وحيث يوشك النظام على الانهيار والسقوط على أيدي الثوار في
محافظات الفرات الأوسط والجنوب، استدعت مديرية الاستخبارات العسكرية وبأمر من صدام
مجموعة من الشخصيات الكردية والعشائرية وبعضاً من آمري الأفواج الخفيفة التي كانت
متعاونة مع الدولة بقصد التنسيق معهم حول تكليفهم بواجبات خاصة، وكانت الغاية من
الاجتماع الذي أداره مدير الاستخبارات "صابر عبد العزيز الدوري" وشاركه عدد من
الضباط الكبار في المديرية هو الطلب من الشخصيات الكردية تهيئة عشائرهم وأفواجهم
للقيام بعمليات قتالية في وسط العراق وجنوبه حيث أبلغهم "صابر" بأن الشيعة هناك قد
سيطروا على الموقف والمطلوب إعادة المدن الساقطة من أيديهم بسرعـــة، وهنا تحدث
الكرد قائلين: (نحن كرد عراقيون .. وأهالي تلك المحافظات من العرب وعراقيون أيضا
ولا نريد أن تُسجل سابقة خطيرة مثل هذه بين الكرد والعرب كوننا أبناء شعب واحد كما
إن هذا الموقف يتسبب في عمليات السلب والنهب وربما انتهاك للأعراض..!)
وفي الوقت الـذي كان فيه صابر يقول، نحن في موقف حرج ونحتاج إلى جهودكم …
مكتفياً بهذه العبارات، انبرى ضابط ركن كان قريباً منه مخاطباً الأكراد قائلاً..
(نحن نريد أن يحدث هذا، هؤلاء خونة شعوبيون، نريد أن نهتك أعراضهم وتسلب أموالهم).
ليس في الموقف غرابة أو ما يثير الدهشة، فتاريخ الكرد العراقيين مشرف في قيم
الرجولة والشرف والوطنية، وموقفهم هذا يعبر عن مدى التلاحم وروح الأخوة العربية
الكردية في العراق، والتي لم تتمكن كل الظروف الشاذة وما سادها من سياسات دكتاتورية
وشوفينية وتدخلات أجنبية دولية وإقليمية من فصم عرى هذه الاخوة، ولكن الغريب في هذا
الموقف " الحكومي" الذي يدعو إلى انتهاك الأعراض والسلب والنهب!!؟
من الذي أشار على صدام تسخير الكرد ضد العرب وبالصورة التي يطالبون بها بانتهاك
الأعراض وسلب الأموال؟
ومن هم الشعوبيون حقاً؟
أين قيم العروبة والقومية العربية؟
أين روابط المواطنة العراقية؟
أين شرف المسؤولية القيادية تجاه الشعب والوطن؟
يبدو لي أن كل هذه المعاني قد تهاوت وأصبحت بلا محتوى عندما بدى كرسي الرئاسة
يتدحرج نحو الهاوية.