صفوان ...مفاوضات الخيبة ..!؟ خيمة الاستسلام ... !
الحديث عن خيمة صفوان وما تم الاتفاق والتوقيع عليه داخلها بين الجانبين العراقي
وجانب قوى التحالف يثير في نفوسنا، نحن العسكريين العراقيين بصورة خاصة ونفوس أبناء
الشعب بصورة عامة، مشاعر حزن دفين ممزوج بألم مرير ... ستظل "خيمة صفوان" تحكي
للأجيال القادمة "قصة ضياع الوطن والتنازل عن الكبرياء الوطني وتمزيق الهوية
الوطنية"!
لم تكن هي خيمة عادية للإيواء، بل انتصبت وهي تصرخ بأعلى صوتها إنها شاهدة على
الاستسلام وإنها ستظل رمزا للانكسار والهزيمة التي مني بها النظام عسكريا وسياسيا.
فعندما وصل مفاوضونا إلى صفوان، كانت تقرع في أعماقنا أجراس الإحباط والشعور
بالمذلة، وإذا كان عمر تلك الخيمة في حساب الزمن لحظات، فإنها في حساب التاريخ
الوطني المتاهة التي لا عودة بعدها للتحدث باسم الشعب والوطن وجيشهما، ما لم يتم
التكفير عما ارتكب من مسلسل كبير لإذلال الشعب ولتمزيق متعمد ومقصود لاوصاله، وذلك
بإزاحة الطغمة التي كانت وراء ما حدث من خلال تفعيل وتائر العمل الشامل للقوى
الوطنية كافة.
أحسسنا في تلك اللحظات أن صرخة مكبوتة تعج في أعماقنا .. كيف انطلت علينا هذه
الأكذوبة الكبيرة ! ترى، هل أنه تأنيب الضمير ؟ ماذا كان يدور في خلد مفاوضينا وهم
يحثون الخطى للدخول إلى الخيمة؟ أليس غير الإحساس المر بالانكسار والهوان حتى انعكس
ذلك على ملامح وجوههم ! وكنا نحن الضباط نشاركهم الهموم التي تسبق وقوع المأساة،
والمأساة هنا هي التوقيع على وثيقة العار من اجل بقاء الحاكم على كرسيه لان همه
الوحيد الاحتفاظ بالسلطة، أما الشعب والوطن وكرامة الجيش، فهي كلمات لا تعني غير أن
يستعملها "مطية" لتحقيق طموحاته بكرسي الحكم.
وعندما شعر رأس النظام بالخناق يطبق عليه من قبل قوى التحالف، أصدر أمره الى
المفاوضين بقبول كل شيء والتوقيع على كل شيء ما دام ذلك يضمن استمرارية نظامه،
وعندئذ لم يجد المفاوضان سلطان وصلاح إلا التوقيع على وثيقة الذل والهزيمة، وبعدها
غادرا الخيمة ولم يجرؤا على النظر في عيون الضباط والجنود العراقيين لشعورهما
المؤلم بفقدان الهيبة والاعتزاز بعد توقيعهما على تلك الوثيقة في الخيمة سيئة
الصيت.
ولكن لنتابع ماذا حدث ... تناقل الجميع تساؤلات كثيرة ... كان هناك من يدرك أبعاد
الاستسلام وما سيترتب عليه من فقدان العراق لسيادته الوطنية وضياع كل شيء وهذا ما
حدث بالضبط ... فالضباط والجنود يتهامسون فيما بينهم .. والتعليقات هنا وهناك
وأقلها (لبسهه صدام براسهم)، أي، (الوفد المفاوض) وسوف يتخلص منهم بعد انجلاء
الموقف وإسدال الستار على طريقة الثاليوم * أو حوادث الطرق ومن التساؤلات التي كانت
تطرح تعليقا على الحالة الماثلة هي، كيف سيواجه الوفد العراقي المفاوض الوفد
المفاوض لدول التحالف ؟ وماذا سيناقشون؟ وهل لديهم الإمكانية على غير القبول بكل
شيء ؟ ... صدرت تعليقات كثيرة من الضباط بشأن إجابات معروفة مقدما، وعلى اثر مكالمة
هاتفية استلمها الفريق صلاح عبود من بغداد، انتشرت تأويلات تفيد بأن "صدام" طلب من
مفاوضيه: أن يبصموا (على بياض) ولا يدخلوا في أية مناقشة حادة مع وفد التحالف، وان
يوافقوا على كل الشروط المثبتة في وثيقة التفاوض ... المهم أن يخف ضغط الحلفاء على
النظام! كان سلطان وصلاح يتمتعان بسمعة طيبة داخل القوات المسلحة وكنت أشعر أنهما
لا يستحقان أن يتورطا في مشروع الخيمة لينالا هذا الإذلال الذي سيواجهانه في
المفاوضات وما سيترتب على ذلك من إهانة للشعب والوطن والجيش وقد أيدني في هذا الرأي
بعض الضباط الذين كنت أثق بهم وكنت أقول: كان من المفروض أن يتم تشكيل الوفد
المفاوض إلى خيمة صفوان من الجنرالات المزيفين،·· أمثال: الفريق الأول الركن "عزة
الدوري" الذي كان له دور في اجتياح الكويت، والفريق الأول الركن، "علي حسن المجيد
التكريتي"، سارق الكويت وحارق آبار نفطها، والفريق الأول الركن "حسين كامل حسن
المجيد التكريتي وقائد الفيلق الثامن الإعلامي ..!!· "لطيف نصيف جاسم الدليمي"، بطل
التصريحات الإعلامية الرنانة قبيل الحرب، واللواء "عبد الجبار محسن"، صائغ البيان
الخاص عن الانتصار المزعوم في خيمة صفوان !
قبل أن يعود الوفد المفاوض ليلة 3/4 آذار 91، كانت الأحاديث تدور حول دهشة واستغراب
وفد التحالف من الموافقات الجاهزة والتواقيع المتسارعة من جانب الوفد العراقي حتى
قبل قراءة الوثيقة والإطلاع على مضمونها تنفيذا لتعليمات صدام التي نصت على أن يكون
الموقف بهذه الصورة، مما حدا بالفريق "خالد بن سلطان" إلى أن يقول في كتابه "مقاتل
من الصحراء": "بدا واضحا من البداية أن الوفد العراقي كانت لديه تعليمات بأن يكون
لين الجانب في المفاوضات إذ كان صدام حريصا على التخلص من الضغط العسكري لقوات
التحالف بأسرع وقت ممكن وقد أشار الفريق "خالد" إلى قول الفريق "سلطان هاشم" في
بداية الاجتماع بأنه مخول بالعمل على جعل الاجتماع ناجحا يسوده جو من التعاون.*"
عاد الفريق صلاح عبود إلى مقر الفيلق، في حين ذهب الفريق سلطان إلى بغداد، بعد
الانتهاء من مهمة التفاوض ترافقه حماية مشددة وحينها بدأ الفريق صلاح يتحدث إلى
الأشخاص المقربين منه في مقر الفيلق مظهرا إعجابه بشخصية شوارتزكوف وكيف أنه بادرهم
بأداء التحية وعبارات المجاملة وتحدث كذلك عن أمور أخرى جرت في المفاوضات تم
بموجبها تثبيت وقف إطلاق النار والبدء بانسحاب قوات التحالف.
كان حديث الفريق صلاح عاماً، لم يتطرق خلاله إلى تفاصيل ويبدو انه كان ينتظر وصول
الفريق سلطان إلى بغداد ومن هناك تأتيه التوجيهات عن كيفية التحدث وماذا يعلن وماذا
يخفي من أمور. ولكن الملاحظ بعد ذلك، إن نبرة صوته بدأت تتغير وبدأ يردد عبارة
"حفظه الله" التي اختفت من أحاديثه في الأيام الماضية وكان في هذا ما يشير إلى أن
أمورا أخرى حدثت في المفاوضات، فقبل ذهابه كان قد اعتزل في مقره لا يحرك ساكنا ولم
يصدر أمرا جديا واضحا وكان يغلب عليه التردد والارتباك.
فوجئنا في الأيام التالية بأوامر جديدة باستعمال القوة والعنف وتدمير قرى
"المعدان"،* تلك القرى التي خرجت منها المظاهرات وشاركت في الانتفاضة مشاركة فعالة
وبدأ الفريق صلاح يصدر أوامره إلى القادة والآمرين والجنود مباشرة وفي الهواء الطلق
بعيدا عن غرف الحركات والدوائر وقد زالت عن صوته نبرة التردد والارتباك والخوف ! ..
إذ خاطب قائد الفرقة المدرعة السادسة وبحضور عدد من ضباط الركن وجمع من الجنود:
- هذه القرى، يجب أن تدمر! تحرق وتمسح من على الأرض !
كان هذا الأمر الذي أصدره الفريق صلاح إعلانا عن أوامر النظام التي تم استلامها
مؤخرا وهي تتضمن:
أ- فتح النار فورا على أي تجمع أو تظاهرة معادية.
ب- تدمير أي دار تطلق منها رصاصة واحدة وتعالج بنيران الدبابات والقذائف ومن ثم
تهدم بواسطة الشفل.
ج- تدمير القرى التي ينطلق منها نشاط معارض مسلح.
د- تنفذ الأوامر من قبل الجميع مباشرة، كافة الوحدات والمفاصل دون الرجوع إلى
المرجع ولحد مستوى الجنود.
ثم عقد اجتماع في مقر الفيلق لقادة الفرق والتشكيلات ووضعت خطط للطوارئ والهجوم
المقابل إذ بدا كثير من الضباط والجنود المختفين هنا وهناك يظهرون من جديد.
الأجواء… تتغير ..!
تغير الموقف جزئيا بعد يوم "6" آذار عندما التحق الحزبيون القياديون بمقراتهم، ففي
ذلك اليوم، اتصل "عبد الرحمن الدوري"، مسؤول فرع البصرة العسكري، مستفسرا عن تواجد
أعضاء قيادة الفرع وكان عددهم يصل إلى (13) عضوا ولم يكن موجودا سوى واحد منهم فقط،
أما الباقون فكانوا بعيدين عن مواقع تنظيمهم وفي مدن أخرى ولكنهم حضروا خلال (48)
ساعة، فزال الخمول عن مقر الفيلق بعد أن كان السكون يخيم عليه واتضحت الأمور أكثر
بعد أن عادت ركائز السلطة إلى الوجود وجمع الحزب أشتاته وظهرت لأول مرة الطائرات
السمتية الحكومية محلقة في سماء الجنوب بعد اختفائها بضعة أشهر لتبدأ عمليات
الملاحقة والانقضاض على مراكز الانتفاضة في الجنوب.
يقول الفريق الركن، "خالد بن سلطان"، * "تولد لدي شعور بان الولايات المتحدة لم تكن
تسعى إلى الحصول على استسلام عراقي رسمي، أو ترى ذلك أمرا غير مناسب، لذا لا
يسعني سوى تخمين أسباب هذا التوجه إلى:"
أ- ترجيح الإدارة الأمريكية أن صدام لن يبقى في الحكم بعد أن تعرض لكل تلك المهانة
والعقاب وان شعبه سيطيح به لا محالة.
ب- العمل على التئام جراح الحرب بما يتفق والنظام العالمي الجديد الذي كانت واشنطن
تأمل أن يتمخض عنه ذلك الصراع.
ج- ربما ارتأت الإدارة الأمريكية أيضا أن تبقي على العراق كقوة يمكنه الدفاع عن
نفسه ويكون له ثقل إقليمي مواز لإيران.
ومن جهة أخرى، قد يكون هناك تفسير أبسط لذلك المسلك الأمريكي وهو أن الحرب قد وضعت
أوزارها ولم تعد هناك حماسة لمواصلة القتال والذي سيثير الرأي العام العالمي، كما
أن خسائر التحالف لا تكاد تذكر، وكأن لسان حال الأمريكيين والبريطانيين يقول "يكفي
ما حدث، ولا ضرورة لخسائر أكثر، فلنجمع شتات الأمر، ونسرع بالرحيل".
يضيف الفريق خالد قائلا، "كنت أعلم أن التقدم إلى بغداد لم يكن أمرا واردا على
الإطلاق ولم يطرح مثل هذا الموضوع للنقاش وأن هذا الأمر كان مرفوضا من كل الدول
العربية في التحالف وهو بالتأكيد أمر غير قابل للنقاش من جانب المملكة ويلقى
المعارضة كل المعارضة"، ويضيف .. "كان عدم وجود وثيقة رسمية للاستسلام أمرا مخيبا
للآمال، فقد كان من شأن تلك الوثيقة أن تساعد على الإطاحة بصدام"، ويضيف أيضا، "لم
يكن أحد يتوقع حدوث التمرد ضد صدام سواء في جنوب البلاد أو شمالها، وبالمثل لم يكن
أحد ليتصور الأسلوب الوحشي الذي تم به القضاء على التمرد".
كان ظهور السمتيات محلقة في الأجواء بعد يوم 6 آذار، حدثا مهما ومؤشرا واضحا حول
الموقف الدولي من الانتفاضة وتحديدا من قبل دول التحالف الغربية ودول الخليج العربي
بالذات .. هكذا كان رأي العسكريين العراقيين من القادة والضباط والجنود على أقل
تقدير وهذا هو سر التغير الذي ظهر في لهجة بغداد. وسأل الفريق سلطان هاشم الجنرال
شوارتزكوف فيما إذا كان الحلفاء يسمحون للطائرات العمودية العراقية بالتحليق في
سماء البلاد لان الطرق والجسور قد دمرت وهناك حاجة ماسة إلى نقل بعض المسؤولين
الحكوميين وغيرهم من مكان إلى آخر.
فأجابه شوارتزكوف قائلا: (ما دامت تلك الطائرات لن تحلق فوق مواقعنا فلا مانع من
ذلك على الإطلاق.. سنسمح بتحليق الطائرات فقط، دون المقاتلات أو القاذفات).
قال الفريق سلطان: (إذن، أنت تعني أن الطائرات العمودية المسلحة يمكنها أن تطير في
سماء العراق، وليس المقاتلات ؟ لأن الطائرات العمودية تؤدي الغرض نفسه أي تنقل
أشخاصا أو ...).
قاطعه شوارتزكوف قائلاً: (نعم .. سأصدر تعليماتي إلى قواتنا الجوية بأن لا تطلق
النار على أية طائرة عمودية تحلق فوق العراق فيما عدا المنطقة التي نتمركز فيها
نحن، أما إذا كانت تحلق فوق المنطقة التي تحتلها قواتنا، فمن الأفضل ألا تكون
مسلحة، وان تحمل علامات مميزة "برتقالية اللون" على جانبيها كأجراء أمني إضافي).
ويضيف الفريق "خالد" ... قائلاً:
- وبينما كانت الجلسة توشك أن تنتهي ودون أن يثير الفريق سلطان تلك النقطة مرة أخرى
كرر شوارتزكوف تعهده الذي قطعه على نفسه قائلا: (من جانبنا لن نهاجم أية طائرة
عمودية داخل العراق)، و (لعل شوارتزكوف قد تأثر بالجو الودي للمفاوضات، فشعر بأن
النظام العراقي يستحق أن يمنح تنازلا مكافأة له على موقفه في خيمة صفوان بعد أن لمس
تعاونه في كل القضايا الأخرى).
حول هذا الموضوع تحدث الجنرال شوارتزكوف في مذكراته * قائلاً: (وألان بعد أن غطينا
النقاط الرئيسية التي يريدها التحالف، سألت الفريق سلطان هاشم أن كان لديه مسائل
أخرى يود بحثها.
قال سلطان: "لدينا نقطة واحدة، وهي إنكم تعرفون وضع طرقنا وجسورنا ووسائل
اتصالاتنا"، مذكرا بالأضرار الهائلة التي أنزلها القصف "نود أن نرسل الهليوكوبترات
لنقل المسؤولين الحكوميين في المناطق التي دمرت فيها الطرق والجسور ولا علاقة لهذا
الأمر بخط الجبهة فهو محصور داخل العراق)..
وعلق شوارتزكوف قائلا:(بدا لي ذلك طلبا مشروعا، وبما أن العراقيين قبلوا كل
طلباتنا، فلم أر في الموافقة على مطلب واحد من مطالبهم أمرا خارج عن المعقول فوافقت
على أن تسجل، وهو أن باستطاعة الهليوكوبترات العراقية التحليق وهذا لا يشمل
المقاتلات ولا القاذفات. بعد ذلك طرح سلطان نقطة كان ينبغي أن تستوقفني وهي، إذن،
أنت تعني أنه حتى الهليوكوبترات المسلحة تستطيع التحليق في الأجواء العراقية وليس
المقاتلات لان الهليوكوبترات واحدة وهي تنقل شخصا ما. (نعم سأوعز إلى القوة الجوية
بعدم إسقاط أي طائرة هليوكوبتر تحلق فوق الأراضي العراقية). وفي الأسابيع التالية
اكتشفنا ان الهدف من وراء استخدام الهليوكوبترات القتالية إنما كان لقمع الانتفاضات
في البصرة والمدن الأخرى وفي ذلك الوقت، اصبح البت في الأمر متروكا للبيت الأبيض كي
يقرر إلى أي حد ترغب الولايات المتحدة التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للعراق
حيث لم يكن ذلك ليغير من الأمور كثيرا، فدبابات ومدفعيات "24" فرقة عراقية لم تدخل
منطقة الحرب الكويتية فكان لها الأثر المدمر على الثائرين، وبعد بضعة سنوات قال
الجنرال شوارتزكوف *: (لقد خدعت ... اعترف أني خدعت عندما أعطيت الموافقة وأعتقد أن
ذلك كان حتما غلط.).
سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن، "الأمير بندر بن سلطان" وهو الشخصية
السياسية التي لعبت دورا بارزا في الدبلوماسية السعودية قبل وخلال الحرب، قال معلقا
حول الموضوع ذاته، (كان المفروض أن لا نسمح بطيران السمتيات العراقية، ولنفرض أننا
أخطأنا عندما وافقنا، فقد كان المفروض أن نتراجع عن الموافقة في اليوم التالي ونمنع
طيرانها أو إسقاطها .. لا تسألني لماذا لم يحدث ذلك، بل نتركه للتأريخ يصدر حكمه
عليه !)
كان لمفاوضات صفوان وما تمخض عنها من سماح للطائرات السمتية العراقية
بالاستخدام القتالي تأثير سلبي كبير على سير الانتفاضة وقد بدا ذلك واضحا على
معنويات القوات المسلحة التي كانت تنتظر وضعا ضاغطا أكثر على النظام، أما المنتفضون
فقد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة بل بطعنة قوية في الظهر، فهم كانوا ينتظرون الإسناد
الدولي لثورتهم، فجاءت المفاوضات بالمؤشرات التالية:
أ- المباشرة بالتفاوض تعني وقف العمليات الحربية ضد النظام، وان الكثير من المعنيين
يرون أن المفاوضات ذاتها هي مؤشر على أن الحلفاء وصلوا حدودا لا يريدون أن
يتجاوزوها على كل المستويات، لأن تجاوزها يلحق الضرر بنظام صدام ويرفع آخر حجر يدعم
هيكله وان قبول التفاوض معه يعني ضمنا أن صدام حسين باق في الحكم ولو إلى حين.
ب- ظهور الطائرات السمتية في الأجواء فوق القطعات العسكرية والسكان المدنيين أعطى
مؤشرا إضافيا على بقاء النظام واستعادته لأنفاسه تدريجيا وهنا بدأت معنويات
المنتفضين والمساندين لهم بالتراجع.
ج- ما نتج عن المفاوضات كان مؤشرا واضحا على أن الموقف الدولي لم يكن مساندا
للانتفاضة، إن لم يكن ضدها وفي ذلك إشارة إلى دور الدول العربية المجاورة للعراق.
أما بخصوص الطائرات السمتية * والموافقة على طيرانها في أجواء العراق وهل كانت خدعة
كما يقول الجنرال شوارتزكوف ؟
فيمكن التعليق: لم يكن الجنرال شوارتزكوف مخدوعا في هذه القضية مثلما لم يكن الفريق
سلطان هاشم مخادعا، بل كان طلبه مشروعا، فهو بحاجة إلى طائرات سمتية تؤمن النقل
وإعادة السيطرة على القوات والطرق والجسور التي كانت معطلة فعلا والمتيسر من
الطائرات السمتية العراقية كان من النوع المسلح برشاشات خفيفة وهناك أنواع ترمي
صواريخ ضد الدروع ولا أعتقد أن الفريق سلطان كان يضمر خطة لاستخدام السمتيات
المسلحة ضد الشعب الثائر في الجنوب والشمال، فالرجل معروف باتزانه وموضوعيته.. !
ولكنه بالتأكيد حقق مكسبا عسكريا وسياسيا لقيادة النظام، استثمر ضد الجماهير
الثائرة.
وكان الجانب المعنوي والسياسي لهذا الاستثمار قويا يفوق كثيرا ما تحقق من استخدام
الجانب القتالي والتسليحي الفني للطائرات السمتية .. بينما كانت تقارير الاستخبارات
التي تلقتها القيادة المركزية والتي أشار إليها الجنرال شوارتزكوف قد ركزت على
الجانب الفني من الاستخدام القتالي، وأهملت الجانب المهم وهو السياسي والمعنوي،
فعبارة "السماح للحكومة العراقية باستخدام الطائرات السمتية المسلحة ضمن أجوائها"
في وقت كانت الانتفاضة الشعبية في دور النهوض، تحمل كثيرا من المؤشرات السياسية
التي تفسر لصالح النظام والتي تعني رغبة دول التحالف ومن ضمنها الدول العربية
المشاركة فيه في بقاء صدام حسين على رأس الحكم ولو إلى فترة معينة.
وهذا ما يفسر لنا عدم تراجع قيادة التحالف الدولي عن موافقتها في السماح للطيران
العراقي السمتي المقاتل بالتحليق في أجواء البلاد، رغم مشاهدتهم المباشرة لأعماله
القتالية ضد الشعب المنتفض في الجنوب والشمال وخلافا لما طرح في حينه من مبررات
إدارية وإنسانية للحصول على الموافقة.
إن محاولة النظام في استعادة وضعه السابق لم يقدر لها أن تتم لو بقيت الأحداث تأخذ
مجراها الطبيعي الذي قامت من أجله، فالانتفاضة كما قلنا كانت تنتشر بسرعة فائقة
هددت النظام بالانهيار والكفة الراجحة كانت للثوار لكن النظام قرأ وتلقى ردود فعل
الحلفاء الأمريكيين والعرب على الأخص تجاه الانتفاضة، فبدأ يتصدى لها بعد أن كان
على وشك الانهيار وقد استولى الذعر على رموز النظام وتنظيماته الحزبية وأصبحت تحمي
نفسها أحيانا بانضمامها إلى صفوف المنتفضين وتعلن معاداتها له.
كان البعض من الضباط والجنود يتحدثون عن وقوف أطراف ونظم عربية مجاورة للعراق وراء
المفاوضات في صفوان وقرار وقف إطلاق النار لان صور الأقمار الصناعية كانت تظهر
الانتفاضة وحجمها وهياج الناس وان المتظاهرين يحملون صورا قيل إنها صور "الخميني"،
بينما كانت في الحقيقة صور للسيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة
الإسلامية في العراق .
تحديد المسؤوليات
في الفترة من 6-15 آذار 1991، نفُّذت أعنف الهجمات المسلحة وارتكبت ابشع الجرائم
بحق شعبنا في المحافظات الجنوبية والوسطى بقصد إعادة السيطرة عليها وما سمي في حينه
بعمليات "التطهير" التي بدأت من البصرة أولا ثم امتدت إلى بقية المحافظات صعودا نحو
الشمال وقد تم تقسيم المحافظة إلى قاطعين لأغراض العمليات وتخصيص القوات ومستلزمات
القيادة والسيطرة. كان القاطع الأول من مسؤولية الفيلق الثاني الذي شملت مسؤوليته
مدينة "البصرة وضواحيها وحتى ناحية "الهارثة" جنوبا خارج أما القيادة والسيطرة
والفرق العسكرية المشتركة فكانت كما في الجدول أدناه:
القـــاطع الأول
جدول رقم (1)
ت القيادة القائد الملاحظات
1 قيادة الفيلق الثاني اللواء الركن إبراهيم عبد الستار التكريتي عمل الفيلق بتوجيه
مباشر من قبل علي حسن المجيد، وكان التنفيذ متفاوتا في جديته من قائد فرقة إلى آخر
... كان اللواء إبراهيم مخلصا من وجهة نظر علي حسن المجيد ولذلك عين فيما بعد قائدا
للحرس الجمهوري.
ت القيادة القائد الملاحظات
2 3 4 الفرقة الآلية / 51 الفرقة المدرعة / 17 الفرقة المدرعة /10 اللواء الركن سيف
الدين فليح الراوي العميد الركن سليمان يوسف التكريتي رئيس أركان الفرقة اللواء
الركن وضاح ثامر اسماعيل الشاوي العميد الركن نظام طه محمد التكريتي، رئيس الأركان
العميد الركن أحمد عبد الكريم حمدي الراوي لم تتعرض الفرقة الى قصف كثيف في الكويت
وانسحبت بسلام، لذا كانت نشطة في قمع الانتفاضة وربما كان أدائها اكثر فاعلية من
بعض وحدات الحرس الجمهوري وكان لقائدها ورئيس أركانها دور في ذلك. الفرقة عملت في
قاطع الزبير وتم إلغائها في نيسان 1991 واحيل قائدها الى دائرة المحاربين ونفذ به
حكم الإعدام في 1995 لاتهامه بالتآمر. ونقل رئيس الاركان الى دائرة العمليات في
رئاسة أركان الجيش. لم يكن أداء الفرقة مرضيا، وأحيل قائدها إلى المحكمة العسكرية
الخاصة التي قررت براءته وعين مديرا للتطوير القتالي وأحيل الى دائرة المحاربين عام
1993.
ت القيادة القائد الملاحظات
5 6 7 8 الفرقة المدرعة / 52 فرقة المشاة / 28 فرقة المشاة /37 قوات حمورابي الحرس
الجمهوري العميد الركن صكبان تركي المطلك الدايني العميد الركن حمود حماد البشار
الشمري العميد الركن رشيد سنجار الجبوري اللواء الركن قيس عبد الرزاق محمد جواد
الاعظمي لم يكن أداء الفرقة مرضيا في البصرة واتهم قائدها بالتساهل مع شباب
الانتفاضة وأحيل إلى محكمة خاصة أصدرت حكما ضده ثم شملته بالعفو وأطلق سراحه وأحيل
على التقاعد عام 1992. اشتركت الفرقة في قمع الانتفاضة في الحيانية وضواحي البصرة.
لم يؤشر على العميد الركن حمود حماد شخصياً مواقف سلبية ضد المواطنين. وهي من الفرق
التي لم تتكبد خسائر كبيرة خلال الحرب حيث أنها كانت في قاطع الفاو واشتركت في قمع
الانتفاضة في مركز مدينة البصرة .. والمعروف عن الفرقة "أنها كانت مهتمة بالسرقة
والفرهود والاستحواذ على أموال المواطنين .. أكثر من اهتمامها بالايذاء والقتل لم
يمنح قائدها منصباً أعلى وأحيل إلى دائرة المحاربين عام 1994. كان ارتباطها بقيادة
الحرس الجمهوري وتعمل بإشراف علي حسن المجيد ولها دور فعال في قمع الانتفاضة في
البصرة وفي تنفيذ عملية الالتفاف من جسر القرنة شرقا والاتجاه جنوبا نحو السيبة
والشلامجة يوم 15 آذار 91. لم يؤشر على قيس سلوك عدواني ضد المواطنين وان قامت بعض
الوحدات المرتبطة بقيادته بتنفيذ جرائم بشعة في نواحي القرنة والسويب والهارثة
والبصرة. عين قائدا للفيلق الثاني ولكنه سرعان ما تعرض لاعتداء شخصي من قبل أفراد
العائلة الحاكمة ونقل إلى دائرة المحاربين عام 93 ثم أعيد عام 1995 ثم أحيل على
التقاعد.
دم وأشلاء ومقابر .. !؟
كنا نترصد أخبار الوضع في البصرة، حيث كان الفيلق الثاني يشن هجوما شرسا على مواقع
الثوار، من الضباط القادمين من البصرة الذين بقوا هناك منذ يوم الانسحاب ينتظرون
مصير النظام، وبعد خيمة صفوان والتحولات التي جرت، بدأ هؤلاء يلتحقون بوحداتهم
ويتسللون بمختلف الطرق حتى يثبتوا حضورهم .. لقد سالت الدماء بغزارة في هذه المدينة
البطلة ذات الأمجاد، إذ كان الهجوم على مواقع الانتفاضة فيها شديدا وكانت تقابله
مقاومة عنيفة من جانب الثوار على الرغم من اليأس الذي بدأ يتسرب إليهم.
اتخذ "علي حسن المجيد" من ساحة "سعد"، التي تقع في مدخل البصرة موقعا لنشاطه وكان
يوجه الأوامر بالإعدام ويقوم بقتل الناس بنفسه ويؤكد على إنزال حمم النار على
المناطق السكنية التي ظلت تقاوم وتتصدى للهجوم عليها، فكان يجمع العشرات من الشباب
والرجال ويصفهم إلى حائط إحدى المدارس في مدينة "الحيانية" ثم يقوم هو أولا بإطلاق
النار عليهم ويستمر الذين معه بتنفيذ عمليات الإعدام الجماعية والتي كانت تنفذ على
شكل "وجبات". وما أن ينتهوا من إعدام وجبة حتى تبدأ المجموعة المتخصصة بتقديم
الوجبة التالية وتقوم الجرافات بنقل الجثث إلى منطقة مفتوحة قريبة والدماء تسيل ولا
يعلم من هو الميت أو من هو الجريح! هذه هي واحدة من المقابر الجماعية التي ميزت
"الهجوم المقابل" كما رواها شهود عيان في حينه وقد صورها النظام بـ "عمليات
التطهير" لأغراض الردع زاعماً أنها بطولات يفتخر بها وفق نمط قيم النظام وأزلامه
وقد شوهدت هذه العمليات في أفلام تروي فلسفة الموت والردع والخوف والإرهاب التي
يؤمن بها صدام ويكافئ الآخرين على قدر إنجازها !
إن أشكال الحقد التي عبرت عنه أوامر النظام يعجز الإنسان عن وصفها، فقد كان هذا
الحقد يتمثل في إبقاء جثث من يتم تنفيذ الإعدام بهم في العراء ولذا تكدست الأشلاء
في الشوارع وعلى الأرصفة!
الحزن.. يعود.. والخوف.. والقتل..
أيضاً .. !!؟
حدثني "بصري" وقد فقد أخوين له في الانتفاضة عن حالة خالته التي جرح ابنها اثر
اشتباك في إحدى ساحات البصرة وحمل نفسه بصعوبة محاولا الوصول إلى بيته وكانت
جراحاته تنزف، ولعدم قدرته على بلوغ الهدف وهو الوصول إلى بيته، سقط عند مدخل
الزقاق .. في ذلك الحين كانت قوات الحرس الجمهوري قد سيطرت على المكان فقامت بقتله
وبقيت ألام ليومين تنظر إلى جثة ابنها وكذلك الأب لا يجرأ أن يقول – هذه جثة ابني –
فقد حذره الناس من ذلك لان الحرس الجمهوري سيقتله أيضا.
كذلك حدثني النقيب احتياط "ج. غ" عن منظر شهده بنفسه. قال: "كان الحزبيون الذين
جمعهم "علي حسن المجيد" يندفعون في كل اتجاه ليجمعوا الناس في تجمعات تظهر تأييدها
لصدام والنظام، وكان هؤلاء الحزبيون في حالة هستيرية يتسابقون لإظهار ولائهم وإخفاء
جبنهم وهروبهم أمام الثوار في الأيام السابقة، لذا كانوا يرغمون أعدادا من الرجال
والنساء والأطفال على ترديد هتاف "بالروح بالدم نفديك يا صدام"، وكان جميع هؤلاء في
"ساحة سعد" ينتظرون وصول علي حسن المجيد الذي كان يشرف على تنفيذ إحدى مهماته
الإجرامية في منطقة أخرى من البصرة، وبينما كان المشتركون في التجمع ينظرون إلى ما
حولهم من مناظر الدم والدمار، وصل علي حسن المجيد يرافقه عدد من الحماية والمسؤولين
الحزبيين إلى مكان التجمع وأخذ بندقية كلاشنكوف من أحد مرافقيه وبدأ يطلق النار على
الأطفال والنساء والشيوخ والشباب وهو يشتم ويلعن، ثم بدأ أفراد الحماية يطلقون
النار هم أيضا والبعض منهم يبتسم بمكر وسخرية، وكان الحصاد أن تمايل المجتمعون
بعضهم على بعض وسقطوا موتى".
سقطت البصرة، بعد أن خاضت وعلى مدى يومين متتاليين قتالا مريرا عمدته بالدماء
الزكية التي سالت من أبنائها وبناتها وشيوخها الشهداء العزل وبعد أن أخذت الأحوال
العامة تتسم بالهدوء والاستتباب التدريجي، بدأت عمليات الانتقام العشوائي من عوائل
المنتفضين وعادت الأحزان من جديد إلى سماء وأجواء هذه المدينة الباسلة التي رسمت
على صفحات التاريخ صورا من التضحيات والبطولات التي ستظل ماثلة مثول نخيل البصرة..
وعاشت حالات من الكبرياء وتنسمت هواء الحرية ولو لأيام معدودات!
تنوع المواقف .. اختلاف في الممارسة
ضمن واقع اللحظة التاريخية التي عشناها في حينها لا بد لنا من رصد طبيعة الاختلافات
التي شكلت سمات وخصائص الوضع العسكري وفعالياته حيال التعامل مع الانتفاضة وفعلها
الثوري المؤثر. هنا يمكننا التأكيد على إن هذا الأمر بأبعاده العملية والنظرية
نسبيا استطاع أن يفضح ويصنف أساليب وأنماط الزمر القيادية المسؤولة عن قمع
الانتفاضة وإجهاضها وذلك بكشف النقاب عن حقيقة الأدوار واختلافها فيما يتعلق
بالموقف العام من الحدث، فيمكن الإشارة إلى الذين تخلوا عن القيم العسكرية الأصيلة
وفقدوا ضمائرهم والتي أخذت غرائزهم الوحشية تظهر في استغلال كل الفرص لإظهار
دمويتهم وقساوتهم وانتهازيتهم ووصوليتهم، أما عن قادة الفرق وآمرو التشكيلات
والوحدات والضباط والجنود الذين اشتركوا في الفعل المضاد للانتفاضة، فكانوا على
نوعين:
أ- بعضهم ملأت قلوبهم عواطف مكبوتة وظلوا في حيرة من أمرهم واصبحوا في موقف صعب
يترقبون أية مشورة أو أي رأي لكي يتخلوا عن أساليب وحالات سفك الدماء وكانوا
يتوجهون بالدعاء إلى رب العزة والجلالة أن ينقذهم من هذه المعاناة القاسية.
ب- آخرون لم يكن لهم رأي صريح وكانوا خائفين مما قد يحمله المستقبل بعد أن ظهرت في
الأفق بوادر تحسن لصالح النظام، هؤلاء كانوا يريدون أن يفعلوا ما يرضي السلطة وان
لا يوغلوا في قتل الناس في نفس الوقت وهو أمر صعب بسبب تفشي الانتهازية والمصلحية
وانتشار عناصر الأمن بين الضباط والجنود، * وهذا ما أظهرته نتائج التحقيقات
والاتهامات والمحاكمات بعد استقرار الموقف.
القاطع الثاني
كان القاطع الثاني من مسؤولية الفيلق الثالث الذي شملت مسؤوليته نواحي "الهارثة" و
"كرمة بني سعيد" وحتى مدينة "القرنة" داخل مع مدن وقصبات "المدينة والهوير والشرش
والدير" وما جاورها من قرى وأرياف، وفي الضفة الشرقية لشط العرب من ناحية السويب
شمالا وحتى الشلامجة جنوباً مرورا بناحية "النشوة والزريجي وعتبة ... الخ".
وكانت ترتيبات القيادة والسيطرة وتخصيص القطعات كما في الجدول أدناه:
الجدول رقم 2
ت القيادة القائد الملاحظات
1 قيادة الفيلق الثالث اللواء الركن صلاح عبود محمود الجبوري اللواء الركن صباح
نوري علوان العجيلي "القائد لرديف" العميد الركن صلاح عبد الله حنتوش ضابط الركن
الثاني حركات لم يكن صلاح دمويا ولا عنيفا وكان يقبل بأقل تنفيذ للأوامر ولكن يؤخذ
عليه موقفه السلبي من الجرائم التي ارتكبتها عناصر الأمن في مقر الفيلق وتنفيذها
عمليات القتل الجماعي للمواطنين ودون ان يتدخل للحد منها خلافا لما تقتضيه قيم
الشهامة والجندية في اقل تقدير.
ت القيادة القائد الملاحظات
2 3 قيادة الفرقة الآلية الأولى الفرقة المدرعة الثالثة اللواء الركن حسين حسن عداي
السلماني العقيد الركن صعب منفي محمود الراوي "رئيس الأركان المقدم مؤيد دحام مجول
التكريتي ضابط الأمن العميد الركن حسن زيدان اللهيبي العميد الركن خالص عبد الهادي
الحديثي رئيس الأركان نفذت الفرقة عملياتها بواسطة اللواء الآلي الأول ومقر القيادة
ومن خلال عناصر الأمن، نقل القائد فيما بعد إلى المقر العام ولم يشغل منصب أعلى كما
كان يطمح إليه ونقل إلى دائرة المحاربين عام 94، وأعيد تعيينه مديرا للحركات
العسكرية عام 95، أما رئيس الأركان فقد التحق في دورة بجامعة البكر، ونقل ضابط
الأمن إلى مديرية الأمن العسكري. لم تكن للفرقة قوات كافية ولكنها متهمة بارتكاب
جرائم في ناحية الهارثة، عين قائدها رئيساً لأركان الفيلق لاحقا، ولم يرقى إلى منصب
أعلى من ذلك كما كان يطمح. إما رئيس الأركان فلم تحصل الموافقة على تعيينه بمنصب
قائد فرقة في حينه.
ت القيادة القائد الملاحظات
4 الفرقة المدرعة السادسة العميد الركن رعد عبد الرحيم العاني العقيد الركن نجيب
مصطفى الصالحي رئيس الأركان (المؤلف) عزل عن قيادة الفرقة لاحقا حيث تم نقله إلى
قيادة فرقة المشاة / 29 الملغاة في 11 آذار91 ثم عين ضابط ركن في دائرة الإدارة. لم
تحصل الموافقة على تثبيته بمنصب رئيس الأركان "الذي كان يشغله" وقد تم تبليغ القائد
الجديد للفرقة بالحد من صلاحياته وتحجيم دوره ريثما يتم نقله خارج الفيلق.
5 6 الفرقة الآلية الخامسة فرقة المشاة الخامسة عشرة العميد الركن ياسين فليح
المعيني العقيد الركن عباس حسن جبر "رئيس الأركان" العميد الركن إبراهيم الجبوري
العقيد الركن محمود حسين عليوي العزي رئيس الأركان لم تكن للفرقة قطعات تعمل بها،
عين ياسين بمنصب قائد فيلق لاحقا لدوره في معركة الخفجي. صدر أمر تعيينه قائدا
للفرقة المدرعة الثالثة عام 1995. لم تكن للفرقة أية قطعات أو أفراد عدا القائد
ورئيس الأركان والمراسلين فقط.
ت القيادة القائد الملاحظات
7 فرقة المشاة الثامنة عشرة العميد الركن علي غيدان مجيد الشمري أودع السجن وأحيل
بعد ذلك على التقاعد.
8 فرقة المشاة/29 العميد الركن سعدون يونس محمد أمين العميد الركن صباح مطرود شويع
رئيس الأركان أسره الإيرانيون في 27-3-91، بعد أن عين قائدا للفرقة المدرعة السادسة
أحيل على التقاعد عام 93.
تردد في التنفيذ .. !؟؟
القوة الرئيسية التي كانت تحت إمرة قيادة الفيلق الثالث هي الفرقة المدرعة السادسة
المتكونة من "40" عجلة قتال "B.M.B1"، وعشر دبابات وما لا يزيد عن "ثلاثمائة " شخص
بين جندي وضابط، أما الفرقة الآلية الأولى، فإن ما تبقى لها من العربات والأشخاص
كان أقل بكثير مما كان للفرقة السادسة وتليهما الفرقة المدرعة الثالثة التي بذل
قائدها وهيئة ركنه ومعهم آمر لواء "ابن الوليد" جهودا كبيرة في لملمة كثير من
الأسلحة وعجلات القتال المتروكة على الطرق لإعادة تشكيل قوة مناسبة كافية للعمل ..
كان قاطع الفيلق هادئاً نسبياً لان نشاط الثوار المنتفضين بدأ يتراجع بعد نجاح
عمليات القمع في مدينة البصرة وكان قائد الفيلق عازما على تفتيش جميع القرى
والقصبات بشكل منتظم وحاسم، أما الجهاز الأمني في الفيلق الذي تزايد نشاطه مع مرور
الوقت فقد واصل عمله للكشف عن الضباط والجنود المتعاطفين مع الانتفاضة وقد ألقي
القبض على العديد منهم في الفرقة المدرعة السادسة والقطعات الأخرى.
كان قائد الفرقة يرغب في مرافقتي له عند استلامه الأوامر والتوجيهات من الفيلق
والتي كانت في الغالب شفوية ومباشرة من القائد او القائد الرديف وكانت تتضمن عبارات
تشدد على تدمير وحرق القرى التي يصدر منها إطلاق نار أو أعمال شغب وغالبا ما يتم
تسميتها بقرى "المعدان"، أما آمرو التشكيلات المنفذة وهيئة الركن وبقية الضباط
والجنود فانهم ينتظرون عودتنا من مقر الفيلق بكثير من القلق والترقب، حيث من الواضح
أننا سنعود إليهم بأوامر فيها الشيء الكثير من أوامر القتل والتدمير وهم بالتأكيد
ليسوا على استعداد لتلطيخ أياديهم بدماء الأبرياء أو الوقوعتحت تأثير الدسائس
والوشايات وكنا ندرك تصميم بغداد على تنفيذ أوامرها التي تشدد على المضي في نزعة
التدمير مثلما حدث في مدينة البصرة انسجاما مع الحالة الجديدة، وحين بدأ النظام
يلتقط أنفاسه تدريجيا، بدأت أواجه شخصيا وكذلك آمرو التشكيلات مواقف حرجة، إذ كان
لا بد لنا من العمل وفق الطريقة التي تجنب الناس نتائج النقمة الهائجة للسلطة على
الرغم من تعاملي مع ضباط ومراتب لم أعرف حقيقة مشاعرهم، إذ ليس كل مـن يرفض
النظام وسلوكه الإجرامي هـو على استعداد للتعاون المباشر على عدم تنفيذ أوامره،
فعدم الــرغبة والتعاطف شـيء والعصيان والتمرد والمـواجهة شـيء آخر
يحتاج إلى درجة أعلى من الوعي والاستعداد للتضحية، ورغم ذلك
فقد عزمت على القيام بدوري وهذا يعني انه كلما صدرت الأوامر لتشكيلات الفرقة بتفتيش
القرى وتدميرها وحرق صرائف (المعدان)، كانت التشكيلات تخرج للقيام بواجباتها ولكن
بروحية تتسم بالميل إلى عدم تنفيذ الأوامر.
وعند عودتنا من المهمة، كنت أذهب إلى مقر الفيلق لأخبر القائد الرديف، بأننا أكملنا
الواجب. وذات مرة بادرني ببعض الملاحظات التي أشرت إلى جانب منها حيث أشار إلى أن
هناك واجبا لم نتممه والأوامر لم تنفذ بالشكل المطلوب. شعرت آنذاك إن طريقة التظاهر
بالتنفيذ التي أتبعتها كثيرا لم تفدني، فقد تنبه قائد الفيلق لذلك وبدأ يتصل بآمر
لواء المشاة الآلي / 25 مباشرة، * وهنا بدأت مرحلة من العلاقة المتوترة بين مقرنا
ومقر الفيلق ، فقد ساد انطباع إن الفرقة متساهلة مع المواطنين وهي غير فعالة في
تنفيذ الأوامر وان هناك نوعا من التراخي وعدم الاهتمام من قبل قائد الفرقة الذي
خَوَّل كثيرا من صلاحياته إلى رئيس الأركان الذي بدأ يتصرف وكأنه هو القائد الفعلي
للفرقة ، ولكن ذلك الانطباع في مقر الفيلق لم يأخذ جانب التشهير العلني.
على بوابة الهارثة ..
في الساعة الثالثة بعد ظهر يوم 7 آذار، وصل إلى مقرنا العميد الركن "صلاح عبد الله
حنتوش" الذي يشغل منصب ضابط ركن الثاني حركات الفيلق الثالث،· وقال لقائد الفرقة
ولي أيضا: إن "المخربين" يسيطرون على مدخل الهارثة في الجهة القريبة من الفيلق
ويريد قائد الفيلق أن يحرك الفرقة السادسة بمجملها "لتطهير" المدينة وان يبدأ العمل
فورا.
كان الجو باردا وممطرا، وكنا عائدين لتونا من عملية التفتيش التي بدأت منذ الصباح
الباكر لذلك رد قائد الفرقة:
- إن الفرقة عادت تواً من واجب والجنود يريدون أن يتناولوا طعامهم ويأخذوا قسطا من
الراحة وموقفنا الإداري ما زال صعبا، فهل بالإمكان تأجيل الواجب ؟
قال صلاح:
- إن قائد الفيلق يريد العمل الآن وعلى الفور، فلم يكن هناك خيارً في التهيؤ
والحركة ، فاتجهنا إلى المركز المطلوب حيث كان قائد الفيلق بانتظارنا عند مركز
الدفاع المدني لمدينة الهارثة وكنت حريصا على أن اخرج مع التشكيلات عند تنفيذ هذه
الواجبات لأمور كثيرة أهمها الإطلاع واستغلال الفرص للتخفيف والحد من صرامة التنفيذ
وكان قائد الفرقة يرغب دائما في أن أكون معه خلافا لسياقات العمل· لانه لا يوجد
مبرر لكي أبقى في المقر إذ لا يوجد عندنا مقرات كبيرة لكي تنقسم إلى مقر للقائد
وآخر لرئيس الأركان.
بدأنا بالتحرك، لواء / 25 ومعه "3" دبابات من لواء / 16 و "4"دبابات من لواء / 30
وتوجهنا إلى الهارثة والى منطقة تحشد معينة وقريبة من مقر قائد الفيلق حيث تجمع
اكثر من ثلاثين شخصا من بينهم الفريق الركن "صلاح عبود" والقائد الرديف "اللواء
صباح نوري"، وقائد الفرقة الأولى عميد ركن "حسين حسن عداي"، وقائد الفرقة الثالثة
عميد ركن "حسن زيدان" وضباط آخرون وجماعة أمن الفيلق.
قال الفريق صلاح عبود مخاطبا قائد الفرقة بعد أن استدعى آمر لواء المشاة الآلي/25
أيضا : هؤلاء مجموعة من العملاء "المخربين" وهم على بعد كيلو متر واحد وأشار بيده
نحو مدخل مدينة "الهارثة" يحتلون موقع سيطرة عسكرية قديمة، المطلوب أن تقضي عليهم
وتدخل المدينة لتطهيرها وتصل قواتك إلى الجسر الذي يبعد (500م) جنوب هذه السيطرة
وجعل الطريق إلى البصرة سالكا. ثم حول نظره إلى آمر اللواء وقال له: عليك أن تبدأ
بمعالجة السيطرة والبيوت المجاورة لها قبل الحركة خشية وجود أسلحة مقاومة للدبابات
فيها وأردف قائلا: عليكم فرض السيطرة على المدينة بالقوة وكرر أوامره السابقة
بتدمير المساكن والبنايات التي تبدي أية فعالية معادية.
الوقت يقترب من الساعة الخامسة عصرا ... كانت القوة منهكة معنويا.. ولأول مرة
أصبحنا تحت اختبار حقيقي، فجميع الحاضرين وعلى رأسهم قائد الفيلق يشاهدون عمل
الفرقة ويترقبون النتائج التي لا تقبل التسامح والتهاون.
الأوامر واضحة وحازمة والهدف معلوم والقوة متكاملة في منطقة الوثوب والجميع يشاهدون
بأعينهم.
كنت أتوقع بأن القوة سوف تدخل الهارثة وتدمرها هذه المرة حيث لا مجال للتهرب من
تنفيذ الأوامر.
باشرت القوة بالتقدم بعد أن أطلقت الدبابات نيرانها في اتجاه عدد من المباني
والمراصد القريبة من السيطرة ولكن الإطلاقات سقطت بعيدة جدا عن أهدافها بحيث لم
نشاهد موقع سقوطها ! * وهذا مؤشر على أن الرجال القابضين على الزناد قد قرروا تنفيذ
الأوامر الصادرة إليهم على طريقتهم الخاصة. كان آمر اللواء وهيئة ركنه يتوسطون
القوة المتقدمة نحو هدفها وهي "السيطرة" وعندما أصبحت على مقربة ثلاثمائة متر فتحت
النار من جهة الثوار وكانت عبارة عن صلية او صليتين كلاشنكوف باتجاه القوة المهاجمة
سقط على أثرها ذلك ثلاثة جرحى أحدهم ضابط. في تلك اللحظة، توقفت عجلات القتال
المدرعة والدبابات جميعها وكنا نتوقع أنها نفذت توجيها لأمر اللواء، الجميع يترقب
الموقف بحذر، قائد الفيلق والآخرون ينتظرون احتلال الناحية والسيطرة على الجسر الذي
يربطها بطريق البصرة وبذلك يسجل موقفا بطوليا ويزف البشرى للقائد العام في بغداد!
ولكن هنا حدثت المفاجأة، فقد تراجعت القوة المهاجمة بعجلاتها المدرعة ودباباتها
مهزومة إلى حيث انطلقت وتعالت صليات الرصاص خلفها ويبدو أن جنودنا قرروا حسمها هذه
المرة بأنفسهم دون الحاجة إلى إيماءة من أحد.
تخلت القوة عن القتال وكانت هزيمة مذهلة وواضحة للجميع ولا يمكن التستر عليها وكنت
أخشى أن يعتبر الأمر من تدبيرنا، قائد الفرقة وأنا، حيث كثرت المؤشرات بهذا الخصوص.
فاقتربت من آمر اللواء وقلت له مبتسما، عملكم جيد، أجابني قائلا: هذه ورطة جديدة،
في الكويت كان الجنود لا يقاتلون، أما هنا فلا يوجد أي استعداد للقتال لا من الضباط
ولا من الجنود ثم لماذا القتال؟ ولمصلحة من يموتون ؟ وعندما شاهد الفريق صلاح ما
حدث لقوة كبيرة أمام صليتي رشاش، عرف وضع قطعاته وانه لا يمكن أن يكرر العملية أو
يقوم بشيء غير الانسحاب إلى مقره في ناحية الدير، فقرر الانسحاب ولزم الصمت ولم
يحاول التحقيق والمحاسبة وتناسى الموضوع كليا وتظاهر مقتنعا بمبررات بعض الخيرين من
أن هذا حدث نتيجة ضعف العامل الإداري وانه ليس عصيانا أو عدم تنفيذ أوامر، * ولكن
بوادر تشير إلى عدم الارتياح من قائد ورئيس أركان الفرقة قد ظهرت وتمخضت عن القيام
بنقل قائد الفرقة المدرعة السادسة إلى فرقة المشاة / 29 بالرغم من أن أمر إلغائها
قد صدر توا كما تم تبليغ القائد الجديد بضرورة تحجيم رئيس أركانها والحد من هيمنته
على التشكيلات والمقرات فيها ريثما يتم نقله إلى مكان آخر، وبعد بضعة أيام من تلك
التطورات تم القبض على ضابطين وعدد من الجنود في تلك القوة من قبل عناصر أمن الفيلق
بتهمة التعاون مع المعارضة!
مختبئون و قتلى ..وهجوم مضاد !!
بعد يوم 8/3، استمرت الفرقة بإدامة معداتها وأسلحتها وتدبير شؤونها الإدارية،
وتزايد آنذاك التحاق الضباط والجنود إلى وحداتهم بعد ان كانوا مختبئين في المدن
والقرى المجاورة طوال الأيام الماضية، وكان من بين المختبئين الذين التحقوا مسؤول
التنظيم الحزبي للفرقة ومدير الإدارة وعدد من آمري الصنوف وضباط أمن مقر الفرقة.
وفي 13 آذار، عين العميد الركن "سعدون يونس محمد أمين" قائدا للفرقة المدرعة
السادسة وزود بتوجيهات شفويه تحذره من رئيس أركان الفرقة (مؤلف الكتاب)، ولما سمعت
بذلك التوجيه، بدأت الشكوك يساورني من التعامل معه وهيأت نفسي لمرحلة جديدة من
العمل.
وفي يوم 15 آذار، كلفت الفرقة بواجبات خفيفة لتفتيش القرى والقصبات الواقعة ضمن
القاطع ولم تحدث أثناء التفتيش حوادث مهمة عدا تمكن قوات الحرس الجمهوري (فرقة
حمورابي) من اقتحام مدينة الهارثة بعد مقاومة باسلة أبداها المنتفضون، وبذلك أصبح
الطريق سالكا إلى البصرة وأصبحت المدينة ضمن مسؤولية الفرقة المدرعة الثالثة.
كان العميد الركن "سعدون" قائدا للفرقة (29) التي صدر توا أمر بإلغائها، وكان آنذاك
في قرية الزريجي في الضفة الشرقية لنهر دجلة الذي يفصل بين مقر الفيلق والجانب
الآخر وقد استطاع رجال الانتفاضة تطويقه وعزله ضمن قاطع المعارضة لمدة أسبوع (من 2
- 9 آذار) حيث أخفاه أحد وجهاء القرية هو ورئيس أركانه العميد الركن "صباح مطرود"
وعدد من الضباط والجنود في أحد المنازل وفي الأيام الأخيرة قام وجيه القرية
بتسريبهم * إلى مقر الفيلق عبر شط العرب وقد ترك إيواء الوجيه له وللضباط والجنود
الآخرين والمحافظة على حياتهم أثرا طيبا عميقا في نفسه إضافة إلى تعامل الثوار معه
بالتسامح، ولما ظهرت عليه آثار ذلك الإحسان، بدأت الشكوك تحوم حوله حتى وصلت إلى حد
التهامس بأنه يتهاون مع الثوار، وعندما شعر هو بذلك أراد أن يثبت العكس، فأظهر
الشدة في أوامره ومع ذلك، كان التناقض باديا على موقفه لعدم قناعته بقمع الثوار
بالقوة والعنف، ومما يجدر ذكره، انه كردي الأصل وبعثي (عضو قيادة فرقة) وكان يطمح
بالوصول إلى أعلى المناصب العسكرية لما عرف عنه من كفاءة وشجاعة ونزاهة، ولكن
انتمائه القومي كان يحول دون ذلك، الأمر الذي زاد من صلابته وافتخاره بنفسه كونه
كردي الأصل، ونتيجة التحذيرات الموجهة إليه بتقليص نفوذي في الفرقة، كان يتجنب
مشاورتي في كثير من القضايا ويتعمد عدم إشراكي في الأحداث اليومية التزاما منه
بتوجيهات مقر الفيلق بهذا الصدد، إلا أن ذلك لم يغير من قناعتي به، فقد عرفته رجلا
وطنيا مخلصا.
في اليوم الثاني لاستلامه القيادة، سقطت قنبلة أطلقها المنتفضون على مقر الفرقة قتل
على أثرها أربعة ضباط أحداث كانوا مجتمعين حول "قوري شاي". كان اثنان منهم من
محافظة واسط والثالث من النجف والرابع من مدينة الثورة في بغداد وفي اليوم نفسه
كانت الفرقة السادسة تشترك مع قطعات الحرس الجمهوري في "الهجوم المضاد على مواقع
المعارضة" في الضفة الشرقية من دجلة.
قتال على الطريق ..
كانت واحدة من المهمات التي كُلفنا بها يوم 15/3 هي عبور شط العرب والاستدارة من
القرنة جنوبا وشرقا بموازاة الحدود العراقية - الإيرانية ثم العودة إلى مقرنا
القديم في النشوة إذ كنا قد أكملنا احتلال النشوة والمناطق والقرى المجاورة لها وقد
استغرقت هذه العملية ست ساعات، من السادسة صباحا حتى الثانية عشرة ظهرا، وكانت
المهمة هي إعادة جزء من الأراضي و "تطهيرها" حسب مخطط الهجوم الموجه ضد الثوار من
الضفة الشرقية لشط العرب ولغاية الحدود الإيرانية حيث سيطرنا على المنطقة وعدنا إلى
المعسكرات التي كانت قد تعرضت للنهب والسرقة، فقد لاحظنا اختفاء بعض الشبابيك
والأسلاك الكهربائية، في حين أخذ الوضع المتردي للجيش يتغير عما كان عليه حيث بدأ
الكثير من الضباط والجنود الغائبين والمتسربين بالعودة إلى وحداتهم وبدأت الفرقة
تستقبل المئات منهم يوميا، أما عن سير تنفيذ العملية فجر ذلك اليوم، فقد تحركنا
باتجاه ناحية القرنة ليلا وفي طريقنا مررنا بناحية "طلحة" * التي قاوم أهلها بضراوة
وابدوا من صنوف البطولة في الدفاع عن مواقعهم ما يدل على روحهم القتالية واستعدادهم
للتضحية، ودار القتال بين الحرس الجمهوري والثوار في جو بارد ممطر وكنا نتحرك
بصعوبة، فالطين وطبيعة الشوارع لا تساعد على التقدم، وبحلول الساعة التاسعة صباحا
عبرنا النهر من جهة "القرنة" باتجاه جسر "السويب" ثم "النشوة" وواصلنا التقدم وقد
ضعفت المقاومة آنذاك حيث كانت قطعات الحرس الجمهوري قد سبقتنا بالعبور وكانت آثار
جرائمهم ضد الثوار لا تزال قائمة على الطريق حيث كانت جثث القتلى المدنيين تعد
بالعشرات وكانت أعمارهم لا تزيد على العشرين سنة وأسلحتهم الكلاشنكوف و R B G 7
ملقاة حواليهم، وكأنها تريد أن تقول: "كنا بأيدي مقاتلين ثوار شجعان !"
كانت كثرة المواضع المحفورة على التقاطعات الرئيسة وامتلاؤها بالجثث وانتشار القتلى
بشكل مجموعات تدل على حدوث مقاومة ضارية أبداها الثوار، ويبدو أن قوات الحرس قد
استخدمت قنابل الدبابات ضدهم بكثرة وقد تقدمنا دون اعتراض لان قوات حمورابي التابعة
للحرس الجمهوري كانت قد أنجزت المهمة وفتحت الطريق بعد أن أبادت المنتفضين وهدمت
وأحرقت البيوت وأتلفت المزروعات.. هكذا كان مصير أسود يطوي حياة المئات من أبناء
العراق الشجعان فيا لها من كارثة ويا لها من بلوى!!!
ولم يتوقف ارتكاب الجرائم عند هذه الحدود البشعة الخسيسة، بل تعداها إلى ما هو اكثر
كراهية ومقتا واشمئزازا، إذ كنا نشاهد على الطريق الاسفلتي المعبد صورا لأجساد
بشرية سحقتها سرف الدبابات وبدت وكأنما تم استنساخها على الأرض بعد أن صفَّت فيختلط
اللحم الممزق بالعظام المهشمة تحت وطأة الدبابات فتظل صور الأجساد مطبوعة فوق
الإسفلت ولا يظهر إلا الشعر الأسود المتبقي منها مع بقايا قطع من الأحذية..!
بدأنا نبحث عن أسلحتنا المتناثرة ونكمل الترميمات البسيطة ثم صدرت الأوامر للقيام
بمهمات لتفتيش القرى بحثا عن رجال الانتفاضة وملاحقة السكان وتوالت عمليات التفتيش
والاعتقالات فكانت القرية تطوق ليلا وفي الرابعة صباحا يبدأ التفتيش، فيدخلون إلى
البيوت ويهجمون على العائلات وأصبحت مهمات التفتيش تجري مرتين في الأسبوع وكأنها
مناسبات لزيارات نحسة لان رجال المقاومة كانوا يترددون على ذويهم بين فترة وأخرى.
كانت عمليات التفتيش قاسية ولا إنسانية في البداية ولكنها أصبحت روتينية فيما بعد
حيث تخرج العوائل من بيوتها في الليل وفي جو بارد ولم اشترك في أية عملية تفتيش،
لذا كنت أسأل الضباط العائدين من التفتيش للوقوف على حقيقة ما يجري، فيقولون: إن
معظم العوائل تعيش أوضاعا مؤلمة وفي ظروف معاشية قاسية ولا يوجد عندهم شيء من
الطعام سوى كميات من التمر التالف ويبدو أن مصدر التمر هو مكابس التمور الحكومية
التي تعرضت إلى عمليات النهب.
وقد أظهرت التفتيشات الدقيقة والمتتالية إن هؤلاء الناس المنتفضين لم يفقدوا الأمل
في النصر ومعاودة الانتفاضة، فقد تفننوا في كيفية المحافظة على الأسلحة والحرص على
عدم تسليمها للدولة وإخفائها بشكل محكم، فقد وُجدت مغلفةً في أكياس نايلون داخل
النهر، ووجدت كذلك مخفية في المزارع وبين الجدران وداخل التنانير ومدفونة تحت الأرض
.. الخ.
شاب من النشوة ..
كان الكثير من شباب الانتفاضة يتمتع بمستوى معين من الوعي والإدراك اللذين
يميزانهما عن الآخرين وذلك بحصولهم على مستوى معين من التعلم والثقافة جعلت لهم
مكانة محترمة داخل محيطهم الاجتماعي ومن بين تلك العناصر التي كانت تحمل وعياً
جيداً وشاركت في الانتفاضة، شاب يدعى "حيدر"،وهو من عائلة معروفة في ناحية النشوة،
وكما هو معروف عن أهل النشوة ، بعد أن قهرتهم قوات النظام أنهم حملوا ضحاياهم
واستقروا في بيوتهم وبدأوا يساعدون المتبقين من أبنائهم لينجوا بأنفسهم من حملات
القمع الوحشية.
وبعد أن انتهت المقاومة الشعبية، تعرض سكان الناحية إلى حملة اعتقالات وكان من بين
المعتقلين "حيدر" وقد ادعى أفراد الأمن العسكرية انهم سيحققون معه فقط في مقر
الفيلق وعلى عادتهم في الكذب والادعاء، فانهم قاموا بإعدامه بعدما أجروا تحقيقا
مثيرا معه انتهى نهاية مأساوية..! في الوقت الذي كانت العائلة تنتظر عودة ابنها
حيدر بعد انتهاء التحقيق عُثر على جثته طافية في النهر، فحمله والده برباطة جأش
وتوجه به إلى عائلته التي كانت تعيش في حالة قلق وترقب. استقبلت العائلة جثة ابنها
بحالة من التأثر والحزن واستاء أهل الناحية استياءا كبيرا ولم يترددوا في إظهار
الاستنكار والإدانة. بعد حين اخبرني أحد ضباط الأمن الذي شاهد جانبا من التحقيق
قائلا: "كان منطق الشاب وطريقة طرحه لآرائه وعدم إنكاره التعاون مع المعارضة قد
عرضه إلى ألوان التعـــذيب والتعجيل بإعدامه فحينما سأله المحقق عددا من الأسئلة من
بينها:
- هل أنت حيدر ؟
- نعم .. !
أنت متهم بالتعاون مع المخربين، فماذا تقول ؟
- أنا متعاون مع المعارضة الذين هم كلهم أبناء مدينتي من شباب ونساء وأطفال، وهم
الذين انتفضوا بسبب الظروف التي يعيشون تحت وطأتها..! فالجنود الذين سيقوا بالإجبار
إلى ساحات الحروب وماتوا هناك هم إخواننا وأبناء وطننا ولا طائل من هذه الحروب سوى
الموت المجاني والدمار الاقتصادي الذي نعيشه نحن هنا في هذه القرى المنسية والتي لم
تشمل بأبسط وسائل الحياة الكريمة حتى بدأنا نحس أن حياتنا لا ترقى إلى مستوى البشر،
بل وإنها وصلت إلى الحد الذي فقدنا فيه إنسانيتنا، ظلم، تمايز، طائفية ! وتعرضنا
لكل العلل الاجتماعية، ولذلك لم يجد الناس سوى التململ والنهوض الذي عبروا عنه بهذه
الانتفاضة.
- إن موقفك وكلامك بهذا الشكل يعني الاعتراف الذي يقودك إلى الإعدام !
- لم أقل غير الحقيقة، فإذا كانت الحقيقة مرة إلى درجة تجلب على قائلها الإعدام،
فما هو ذنبي ؟ وهل يمكن تزوير وتزييف وقلب الحقائق عندما تبدو صورة واقعية لكل ذي
بصر وبصيرة ؟ لم يعد هناك مجال للصمت، ولهذا انتفض الناس !
وبعد أن أنهى المحقق أسئلته، كان ثمة صمت ... إشارات ... ثم تسمع إطلاقات، تحمل
بعدها جثة حيدر لترمى في شط العرب.
أما أنا فلم أخف تألمي لما حدث وكذلك كل من سمع الحكاية من الضباط والجنود ولكن لا
أحد يستطيع إظهار عواطفه جهارا، وفي اليوم الثاني شاهدنا عشرات الرجال ومئات من
النسوة المتشحات بالسواد يترددون بصمت على بيت "أبو حيدر" الذي رفع الأعلام السود
حدادا!
ظل أزلام النظام يشكون بالشباب ويرتابون منهم وتزايد نشاط عناصر الأمن وكانوا بين
فترة وأخرى يشنون على هؤلاء الشباب حملات اعتقال لغرض التحقيق معهم ولمعرفة أماكن
تواجدهم زمن الانتفاضة، وكنت أرى مجاميع كثيرة يجري التحقيق معها، وفي إحدى المرات
التقينا بشباب يافعين كنت اعرف والدهم حيث كان مجاورا لمقر اللواء المدرع / 16، وهو
رجل متقدم في السن اسمه "حسين" وأمهم امرأة عجوز، ولأنهم كانوا في قبضة رجال الأمن،
فقد كان علي أن أجد وسيلة لإنقاذ أبناء "أبو علي" لان نظراته المليئة بالحزن
والرجاء كانت من المشاهد التي لن أنساها، مما حفزني على التدخل ولكن بحذر وبعد
جهد نجحت في إنقاذ حياتهم وإطلاق سراحهم !
الأمن ... نشاط جديد
بدأت الجهات الأمنية والاستخبارية بعمليات جرد وتدقيق وجمع معلومات لأنها كانت
بحاجة إلى تجميع اكبر كمية من هذه المعلومات بسبب أن ملفات وأضابير دوائر الأمن
كانت من بين ما استهدفه شباب الانتفاضة، وقد هرب منتسبو هذه الدوائر في البداية،
والآن، خرجوا من مخابئهم وعادوا وانضموا إلى القوات في الهجوم المضاد ليحتلوا
مراكزهم من جديد وقد دخلوا معنا إلى نواحي "الدير" "والنشوة" وقد بدأ توزيع
الاستمارات لغرض جمع المعلومات من جديد وبالتنسيق بين دائرة الأمن والمنظمة الحزبية
وبإشراف ضباط أمن الفيالق والفرق.
جرى العمل بسرعة لإكمال الجرد، وفي ضوء المعلومات المقدمة، قام الجهاز الأمني
بإلقاء القبض على المئات، فترى العشرات يغادرون تحت الحراب في سيارات إما إلى
سجن البصرة أو إلى بغداد ومن كان يتهم بحمل السلاح، ينفذ به حكم الإعدام فورا
دون أية محاكمة ولو صورية ، وكنا نسمع صوت الرصاص فرادا وصليا في شعبة أمن الفيلق
الثالث، فيعلق الضباط والجنود على ذلك قائلين (لازم أكو وجبة جديدة من
المعدومين !)، وخلال وجودنا بالقرب من مقر الفيلق، كنا نشاهد أفراد الأمن
يمسكون بالشباب ويعدمونهم ولم يتدخل قائد الفيلق بردعهم أو في الأقل بوضع
ضوابط حيال تلك الأفعال الوحشية، وكأن الأمر لا يعنيه * حيث كانت عناصر الأمن تقوم
بإعدام أي شاب يلقى القبض عليه والقيام بعد ذلك برمي جثته في شط العرب، وبعد أيام
قلائل تتكدس تلك الجثث في مكان مرتفع وسط النهر وتستقر فيه، وكان أهل الضحايا
يجوبون الشواطئ والضفاف بحثا عن أبنائهم بين تلك الأجساد الطافية فوق سطح الماء،
ويقع هذا المكان جنوب معمل الورق مقابل الهارثة حيث يتجمع عدد كبير من الأهالي
هناك.
وصلت لجنة من الأمن العسكري إلى مقرنا في "4 نيسان"، يــرأسها ضابط برتبـة عميد
ركن من الاستخبارات العسكرية وكانت مهمتها التعرف على أسماء الحاضرين قائمة
( أ )·· وأسمــاء الغائبين قائمة ( ب )· خلال الأيام الماضية وذلك يعني أن الجهات
المسؤولة أصبح لديها وقت كاف بحيث بدأت تتوجه إلى داخل المؤسسات العسكرية والحزبية
بعد أن أنهت عمليات "الجرد" و"القمع" للجماهير الثائرة، فعليها الآن أن تهتم بمن هم
في داخل الجيش والحزب وهي عملية مهمة لان النظام يعلم أن الجهاز الحزبي تفتت وذاب
في أوساط الانتفاضة وقلة قليلة جدا لم يصبها انهيار وظلت على موقفها.
كان من ضمن المتغيبين في الفرقة المدرعة السادسة، المسؤول الحزبي للفرقة، عضو
الفرع ، ضابط الأمن ومدير الإدارة وكانوا جميعا قد تركوا مقر الفرقة منذ بدء
الانسحاب من مدينة الزبير في 1 آذار ولم يلتحقوا إلى مقر الفرقة إلا بعد أن جرى
تحول حقيقي في مجرى الأحداث، أي في يوم 6، 7 آذار. وعندما أراد أحدهم الإعلان عن
أسماء الضباط المتغيبين، قلت له :
- أنت وأصحابك لم تكونوا موجودين وانتم من أوائل المتغيبين وكنتم في بيوت آوتكم
داخل مدينة البصرة طوال الأيام السبعة الماضية..!
فأجاب قائلا:
- كنا في مستشفى البصرة وحوصرنا هناك ..!
كنت أريد أن يبقى موقفهم معروفا هكذا لكي لا يتطاولوا على الآخرين، فأضفت قائلا:
- سأكتب هذه الملاحظة عنكم، ولما سمع مسؤول الحزب ذلك قال :
- (أرجوك لا تذكر اسمي لا بالحضور ولا بالغياب وسوف أتفاهم مع الحزب حول هذا
الموضوع). ولكني عندما كتبت لم أذكر حقيقة أمرهم كاملا وأيدت ادعائهم بأنهم كانوا
محاصرين في مستشفى البصرة العسكري.
كنت أتوقع أن يؤثر ذلك فيهم وقد ثبت انهم كانوا متغيبين ولكني لم اذكر ذلك صراحة
عسى أن يغيروا من سلوكهم تجاه الآخرين من الضباط والجنود ولكنهم ، ما أن اطمئنوا إلى
أن شيئا لن يصيبهم حتى عادوا إلى ممارسة سلوكهم وتصرفاتهم الشائنة مع الآخرين وخاصة
بعد نقلي خارج الفرقة، فقد امتنعوا عن تأييد نماذج تقييم الضباط وجنود كنت أنوي
مساعدتهم داخل الفرقة بإلغاء غياباتهم، وقالوا لهؤلاء الضباط والجنود، "هذا رأي
رئيس الأركان السابق .. ونحن حزب وأمن ولنا رأينا فيكم" !
وتمت المباشرة بمحاسبة المتغيبين منهم، وفي كل الأحوال لم يكن الضعف الذي يشعرون به
خافيا على أحد، إذ حاولوا تغطيته من خلال المزايدات والمبالغات بالإخلاص والولاء
الزائف للنظام والذي هو القاسم المشترك الذي يجمع بين الهاربين من وجه الثوار، فقد
لوحظ أن هذه العناصر كانت أكثر العناصر انتهازية وحصل الكثيرون من هؤلاء على أنواط
الشجاعة. ويذكر انه في أحد التجمعات التي خصصت للذين لم يتركوا مواقعهم كانت بناية
قيادة الفرع في البصرة قد غصت بالأعضاء الحزبيين من مختلف المستويات .. ولا شك انهم
بدأوا يتساءلون مع أنفسهم:
لو هذا صحيح، فكيف حدث ما حدث.. !؟
وعلى الرغم من محاولة هؤلاء في إخفاء حقيقة الانواط التي حصلوا عليها، فانهم كانوا
ضعفاء في داخلهم واصبحوا نقمة على العسكريين، والواقع ان الكثير من أنواط الشجاعة
التي حصل عليها أفراد الأمن كانت تكريما لجرائمهم وتشجيعا لأعمالهم التجسسية ضد
منتسبي القوات المسلحة.
مظاهر .. فارغة .. !!
بات أهالي المنطقة ممن كانوا يتصفون بالخلق والكرامة في حيرة من أمرهم بعد وصول
الحرس وقوات الجيش حينما أرغموا على استقبال تلك القوات. فلو أخذنا ناحية "النشوة"
التي هي أقرب إلى قرية منها إلى مدينة، لوجدنا إن درجة الإهمال فيها كبيرة جدا
وتزايد آثار شظايا القصف وبقايا الحافلات العسكرية المحروقة بفعل القصف الجوي وغيره
من صور الإهمال وفي ظل عمليات المداهمة والتفتيش بحثا عن رجال الانتفاضة، فقد هرب
قسم من سكان النشوة فيما تم إلقاء القبض على القسم المتبقي فيها.
وعليه، فقد كانت مظاهر الترحيب فارغة من أي عاطفة صادقة بحيث أن الأيدي التي كانت
تصفق والأصوات التي كانت تهتف بالولاء لصدام حسين مرغمة عنها، إنما كانت تعبر عن
حزن دفين ممزوج بخوف وخجل، فحتى يوم أمس كان هؤلاء المستقبلون يشاركون في الانتفاضة
وكانوا يقاتلون مع أبنائهم واليوم يخرجون لتقديم الولاء .. ! إنها صفحة أشبه
بالكابوس، أصيب الناس بالإحباط عندما وجدوا الدبابات في مداخل قريتهم، وتحت وطأة
الخوف من الإبادة الجماعية قدموا الولاء، فمنهم من قام بزيارة الوحدات العسكرية بعد
أن استقرت في مواقعها ومنهم من راح يقيم الولائم وينحر الذبائح للجيش ومنهم من بقي
يهتف بمناسبة أو بدون مناسبة بحياة الحزب والقائد والقيادة السياسية وكانوا يؤدون
هذه "الطقوس" مرغمين وينظرون إلى القطعات العسكرية وكأنها جيش احتلال! وبصراحة، فإن
العلاقة الإنسانية التي كانت تربط الجيش بجماهير الشعب تاريخيا انهارت إلى حد بعيد
لان النظام زج الجيش في ممارسات قمعية ليست من شأنه وفي حروب لا دخل له فيها وليست
لها علاقة بقيمه وواجباته الوطنية، فاصبح الجيش خاضعا لمصالح النظام والعائلة
الحاكمة وفي التصدي لانتفاضة الشعب، وتحكمت في أعماله توجيهات لإشباع رغبات النظام
داخل الوحدات، فأصبح ضباط الأمن في الجيش ينفذون حملات الإعدام والملاحقة
والاضطهاد!
قبل احتلال الكويت، كنت قد أقمت علاقات صداقة مع شيوخ ووجهاء العشائر في المنطقة،
وخلال سنة ونصف السنة كان الجميع ممتنين لما أبديته من تعاون وتفاهم معهم ولكن بعد
احتلال الكويت وبعد ان انسحب الجيش وبدأت عمليات قمع الانتفاضة تغيرت هذه العلاقة
كثيرا، لان الجيش اصبح يقيم علاقة قسرية مع المختارين وشيوخ العشائر والوجوه
الاجتماعية في مناطق العشائر الجنوبية ويرغمهم على الاشتراك في حملات القمع
ويعاقبهم لنشاط أقاربهم وأبناء عشائرهم، معتبراً ذلك وزراً يحملونه ويطلب منهم
معلومات عن أولادهم وأقاربهم وبدأت منظومات الأمن تفرزهم على أساس انهم متعاونين أو
غير متعاونون، ورغم جهود النظام لتفكيك واقع الروابط العشائرية واضطرارهم إلى إبداء
فروض الطاعة، فان هؤلاء الشيوخ والوجهاء الذين يتمتعون بتقدير واحترام أهالي
مناطقهم لم يتخلوا أبدا عن أبناء عشائرهم الذين كان يتم القبض عليهم بل كانوا
يبادرون إلى بذل كل الجهود الممكنة لإطلاق سراحهم، حيث كانوا يعلمون ما للتأخير من
نتائج وخيمة.. لذا كانوا يراجعون الدوائر الأمنية ومقرات الجيش حال إلقاء القبض على
أحد أبنائهم استعجالا في تخليصه من مخالب الموت المحتم، وأمام هذه المهمة كانوا
يبدون من أشكال التوسل وأساليب الاسترحام ما جعلهم يريقون ماء وجوههم أمام من
يعتقدون أن في يده نتفة من عطف أو إغاثة، حتى ان بعض هؤلاء الشيوخ الموقرين ذهبوا
إلى بغداد وتكريت لعلهم يحصلون على أمل من شخصية مقربة من النظام أو من ذي منصب على
إخلاء سبيل موقوف أو فك رقبة من إعدام..!
ماذا حدث في الهارثة .. ؟؟
لم تخل قرية أو بلدة في المنطقة التي كنا فيها أو المناطق القريبة منا من حوادث
مأساوية وأعمال إجرامية تتم بأوامر مباشرة من ضباط أمن الفيالق والفرق استنادا إلى
توجيهات مركزية عامة تأتيهم من بغداد أو بدون ذلك أحيانا أو قوات الحرس الخاص أو
الحرس الجمهوري .. ففي مدينة الهارثة، الناحية التي تقرب في وصفها وخصائصها من
"النشوة وكرمة بني سعيد والمدينة والهوير والدير" حيث جميع القرى والمدن والبلديات
تعيش ظروفا متماثلة، فان خصال السكان في الشهامة والكرم والشجاعة والتضحية من اجل
الوطن ظلت متميزة، لكن تلك الخصال لم تسعفهم بعد الانتفاضة، فقد عوملوا معاملة
الأعداء وكان مضمون الأوامر التي ذكرناها تنص صراحة على إنزال عقوبة الموت بهم
فورا.
في الهارثة، حدثني ضابط برتبة كبيرة أثق به وكان متألما وتفيض كلماته مرارة حين
قال:
(قامت قوة من الفرقة المدرعة الثالثة بقتل أحد شباب الانتفاضة بتهمة انضمامه إلى
مجموعة الشباب الذين هاجموا السيطرة القريبة من مدخل ناحية الهارثة يوم 7 آذار 91،
حيث قامت هذه القوة بربط أطراف الشاب إلى ناقلتين مدرعتين وصدر الأمر إلى الناقلتين
بالتحرك باتجاهين متعاكسين مما أدى إلى انشطار جسم الشاب إلى شطرين، ومما زاد في
بشاعة المنظر هو أن هذه الجريمة ارتكبت على مرأى ومسمع من عائلة الشاب التي كانت
تترصد مصير ابنها على بعد من مسرح تنفيذ الجريمة البشعة، وإذا كان لا بد من ذكر صور
أخرى عن تلك الأعمال اللاإنسانية، ففي مدينة الهارثة نفسها قامت نفس العصابة
المجرمة بقتل أخوين أمام والدهم .. ! وتساءلت، لماذا كل هذه الوحشية وهذه القسوة
وما المقصود من ورائها ؟ وهل صحيح أن الجيش أصبح أداة لتنفيذها ؟)
وكان الأمر مستغربا حقا، خصوصا وانه يصدر من الفرقة الثالثة، فإذا كان قادة بعض
الفرق قد أصابتهم الحيرة والدهشة من الأحداث وسيطر عليهم ضباط الأمن الذين أصبحوا
يتصرفون كالكلاب المسعورة، فان قائد الفرقة الثالثة، العميد الركن "حسن زيدان
اللهيبي" وكما عرفته يتحلى بسمعة طيبة محافظا على بعض القيم والاعتبارات، فكيف سمح
بذلك ؟ وقد زالت حيرتي عندما تأكدت من أن العناصر المجرمـة قد تصرفت دون إذن منه
وبدون علمه !
القبر ... والسعفة !!
إن آثار هذه الجرائم بقيت لأشهر تالية عالقة في ذهني، فبعد الانتفاضة بشهرين أو
اكثر، كلفني أحدهم بطلب إنساني وكنت ما أزال اشغل منصب رئيس أركان الفرقة السادسة
قائلا:
(هناك رجل طاعن في السن يعاني من مشكلة إنسانية في قاطع فرقتك وهو يطلب المساعدة في
موضوع هد كيانه واقض مضجعه، فقد قتل ولده في منطقة النشوة ضمن قاطع الفرقة وكان
مشهد قتله مأساة لا يقوى على تحملها إلا المؤمنون الصابرون، فقد قتله جنود الحرس
الجمهوري على مرأى من والده وأخته البالغة من العمر اثنتي عشرة سنة وتركوه في
الشارع وهم مطمئنون إلى انه سيبقى هكذا لان الأوامر صريحة بترك جثة من يقتل في
الشارع، وظل الأب والأخت يحومان حول الجثة ولا يجرءان على الاقتراب منها ولكنهما
عندما شاهدا الكلاب بدأت تنهش الجثة لم يتحملا ذلك وقررا أن يحفرا للابن حفرة
ويدفنا الجثة مهما تكن النتيجة وفعلا ذلك في نفس المكان وكان وقع المأساة على الأخت
شديدا فلم تتحمل أعصابها ذلك المشهد المذهل، فأصيبت بخلل عقلي! وبعد هدوء الأوضاع
راجع الوالد المسؤولين ليسمحوا له بنقل جثة ابنه إلى مقبرة العائلة في ناحية الدير،
لكنهم لم يسمحوا بذلك والرجل يعرف علاقتي بك وهو يعرفك ويلح علي أن اطلب منك
مساعدته ليقوم بنقل جثة ابنه وهو طلب لا اعتقد أن أحدا في قلبه ذرة من شفقة يرفضه).
هذه صفحة جديدة تضاف إلى سجل الجرائم الأخرى، بهذه الفظاعة عومل الناس ونزعت الرحمة
من القلوب، فالشاب انتقل إلى جوار رب كريم، بعد أن أدى ما عليه ولكن أزلام السلطة
يريدون التفنن في معاقبة حتى الأموات، أما الأحياء ممن قادهم القدر إلى الخضوع لمثل
هؤلاء الازلام فان مآسيهم تقشعر لها الأبدان، ولقد تذكرت الرجل وطلبت أن التقي به
وجاءني وهو يرتعش وكانت ملامحه تتشح بالحزن والنظرات البائسة، مد يده وصافحني ورحبت
به وكانت كلماته مثقلة بالألم ويتكلم بصعوبة لثقل المأساة التي أصابته.
بدأ الرجل العجوز المسكين يتذكر ابنه وكان كأس الشاي يرتجف في يده وقال: "خلال
القصف الجوي انتقلنا إلى هذه المناطق القروية شرق شط العرب كونها اكثر أمنا، ولما
قامت الأحداث خرج الشباب ومن ضمنهم ابني وشارك في الانتفاضة ثم جاء الحرس الجمهوري
وقاموا بإطلاق النار عشوائيا، ثم اصبحوا يرمون المارة بالشارع عن بعد وقد رموا ابني
وأردوه قتيلا أمامي، وعندما اقتربت من جثته، أبعدني أفراد من الحرس بعنف وشدة ولما
توسلت إليهم رغم كل ما أصابني منهم قالوا: التعليمات تقول أن يبقى هؤلاء المخربون
أمثال ابنك في الشوارع لتنهشها الكلاب السائبة وأصابنا الذهول وأصبحنا مسلوبي
الإرادة ننظر إلى الجثة حتى جاءت الكلاب وبدأت تنهشها، فلم احتمل المشهد وقررت أنا
وابنتي حفر الأرض بأيدينا ووارينا عليه التراب وغرزنا على مكان دفن الجثة سعفة نخلة
لتظل علامة لنا تنادينا عند زيارة ابننا وبعد فترة، راجعنا جماعة الأمن في الفرقة
السادسة متوسلين إليهم للحصول على الموافقة في نقل الجثة إلى مقبرة الدير فكان
جوابهم: "الأوامر تقول أن يبقى هؤلاء في مكانهم".
سألته هل يعرف مكانه قال: نعم في مدخل الفرقة .. اتصلت بضابط الأمن "حسين خلف جراد"
واستفسرت عن الموضوع قال: - "سيدي، هذه أوامر السيد الرئيس الله يحفظه وهي أن جثث
هؤلاء المخربين والغوغائيين تبقى في الشوارع مثل الكلاب المقتولة".
قلت له: "حتى لو كانوا كلابا مقتولة، فواجب الدولة أن تقوم بنقلها ودفنها منعا
للتفسخ وما ينتج عنه من أسباب تؤدي إلى انتشار الأمراض".
قال: سيدي: "لا توجد مشكلة إذا كانت الأمراض تصيب أهالي المنطقة! إن الأمور ليست
بأيدينا ويجب في مثل هذه الحالة أن نأخذ موافقة الفيلق ! عندها أدركت فشل محاولتي
لأني اعرف أن الفيلق لا يوافق على تقديم أية مساعدة مهما كانت مشروعة ما دامت تمس
أوامر صادرة من جهات عليا خاصة رغم كون هذه الأوامر خالية من كل مشاعر الإنسانية،
لذلك قلت للرائد حسين، ضابط الأمن:
- لنعالج هذه الأمور بيننا..!
أجابني: "أرجوك يا سيدي أن تنسى هذا الموضوع ولا تتدخل فيه لان ذلك يسبب لك مشاكل.!
- قلت له:
- "إذن، غضوا النظر عن الرجل إذا جاء لينقل جثة ابنه ولا تعترضوه وكأنكم لا ترون ما
يفعل !".
وافق حسين على الاقتراح، لكنه قال مستدركا:
- "المشكلة يا سيدي أن الجثة قريبة من باب مقر الفرقة، وسوف يراه حراس الأمن
وسيتصلون بلا شك بالقيادة * وبذلك أتحمل أنا المسؤولية ويصبح ذلك مستمسكا ضدي وأنت
تعلم ماذا ينتظرني عند ذاك".. هذه حالة تكشف عن هيمنة النظام الأمني (البوليسي) على
الجيش وعلى المؤسسات الأخرى وتذكرت كم من وزير أو عضو قيادي يخشى عنصرا أمنيا قريبا
منه كمرافق أو موظفا في وزارته!
لحظتها، تراكمت في ذهني الأحداث وبدأت لا أهدأ من إظهار عدم الارتياح وكان اغلب
الضباط الذين أثق بهم يشاركونني في تحسس هذه الهموم بل إن البعض منهم هو الذي
يبادرني بإظهار الاستياء وسرد الأحداث المماثلة التي شاهدها أو سمعها ويتساءل، إلى
متى ستستمر مثل هذه الأعمال الوحشية وهذا الظلم ؟ وفي إحدى المرات، عندما تحدثت مع
أحد الضباط عن هذه الجرائم وذكرت عددا منها، بادرني بنفس الشعور وحكى لي ما فعله
"مانع عبد الرشيد" (أصبح رئيس جهاز المخابرات) عندما أطلق الرصاص على شابين بعد أن
وضع أحدهما فوق الآخر أمام والدتهما في حي الحيانية في البصرة، وكان "مانع" آنذاك
يشغل منصب ضابط ركن ثاني استخبارات في مقر فرقة المشاة الثامنة والعشرين. ولم تتوقف
هذه الجرائم في حدودها الفردية بل كانت عقوبات جماعية للسكان المدنيين العزل،
فعمليات المداهمة للمساكن والتفتيشات كانت تتم بشكل متواصل ليل نهار، إنها بلا شك
استفزازاً وانتهاكاً لكرامة هؤلاء الناس الذين بدؤوا يعيشون الغربة الحقيقية وهم في
وطنهم الذي ضحوا من أجله وقدموا دماءاً غزيرة دفاعاً عنه. كانت الطبيعة السمحة
لضباطنا وجنودنا وما يتحلون به من وطنية وشهامة تدفعهم إلى عدم تنفيذ ما يصدر إليهم
من أوامر قاسية وشديدة تجاه هؤلاء المواطنين العزل إلا في حالات الضرورة القصوى حيث
كانت عناصر الأمن والاستخبارات المرافقة للقطعات العسكرية تشكل عيون للنظام وآذانه
ترصد تحركات هؤلاء الضباط والجنود وأخبرت عن الكثيرين منهم.
قـــادة ... في الأســر!!!
العميد الركن "سعدون يونس محمد أمين بابان" قائد الفرقة المدرعة السادسة
استقر الموقف نسبيا في القاطع الجنوبي بعد 15 آذار 91 وبدأت تشكيلات الفرقة المدرعة
السادسة تعيد تنظيمها وتحاول إكمال نواقصها الإدارية وكلف لواء المشاة الآلي/25
بالانفتاح قريبا من الحدود العراقية الإيرانية، وتحديدا في منطقة حقول نفط مجنون
الجنوبي، وكانت كتيبة الدبابات السادسة إحدى الوحدات التي انفتحت هناك.
كان الضباط والجنود متعبين والإجازات الدورية لم تفتح بعد وأخبار الانتفاضة لا تزال
تتواصل في شمال ووسط العراق. في الجانب الآخر من الحدود، كان الجنود الإيرانيون
واقفين في وضع استراحة ينظرون إلى جنودنا الذين أنهكهم التعب وخذلهم الموقف، وكنا
آنذاك في شهر رمضان المبارك، وحيث إن جموع الجنود في كلا الجانبين مسلمون، فكان
ينظر كل طرف إلى الآخر في وقت الصلاة ولا يخفي ما لتلك النظرات من دلالة وخاصة
عندما يستعد الطرفان لأداء تلك الفريضة التي هي واحدة عند الطرفين، وهكذا صار هذا
الموقف يتكرر يوميا مما نتج عن حدوث نوع من الالفة والمعايشة في وقت الإفطار، وربما
كان بعض الأفراد من كلا الجانبين يتبادلان الزيارات الرمضانية خلسة وخصوصا من جانب
أفراد جيشنا إذ إن هذه الحالة وهذا التسامح ينبعان من طبيعتهم العراقية الأصيلة وهم
مطمئنون إلى خلق مودة جديدة مع عدو الأمس، وهكذا توطدت تلك العلاقة الجديدة بصورة
لا يشوبها شك من جانب جنودنا وهم يستندون في ذلك إلى الموقف العراقي الرسمي الذي
أعلن إنهاء كل ما يتعلق بالحرب مع إيران (وبجرة قلم ! ) بعد دخول الجيش العراقي
الكويت.
حينذاك، اختفت لدى الضباط والجنود كثير من الحساسيات ومشاعر العداء للإيرانيين، حيث
أنها كانت وليدة ظروف حرب استثنائية، وخاصة بعد أن علم الجميع، بأن صدام أوعز
بإيداع الطائرات العراقية المدنية والحربية لدى إيران وكنا نتصور أن اتفاقا قد تم
بخصوص الطائرات المذكورة مع القيادة الإيرانية التي كانت تتحدث عن الشيطان الأكبر
وهي تقصد بذلك (أمريكا) التي هاجمت العراق، هكذا كانت الأجواء السائدة بين
تشكيلاتنا الأمامية على الحدود مع إيران وهي عموما أجواء تسودها مشاعر سلمية بعد أن
توقفت لهجة التصريحات العدائية بين الحكومتين، العراقية والإيرانية.
وفي عصر يوم 27 آذار 91، ذهب جنديان عراقيان من كتيبة الدبابات السادسة إلى الجانب
الإيراني، إذ ان المسافة بين الجانبين لا تبعد أكثر مــن (200 م ).. وعندما بدا انهما
قد تأخرا عن موعد عودتهما نقل زملاؤهم خبر تأخرهم إلى آمر السرية الذي ذهب
بدوره إلى الجانب الإيراني لجلب جنوده إلا انه سمع الإيرانيين يخبرونه بالآتي:
(اعتبر القائد الإيراني الميداني الجنديين العراقيين أسيرين لديه، ولكن، بإمكان
قائد الفرقة العراقية أن يأتي لمفاوضته في نفس الموقع وسوف يتم إطلاق سراحهما.)
عاد آمر السرية فورا ليخبر آمر الكتيبة (المقدم حافظ القره غولي) بنتيجة تفاوضه مع
القائد الإيراني والذي بدوره ذهب فورا إلى آمر اللواء (العقيد الركن محمد علي
الجميلي) ليخبره بتفاصيل الحادث وقد ذهب الأخير إلى قائد الفرقة (العميد الركن
سعدون يونس) ليطلعه على الموقف، وربما أراد قائد الفرقة وآمر اللواء أن يتلافيا
الموقف بسرعة ودون الحاجة إلى إخبار المراجع وما قد يتسبب عن ذلك من انتشار خبر
فضيحة جديدة حول هروب جنود عراقيين إلى إيران وخاصة في تلك الظروف الحرجة، فقد قرر
قائد الفرقة سعدون يونس، أن يذهب بنفسه لملاقاة القائد الإيراني على خط الحدود
وخاصة أن هناك وعدا بإطلاق سراح الجنديين.
وفي الباب النظامي لمقر الفرقة، جاء المقدم الركن، "حمد خضر الخفاجي" ضابط ركن
الثاني استخبارات الفرقة وعرض على القائد الذهاب معه، فوافق وذهب الاثنان.. وعند
وصولهما الموقع الإيراني، استقبلهم الإيرانيون بحفاوة وأحاطوهم بضيافة جيدة ثم أطلق
سراح الجنديين وعادا مع (القائد ومجموعته المؤلفة من آمر اللواء وضابط ركن
استخبارات وآمر كتيبة الدبابات السادسة وعدد من الضباط الأحداث وجنود الحماية الذين
بلغ عددهم (33) شخصا) وكان الجميع فرحين حيث أنجزوا مهمة خطرة دون مشاكل..!
وما أن عاد القائد ومجموعته إلى الحدود العراقية مودعين من قبل الإيرانيين، وبعد
مسيرة بضعة كيلومترات حتى وقع الجميعفي كمين كبير يبدو أن الإيرانيين قد أعدوه
مسبقا واحكموه جيدا كما ويظهر أن كل التسهيلات المزعومة من ترحيب ووعد بإطلاق سراح
الجنديين كانت تخطيطا لمراوغة انتهت بتنفيذ خدعة تنطوي على سلوك يخلو من الشهامة..!
وهكذا سيق قائد الفرقة، "سعدون يونس" ومن معه أسرى إلى إيران ولا يزالون هناك * شكل
مجلس تحقيقي في مقر الفيلق للتحقيق في موضوع الأسرى الجديد واعتبر سعدون مقصرا في
موقفه لعدم إشعار الفيلق واستحصال الموافقة قبل الذهاب للتفاوض، وقال الجندي
المخابر في بدالة الفرقة: طلب مني العميد الركن "سعدون تأمين اتصال هاتفي بقائد
الفيلق بينما قال الجندي المخابر في بدالة الفيلق إن العميد الركن "سعدون" تحدث مع
شعبة حركات الفيلق.
بدأت الأحاديث والتعليقات تأخذ صيغا أخرى إضافة إلى عدم الأخذ برأي
الجنديين المخابرين لان قائد الفيلق كان قد نفى حدوث الاتصال الهاتفي معه.
العميد الركن "عبد الجليل عبد الحميد الحيدري" قائد فرقة المشاة/20
كانت الفرقة / 20 مشاة تحتل موضعا دفاعيا داخل الكويت ضمن قاطع الفيلق الرابع وعلى
جناحه الأيمن (وادي حفر الباطن)، وعلى الرغم من الإمكانيات المتواضعة لهذه الفرقة
فقد تصدت لقوات التحالف المهاجمة وكانت (قوات مصرية) * وأجبرتها على التراجع في بعض
الأحيان وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول، كما تمكنت هذه الفرقة من إسقاط ثلاث
طائرات أمريكية من نوع (A 10) طائرة بدون طيار وأسّرت أربعة طيارين، كما دفعت بعدة
دوريات استطلاع إلى عمق الجبهة المواجهة لها.
وقد تعرفت على هذه الفرقة بالشكل الذي جعلني أحصل على الكثير من التفاصيل المتعلقة
بها لأني كنت حينذاك آمر اللواء المدرع / 16، وكانت مهمتي هي القيام بالهجوم
المقابل لاستعادة أي تشكيل أمامي من تشكيلات الفرقة/20 يسقط خلال المعارك وكانت هذه
هي خطة مناورة الفيلق، لذا فقد كنت أنا وهيئة ركن اللواء وآمرو الوحدات في حالة
تماس مباشر ويكاد يكون يوميا مع تلك الفرقة (أرضا وقطعات وقيادات).
تعرفت على قائد الفرقة والعقيد الركن "عادل عبد اللطيف الجبوري" ضابط الركن الأول
(يعمل في المعارضة الوطنية حاليا) والمقدم الركن "إبراهيم محمد علي الجبوري" ضابط
الركن الثالث استخبارات للفرقة والعقيد الركن "رياض عبد الرزاق الخطاب" آمر لواء
مشاة/60 (متقاعد)، أما العقيد "صالح حاجم التكريتي" آمر لواء مشاة/435 (عين ضابط
أمن الفيلق الثالث لاحقا) والعميد الركن "عبد الغني عجيل طاهر الاسدي" رئيس أركان
الفرقة، فقد كانت لي معرفة سابقة بهما.
كان انطباعي العام عن الفرقة، قائدا وهيئة ركن وأمري تشكيلات جيدا، وقد تلمست في
العميد الركن "عبد الجليل الحيدري" شجاعة متميزة وأخلاقا فاضلة تعززهما مهارة
عسكرية ملموسة ووطنية صادقة، أما العقيد الركن "عادل الجبوري"، فقد وصف لي قائده
قائلا (كان العميد الركن "عبد الجليل الحيدري" هادئا ومتزنا على الرغم من كل الظروف
الصعبة التي أحاطت بالموقف، فقد كانت أوامره صريحة وواضحة وكان التعاون التام
والألفة يسودان هيئة الركن والآمرين بفضل ما يلقونه من رحابة صدر لدى قائدهم
وتوجيهاته السديدة.
تم إبلاغ قائد الفرقة/20 بأمر الانسحاب في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل يوم 26
شباط 91 بواسطة الجهاز اللاسلكي مثلما تم مع بقية الفرق وانسحبت الفرقة مشيا على
الأقدام على الطريق العام الستراتيجي النفطي إلى داخل العراق في منطقة الرميلة
ووضعت بأمرة الفيلق السابع ووصلت العمارة، وفي هذا الوقت اندلعت شرارة الانتفاضة
الباسلة وتوالت الأحداث وتعددت الواجبات وضاع الهدف المركزي من وجود الجيش عندما
تحول عن واجبه الرئيس في حماية الوطن إلى أداة لقمع انتفاضة الشعب الثائر، الشعب
الذي سأم سياسة القمع والتقتيل والاستكانة.
كان الوضع العام غير مستقر في ميسان "المدينة" وكذلك على مقربة من الحدود مع إيران
وهذا ما استوجب أن يكون القائد في حركة دائمة هنا وهناك للاستطلاع وتحديد المهام
للتشكيلات في ظل ظروف غير طبيعية وبالغة الصعوبة من الناحية الإدارية والمادية
والمعنوية، وفي نهاية آذار وعندما كان القائد يتنقل على طريق الطيب - ميسان، وقع مع
عدد من أفراد حمايته في كمين نصب له من قبل الإيرانيين داخل الأراضي العراقية
واقتيد هو ومن معه أسرى إلى إيران ولا يزالون هناك. هذا ما قاله أحد جنود الحماية
الذي تمكن من الهرب والوصول إلى مقر الفرقة حيث شرح الموقف، أما رئيس الأركان
العميد الركن "عبد الغني عجيل الاسدي" فيقول:
(اتصل بي القائد في لحظة وقوعه في الأسر بواسطة الجهاز اللاسلكي طالبا مني عدم
تنفيذ أي أمر * يصدر منه لي بعد هذه اللحظة وكان من خلال صوته الخافت يبدو متعبا
وسمعته يتألم وانقطع الاتصال!)
وبعد قمع الانتفاضة، بدأ النظام يتنفس من جديد، حيث أخذت بعض العناصـر تتحـدث بخبـث
وضغينة عن "عبد الجليـل" والفرقة/20 بقولهم، الفرقة فيها نفس طائفي ! وذلك لان قائد
الفرقة ورئيس الأركان وآمر أحد التشكيلات من أهالي الجنوب· وعليه، تم نقل رئيس
أركان الفرقة إلى منصب ضابط ركن في مقر الفيلق الرابع بعد أن كان يطمح أن يعين
قائدا لكفاءته وإخلاصه وأحيل آمر اللواء/60 على التقاعد لاحقا.