جمهورية رفحاء

أخبار اللاجئين العراقيين في مخيم رفحاء بالمملكة العربية السعودية

1993– سبتمبر 1991يونيو

إلى أجيالنا العراقية القادمة

 

المقدمة

 

كنت في مطلع شبابي (بداية السبعينات من القرن العشرين)، أختلف إلى مقهى المثقفين في مدينتي الجنوبية (الناصرية)، باحثاً عن الجديد في عالم الشعر والأدب، لأن الكتب والمجلات كانت تصل إلى بعض من رواد المقهى فيتبادلونها، ويتناقشون حول السياسة والفكر والأدب وغيرها.

سمعت أحدهم ذات يوم يقول: سيعود الأمريكان إلى قواعدهم في السعودية، لضرب حركات التحرر العربية !

ردَّ آخر ساخرا : لكن متى خرج الأمريكان من السعودية ليعودوا إليها!؟

كان هذا أول ذكر سياسي للمملكة العربية السعودية، وليس ذكرها الديني التقليدي الذي تركز في بداية وعيي، ومهما يكن من أمر، فقد ظلّ حاضر المملكة بعد فترة ليست بالقصيرة، غامضاً بالنسبة لي، لاسيما فعاليات المعارضة السياسية الداخلية، والقمع السياسي للمعارضين نفيا، وإلقاء من الطائرات في صحراء الربع الخالي، وسألت نفسي مرارا : لكن كيف يعيش المواطن السعودي في قارة من الرمل والنفط والممنوعات!؟

*      *      *

إذا ألقينا نظرة على العلاقة بين الشعبين (العراقي والسعودي)، فسوف نلاحظ أنها ضعيفة، قياسا بغيرها من الدول المحيطة بالعراق، مع مابين الشعبين من أواصر العروبة والإسلام والتداخل الطوبوغرافي، بل وحتى المصاهرات التي كانت تحدث بين عشائر العراق والسعودية، لكن الغريب في الأمر أن تلك العلاقة بقيت مقصورة على حجاج بيت الله الحرام، وتبادل بعض الزيارات بين مواطنين من العراق، ومثلهم من منطقة الإحساء والقطيف ذات الأغلبية الشيعية، ومهربين عراقيين من مدينتي السماوة والناصرية الجنوبيتين على وجه الخصوص، إلى مدن حفر الباطن وغيرها من المدن الحدودية السعودية، ورعاة أغنام عراقيون يبيعون مواشيهم في المدن الحدودية السعودية، ويتبضعون بأثمانها سلعا كهربائية ومواد غذائية تتطلبها فرق العملة.

وإذا تفحصنا طبيعة النظامين الحاكمين في كلا البلدين، فإنهما لايختلفان كثيراً في مجالات انتهاك حقوق الإنسان، وسلب الحريات وتغييب العقول ولجم الأفواه وكثرة المعارضين، فإذا كانا كذلك فلماذا إذن يضمر الواحد منهما العداء للآخر، ويتباغضان في وسائل الإعلام والمواقف السياسية والمحافل الدولية.؟!

مع مافي العقل السياسي السعودي، من دهاء البدو ومسحة الدين الكاذبة ونمط الحكم المتسلط والمستبد، ومع مافي العقل السياسي العراقي تحت الحكم الطاغي، من الحمق وعدم المسؤولية والأنانية وانفصال الحاكم عن الشعب!، رغم مابين النظامين من عداء معلن ( في الإعلام على الأقل)، فإن المراقب لايشك لحظة واحدة في تقارب الأجهزة الأمنية في كلا البلدين، إذا صح الكلام على أن عالم اليوم هو عالم مخابرات، وجس نبض واتفاقات بين تلك الأجهزة قبل الحكومات، وعندنا دليل على كلامنا هذا، فلغرض تحكيم الحدود خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، بحيث يصعب نفاذ المواطن العراقي إلى الخارج، لأن محرقة الحرب كانت تحتاج إلى البشر باستمرار، عقد النظام الطاغي اتفاقيات أمنية مع الدول المحيطة بالعراق، ومن بينها طبعاً المملكة العربية السعودية والكويت، وكانت الإتفاقيات الحدودية أهم تلك الإتفاقيات، حيث قامت المملكة والكويت بموجبها بتسليم الأجهزة الأمنية العراقية، الكثير من رجال العراق الفارين إبان الحرب، ولاقى هؤلاء مصيرهم المحتوم.

لايخفى أن المملكة العربية السعودية والكويت ساهمتا بالمال خلال الحرب اللعينة إياها، إن كان ذلك عبر شراء صفقات أسلحة للنظام الطاغي أو القروض، حتى وصل شكل المساعدات من هذين النظامين إلى عمق المجتمع العراقي : إلى العائلة العراقية على شكل مكافآت (مكافآت الموت!)، عن رأس كل شاب عراقي مقطوع في الحرب، المكافأة العجيبة الأولى هي سيارة يتسلمها ذووه، أما الثانية فهي بضعة آلاف من الدولارات، وزاد النظام الطاغي على مكافأة الموت القادمة من السعودية والكويت، فمنح ذوي الضحية قطعة أرض وامتيازات أخرى.

بهذا تكون كل من المملكة والكويت ساهمتا في إدامة ماكنة الحرب وأمدها، أي أن الدولتين حاربتا إيران برأس مالهما وذراع النظام الطاغي، وكنا في العراق نستغرب أن يساهم النظامان المذكوران في ذبح أبناء شعبنا، ولو بشكل غير مباشر، وكانت قوة العملة واضحة في حلبة الصراع، ولعبت دورا أساسيا في إبعاد نار تلك الحرب عن المملكة والكويت، لتحدث على أراضي الغير بدلاً من أراضيهما ولو إلى حين، لأن الطاغية سيقلب رأس المجن للكويت، ويستبيحها بعد سنوات كما هو معروف.

فنتيجة للتخادم السياسي والإقتصادي بين النظامين (السعودي والكويتي) من جهة، والنظام الطاغي من جهة ثانية بمباركة الولايات المتحدة، استطاعت المملكة والكويت أن تستردا الثمن الذي أنفقتاه على حرب النظام الطاغي ضد إيران، وذلك فور قصف الحلفاء للعراق وتعطيل إنتاج النفط والحصار عام

1991

وكانت الدولتان المذكورتان تعوضان الأسواق العالمية، عن حصة النفط العراقي المتوقفة عن التصدير، أما وزراء النفط في كلتا الدولتين فقد كانا يصرحان باستمرار، في مناكفات سياسية غير خافية، بأن دولتيهما زادتا من كميات انتاج النفط لتعويض حصة العراق في الأسواق.

*      *      *

غزا العراق الكويت كما هو معروف في الثاني من آب/أغسطس 1991

واقتضت مصالح الولايات المتحدة والغرب واليابان، أن يطرد الجيش العراقي من الكويت مهما كان الثمن، وكانت النتيجة أن دمر العراق، وطرد الجيش من الكويت التي عادت إلى أهلها بعد حوالي ستة أشهر، لتندلع إنتفاضة آذار المعبرة عن ضمير الشعب العراقي في اعقاب ذلك، أي عندما تراخت قبضة النظام الطاغي عن رقبة الشعب العراقي.

وكان أن نزح الآلاف من العراقيين إلى بعض من الدول المجاورة والبعيدة ، خلال قصف دول التحالف للعراق، وعمليات عاصفة الصحراء لطرد الجيش العراقي من الكويت وتحريرها، وأقيمت مخيمات للاجئين العراقيين في كل من إيران والسعودية ووصل عشرات الآلاف غيرهم إلى الأردن وسوريا وتركيا وباكستان، كما وصلت أعداد قليلة من العراقيين إلى الصين، وحملت قوارب أندونيسية عتيقة أفواجاً من العراقيين إلى أوستراليا فتوطنوا هناك، بينما لم يحالف الحظ مجموعات أخرى فغرقوا في البحر، وغرقت إحدى السفن مؤخرا قرب جزيرة جاوه، في الطريق إلى أوستراليا وعلى متنها حوالي 350عراقيا، لم ينجوا منهم غير عدد قليل بينهم إمرأة، وكانت كارثة مروعة اهتز لها الضمير العالمي وكتب عنها الكثير، وخصصت تلفزيونات العالم ساعات بثتْ فيها صور السفينة الغارقة!

من جهة أخرى فإنه ممالاشك أن قيمة المواطن العراقي هبطت بهبوط قيمة ديناره، على الأقل في عيون الدول التي كانت تحسب للدينار العراقي ألف حساب، وحدث ذلك الهبوط بسبب رعونة المنطق السياسي للنظام الطاغي المتسلط على رقابنا في العراق، وكانت سنة الحصار هي السنة الفصل التي أرَّخت لذلك الهبوط، وتلك هي معادلة العالم الحديث: منطق القوة العسكرية وقوة الإقتصاد، والعملة التي ينهار بانهيارها سلم القيم، كما حدث ويحدث في وطننا منذ العام 1991

 

*      *      *

بعدما وافقت المملكة على إيوائنا في مخيم رفحاء، تأفف كبار السن من النازحين، ونحن مانزال في مخيم صفوان أي على أراضينا، تنبأ هؤلاء بما سيحصل لنا لاحقاً من قتل وتسفير وإذلال ومهانة، على يد السلطات في المخيم، وكان من الطبيعي في تلك الأيام الصعبة، أننا لم نحمل تأففهم على محمل الجد، لأن الوطن ضاق بنا فتوسلنا منفذاً ما، أيا كان ومن حيث انفتح وإلى أين سيؤدي، حتى لو كان يؤدي بنا إلى قعر الجحيم!

حدث في صحراء السعودية تصادم بين مزاجين مختلفين، العسكر السعودي بوهابيته وبدويته ولاأباليته وهمجيته من جهة، ومن جهة ثانية الإنسان العراقي بعنفوانه وخطواته الأولى خارج الوطن، بعد سنوات طويلة من الحروب ومنع السفر والعزلة، ثم فشل انتفاضته التي انتظرها طويلا، وكان لحكومة المملكة نصيب في تحريض الولايات المتحدة عليها، لغرض إفشالها بدعوى شيعيتها، والتحامها مع الثورة الايرانية، وهذا يعني إذا ماحدث تهديد مصادر الطاقة التي تمول عصب الحياة الاقتصادية، في الغرب والولايات المتحدة واليابان، وتنشأ عن ذلك بطبيعة الحال الكوارث الاقتصادية والحروب.

عودة إلى المخيم، فإن الحسابات السعودية القائمة على تعميق التقسيمات الطائفية، كانت وراء استمرار الصراع بين سلطاتها في المخيم واللاجئين العراقيين، فهي وبالإستناد إلى المذهب الوهابي تنظر إلى شيعة العراق على أنهم روافض، ولهذا السبب تم حجز اللاجئين العراقيين في الصحراء، وعدم مساواتهم بباقي اللاجئين من العرب وغيرهم، وكان الضباط والجنود والشرطة يسألون اللاجئين سؤالا عجيباً: هل أنت مسلم أم شيعي!!؟

ومن أسباب التصادم أيضا أمية الجنود السعوديين: فعدم فهمنا لمايقولون مثلا، خلقت نوعاً من الجفاء بيننا وبينهم، صبت عليها الزيت عدوانية مكتب الاستخبارات، عندما خلا لعناصره الجو، وبدأوا يسلمون إلى العراق المطلوبين من اللاجئين الذين شاركوا في الإنتفاضة، وذلك حسب قوائم كان يزودهم بها مكتب المخابرات العراقية في المخفر الحدودي العراقي.

على أن أولى الصدمات حدثت في اليوم الأول، عندما استهجن اللاجئون مشهد عدد من الجنود السعوديين ، كانوا يؤدون فريضة الصلاة بأحذيتهم!، وكان هذا المشهد مؤثرا فعلا، فقد وقف اللاجئون وجلهم من الشيعة على مبعدة أمتار من المصلين بأحذيتهم، متسائلين عن ضرورة ارتداء الحذاء أثناء الوقوف بين يدي رب العالمين؟

*      *      *

لابد أن حكومة المملكة قد قررت سلفا،ً وأخبرت القوات الأمريكية بقرارها، بأن شرط إقامة مخيم للاجئين العراقيين على أراضيها، هو عدم دخول هؤلاء وإيوائهم في المدن السعودية، وكانت المملكة تضيق ذرعا باللاجئين حقا، كلما اشتكت المنظمات الإنسانية من سوء معاملة السلطات السعودية في المخيم لهم، لذلك كان الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع، وهو يعتبر الرجل الثالث في المملكة، يعلن صراحة للصحفيين على شاشاشات التلفزيون، المرة تلو المرة، عندما كانوا يسألونه عن سوء المعاملة التي يتلقاها اللاجئون العراقيون في مخيم رفحاء، على يد الجيش والشرطة والاستخبارات، كان يقول: يبه اللي يريدهم ياخذهم!!

*      *      *      *      *

لقد أتاحت لنا الصحراء تناول موضوعة الإنعزال وتطبيقاتها، من وجهة النظر الأكثر مأساوية والأقل اكتراثا، فالأكثر مأساوية هي تحديد هوية الضحية، ومن ثم إهمالها تلاقي مصيرها في الصحراء، هكذا ببساطة رغم أن كاميرات العالم المتحضر تضاعفت، في حقبة التسعينات من القرن العشرين، حيث هرعت إلى كل مكان في هذا الكوكب حيثما انتهكت حقوق الانسان، طبعا من وجهة نظر الغرب والولايات المتحدة الإنتقائية، ليس لخدمة الإنسانية كما يصور ذلك إعلامهم، لكن لتسخير تلك الصور في خدمة مصالحهم.

أما الأقل اكتراثا فهي المنظمات الانسانية على اختلاف مستوياتها الرسمية والشعبية، فقد تباطأت المنظمة الدولية على سبيل المثال، وتقاعستْ عن أداء واجبها حيال البشر، ووصلت بعثتها بعد عام من إقامة المخيم، ولولا وقفة اللاجئين وإضرابهم عن الطعام وتجمعهم بباب المخيم، رداً على انتهاكات حقوق الإنسان فيه، لتأخرت المنظمة الدولية عاما أو عامين إضافيين، ولربما لاتأتي على الإطلاق، لأن السلطات السعودية في المخيم، عزمت على إرجاع اللاجئين إلى العراق بالعصي الكهربائية وسيوف المذهب الوهابي.

وليس موظفو لجنة الصليب الأحمر، أكثر شجاعة من موظفي المنظمة الدولية، ولاأكثر تحملا للمسؤولية منهم، فقد كان هؤلاء أجبن من أن ينقلوا الحقائق كما هي أو مئة بالمئة، إلى مرؤوسيهم في جنيف، كانوا  خائفين أن يفقدوا وظائفهم وامتيازاتهم، وقد صرحوا هم بذلك، كما سيمر معنا.

*      *      *

نحاول هنا إعطاء فكرة عن الفئات الاجتماعية داخل المخيم، ويمكن تقسيم تلك الفئات إلى المثقفين والشيوخ وأبناء عشائرهم والإسلاميين والناس البسطاء .

بنى الشيوخ لهم مضائف من الخيام الكبيرة التي تسع العشرات، ظانين أن بينهم وبين العيش الرغيد في إحدى المدن السعودية أيام معدودات، وإذا طال الأمر أكثر فهي أسابيع، وزودت قيادة المخيم تلك المضائف بدلال القهوة والفناجين وفرشتها بالسجاد، وكما مارس الشيوخ سلطاتهم على أراضيهم، وبين أبناء عشائرهم عندما كانوا في العراق، مارسوا السلطة نفسها في مخيم رفحاء، لفترات تقصر وتطول، حسب منزلتهم لدى قيادة المخيم، وكان لبعض الشيوخ حضوة لدى قيادة المخيم، وعلى رأسهم الشيخ كاظم آلريسان آلكَاصد (شيخ عشائر آل حجام)، وكان قائد المخيم (غالبا مايكون برتبة عميد أو عقيد في الجيش السعودي)، يزور الشيوخ في مضائفهم بين وقت وآخر، يسمر معهم الليل يحدثونه عن العادات والتقاليد العشائرية في العراق، ويحدثهم عن العادات والتقاليد العشائرية لدى عشائر المملكة، وكان لكل شيخ أتباع من أبناء عشيرته، يوزع عليهم هبات القائد، وظن الأخير - خطأ- أنه يضع أمن المخيم كله، في الأشهر الأولى على الأقل، بين أيدي الشيوخ، معتقدا بأنهم قادرون على ضبط النظام والهدوء بطريقة الحلول العشائرية.

لكن ليس كل اللاجئين يشعرون بقوة الإنتماء إلى العشائر، بل إنهم يحسبون انفسهم منتمين إلى بنية المجتمع العراقي أكثر مما هم ينتمون إلى تلك العشائر، بإختصار : ينتمون إلى فئات اجتماعية متباينة الثقافة، مختلفة المزاج والتفكير والرؤية، فهناك أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون، وثمة باحثون في الأديان والعقائد والحضارات والفلسفة والفنون، المدرسون وطلاب الجامعات الذين لم يكملوا دراستهم، بسبب ظروف الحرب والحصار والإنتفاضة، جمع غفير من المثقفين والفنانين والشعراء والسينمائيين وأحسن ممثل مسرحي وأحسن مخرج مسرحي في العراق لعامي  1991  - 1990

على التوالي، أبطال رياضة على صعيد الوطن العربي والعالم، عازفون ومؤلفون موسيقيون وشعراء ورافعو أثقال نالوا جوائز وغيرهم من الشخصيات.

هناك أيضا الإسلاميون وجل هؤلاء متشددون للمذهب الشيعي، خصوصا أبناء القرى والأرياف والأقضية والنواحي، وأخيرا هناك البسطاء من اللاجئين من عمال وفلاحين وكسبة وعاطلين عن العمل.

وكان من الطبيعي أن يخرج من بين الفئة الأخيرة عدد من (الشقاوات)، أصحاب القبضات والسكاكين وهم قلة قليلة.

فيما عدا مجموعات العشائر فإن أغلبية اللاجئين كانوا من سكنة المدن، سواء المدن الكبيرة أي المحافظات أو الصغيرة أي الأقضية والنواحي، ومن هنا لم يفلح الشيوخ في حل مشاكل المخيم، الناشبة بين وقت وآخر،  نتيجة لإنعدام الأمل عندما طالت فترة وجودنا، أو نتيجة الحر الشديد ولهيب الصحراء خلال فصل الصيف، وغيرها من الأسباب.

ونبذ الإسلاميون مضائف الشيوخ فلم يدخلوها، منطلقين من مفهومات المذهب الشيعي، بعدم الخضوع لغير إرادة الخالق سبحانه، لم يؤمنوا بحلول الشيوخ فراحوا يحلون مشاكلهم، فيما بينهم داخل الحسينيات التي بنوها من الخيام الكبيرة، وكان يعينهم على حل المشاكل، فتاوى المرجعيات وغيرها من المصادر التي اصطحبوها معهم من العراق، لابل إنهم تقدموا خطوة أبعد من ذلك، حيث توحدوا ضد مضائف الشيوخ، لغرض إزالة سلطتهم، واتهموهم بالمداهنة مع السلطات السعودية في المخيم من جهة، والتواطؤ ضد الثورة الإسلامية التي كانت سبب خروجهم من العراق، ويعنون بذلك الطابع الإسلامي لإنتفاضة آذار.

لكن الحسينيات نفسها كانت تنقسم على بعضها البعض، فيتبعها المريدون كل حسب الآية الذي يقلده في العراق أو إيران، والمرجعية الدينية التي يأتمر بأمرها، وكانت تصل إلى الحسينيات وبعض الإسلاميين فتاوى بالرسائل من إيران وسوريا، أو بيد الوفود الإيرانية الرسمية التي تزور المملكة، لأداء فريضة العمرة، وتطلب بعض الوفود من السلطات السعودية المختصة، زيارة المخيم بعد إتمام الفريضة، فيسمح لهم بذلك.

وحسب المتشددون من اللاجئين أن لهم على العالمين درجة، لأن مفجري الإنتفاضة إسلاميون بالدرجة الأولى، ولئن كان معظم اللاجئين من الفرات الأوسط والجنوب، وكلهم تقريبا ينتمون إلى المذهب الشيعي، فقد ارتدى هؤلاء الثياب البيضاء اللون و(الغترة) وأطلقوا لحاهم وحملوا المسابح 101 ،وراحوا يحاربون المثقفين والمتنورين، ويعتبرونهم خارجين عن الدين وتعاليم المذهب، وهذا أمر عجيب انتبهنا إليه في المخيم، ولم نلمس مظاهره في وطننا، أي أن الكثير من اللاجئين من المصلين أنفسهم، كانوا يرون أن بنية المجتمع العراقي بنية واحدة، تتماهى مع الدين الاسلامي ومع المذهب الشيعي بالذات، ومن هنا لايجوز الخروج عليها بأفكار أو مواقف أو اعتقادات، وثمة تحد آخر قد لايقل أهمية، هو تأكيد الهوية الشيعية مقابل المذهب الوهابي، الذي كانت تلوّح به السلطات السعودية في المخيم، وكان هذا الأمر يشكل تهديدا حسب رأي المتشددين للهوية الشيعية، والقضية الرئيسية التي خرج اللاجئون من أجلها، وهي رفض الظلم الذي لحق بهم جراء الطغيان في العراق.

نفض عدد من الشيوخ أيديهم من حل مشاكل اللاجئين داخل المخيم، بعد أشهر قليلة، وانحسر دورهم في التهدئة، وبقي مقتصرا على أبنائهم وأبناء عمومتهم وأتباعهم من أبناء عشائرهم، وكان البعض من أبناء العمومة والأتباع تنكب المشيخة، ليجرب حظه في مجتمع متباين الأهواء، نافر يشعر دائما بالظلم والغبن، ودليله على ذلك وجوده في الصحراء متروكاً مثل خرقة بالية.

بعد دور الشيوخ برز دور الإسلاميين الذين ظنوا أنهم بالصلاة يمكنهم ضبط المخيم، وبالتسابيح يمكنهم استمالة القلوب الضمآى إلى الحرية خارج أسواره، وظنت قيادة المخيم -وكم كانت واهمة- أن الأمور ستسير في مجراها الطبيعي، طالما أن الأغلبية يؤدون فريضة الصلاة، وينتمون إلى نفس المذهب، وهكذا التأم الأمر لهؤلاء المتشددين بتشجيع من السعوديين أنفسهم، وتولى البعض منهم إدارة قواطع المدن، وسمى كل واحد منهم نفسه محافظا!

لقد ميزت قيادة المخيم المحافظين الجدد فبنت لهم خياماً في المخيم القديم، وخياماً أخرى ملحقة بها، كمخازن لخزن وتوزيع الأغذية الذي لايتم إلا بإشرافهم، وأغدقت عليهم الهدايا وزودتهم بهويات خاصة تسمح لهم بالذهاب إلى مدينة رفحاء، التي أصبحت بالنسبة لعموم اللاجئين مدينة أحلام محرمة.

إذا صح أن دور الشيوخ انتهى، لأن معظم اللاجئين كانوا يشعرون بنوع من الإنفصام مع العشائر، فإنه يصح أيضا أن دور المصلين انتهى في إدارة القواطع، نظرا لأن الحسينيات بدأت تفرغ بسبب اليأس، ونسيان العالم لقضية اللاجئين في الصحراء، وهكذا انخفض عدد المصلين إلى النصف أو أقل، بمرور الأسابيع والأشهرلم تعد الحسينيات تفيض بالمصلين كما السابق، أي عندما كان الكثيرون، يضطرون إلى أداء الصلاة خارج (رواكَات) خيمة الحسينية، وربما سجدوا على الأرض لشدة الزحام.

في خضم الحياة القاسية في الصحراء، برزت فئة قليلة من أصحاب السكاكين والسيوف والقامات والقبضات كما نوهنا لذلك قبل قليل، وكان عدد من هؤلاء في السجون العراقية، يقضون أحكاما جنائية متباينة قبل وبعد غزو الكويت وتحريره، ولما اندلعت الانتفاضة وخلعت أبواب السجون، حررهم المنتفضون من ضمن ماحرروا من العراقيين، وعددا قليلا من الكويتيين .

إن تلك الفئة أساءت على قلتها إلى المخيم وسمعته، وجعلت الإعلام السعودي يتقول عليه ويرميه بشتى التهم المخجلة، وأخذ الإعلام العالمي من فم الإعلام السعودي الأقاويل، وضخمها وأعاد انتاجها على هوى مصالحه، لا بل إن تلك الاشاعات، غطت أحيانا على وظيفة المخيم السياسية والإنسانية من جانب، ومن جانب آخر على اللاجئين المنتفضين الحقيقيين، وهم أغلبية نزلاء مخيم رفحاء، أولئك الذين فاقت تضحياتهم في الإنتفاضة كل وصف، ولما فشلت الانتفاضة خرجوا من العراق إلى أرض الله الواسعة، مضحين بأموالهم وممتلكاتهم وكل ماتبقى وراء ظهورهم.

أظن أن هناك أسباب قوية دفعت بهذه الفئة من اللاجئين، إلى صناعة السيوف والقامات، في مقدمتها الجهل، إن معظم هؤلاء قضوا فترات طويلة من حياتهم في السجون كما قلنا، وهم لم يدخلوا المدارس ولم يتعلموا، وكان طبعهم ميالا إلى حمل السلاح وتوجس الحذر من الآخرين، فتربوا على ذلك منذ الصغر، وكان للبيئة تأثير أيضا، ومنها أيضا التحديات التي كان مكتب الإستخبارات يفرضها على المخيم، وأعني اقتحامات عناصره المتكررة للخيام، وإلقاء القبض على مجاميع معينة من اللاجئين أو الأفراد، ومايتبع ذلك من المهانة والتسفير القسري إلى العراق، ناهيك بإهانات العسكر والشرطة السعوديين لهم، بدون سبب في الغالب!

لقد طرق الشقاوات أوتاد الخيام الحديدية تحت نار حامية، وصنعوا منها الآلات الجارحة، ثم راحوا يتباهون بطول السيف وخفته، وشكل غمده وطريقة حمله وإخفائه تحت الثياب، كما أنهم نقلوا تقاليد الشقاوات العراقيين، وكان من أسوأها أنه كانت لهم سطوة على بعض البسطاء من اللاجئين، ممن صدقوهم فتبعوهم، وربما استخدموهم لأغراض السخرة، مثل حمل المواد الغذائية من الشاحنات والمياه من المقطورات إلى خيام الشقاوات، والعمل داخل خيمة الشقي : تنظيف الخيمة وإدامة توتير حبالها ودق أوتادها وتنظيفها وحراستها ليلا ونهارا، وهذه الخدمات ليست مجانية بطبيعة الحال، فهي تقدم مقابل الدفاع عنهم من غارات الشقاوات الآخرين!!

وكان المخيم مسرحا لجولات ومشاجرات بالآلات الجارحة قام بها هؤلاء، لاسيما في فصل الصيف من السنة الأولى، لكنها خفت وتلاشت في السنة الثانية، وكانت أسباب المشاجرات تافهة: إما بسبب شحة المياه، أو خطأ طفيف في توزيع المواد الغذائية، أو لتصفية حسابات شخصية لم تحسم في العراق، فتضاعفت في الصحراء، ولو كان القانون سائدا في مخيم رفحاء لما حدث ماحدث، لكننا كنا نعيش شريعة الغاب التي كرستها السلطات السعودية داخل المخيم، كما سنتعرض له بالتفصيل .

لاحظنا أن بعضا من هؤلاء الشقاوات عمل لصالح مكتب الإستخبارات وكيلا، يجلبون لهم المعلومات ويطاردون جنباً إلى جنب، مع عناصر المكتب المطلوبين من اللاجئين، لغرض تسليمهم إلى المخفر الحدودي العراقي، لكن البعض من هؤلاء الأشقياء الوكلاء، صحا على نفسه بعد فترة، وكفّر عن ذنبه بالإعتزال نهائيا من مهنة الشقاوة، والعمل لصالح مكتب الاستخبارات، متفرغا لكتابة الدارميات في الوطن المطعون والحبيبة التي تزوجت بعد انتظار طويل ويأس من عودة لاجئ عاشق!

وقام بعض من هؤلاء المتعاونين مع مكتب الاستخبارات، بنقل معلومات إلى من يهمه الأمر (أمر الإعتقال أو التعذيب)، أي إبلاغ اللاجىء المطلوب تسليمه قبل ساعات ليختفي على سبيل المثال، أو بإفشاء السر عن أسماء بعض المعتقلين من اللاجئين، وطرق تعذيبهم، وفي أية حفرة أو (كرفان) أخفاهم المكتب وراء الأسلاك الشائكة للمخيم، وأيضا طريقة التسليم إلى المخفر الحدودى العراقي، بل وحتى أنواع الويسكي والمسدسات التي يتسلمها مكتب الإستخبارات عن كل (رأس) لاجىء يسلمونه!

*      *      *

لم تكن قضية هجرة اللاجئين، وإعادة توطينهم في عدد من دول العالم، موضع اهتمام ونقاشات بين أوساط اللاجئين، كان الجميع ينتظر بفارغ الصبر سقوط طاغية العراق والعودة إلى أرض الوطن، لكن ذلك لم يحدث - للأسف - فطال عمر المخيم، وبعد عام واحد تقريبا أقيم مكتب للمفوضية السامية، وأطلق مديره السوري كريم الأتاسي قنبلة أصابت الجميع بالهلع والخوف واليأس، وذلك عندما صرح : ربما يستمر وجود المخيم سبعة سنين!، وهنا التفت اللاجئون إلى حالهم وطالبوا بالخلاص وإعادة التوطين في عدد من دول العالم، طالما انسد طريق العودة إلى الوطن، ورفضت السعودية دخول أي لاجئ عراقي إلى مدنها مؤقتا أو ودائما!

الشيوخ وأبناء عشائرهم كانوا يطمحون بالدخول إلى المدن السعودية والعيش فيها، لأن لهم فيها علاقات قديمة تمتد في بطن التأريخ، مع العشائر السعودية ومصاهرات خاصة مع منطقة القطيف والإحساء ذات الأغلبية الشيعية كما تقدم معنا.

المثقفون كانوا يتمنون الهجرة إلى الولايات المتحدة ودول أوروبا، لغرض إكمال الدراسة، أو نيل الحرية والتمتع بالحياة الحقة حسب آرائهم.

الإسلاميون كانوا يمنّون النفس بالرحيل إلى قبلتهم إيران، أو على الأقل إلى سوريا.

البسطاء من الناس لارأي لهم، لكن بمرور الأيام والسنين، تكون لهم رأي من خلال أقاربهم أو أصدقائهم ، ممن هاجروا قبلهم إلى الولايات المتحدة أو إلى دول أوروبا، فأرسلوا من هناك رسائل وصوراً حول الحياة  وحقوق الإنسان والديمقراطية والرفاهية.

*      *      *      *      *

سميناها جمهورية رفحاء لأنها خرجت من حرب كونية مدمرة شاركت فيها 33  دولة ضد بلدنا، يقول الخبراء إن الغرب ضرب العراق بأعقد منظومات الأسلحة الستراتيجية، التي كانت موجهة في الأساس إلى صدر العالم الشيوعي قبل انهياره.

 

تفقد الجمهورية ممثلو لجنة الصليب الأحمر الدولي ومنظمات حقوق الإنسان.

زارها أمراء ووزراء وسفراء ومدراء استخبارات وعناصرهم، وتجسس عليها جواسيس لحساب الإستخبارات العراقية، سهلت لهم السلطات السعودية في المخيم الدخول إليه والعيش مع أبنائه، وإثارة المشاكل مع السلطات السعودية في المخيم، حيث يمنح السعوديون ذريعة ويقومون بتسليم أكبر عدد من اللاجئين إلى العراق، ويتم إنهاء المخيم وإغلاقه لأنه يشكل عبئا سياسيا وإعلاميا على نظام الطغيان ببغداد.

زارها آيات الله وحججه وأقاموا فيها بضع ساعات أوبضعة أيام، صلوا مع أبنائها صلاة جماعية، أوصوهم بالصبر على الغربة وعدم الإنقطاع عن الصلاة بانتظار الفرج.

فيها سوق ارتبط بالتجار السعوديين وكذلك دكاكين تصريف عملة وصناعات يدوية محلية .

فيها مستشفى وولادات وأطفال يكبرون كل يوم ضد إرادة السلطات السعودية في المخيم، نظرا لما جلبه الأخير على المملكة، من سمعة سياسية وإعلامية لاتحسد عليها، وكان يمكن تفاديها بقليل من الحكمة، زائدا محبة العراق والعراقيين، لايمكن إنكار أن المملكة كانت تتمنى الخلاص من اللاجئين بأية صورة كانت، وإقفال المخيم بأسرع مايمكن، لكن إرادة الحياة والبقاء كانت أقوى من إرادة شرطة مكافحة الشغب، والعميد وجنوده ومكتب الاستخبارات، فتكاثر أبناء الجمهورية حتى صعب حصرهم.

فيها مقبرة تضم رفات شباب قتلهم إما العسكر السعودي، أو مكتب الإستخبارات، أو الشرطة وعوضوا ذويهم، محذرين إياهم بعدم التفوه بكلمة للصحافة الأجنبية، إذا مازارت المخيم عن حقيقة الأمر: قولوا ماتوا في شجارات بالآلات الجارحة فيما بينهم!

فيها منتحرون لم يتحملوا البقاء في الصحراء، فألقت عليهم الكآبة بكلكلها، وشنقوا أنفسهم في الخيام أو في الحمامات، وشيوخ القوا عصا الترحال ووسدوا رؤوسهم رمال الصحراء، وماتدري نفس بأي أرض تموت.

فيها غزل من وراء (رواك) الخيمة، ورسائل غرام ورسل متبولون، وحب وزواج وطلاق وعقود زواج مختومة بختم، طرقه البعض من علب البيبسي كولا الفارغة، واستمر الزواج وأنجب أطفالا لم يروا العراق، فقد فتحوا عيونهم في الصحراء، وراحوا يسألون أهلهم وجيرانهم عن العصافير والقطط والفراشات والأسماك، وكيف تكون أشكال الحيوانات والطيور وحدائق الأطفال والزهور!؟

راسل الجمهورية مفكرون ومثقفون وفنانون عراقيون وعرب وأجانب، وأجابهم أبناؤها برسائل مليئة بالشجن العراقي، وصورها التلفزيون السعودي فزوّر الحقائق، لكن صورها اللاجئون أنفسهم فاغتاظ أهل الإنسانية، واستحت الأمم المتحدة على نفسها، بعد حوالي سنة على تجاهلها لقضية اللاجئين في الصحراء، فاعترفت بها، وأرسلت مندوبين عنها، وشكل هؤلاء مكتباً فيها، لتنظيم عملية هجرة أبنائها وإعادة توطينهم.

فيها مدرسة وحسينيات ومكتب للإغاثة الإسلامية العالمية ومذاهب في الحياة والفلسفة والرؤية والمزاج والتفكير والفن، ومتشددون للمذهب الشيعي وعصاة على الأديان كذلك، وفيها صلاة جماعية تشبه صلاة الإستسقاء في الصحراء : الوجوه مرفوعة تطلب من المغيث غيثاً من رحمته يصبه على العباد، ويبعد الظلم عنهم والقسوة والتسفير والمهانة.

فيها تخمير بقايا المواد الغذائية في (جليكانات) الماء ليصبح خمراً وماألذّه؟!، فيلتم حوله عدد من اللاجئين بعدما ينضج، خلال ليالي سمر طردت شبح الموت ولم تطرده.

استمر العمل في كتابة هذه السطور أكثر من أربع سنوات، وكنت كتبت هوامش وسطوراً متواضعة أثناء وجودي في المخيم، فخضعت لإضافات بعد سنوات، وتباين الإسلوب، فثمة فصول كتبت على شكل تأملات ويوميات، وفصول كتبت على شكل سرد يومي مفصل للاحداث والمشاكل.

أود هنا أن أسجل شكري وامتناني للصديقين علي البلوشي (يقيم في الدنمارك) وليث عبد الغني (يقيم في السويد) وهذان الصديقان زوداني بوثائق مهمة، أدرجت منها مااستطعت بين السطور، مستفيدا في مواقع من ضبط عدد من التواريخ والأحداث، وأسماء الجرحى والقتلى وكل شيء مذكور في مكانه.

وكان الصديقان من بين أبرز اللاجئين الناشطين في المخيم، فقد عملا على تنظيم المظاهرات وكتابة المذكرات، والإتصال بالإذاعات العالمية قبل وأثناء وبعد خروقات السلطات السعودية ضد اللاجئين، ومازالا يقومان بواجبهما الوطني من منفاهما، عبر كتابة رسائل احتجاج والمشاركة في اعتصامات مع بقية العراقيين ، على أبواب السفارات السعودية في كوبنهاكن واستوكهولم وغيرها.

 حتى كتابة هذه السطور مايزال حوالي(6000) لاجئا يقيمون في رمال رفحاء، ويعاني هؤلاء من قسوة الحياة حيث لم يتغير شيء هنالك، وأعني تصرفات المسؤولين السعوديين في المخيم، لابل صارت الحياة أكثر قسوة وعذابا، ولم تتوقف انتهاكات حقوق الإنسان ، وكنت كلما سمعتُ أو قرأتُ عن ذلك أهرع إلى منظمة العفو الدولية في أوسلو، أحث قسم الشرق الأوسط ومسؤوله والعاملين فيه علىعمل شيء ما من أجل أهلنا هناك، وكانت المنظمة تستجيب وذلك إما أنهم سيرسلون أحد موظفيهم الموجودين في المنطقة، أو أنهم أرسلوا الموظف فعلا حال سماعهم بالأنباء.

قرأت أن عددا من الصحفيين كتبوا عن المخيم وهم لم يعيشوا فيه، ولاسيما المصريين، والبعض الآخر سمع  من الناس وكتب، وغير هؤلاء قرأوا عن المخيم وكتبوا إلى صحفهم ومجلاتهم، اختلطت الأوراق وغُيبت الحقائق، آمل أن تكون هذه السطور المتواضعة، قد أضاءت ولو جزءاً بسيطاً من الحقيقة، في زمن تنطمس فيه الحقائق وتنهضم الحقوق، تذبح شعوب وتقصف مخيمات، وتنتهك بعض من أعراض الناس فيها، وتحجب (الكاميرات ) صوراً وتظهر صورا، والله من وراء القصد.

 

طارق حربي

أوسلو/النرويج

2001.11.9

صور من ذاكرة المخيم

 
صور من تعذيب اللاجئين صور من تعذيب اللاجئين صور من تعذيب اللاجئين
   
كاتب السطور كاتب السطور في خيمته مع أشقائه وأصدقائه الإحتفال بالذكرى السنوية الأولى لإندلاع الإنتفاضة