ضياع القارورة والرحيل اليها
لكي أجنّبكم الملل من الاسهاب في سرد هذه الحكاية، أدخلكم مباشرة في فصل انتقالي ، ويمكنكم اعتباره (اخير) إن كان لكل بداية آخرة . لكن سنة الوجود تقول ايضا ان كل آخرة لا بد ان تؤدي الى بداية.. الايعقب الموت الميلاد ، مثلما يعقب الميلاد الموت! . على اي حال ، كما سترون انه فصل فراق وغياب وانتقال، فصل عذابات الطلق التي تسبق الميلاد..
وصلنا إلى (جنيف ) ونحن بلهفة إلى تجربة سائل الخلاص على حوريتنا. ذهبنا من المطار مباشرة إلى بيتي . كانت الساعة الرابعة عصراً وشمس حزيران تزين سماء البحيرة، جاعلة سطحها ينبض بارتجافات متلالئة كهشيم مرايا. كنا قلقين نلهث كأننا مقبلين على اختراق احدى المحضورات العضمى. اقفلنا باب غرفتي وفتحنا نوافذ وأسدلنا ستائر، ثم احرقنا بخوراً ورتبنا افرشة. هيأنا لفافة حشيش وجلبنا شمبانيا وعرقاً سورياً. أشعلنا شموعاً يتراقص وميضها على إيقاعات عودٍ وطبلة، ثم توكلنا!
اخرجت قنينة الاكسير، بينما تناول (آدم ) القارورة واخذ يفتحها . بدا كأنه يشارك الأضواء ارتجافاتها. أستكون حقاً آخر مرَة تخرج فيها حوريتنا من قارورتها؟ سينغلق عليها عالم فنائنا لحظة يغرق في السائل عالم خلودها.
ها هي الآن تظهر امامنا مغادرة قارورتها إلى الأبد. أجزاء جسدها كانت متفتحة لاستقبال عالم جديد - قديم ، وهي في كامل نضجها وطراوتها، حلمتاها محمرتان شبيهتان بعيني ساحر. ابت ارتداء ثوبها لأنها تريد أن تمض لحظات قطع سرتها عن عالم قارورتها عارية كالوليد. تناولت كأس شمبانيا وشربت نخب لقائنا الأبدي . استنشقت نفساً طويلاً من اللفافة، ورمتنا بعينين متألقتين بمشاعر مزيجة من العرفان والغموض. قالت إن حياتها ستظل حتى الموت تابعة لحياتينا، وإنها لن تنفصل عنا أبداً.
كتمت ضحكة عندما فكرت أن هذه الحورية هي جدتنا الكبرى وعشيقة اسلافنا منذ بضعة آلاف عام. لم ينطق اي منا بكلمة. كان الفراغ مملوءاً بأنغام عود تراقص إيقاعات طبلة وصفير ناي . نظراتنا كانت تتلاقى وتتناءى محاولة دون جدوى تغطية مشاعرنا. قرأت حُباً في نظرات (آدم ) وأسئلة يخشى التعبير عنها.
في تلك اللحظات ، كنت فريسة أفكار وافكار، ورأسي كان مذياعأ اجتاحته مئة موجة. كانت موجة الشهوة والامتلاك هي الأقوى . كنت ارى علاقتي ب (آدم ) قد عتدتها وعمتتها (هاجـر) بغرائبها وأعاجيبها، كان يستحيل في روحي إلى طفل وديع تكومت عليه حشرات اسئلتي .
تحت انظار (هاجر) المتلهفة ، تناول (آدم ) القاورورة ومدها إليً . فتحتُ القنينة وشرعت بما أستطيعه من هدوء في سكب اكسير القنينة في القارورة . في هذه الأثناء كانت (هاجر) تتكىء على حائط وتغمض عينيها غارقة في غيبوبة بينما السانل ينسكب مشكلاً خيطاً دقيقاً يبرق بوهج شموع . لم تكن تقوى على مشاهدة قارورة خلودها تفيض وتنغلق من دونها. عندما انتهيتُ ، ظلت هاجر غائبة مسبلة الجفنين . لأول مرة أراها تتعرق وتنبجس من جسدها قطرات لزجة تنزلق من جبينها وأبطيها. كانت تعيش لحظات تاريخية ستحررها إلى الأبد من عبودية خلودها.
وضعت القارورة في حقيبتي . وبحركة واحدة رفعنا يدينا، انا و (آدم )، ولمسنا (هاجر) معأ في اللحظة نفسها. فتحت عينيها وفاجأتنا بهيئة غير معهودة: نظرت إلينا بحيـاء وغطت نفسها بكفيها وإرتسمت على محياها ابتسامة ضنك وقلق، وبان تعب بشري على جسدها!
* * *
منذ تلك الأمسية، (هاجر) لم تعد (امرأة القارورة) . في هذه الفترة، وقبل ان تحدث الكارثة، استحوذ على (آدم ) فرح طفولي لنجاحه في تحقيق رغبة عشيقته في الانعتاق من القارورة. كان يتأملها ويحلم أنها ستندمج بالحياة، ويشعر بالزهو كإله ينبهر بروعة مخلوقه . لم يكن ينصت لي عندما أقول إنها ستفقد إلى الأبد قدرتها على خلق لذة الخلود. ستغدو إمرأة أرضية، عبدة للحياة ببهجتها وبؤسها، خاضعة لأهواء المناخ وقوانين الدولة واخلاق المجتمع . سوف لن تكون لذتها كامنة في إرضاء عشيقها. قلق الموت والمرض سيدفعها إلى استثمار كل لحظة من عمرها من اجل الأفضل : سوف تحب ، تكره ، تغار، تكرم ، تقسو، تتقن التهذيب وطقوس العلاقات اليومية.
كان (آدم ) يحلم انها عندما تحصل على إقامة رسمية ستمضي الوقت في دراسة اللغة الفرنسية والبحث عن سكن مناسب والاتصال بالناس والتعرف على( جنيف ) والتطبع طى الحياة الجديدة . سوف لن تفوت لحظة واحدة دون اكتساب وتعلم . لذتها الكبرى ستصير المعرفة. سينبثق إلى الحياة نبوغها في التاريخ ولغات المشرق القديمة.. لغات عشاقها من الأحفاد : سومريون واكديون وآرميون وأقباط وبربر وعرب واكراد واتراك وفرس وافارقة واوربيون. بل انها ستبهرهم بمعرفتها للإغريقية واللاتينية. ستجلب الانتباه بمعارفها الموسوعية المفصلة عن تاريخ شعوب شرق البحر المتوسط وحكاياتهم وعاداتهم ، وستكذب حين تدعي أنها قد درستها.
لكن الكارثة قد حلت مباغتة كصاعقة أحرقت حتى جذور حلمه . لم يخطر بالحسبان أن تكون النهاية سريعة مأساوية وساخرة إلى هذه الدرجة . بعد أن أمضينا الأسابيع الأولى في تدبير وضع إقامتها الشرعية كامرأة من هذه الدنيا. بعد جهود حصلنا لها على أوراق هوية مزيفة . اسكناها في فندق وعلمناها كيف تجيب عن أسئلة الشرطة، ثم كلفنا أحـد المحامين ليحصل لها على إقامة لجوء سياسي .
حتى الآن لم نعلم بالضبط كيف حدث الأمر! جهزناها صباحا، ورافقت المحامي إلى شرطة الأجانب ، ولكنها لم تعد. انتظرنا وبحثنا ولم نجدها، حتى اتصل بنا المحامي مساء وقال إنهم سيطردونها.. سيسفرونها الى بلادها، أي الى العراق! هكذا ببساطة ماْساوية ما خطرت على بالنا حتى بصورة نكتة. لم تنفع جميع اتصالاتنا بمقرات الأحزاب ولا بالمنظمات . هكذا وكأن قوة المصيراجتاحت قلوب جميع المشرفين على تسفيرها. قالوا إنها لا تتمتع بشروط حق اللجوء، وسبب الحرب ليس كافيا، خصوصاً وانها امراة،بعيدة خطر العسكرية. قالوا إن بلادهم مكتظة بالأجانب ومضطرون إلى مثل هذا الإجراء. وقالوا إنهم متأكدون أنها لن تضطهد في بلادها .
قالوا ثم قالوا ، وانا و(آدم) أمضينا الليل ثملين برعب الكارثة. عند الفجر وكانت غيوم سوداء تغطي سماء المطار، عندما لحقنا اللحظات التي لاحت فيها (هاجر) محاطة برجال البوليس وهم يقودونها إلى الطانرة. صرخات (آدم ) الهستيرية لم تسمعها. وعندما أغلقوا الباب عليها استحالت الغيوم إلى غربان سوداء حطت على الطائرة وحملتها محلقة بها في سماوات الغياب!
* * *
نعم ، (إمرأة القارورة) لم تفقد قارورتها فحسب، بل فقدتنا نحن ايضا، آخر حفادها العشاق! امام هذه الكارثة لم نمتلك غير الصمت. ادركنا ان أية محاولة كلام مهما كانت فلن تنفع . يا ترى هل صحيح كان الأمر هكذا بهذه الاستحالة أم اننا تخيلنا هذا لكي نبرر حالة الخنوع إن لم يكن الجبن التي هيمنت علينا؟ كيف حصل اننا لم نقم بأي خطوة جريئة ولتكن مجنونة من اجل منع تنفيذ هذا القرار الظالم؟! كأن نهدد بالانتحار امام العالم ، نكشف حقيقة تاريخها العجيب، اية .. اية خطوة .. لكن ارادة الاستسلام كانت هي الاقوى.. لا ادري .. حتى الآن لا ادري كيف حصل هذا؟
التفسير المعقول الوحيد الذي يمكن ان يخطر ببالي احيانا من دون ان اقتنع به تماما، ان هذا القدر الاحمق ما كان له ان يفرض نفسه علينا وعلى جميع المعنيين بتنفيذه، لو لم يكن مدعوما برغبة حقيقية كامنة في اعماق (هاجر). خطرت في بالي مثل هذه الفكرة عندما اطلعت في كتب الروحانيين الآسيويين على تلك الفلسفة القائلة: " ان كل ما يحدث للإنسان، ايجابا كان أم سلبا، لا يمكنه ان يتحقق من دون مشاركة واعية او غير واعية من قبل الانسان نفسه.. ان الله والظروف الخارجية والصدفة ، لا يمكنها ابدا ان تفرض مشيئتها من دون تواطئ الضحية وقناعتها العميقة بانها تستحق قدر الخير أم الشر هذا"!
هذا الاكتشاف جعلني اراجع كل ذكرياتي عن حياة (هاجر) خلال الاشهر الاخيرة التي اعقبت انعتاقها الابدي من القارورة. كم من المرات عبرت بصورة غير مباشرة عن حنينها الى ارض الاسلاف ، بلاد النهرين ، بلاد احفادها وعشاقها الكثار. كانت تمضي وقتها بسماع الاغاني العراقية ومطالعة أي كتاب يتحدث عن العراق. كانت تمضي منبهرة في مطالعة الصور التاريخية من آثار ومنحوتات ورسوم متعلقة بمختلف حقب تاريخ العراق . عندما كنت اقطع عليها صفنتها كانت تغرق بالدموع وهي تسرد لي احدى ذكرياتها المتعلقة بتلك الصور.
اني على يقين ان مشكلتها لم تتوقف عند الحنين الى الوطن ، بل زادت عندما هاجت في نفسها رغبة جياشة بأن تبدأ حياة جديدة.. نعم حياة جديدة بكل ما يعني هذا من تغيير لكل تفاصيل الحياة: الارض والناس.. ويبدو ان الحياة الجدية بالنسبة لـ(هاجر) كانت تعني بكل بساطة: العودة الى الحياة القديمة، حياة الوطن والاسلاف. هجر سويسرا وهجرنا نحن ايضا ، انا و(آدم)، خصوصا بعدما ادركت بأن عودتنا الى الوطن في ظل الظروف الحالية، امر مستحيل. لا ادري مدى صحة مثل هذه الافكار، انها مجرد تخمينات.. اني حائر ، ابحث عن أي تفسير لهذه الكارثة..
قررت بكل ما امتلك طاقة وقدرة على التحدي والصبر ان التجئ الى النسيان. ان اية محاولة لتأنيب الذات لن تنفع، الفأس قد وقع في الرأس، وأي كلام سوف يعمقه أكثر. النسيان هو الحل . هذا ما قلته انا، اما (آدم ) فالنسيان يعني له المستحيل إذ انبجست فيه فوارة شهوات مخبولة بتعذيب الذات وانتظار الخلاص . (امرأة القارورة) بفتنتها الخالدة قد أدخلته جنة حلمه ، وعندما صارت فانية راح ينزلق من جديد نحو جهنم انتظاره . يوم هبطت من علياء خلودها واختفت في الغياب راح يتهاوى وراءها مثخناً بجراح سقطته وبحثه عن حورية جنته .
كان يلتقيني كل ليلة ويبوح لي بشجونه ، وكلماته ترتسم أخاديد على جبينه . يقول إننا جبناء، كان يجب ان نفعل المستحيل لنحميها. إننا قد خناها عندما تركناهم يرحلونها. ثم يفرك عينيه ويقول إنه تعب من السؤال وليس من الخمر. كان يمضي نهاره في محاولة العثور على أي خبر من طرف(هاجر). دون جدوى اتصل بالصليب الأحمر وبالعديد من المعارف من المسافرين إلى البلاد. لا شيء .. لا شيء . . سوى أخبار الحرب والخيبة .. كان يدمدم مع نفسه ويغرق في تأملات خيبته وكآبته . بعد أن يثمل ينطلق بشكوى تنمو وتستفحل. تارة يتحدث كفيلسوف جوال ، وتارة يرقص بطريقة تثير سخرية وشفقة. كان يبدو كمدمن محروم من حاجته .
أدمن ليالي (جنيف ) بعبثها المحدود والمكرر. كان توقه يشتد إلى لقاء الأصحاب ليشكو لهم خيبته، ويظل يسرد عليهم حكايات اسلافه ومغامراته مع (امراة القارورة)، حتى أنهم بدأوا بالتهكم عليه واعتبروه ضحية أوهام مرضية. اما شغفه بالنساء فكان يطغى ليصبح هوساً. كان يريد إخماد جوع ذئب مسعور أطلقته (امرأة القارورة) ورحلت .. ضاعت في غياهب أرض الأسلاف .
يوما بعد يوم كنت أرى (آدم ) ينحدر في دربي حتى تجاوزني . لم يعد يهتم بـ (مـارلين )، ولا بحاسوبه وعمله . راح يمضي لياليه في ثمالة بين المراقص والحانات مفتشا عن حوريته في كل امرأة.
* * *
ذات ليلة سبت ، بعد تسكع بين حانات وكؤوس نبيذ، يجد(آدم) نفسه في قاعة كبيرة، تصدح بين ارجائها موسيقى صاخبة واناس يرقصون محتفلين . إنها حفلة تنكرية يرتدي فيها الحاضرون أقنعة حيوانات وتيجان وازياء أمراء عرب ومحاربين رومان وصيادين من عصور بائدة . رغم ثمله فإنه يحاول أن يغصب نفسه على إبطاء الشرب كي لا تسقطه الخمرة وتفسد ليلته . يشاهد مقاعد مترامية بين جمهور في حركة دائبة. شبان وشابات بعضهم يدخل حلبة الرقص ويضيع في غمرة عتمة وأنوار براقة، وبعضهم يغادر الحلبة، متصبباً عرقاً.
يرسم (آدم) على وجهه ملامح وقار، ويدع نظراته تسرح بنرجسية على أجساد الراقصين والراقصات ، كأنه يستمد منهم كبرياء وجوده . نظره يتركز على امرأة، كما لو انه يعرفها. ثيابها مرقطة بزهوروفراشات . بلوزة قصيرة تكشف عن زندين بضين وخصر نحيف وسرّة شهية . بنطالها يضيق على فخـذين وردفين متمرسين بالمشاكسة بينما رأسها يتلوى بتناغم مع جسم نافر كمهرة جامحة . إنه يفكر أين رأى هذه المرأة؟ يبدأ بـ (مارلين ) و (هاجر) ثم يتقهقر إلى أعوام (إيمان ) حتى تبزغ باهرة كنهار ثلجي تلك (السجينة) التي ما فارقت روحه ، يراها تترك قيودها وتتسلل من غرفة تحقيق رأسه.
حركات هذه المرأة تثير فيه رغبة جامحة في الافتراس ، أن يلتهمها وتلتهمه مثل ثعبانين يتقاضمان من ذيليهما حتى النهاية . نظراتها الصقرية تزيد من نضوح عرق حار. ثمة حكات ونغزات طفيفة يحسها تنمو في أنحاء جسمه ، وتسري قشعريرة خدر في رأسه هابطة إلى أسفل ظهره . تغمره أمواج متلاطمة من لذة ووجع . يصحو من استغراقه على ضحكات قريبة منه . شاب وشابة يلمسانه من خلفه ويقولان له بمزاح :
ـ "ذيلك رائع. . كأنه حقيقي !"
يلتفت إليهما، ويشاهدهما يمسكان بذيل طويل غليظ .. ليس لعبة، بل هو مكسو بشعر كث ، وملتصق بلحمه من نهاية غضروفه وقد شق بنطاله!
يحاول (آدم ) أن يطمئن نفسه أن لا أحد ينتبه إليه فالجميع متنكرون . يستدير عازماً أن يغادر القاعة ليتدبر حالـه . فجأة ، تتوقف الموسيقى والرقص ويسود لغط بين الجمهور. تتردد كلمة (اللعبة.. اللعبة)، وتمتد أصابع كثيرة مشيرة إليه !
يحيطون بالمرأة وهي واقفة بغرور تحدق فيه وعلى محياها ترتسم ابتسامة تجمع بين الوداعة وشهوة الافتراس .
الأصابع والعيون تزداد اعدادها وهي تشير ناحية (آدم) . الجمهور ينزاح مشكلاً دائرة حولهما والمرأة شامخة أمامه كند قديم . يتجمد في مكانه ، ولولا أسئلته المتراكمة لشك في حقيقة كونه بشراً مثل الأخرين . صوت مكتوم يعربد في أحشانه يدعوه إلى منازلة المرأة ونهشها. فجـاْة تنطفىء مصابيح القاعة ويُسلط عليهما ضوء شديد شاحب ، وتنبثق عبر مكبرات الصوت ضربات طبول بدائية وأنغام ناي حزين تتصاعد بتناسق مع اشتداد الضوء.
جسم (آدم ) ما يكف عن التثاقل والانتكاس . انه يبذل جهده ليقاوم هذه الحاجة إلى الانحناء الى الأرض . يجد نفسه مجبراً على الوقوف على أطرافه الأربعة، ورأسه يحوم مهتزاً وعيناه ترمقان المرأة ببلاهة، وهي تقبض بكفيها على سيف متوهج كجمر!
تسري فيه رعشة رعب عندما يرى ظلّه على الأرض : ظل ثور حقيقي .. ذيله وقرنيه وبوزه ووبره ، بل حتى مشاعره يحسها لأول مرة هكذا بدائية ووحشية بلا أعراف أو محرمات .
مع اشتداد قرع الطبول وتصاعد أنين الناي ينبثق شاب وشابة من بين الجمهور، ويقتربان من (آدم) بخطوات مسرحية، ويراوغانه بحركات ماهرة مدروسة . عندما يقتربان منه ويمسانه بخفة، يشعر بنغزتين حادتين كأنهما دبوسان يتوغلان بين أضلاعه. تتعالى هتافات تشجيع مصحوبة بضحكات واصوات تقزز تستقبل الشابين وهما يرجعان إلى عتمتهما.
روح (آدم) تهتاج وتنزف بأسئلة تفوق نزيف جراحه ، وتبدأ أعاصير من القلق تجتاح كيانه ، وأعصابه تبث إيعازات رعب تجعل القلب تتسارع نبضاته ويضخ دماً كبارود في العروق، فيحمر وجهه وتتجعد ملامحه وتجحظ عيناه وتتكور في أحشائه صرخات احتجاج تعلو وتعلو، وينفتح فمه ، ولكن ليس كلمات رفضه هي التي تخرج إنما خوار ثور غاضب وجريح.. ثم يندفع بجموح نحو المراة.. عيناه وقرناه مصوبة نحو سرتها ، ليخترقها ويدخل فيها ، لكنها تزوغ عنه بحركة متمرسة، وتثب واقفة قباله ووجهها الذي لم تفارقه ملامح الشفقة والاشتهاء، ينضح عرقاً على سيفها ويزيده بريقا.
مرة ثانية يخرج شاب وشابة، ويراوغان (آدم) بمهارة ومرح ثم ينغزانه بين اضلاعه ، ويغوران في العتمة تصاحبهما هتافات تشجيع وتقرز. يشعر بنار تشب في لحمه وينسكب سائل حار على خديه بينما ترتج في صدره كلمات تنمو وتنمو كجنين :
ـ "يا إلهي رحماك ... كم إني وحيد.."
هدير الطبول والناي يطغى على صخب الناس ، والمرأة تدور حوله بإغواء، فتهتز تعرجات جسدها لتموج زهرات وفراشات ثيابها بتمايلات نشوانة . يهتز رأس (آدم ) يمينأ ويساراً ويقعد مستنداً إلى طرفيه السفليين ، ليلملم ما تبقى من قواه مدفوعاً ببصيص أمل أن يخرج حياُ من هذه المهزلة. لكن في أعماقه ثمة هاجساً يجول ، يرغب في ان تحل النهاية فورا ويُسدل الستار على المهزلة وعلى حياته معها .
يتكور بدنه وتتحفز أطرافه ويثب من مكانه كأي ثورهائج يتركزمصيره على طرفي قرنيه ، وعيناه مشدودتان إلى السرة بحبل غيرمرئي من نور وموسيقى... دون أن تميل المرأة عن مكانها سوى خطوة واحدة تتحاشى نطحته بخفة، وترفع سيفها الجمري ، وتصوبه بدقة لا تخطىء، ويهبط مختالاً براقاً ليخترق أسفل العنق ويتوغل نارياً في صدره . يستقر النصل في القلب فيقشعر بارتعاشة محايدة أصيلة هي خلاصة رعشات الوجود.. تنهار قواه ويتداعى مقعياً على الأرض . لم يعد يسمع شيئاً. تحت الضوء الشاحب يصطبغ ظل الثور بالدم ..
ـ " قتلتيني يا امرأة .. ايتها المعبودة قتلتيني..!!"
بينما هو يضطجع على الأرض، يشاهد وجه المرأة يحوم فوقه وفي عينيها نظرات متأملة كأنها تتطلع في لوحة . تتكاثرحولها وجوه رجال ونساء عرفهم وحمل أسماءهم وعاش حيواتهم ولا تزال بذرات كينوناتهم تتخاصب فيه صانعة رعشة الحياة.
في أثناء لحظات احتضاره وقبل أن يغمض عينيه ، يدمدم مع نفسه :
ـ "من أية سلالة حمقاء انت يا كياني ؟ من أي تاريخ طائش تتوارث يا وجودي ؟ كم صحارى موحشة في روحي . . كم أنهار خِصب وموت في عروقي ؟
* * *
عندما وجدته منبطحاً على الحائط . لم أتعرف عليه في البدء. كانت الساعة تتجاوز الثالثة صباحاً وقد عدت من أمسية عاقلة مع بعض الأصحاب بينهم (مارلين ). لقد تخلف (آدم ) عن موعده وتركنا نمضي الأمسية مشغولين بغيابه . حتى زوجته لم يخبرها. كنا نعرف في دواخلنا أنه قد بدأ يتغير متحولاً إلى عابث سئم لا يحتمل أي ارتباطات مهما كانت أولية وضرورية .
أسفه المتفاقم خلق فيه تقلباً في المزاج وميلاً عنيفاً إلى إيذاء النفس . منذ ساعة تركت (مارلين ) بعد سينما ودردشة في مقهى مع الاصحاب. كنت راغباً في أن أكمل ليلتي في حفلة راقصة على أمل العثور على إمرأة تقبل أن تمض الفجر معي . قريباً من القاعة في شارع (كاروج ) وجدت (آدم ) ثملا والنبيذ الأحمر يلطخ ثيابه . لم أسمع منه حكاية تحوله إلى ثور ومقتله بسيف المرأة إلاَ في اليوم التالي ، بعد أن استيقظ ظهراً في غرفتي .
كان لا يمل أبد اً تذكر (هاجر) وتكرار سؤاله :
ـ"ماذ ا تعتقد .. أين هي الآن .. ماذا فعلوا بها.. هل اكتشفوا أنها تحمل هوية عراقية مزيفة . . أية أحكام سيطبقون طيها. . وهل يصدقون حكايتها لو أباحتها لهم.. ربما سيعتبرونها معتوهة أو جاسوسة.. حتى وان عفوا عنها، كيف يمكنها الحياة دون أحفادها.. لعلهم ...".
ولم أكن أجيبه بأية كلمة إنما كنت أتخيل لو أنها بقيت حتى الآن كيف ستكون علاقتي بها. يقيناً أني سالتقي بها على الدوام ، ولكن سوف لن أتمكن من إقناعها بالاستمرار في عشقنا. ستقول إنها لم تعد ترض بمثل هذه العلاقة . صارت مثل جميع النساء، من الصعب عليها فصل الجنس عن العاطفة . بقدر ما يمتزج الجنس بالعواطف وأحلام الحُب ، بقدر ما تحصل على لذة أكبر. أليس الشهوة والعاطفة لدى المرأة ممتزجتين تماماً، من الصعب فصلهما عن بعض؟ يبدو أنهما عند الرجل متجاورتان ، يمكنه مزجهما ويمكنه فصلهمـا. وستقول لي (هاجر):
ـ"ربما لهذا السبب تستطيعون أنتم الرجال أن تحصلوا على لذة من البغايا، بينما هن لا يحصلن إلاَ على نقود وقرف..!"
وستضيف ايضا :
ـ "لعل الأمر نابع من التاريخ . أليس منذ الأزلية وفعل الجنس عندكم أيها الرجال يبتغي اللذة المانحة للنسل، بينما الجنس لدينا نحن النساء يبتغي النسل المانح للذة.. فعل لذتنا مسكون بهاجس تكوين إنسان في بطوننا سنخلقه ونحمله ونغذي فيه الحياة؟"
هكذا كنت امضي الساعات كل يوم اتخيل حواراتي مع (هاجر) التي هجرتنا. رغم اني كنت ، كما يبدو في الظاهر، لم اتأثر كثيرا بغيابها ولم تفجع حياتي بالحدث كما حصل لـ(آدم) ، الا اني رغم ذلك، لا استطيع ان اتخلص من حضورها في روحي وكياني وساعات يومي. كل حركة اقوم بها وكل خبر اسمعه او كتاب اقرأه او حادثة مهما كانت تافهة تمر بي، كل شيء كل شيء كنت اتخيل بأني اسرده الى سيدة الخلود الغائبة واتحاور حوله معها. بل بلغ الامر اني رحت اقولب حياتي حسب النصائح والآراء التي كنت اسمعها منها في خيالي، حتى وجدت نفسي اني تغيرت تماما. اني على يقين بأنها لا زالت حية واني احادثها حقيقة بواسطة توارد الخواطر..
(آدم ) لا زال ينزلق الى حياة عابثة شبيهة بحياتي المعتادة ، بينما أنا أنسحب الى حالة من الانكفاء على الذات والتفكير بطريقة أقل شهوانية.. صرت اميل اكثر فأكثر الى البقاء في غرفتي وتمضية وقتي في رسم وتأمل. خفت فيَ نيران توقي الى الناس والنساء والاصحاب..
كنت أحس في أعماق (آدم ) هموماً لا يريد الإفصاح عنها مباشرة، إنما فضل أن يواريها خلف قناع من تساؤلات فلسفية وشكوك وجودية، لكني خمنت من خلال أحاديت متقطعة مبهمة كان يفصح عنها في أثناء ثمالته أن في أعماقه كانت تجري مقارنة لا تكل بين زوجته و(امرأة القارورة). لعل تجربة (هاجر) قد نبشت في روحه إحساساً ينتاب الكثير من الأحبة والأزواج : تهب أنسام الأخوة فتخمد حرارة الشهوة؟ تنسجم الروحان أكثر فأكثر مع ديمومة العلاقة، لكن جسد الرجل يمل التكرار.
بعد حوارات عديدة مع سيدة الخلود حول هذا الموضوع،عرفت بأن الشهوة لدى الرجال نقيض الأخوة .. انها غرائبية وبدائية متحررة من العقل والتفاهم، بيينما الأخوة هي تعود ومعرفة وثقة وتقدير. ينفصل بدن الرجل عن إمرأته رغم ان روحه قد تظل مشتبكة مع روحها. على الأرجع أن المعضلة لاتكمن في شهوانية الجسد وطهارة الروح ، بل في محدودية قدرة الجسد على بلوغ شهوانية الروح الخالدة . انها تلك القصة الازلية عن معانات الجسد وهو يدرك مع العمر ضعفه امام ابدية الروح. كلما ادرك الجسد قرب لحظة الفراق والفناء كلما تشبث بالجنس الذي يمنحه بعضا من وهم الخلود خلال لحظات اللذة وبلوغ الذروة السماوية .
* * *
كنت التقي بـ(مارلين ) في مناسبات عديدة. في كل مرة كنت اقرأ على محياها آثارحزنها وقلقها على زوجها وجنينها. ما كانت تفقه سر التغيرات التي طرأت فجأة على (آدم ). أنا من انتبه إلى عودة أحاسيس غريبة يفترض أنها فارقته بعد أن تركنا الوطن. حبه لزوجته قد غدا شبيهاً بحبه القديم لأهله . في كل مساء عند عودتنا إلى الدار في بغداد، كان قلب (أدم ) مضطرماً بهاجس خوف ورغبة أن تكون قد حلت نكبة بعائلته ، وجميع إخوانه وأخواته ووالديه قد قضوا نحبهم في حادثة . كان حلم يقظة أقرب إلى الواقع ، حتى أنه كان يتوهم للحظات ان أبناء الجيران الراكضين في الزقاق مقبلون ليخبروه بالكارثة. كان خياله يسرح في الحالة التي سيكون عليها عندما يتلقى الخبر. سيحزن ويبكي ويندب لكنه سيتحرر من عبودية حبهم .
أتساءل أحيانا إن كان تعلق (آدم) بعالم حورية حلمه ليس سوى تبرير لحتمية موت، ومكافحة رعب فناء، وإضفاء جمال على قُبح غياب. في انتظار النهاية كان يمضي عمره في بحث عما يعوضه مؤقتاً عن جمال الآخرة. لقد يأس من حُب أمه التي كانت كراعية لقطيع من أبناء وبنات، ليست مهمتها أن تمنح الحُب إنما أن تعلف وتوفر حداً ممكناً من الحياة. ويأس بعد أن فارقتنا (السجينة) ودفنوها حية، ثم ملّ من انتظار (إيمان) بعد عشق بائس من طرف واحد دام بضع سنوات. أمضى أعوامه يؤمل نفسه بإنتظار مجهول مطلق سينقذه من بؤسه. خلال أعوام شغفه بـ(إيمان) تملكه وهم، أنه سيكون نبياً. أمضى لياليه مترقباً هبوط الملاك (جبرائيل) برسالة النبوة من السماء. أراد أن يصير ككل الأنبياء، مخلصاً ومنذراً بالكارثة. أليس الأنبياء ما هم إلا منذرون بكارثة ومبشرون بخلاص؟ إدراكهم لرعب الموت والفناء يقربهم إلى القوة المطلقة. كل منهم يدعو إلى مشروعه الخاص لتهيئة الناس لمواجهة مصير محتم. في فتوته، توقه إلى النبوة تلبس شكل (سوبرمان). قرائته الحكايات المصورة جعلته لأعوام طويلة ينتظر هبوط القوى الجبارة من حطام كوكب أسلافه المجهول. ليمتلك القدرة على إصلاح العالم وخلق الإنسجام المطلق. مع بروز زغب شاربيه برزت فيه رغبات التغيير من خلال السياسة، إذ ارتدى نبي روحه ثياب ثائر عصري.
إني أغيظ (آدم ) أحياناً، عندما أقول إن التنظيم كان له أماً وحورية حُرم منها، والدولة كانت رباً وأباً عانى من سلطته وجبروته. اختار تنظيماً ثورياً، لينتقم لسنوات حرمانه وجفاف حياته. غرق في تصوف حُب الجماعة والتضحية بالحياة من اجل حرية وسعادة وأنوثة ولذة مطلقة : آلهة الرحمة صارت تنظيماً، والمؤمنون صاروا كادحين، والجبار صار دولة، والشياطين صاروا برجوازيين، اما جنة حوريته فقد صارت مدينة حُب ومساواة!
الحقيقة أني عندما انضممت معه، لم اكن اختلف عنه في جميع هذه الأمور. هو كان يناضل ليفني حياته من اجل الثورة، ويقول انه سيبقى خالدا في ذاكرة الشعب. أما انا فكنت أناضل لأنتزع حياتي واغتصب لها وهم إنعتاقي.. امارس تمردي على واقع بائس، ومن اجل تمتعي بإيذاء رجال اقوياء يخصون فيّ فحولتي ويغتصبون حريتي بقوانينهم واخلاقهم واكاذيبهم وسجونهم. اني ضد الحاضر من اجل الحاضر، أما(آدم) فكعادته ضد الحاضر والماضي من اجل مستقبل بعيد بعيد حتى يبلغ آخرته وجنة حوريته الخالدة!
* * *
لا ادري كيف وجدت نفسي ذات يوم اقوم بإقناع (آدم ) و(مارلين ) بتمضية يوم أحد في نزهة في جبال الألب التي لم تنقطع الثلوج عنها حتى في الصيف . بينما كان القطار يشق دربه نحو مقاطعة (فاله )، كنت أتمعن في وجوهنا ترتسم عليها خطوط هاجس بأننا نقوم برحلتنا مدفوعين بخفايا بعيدة عن متعة الثلج . لم تكن النيات واضحة، حتى أنا كنت مشتتاً بين رغبتين : الترفيه عن (مارلين ) وخلق فرصة تفاهم بينها وبين (آدم ) بينما في الأعماق هنالك شبه رغبة مدفونة : أن نقف جميعنا أمام بعضنا البعض لتتمزق عنَا شرنقة غموض وحيرة نسجتها الظروف حولنا. كنت راغباً في أن أتخلص بضربة طائشة من وضعية مقلقة وطارئة.
كانت شمس (ايلول ) تلقي بضيائها على وجهيهما وقد طاف نظرهما عبر النافذة على تدرج الوان رائع في القه، يبدأ من زرقة بحيرة وخضرة شاطئ وعتمة سفح وبياض قمة، ثم زرقة سماء فضية تتخللها غيوم سائحة.
وصلنا القرية واستأجرنا زلاقات. تمنيت لو أن (هاجر) مستمرة معنا في وجودها، تحكي لنا عن تواريخ اوطان وشعوب واناس حالمين واشرار وطيبين وابطال مسحوقين. اني على يقين انها ستحب (مارلين) مثلنا، ولوجدت فيها إمرأة تجيد الصداقة والاصغاء. انتبهت الى ان عواطفي إزاء (مارلين) كانت تتعمق وتتلبس شكلا غريبا عن طباعي القديمة. كانت مشاعر خاصة فيها من العادي بقدر ما فيها من الغموض. وانا ارقب بطنها تكبر بالجنين ، كنت احس كأني معني مباشرة بالأمر..؟!
امضينا النهار في القمة المثلجة، تغمرنا اشعة ذهبية تنسكب على ثلج فضي. دون إعداد أو تفكير ، وكأني انفذ إرادة عليا اشبه بمصير قدري، امتدت كفي خلسة الى حقيبتي السوداء. نظرت الى القارورة التي تركتها( هاجر) وغابت.
لعل (مارلين) لم تفقه غايتي وهي تراني اسكب سائل الخلود في قارورة النبيذ الاحمر. والحقيقة اني انا نفسي لم اكن افقه معنى ما اقوم به. كنت انفذ إرادة عليا اوحتها لي سيدتي . هي التي ما كفت في الايام الاخيرة عن مطالبتي بالقيام بهذه الخطوة الغريبة التي اجهل تفاصيل نتائجها، غير نتيجة واحدة وحيدة ، هي التي تهمني:
" اننا بعد احتساء سائل الخلود سوف ننتقل الى عالم سيدة الخلود..!!"
كان (آدم) يرقبني بصمت متواطئ ، بينما (مارلين) ترمقني ولمعان الفضاء في خضرة عينيها، ثم قامت هي برفع قارورة النبيذ الممزوج بسائل الخلود ، وراحت تصب في كؤوسنا. ثلاثتنا معاً رفعنا الكؤوس واتجهت ابصارنا نحو بطن (مارلين) ووضعنا اكفنا عليه، ونطقنا معاً بصوت واحد:
ـ " نخب صحتك ايها القادم.. ليغمرك سلام ابدي..".
بقينا جالسين بعد ان انتهينا من نبيذنا. كانت الشمس قد حطت قبالتنا على قمة الجبل. رأيت في عيونهما كيف ان (هاجر) بحضورها وغيابها قد اثرت فينا جميعا. هل تدرك( مارلين) انها تحمل جنينها بفضل خصب ( إمرأة القارورة)؟ اما انا و(آدم) فقد نقلتنا الى دورة حياة جديدة. يخيل الي اننا عندما انطلقنا من جزيرة طفولتنا، كل منا شق طريقا في المحيط معاكسا لاتجاه الآخر. حينما اكلمنا نصف دورتنا حول الارض، في الوسط، عند جزيرة هجرتنا التقينا معا بـ ( هاجر). كانت حلماً فيه اجتمعنا واندمجنا، لكننا انفصمنا بعد ان غرقت جزيرة حلمنا في غياهب بعيدة. عدنا من جديد الى درب الافتراق، لنكمل النصف الأخير من دورتنا العكسية في محيط المجاهيل: هو يشق درباً اتيت انا منه، وأنا اشق دربا اتى هو منه، عسى ان نلتقي مرة أخرة في جزيرة عالم آخر.
أحسست بنشاط مفاجىء ورغبة جامحـة في التزحلق والانطلاق كأن جرعات الاكسير قد دست يداً عابثة في رأسي . معا ومن دون كلام قمنا وتناولنا زلاقة خشبية طويلة وتوجهنا إلى منحدر تريب . كان المكان يعج بأناس يلعبون ويهبطون بزلاقاتهم. وضعنا زلاقتنا متجهة ناحية المنخفض . جلست أنا أولاً، وجلست (مارلين ) بيني وبين (آدم ) واضعة القارورة في حجرها. شبكت ذراعيها حولي ، وند عنها فجأة صوت متوجع:
ـ " ارجوك تمهل .. أظن . . جنيننا هائج فـ … ".
ولم أسمع بقية الكلام . تقطع صوتها ضجة مرور خاطف لزلاقة. ولا أدري أي يد قوية عابثة ندفعنا دون أن نتدارك الأمر. تشق زلاقتنا دربها منحدرة بسرعة متصاعدة. تنزلق اكثر فأكثر دون ان امتلك اية قدرة على التحكم بها. ليس طبيعياً أن تطول هكذا مسافة الانحدار، هناك عادة مرتفع رملي يوقفنا . (مارلين ) يشتد تشبثها بي ، وذراعا (أدم ) تحيطان بنا، وتتعالى صرخاتها :
ـ "الجنين . .. الجنين . . . ."!!
الأصوات تبتعد وتختفي . الناس والزلاقات وأشجار الأرز تتبدد كأنها على شاشة آخذة بالاحتراق . الزلاقة تعدو وتعدو. . تلتهم الدرب نحو الهاوية العظيمة . لا تنفع جميع محاولات إيقافها. حبات الثلج تملأ أحذيتنا، وتغور أصابعنا فيه . عبثاً نحاول أن نرمي أنفسنا. ملتصقين بالزلاقة كأننا جزء من خشبها!
يبدو محتماً سقوطنا في أعماق الهاوية ليضمنا الوادي في أحضانه . شعورنا بالمصير القادم يشدنا إلى بعضنا ولا نعد نميز بين أحاسيسنا . مثل معجزة خرافية إذ رأينا زلاقتنا تجتاز حافة الهاوية وتمضي مُحلقة فوق الوادي .. نحن نطير وتحتنا غابات . . نهير متجمد.. صخور عملاقة . . أكواخ رعاة ..!
زلاقتنا تتقدم نحو قمة الجبل المقابل.. نحو شمس مضطجعة هناك.. نغور في خيوط هالتها النحاسية. صرخاتنا تمتزج بصرخات (مارلين) وهي تعلو بكلمة واحدة :
"الجنين ... ".
نتوغل ونتوغل في أعماق قرص الشمس مغمورين بشلالات انوار ذهبية.
الانوار تتكشف شيئاً فشيئاً عن مشهد رؤيوي:
زلاقتنا مستمرة باندفاعها في صحراء ممتدة أمامنا نحو أفق غير مرئي . بثور وأورام منتثرة على السطح . رمال معفرة بآثار جمال وخيول وآلات . في الآفاق تنتشر ينابيع تنبثق منها نيران أزلية، هالاتها نحاسية داخنة تلطخ ازرقاق السماء، وروائح نفط نتنة آسنة تعبق في الهواء. الأب يقول عنها:
ـ "إنها من بقايا الشعوب العاصية.. اندثرت بأموالها وخطاياها في الأعماق .. ها هي الأرض تهضها وتتجشأ بها نفطا وغازأ مشتعلاً.. . ".
حول ينابيع النار تستلقي جثث : عسكريون ومدنيون ، نساء وأطفال ، جثث بأزياء مختلف حقب التاريخ، تعبث بها ريح من رمال ودخـان وصرخات تعبق بروائح موت وميلاد.
صرخاتنا ممتزجة بعصف الريح ترتج في الفضاء، وزلاقتنا ما تكف عن اندفاعتها. تتجه نحو نهر يشق مجرى افعوانياً وسط الصحراء. على شواطئه تنتثر حقول قمح وبساتين نخل وحمضيات . في مياهه الغرينية الحمراء تستقر سرتنا. الأم تقول:
ـ "إن عشت يا ولدي فبفضل هذا النهر.. مثل أسلافك . يوم ميلادك رمينا إليه سرتك . بمياهه تكونت خلقتك . وبمياهه ستظل خالدة لوحك...".
بسرعة مدفوعة بقوة المصير، كنا نشق دربنا وسط نيران وجثث وسط رمال وبساتين وحقول ، تتفتح أمامنا بشغف تواق إلى أحضان النهر حيث دوامات حميمية ابتلعت ولفظت من قبلنا أقواماً وأقواماً...
رغم رعب الحقيقة والدوامة الجائعة التي تنظرنا، الا ان صراخنا يخفت وتسري فينا قشعريرة وسكون ، ويعم روحنا صفاء شذري ، وتتجسد أمامنا رؤية تبهرنا بوضوحها:
جنين ينبجس من دوامتنا ويطفو مع قارورته فوق الماء ، وتمتد الينا يد حنونة تساعدنا على الزحف حتى الشاطىء..
عبر لجة الحيرة وغبش الرؤية تجلت( سيدة القارورة) فوقنا شامخة بقامتها الخلابة ترتسم على محياها حقول وبساتين وينابيع نيران أزلية...
من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية...
أنتهى ..