انفجار المضخة

رجال الامن والشرطة وعلى راسهم الرائد الجاسم يحومون حول المضخة وبعض الرجال يقيسون المسافات ما بين المضخة والقتيل وما بين القتيل الاخر، ويجمعون ما تمكن من الاثار من هنا وهناك لتوصلهم الى نتائج  تحقيقية…

الرائد ـ يتطلع بدقة الى جثة الحارس والى جثة بهمن ويتفحص كل شئ فيهما…

رجل المباحث يرفع الاسلحة بدقة من الارض ويضعها في اكياس. في تلك الاثناء يهرع احد رجال الامن ويخبر الرائد بالعثور على جثة الثالثة والمطروحة على وجهها… ويقف عند راس الجثة ويحركها احد الشرطة فيظهر وجه المقتول فينظر اليه الرائد جيدا ويقول:

الرائد ـ اني اعرف هذا الرجل.. انّه احد المراجعين لنا في المديرية انّه عراقي مقيم في الكويت وهو من المؤيدين لثورة الخميني نعم اني اعرفه جيدا.

في تلك الساعة تقترب سيارات اطفاء الحريق من المكان وينتشر رجال الاطفاء ويحيطون بالنار بخراطيم الماء ويرشون غاز ثاني اوكسيد الكاربون يهدف اطفاء النار…

وفي تلك اللحظة يسرع احد رجال الامن باتجاه الرائد وهو يحمل جهازا لاسلكيا ويقول الرائد:

رجل الامن ـ سيدي لك رسالة.

الرائد ياخذ اللاسلكي فيسمع.

الرائد ـ اجب ناصر.. اجب.

صوت اللاسلكي ـ سيدي حدث انفجار في محطة الضخ رقم 36 وقد ادى الانفجار الى مقتل رجلين من العمال وجرح اخرين وتهديم جزء من المحطة واشتعال النار فيها..

عندما يسمع الرائد بذلك يطير صوابه ويدرك انّ الموقف خطير ويبدو ان هذه الانفجارات سلسلة لعملية ارهابية واحدة فيسرع صوب سيارته ويترك المكان وهو يقول

الرائد ـ واصلوا التحقيق بدقة واوافوني بالتقارير باسرع وقت..

 

 

سيارات الاسعاف كانت تتقاطر على مكان المحطة البترولية ورجال الشرطة يتراكضون هنا وهناك لا يعرفون ماذا يفعلون سوى انهم يحاولوا ان يراقبوا المكان من كل اطرافه ورجال الاسعاف والعمال بعضهم يحاول اطفاء الحريق واخرون ينقلون الجرحى واخرون يخرجون العاملين من داخل المحطة وسط الدخان والنار.. ويقترب احد افراد الاسعاف الى عبد القادر ويضع ضمادا على جرحه النازف ومن ثم يمسك بيده وياتي به الى سيارة الاسعاف القريبة منه…

عبد القادر حتّى اخر لحظة كان يتابع النظر الى سيارته ودخل عبد القادر سيارة الاسعاف وتحركت السيارة نحو الخارج نحو الشارع العام… عبد القادر بدا يستعيد ذاكرته التي توقفت لمدة وبدا يتذكر لحظة الانفجار حينما سمع صوته وهو يكلم صاحبه فنظر الى الوراء ليشاهد سيارته وهي تشتعل بالنار في الهواء عدة امتار… ثم بدا يتذكر سيارته بعد الانفجار وقد اصيبت باضرار اكثر من السيارات الاخرى وان اشلاءها تفككت اكثر من غيرها عند تلك اللحظة ادرك ان الانفجار كان مصدره من سيارته فبحلقت عيناه استياءا من الماضي.. تذكر اللحظة التي ترك فيها فاضل سيارته لديه بحجة خرابها.. تذكر كيف اخذ سيارته ورحل.. تذكر اللحظة التي اعاد بها السيارة الى البيت… تذكر كيف نظر الى سيارته فوجدها قد اصلحت ونظفت…

ادرك ان فاضل لا غيره وراء الانفجار وادرك مليا انّه قد استغفله واخذ سيارته واعدها للانفجار فنكس راسه الى الارض وراحت الدموع تسيل من عينه وهو يقول بصوت خافت:

عبد القادر ـ فعلها الكلب.. فعلها الكلب.. فعلها المجرم.

قالها مع نفسه عدة مرات…

كان القنصل جالسا وراء منضدته داخل غرفته الخاصة في السفارة العراقية ويقف عنده رجلان وهما ينظران في الملفات…

القنصل يرفع السماعة ويطلب رقما..

القنصل ـ الو… اطلب لي الصحف الكويتية الواحدة تلو الاخرى

ينتظر لحظات يدق جرس التلفون

القنصل ـ الو.. رجاء السيد.. الو كيف حالك يا اخانا.. ؟

لدي لك انباء هامة.. انها انباء مهمة حول التخريب الذي حصل في الكويت.. نعم.. اسمع لقد القى القبض على مجموعة ايرانية قد سرّبت اسلحة ومتفجرات من ايران الى الكويت… كما انّه عثر على جثثٍ لايرانيين خمينيين وعراقيين عملاء لحكومة الخميني قرب الانفجار الذي حدث اول الصباح لمضخات النفط… هذه هي الخطوة العريضة وسوف اتصل بك لاحقا لاوافيك بالتفاصيل.. مع السلامة.

يجلس العقيد البرسلي وراء منضدته وهو يتطلع الى عدد من الجرائد اليومية والتي كتبت على صفحاتها الاولى وبخط عريض (عملاء ايرانيون وراء الانفجارات الاخيرة) (ايران تهدد الامن الوطني) (عملاء الخميني يتسللون الى الاراضي الكويتية)..

ويظل يتطلع الى جريدة كتب فيها خبر

(الحكومة الكويتية ترسل الى حكومة الخميني استنكار لاعمال التخريب التي يقف وراءها الايرانيون) وبعد مدة من الزمن يرفع راسه عن الصحيفة وينظر الى الرائد الجاسم

ثم يلتفت ويقول:

العقيد ـ يبدو ان المعلومات الامنية تصل الى الجرائد قبل ان تصل الى مديرية الامن.

الرائد ـ انها ليست معلومات امنية بل هي معلومات لتضليل الامن.

العقيد ـ وما هو دليلك على ذلك يا حضرة الرائد؟

الرائد ـ الانفجار الاول والاخير ليست له علاقة بايران والايرانيين.. فما علاقة الايرانيين بقتل سائق شاحنة اردني يحمل برتقالا… والانفجار الاخير كان مصدره سيارة مهندس عراقي بعثي منشق عن الحزب ومن المقربين للكتلة السورية.

العقيد ـ او ليست ايران وسوريا تمثلان سياسة واحدة؟

الرائد ـ وهل يعقل ان تفعل ذلك الحكومة السورية؟ هل هناك مصلحة لفعل ذلك من قبل السوريين.

العقيد ـ لا.. لا مصلحة لهم.. وماذا فعلتم بالمهندس العراقي؟

الرائد ـ لم نجده لحد الان… لقد فر من المستشفى قبل وصولنا اليها وها نحن نبحث عنه.

العقيد ـ يبدو ان وزارة الخارجية قد تسرعت بارسال رسالة استنكار الى الحكومة الايرانية وقبل ان تحصل على نتائج التحقيق.

الرائد ـ لا اعرف ما الذي دعى سيادة الوزير لفعل ذلك دون ان يتصل بمديرية الامن.

العقيد ـ سوف اتابع ذلك مع سيادة وزير الخارجية… وانت ايها الرائد وافني بنتائج التحقيق بكل دقة وعلى الدوام.

الرائد ـ حاضر سيدي.

العقيد ـ اعرف بسرعة من وراء تسريب هذه الاخبار والاسماء للصحف.

لقد كلمني وزير الداخلية قبل ساعة وكان في منتهى العصبية، وطلب ان تكشف رجال الامن من وراء التخريب.

 

 

داخل الغرفة كان الرائد الجاسم يجلس مقابل ضابط الكمارك خليفة الحمد ويستمع الى اقواله بكل دقة.

خليفة الحمد ـ هذه دفاتر التفتيش قد دون السيارات الداخلة والخارجة من الحدود.

الرائد ـ متى دخلت اخر قافلة لبرتقال يافا؟

خليفة ـ دخلت الساعة الثالثة ظهرا ليوم السبت.

الرائد ـ ولماذا تتذكرها بدقة؟

خليفة ـ لان احد سواقها والمسؤول عن القافلة حمل لي هدية من احد اصدقائي من الضباط الاردنيين والتي ارسلها لي بمناسبة زواجي.

الرائد ـ ما هي اوصاف ذلك السائق؟

خليفة ـ ذو جثة ضخمة وشارب اصفر وشعر راسه احمر. هو اشقر الصفات.

الرائد قام من مكانه وسكت لحظات وكانه تذكر شيئا… وظل يردد مع نفسه.

الرائد ـ الاشقر … نعم الاشقر كان وراء شاحنة عبد العظيم.. لعله كذّب عليه .. ثم التفت الى الضابط وقال:

الرائد ـ وهل منعك ذلك من تفتيش القافلة.

خليفة ـ كلا يا سيدي لقد فُتشت القافلة من قبل رجال الكمارك ولكن…

الرائد ـ ولكن ليس بدقة كافية؟

خليفة ـ انت تعرف يا سيدي انها شاحنات اردنية وشاحنات برتقال ولم يسبق للشاحنات الاردنية ان عثر على ممنوعات فيها فلو كانت عراقية او لبنانية لربما استوجبت الشك ولكن الشاحنات الاردنية لا تسبب لنا الشك.

الرائد ـ حسنا.. تفضل في الغرفة الاخرى واتصل برقم هاتف صديقك الاردني واسئله عن الهدية لتتاكد هل انه فعلا ارسلها لك؟

يشير احد الضباط الى ضابط الكمارك فيقوم من مكانه ويخرجان ويذهبان نحو الغرفة المجاورة حيث يرفع السماعة ويطلب رقم الاردن فيتم الاتصال بسرعة.. في الغرفة المجاورة يقف الرائد ويستمع الى المكالمة.

خليفة ـ الو… مديرية شرطة عمان.

صوت التلفون ـ نعم… تفضل من المتكلم؟

خليفة ـ انا الملازم خليفة الحمد اتكلم من الكويت هل العقيد مروان خالد موجود رجاءً.

صوت التلفون ـ نعم انه موجود.. لحظة رجاءً…

صوت العقيد على التلفون.

العقيد ـ من المتكلم؟

خليفة ـ انا الملازم خليفة الحمد.

العقيد ـ اهلا وسهلا كيف حالك يا اخي العزيز لم اسمع اخبارك منذ اكثر من شهر لماذا لا تتصل بي؟

خليفة ـ اهلا وسهلا بك يا سيادة العقيد كيف حالك.

العقيد ـ الحمد لله وانت كيف حالك؟

خليفة ـ الحمد لله يبدو انك لا تعرف شيئا عن اخباري الاخيرة.

العقيد ـ قلت اني لم اسمع عنك اخبارا منذ شهر.

خليفة ـ ولم تسمع عن زواجي.

العقيد ـ زواجك اني اسمعها منك الان. مبروك والف خير.

خليفة ـ يعني لم ترسل لي هدية الزواج.

العقيد (يضحك) اني الان لا استطيع الا ان اهنئك ولو جئت الى الكويت حتما سوف احمل لك هدية الزواج…

خليفة ـ لي سوال يا سيادة العقيد؟

العقيد ـ تفضل.

خليفة ـ هل تعرف سائق شاحنة اسمه زيد القاسم اشقر الوصف.

العقيد ـ لا .. لا اعرف مثل هذا الشخص.. لماذا؟

خليفة ـ ولم ترسل لي معه رسالة؟

العقيد ـ رسالة؟ ابدا… لماذا هذه الاسئلة؟ هل ذكر شخص عندك اسمي؟

خليفة ـ لا.. انه مجرد سؤال… على اي حال اني اشكرك كثيرا واردت ان اسال عن صحتك سلامي الى الاهل وشكرا ومع السلامة…

العقيد ـ مع السلامة يا صديقنا العزيز اتصل بنا.

ينظر الرائد الى احد الضباط ويقول:

الرائد ـ اذهب واجلب الاشقر الى مديرية الامن… الان ادركت ان شاحنته كانت الثانية عند ساحل البحر… هل ربطتم خط التلفون لبيت عبد القادر بالجهاز…

الضابط ـ نعم سيدي واي اتصال ببيت عبد القادر…. نستطيع ان نسمعه من هنا.

 

 

كانت فاطمة جالسة في زاوية من غرفة الاستقبال وقد لفتها اعاصير الهواجس والافكار لا تقدر على الكلام رغم وجود ابي سهام وزوجته امامها وراحت عيناها تذرف الدموع المدرارة بلا شعور وبين الحين والحين تمسحها بيديها وفجاة دق جرس التلفون فاسرعت نحو السماعة ورفعتها وظل ابو سهام وزوجته ينظران اليها عن بعد.

فاطمة ـ الو… من.؟

عبد القادر ـ انا عبد القادر.

وما ان سمعت فاطمة اسمه حتّى غصّت بالبكاء.

فاطمة ـ عبد القادر اين انت؟ ماذا حدث لك؟

عبد القادر ـ حدث ما حدث… ولكني سالم والحمد لله.. وبحالة جيدة…

فاطمة ـ كيف حدث ذلك؟

عبد القادر ـ فاضل اخوك. انّه الجاني لن اجعله يفلت من يدي.. لقد استغفلني.. انّه مجرم لقد فعلها الكلب… فعلها… لا اقدر على ان اكلمك اكثر ولاني اخاف ان يكون التلفون مراقب مع السلامة… وضع سماعة التلفون…

 

 

وعلى الجهة الثالثة من الخط كان الرائد الجاسم وبعض ضباط الامن يستمعون الى المكالمة…

الرائد ـ من اين كان يتكلم عبد القادر.

الضابط ـ سيدي من تلفون عمومي في شارع من شوارع الرميثة.

الرائد ـ حاصروا المنطقة وراقبوها جيدا.

الضابط ـ حاضر سيدي.

الرائد ـ من هو فاضل؟ من هو؟

الضابط ـ سوف نسال زوجته…

 

 

كان رجال الامن الكويتي يبحثون عن الاشقر في الفندق ولكنهم وجدوا ان الرجل قد غادر الفندق وترك باقي السواق ولم يُعرف عنه خبرٌ منذ البارحة…

اما الاشقر فقد كان جالسا في غرفة حيث يقوم احد الرجال بصبغ شعر راسه وشاربه باللون الاسود ومن ثم قام بتخفيف شعر راسه وشاربه وبدا يحول خصلات من شعره الى اللون الابيض واضاف عدة لمسات على وجه الرجل حتّى بدى الرجل في عمر الستين ووضع له نظارات بيضاء…

ثم قام الرجل باخذ صور له وذهب الى الغرفة السوداء وبدا بطبع الصور من ثم تنشيفها ورجع الى الاشقر ونظر الى وجهه وضحك… وراح صوب حقيبة واخرج منها بدلة تناسب الطاعنين في السن وقدمها اليه… وقام الاشقر ولبسها ولم يعد الاشقر شابا كما كان.. ومن ثم بدا الرجل يلصق الصور على جواز سفر اردني واكمل تزويره بعد ساعة من العمل ثم سلم الجواز الى الاشقر وقال:

الرجل ـ تستطيع الان ان تغادر البلد باطمئنان… خذ هذه بطاقة سفرك الى اليونان جاهزة وهذا جواز سفرك جاهز وموعد رحيل طائرتك بعد ثلاث ساعات… ابتسم الاشقر للرجل ومد يده الى جيبه واخرج منه مقدارا من الدولارات وسلمها للرجل فاخذها منه وشكره وابتسم.

 

 

كان الرائد الجاسم مسرعا باتجاه غرفة في المستشفى الاميري ومن ورائه عدد من الضباط واقترب من غرفة في قسم الجراحة يقف عندها شرطي اخذ التحية للرائد وهو يدخل الغرفة ونظر الى الرائد الى السرير الذي استلقت الفتاة عليه وراح الدكتور يضمدُ جراحها…

الدكتور ـ الان غير مسموح بالدخول.

الرائد ـ ولكني رجل امن ويحق لي ان اسال المراة واحقق معها.

الدكتور ـ اولا اني الان اقوم بتضميدها وعلي كشف صدرها ولا يجوز ذلك في حضور اي رجل غريب… وثانيا حالتها لا تساعدها ابدا على التكلم… ولانها توا قد خرجت من حالة الخطر… فارجوك يا سيد اخرج من الغرفة حتّى نسمح لك…

عندما سمع ذلك الرائد اضطر للخروج من الغرفة الى الخارج واغلقت المضمدة الباب وراح الطبيب يتابع تضميده للفتاة.

وبقي يتمشى في ممر المستشفى وهو يفكر فاقترب منه احد الضباط وقال:

الضابط ـ سيدي (الاشقر) قد اختفى وليس له اثر.

الرائد ـ اذن الاشقر له يدٌ في الانفجار الاول وله علم بكل ما جرى عن الحادثة… وزعوا صوره على كل حرس الحدود والمطارات ورجال الامن والشرطة ليلقوا القبض عليه.

الضابط ـ حاضر سيدي.

وسار الرائد خارج الممر صوب حديقة المستشفى ويدخل السيارة فتاتي له رسالة عبر اللاسلكي.

صوت اللاسلكي ـ سيد الرائد .. المقتول العراقي عند المضخة اسمه حسين الترابي من اهل محافظة العمارة وكان متدينا ومن الموالين للثورة الخمينيه ومن اعداء البعثيين في السفارة وله نشاطات معادية لنظام صدام.. يشتغل موظفا في وزارة الشؤون منذ خمس سنوات وله زوجة واربعة اطفال ولم تسجل ضده اي مخالفة قانونية خرج من دائرته بعد ظهر يوم اختفاءه حتّى عثر على جثته وقد قُتل برصاصات مسدس قبل الانفجار بحوالي ساعتين او ثلاث ساعات.

الرائد ـ شكرا على التقرير.. اذن الرجل العراقي قُتل قبل الحادث..!!

 

 

داخل غرفة وكيل وزارة الداخلية كان يجلس الوكيل والعقيد البرسلي وكل واحد منهما ينظر ويقرا الملفات التي امامه فطرقُ البابُ وفُتحُ ودخل الرائد الجاسم الى الداخل فنظر اليه العقيد وقال:

العقيد ـ اين وصلت اخر التحقيقات؟

الرائد ـ سيدي بالاضافة الى التقارير التي وافيتكم بها فقد اتضح ان نوع المتفجرات التي فجرت بها شاحنة البرتقال ومضخة النفط لمحطة البترول والتي وجدت في الجزيرة لدى الايرانيين تتشابه في النوعية والصنع.

العقيد ـ هل هذا يعني انها ارسلت من مصدر واحد؟

الرائد ـ لا استطيع ان اوكد ذلك الان ولكنها تبقى واحدة من النظريات.

واما بالنسبة لمقتل الحارس والايراني فان التحقيق اثبت ان الرصاص المنطلق من مسدس المقتول الايراني.

يتقدم الرائد الى العقيد ومعاون وزير الداخلية فيريهما صورة الحارس المقتول وجثة الايراني مطروحة على بعد منه.

الرائد ـ انظر سيدي المسافة، بينهما حوالي عشرة امتار… الرصاص قد انطلق على الاقل من مسافة عشرين مترا… اي ضعف المسافة كما ان الرصاصات التي اصابت الايراني والتي مصدرها بندقية الحارس قد انطلقت من مسافة اقل مما هي ملاحظة في الصورة..

فقاطعه العقيد وقال:

العقيد ـ اعرف… اعرف.. ماذا تريد ان تقول هل يعتقد بان كل ما شوهد عند المضخة كان مرتبا من قبل شخص ثالث؟

الرائد ـ وجود الجثة الثالثة للعراقي ومقتله بسلاح مجهول ياكد تلك النظرية والاثار الموجودة في المكان تثبت وجود شخص ثالث.. وحضور سيارتين مختلفين وفرارهما من المكان.

العقيد ـ ما هي هوية الايرانيين المقتولين؟

الرائد ـ لم نعرف بعد.. واذا عرفنا هويتهم فسوف يحل نصف اللغز… هل هم مع الحكومة الايرانية ام ضد الحكومة الايرانية فكل حالة سيكون لها تفسير خاص.

العقيد ـ العراقيون سربوا لنا اخبارا وادلة وبشكل غير مباشر اثبتوا بها ان الايرانيين كانوا خمينيين.

الرائد ـ العراقيون لهم اهداف سياسية خاصة ونحن لا نصدق الا ما يتوصل له تحقيقنا.

العقيد ـ ذلك هو الصحيح؟ اذهب وتابع التحقيق ووافني بالنتيجة بسرعة.

الرائد ـ اني افعل ما اقدر عليه يا سيدي.

ويدخل احد الموظفين الى داخل الغرفة ويحيى الوكيل والعقيد بتحية عسكرية ويقول:

الموظف ـ سيدي السيد القنصل السوري يريد اللقاء بكم.

الوكيل ـ ادخله اهلا وسهلا.

 

 

داخل غرفة القنصل كان فاضل جالسا ينظر الى شاشة التلفزيون ولاحظ فجاة الرجل الذي استقبله عند المطار والذي كان حلقة الوصل بالبدء وهو يمثل فضحك وقال:

فاضل ـ او ليس هذا الرجل هو صاحبنا.

القنصل ـ نعم انّه الذي استقبلك في المطار انّه احد رجالنا منذ سنين…

فاضل ـ اذن هذا الممثل هو واحد من رجالنا…

وظل يضحك كثيرا وهو يرى الرجل يمثل ادواره الكوميديه…

القنصل ـ اسمع يا فاضل.. لقد احسنت باتمام العملية بالشكل المطلوب وعندما تصل الى العراق سوف تكافا بشكل لا تتوقعه سوف يرى الرفاق فيك البطولة والوفاء للحزب… والان امامنا مشكلتان..

فاضل ـ ما هما؟

القنصل ـ الامن الكويتي يبحث عن شيئين اولا ما هي هوية الايرانيين مؤيدين او مخالفين لنظام الخميني وثانيا من هو فاضل؟

فاضل ـ وكيف عرفوا باسمي؟

القنصل ـ من تلفونات بيت اختك… ولذلك يجب ان تخرج خارج البلاد باسرع وقت… واما بالنسبة للايرانيين فلا دليل لديهم سوى شهادة الفتاة المجروحة ويجب علينا ان ننهيها قبل ان تتكلم.

 

 

رفع الرائد الجاسم السماعة وكان العقيد خلف التلفون.

الرائد ـ نعم سيدي العقيد…

العقيد ـ اسمع يا رائد لقد عرفنا هوية المدعي فاضل انّه بعثي عراقي من رجال الاستخبارات العراقية ولدي الان صورته والتي كانت قد اخذت له من قبل سنتين وفي الكويت تستطيعون من خلالها معرفة ملامح وجهه وشكله، اما عبد القادر فسوف يسلم نفسه لك بعد ساعة فعامله باحترام ودوَّن اعترافاته او بالاحرى معلوماته دون حاجة الى العنف فقد كشف لنا المسؤولون في السفارة السورية جملة من جوانب القضية… المهم تاكد من صحة المعلومات تاكد من صدق اقوال عبد القادر ثم اتصل بي…

الرائد ـ حاضر سيدي…

خرج الرائد مسرعا بسيارته نحو المستشفى بعد مكالمة تلفونية له من هناك ولما وصل المستشفى واتجه بسرعة صوب غرفة الفتاة شاهد ضجة عند باب الغرفة وعددا من رجال الشرطة واطباءا وممرضات ولما اقترب من الباب اخذ احد الشرطة له التحية.

فساله الرائد؟

الرائد ـ ماذا حدث.

الشرطي ـ سيدي حاول رجل الدخول الى الغرفة ولكن رجل الامن منعه وطلب هويته فاسرع الرجل بضرب الحارس بسكين في خاصرته واراد الدخول الى الغرفة ولكن عددا من المضمدين والاطباء اثناء المرور شاهدوا ذلك فاسرعوا صوبه فهرب الرجل الى الحديقة ومن ثم تسلق اسوار المستشفى وهرب الى الشارع.

الرائد ـ وهل لحق به احد؟

الشرطي ـ نعم سيدي لحقه به بعض الموظفين في المستشفى وهذا واحد منهم واشار الى رجل فتقدم.

الرائد ـ ماذا حدث بعد ذلك؟

الرجل ـ سيدي خرج الى الشارع ونحن وراءه نصرخ امسكوه.. امسكو المجرم فهرع بعض الناس لالقاء القبض عليه ولكن سيارة مارسيدس سوداء اقتربت منه وحملته وهربت مسرعةً عن المكان.

الرائد ـ وهل دونتم او حفظتم رقمها…

الرجل ـ حضرة الرائد كان رقمها (هيئة دبلماسية)

الرائد ـ هيئة دبلماسية… حسنا ليفترق الجميع من هنا عدى رجال الشرطة … انتم الاثنان اذهبا واحرسا الغرفة من الخلف…

دخل الرائد الى الداخل ومعه الطبيب المختص واقترب الرائد من الفتاة التي فتحت عينيها توا… نظر اليها ثم اخرج صورة من ظرف (لبهمن) واراها لفتاة وقال:

الرائد ـ هل تعرفين هذا الرجل

اجابت الفتاة باشارة نعم.

الرائد ـ الى اي منظمة انتم تنتمون؟

نظر الطبيب اليه وقال انها لا تعرف العربية انها كلمتني بالفرنسية

الرائد ـ اسالها انت.

فسالها الطبيب باللغة الفرنسية فلم تجب فنظر الطبيب الى الرائد وقال انها لا تجيب.

الرائد ـ اخبرها بان هذا الشاب قد قُتل وان الذين كانوا معها في الجزيرة قد قتلوا وان هناك من يريد ان يقتلها ولذلك عليها التكلم.

الطبيب ـ ولكن اخاف ان تسوء حالتها لسماع كل هذه الاخبار.

الرائد ـ اسالها ايها الدكتور ارجوك.

فترجم لها الدكتور كلمات الرائد ولما سمعت ذلك امالت براسها نحو الجهة الاخرى واخذت تذرف الدمع.

الرائد ـ قل لها انها ضحية مصيدة وربما الذي سلمهم السلاح لهم هو الذي وشى بهم فلا احد يعرف عنكم سوى الذي امدهم في الكويت.

وظل الدكتور يترجم لها الاقوال فانتبهت لتلك الكلمات وارادت ان ترفع راسها لتتكلم فلم تقدر فطلبت ورقةً وقلما.

فجيئ بسرعة لها بورقة وقلم وكتبت جملة في الورقة ثم سكتت ورجعت الى اغمائها السابقة…

نظر الدكتور الى الورق وقال:

الدكتور ـ انها كتبت منظمة مجاهدي الشعب.

الرائد ـ اذن هم من المعارضين… شكرا يا حضرة الدكتور…

رجاءً اذا رجعت الى وعيها اتصل بي بسرعة ولان المسالة ترتبط بامن المواطنين وامن الوطن.

الدكتور ـ حاضر سوف اتصل بك.

خرج الرائد مسرعا من الغرفة.

 

 

كان العقيد البرسلي ووكيل وزارة الداخلية جالسين وراء الطاولة يستمعان الى اقوال قنصل السفارة الايرانية في الكويت.

القنصل ـ لقد اتصح الينا ان كل الجوازات الايرانية التي كانت تابعة للمقتولين مزورة وهذه نسخ من صور الجوازات الاصلية وفيها صور اصحابها الاصلين قد حصلنا عليها من مديرية الجوازات والسفر في طهران… ولو زودتمونا بالاسماء الحقيقة للمقتولين فسوف نوافيكم بمعلومات ادق عنهم ونحن نعتقد بانهم من المخربين المعادين للثورة والحكومة الاسلامية ويهدفون الى اخلال العلاقات بين البلدين. ونرجوا من حكومتكم الموقرة ان لا تتسرع في اصدار قراراتها وحكمها ضد حكومتنا الى تسعى الى احترام حق الجوار والسيادة الوطنية للكويت..

قال تلك الكلمات المختصرة ومن ثم قام من مكانه وصافح الوكيل والعقيد وغادر الغرفة.

نظر العقيد الى الوكيل وقال:

العقيد ـ اعتقد ان الرجل محق في كلامه.

المعاون ـ السيد وزير الخارجية له سياسة خاصة انا لا استطيع ان ادركها بدقة.

العقيد ـ اذن قرار اصدار رسالة الاحتجاج ضد الحكومة الايرانية كانت بامر السيد وزير الخارجية.

المعاون ـ القصر الاميري فوجئ بردة الفعل السريعة للسيد الوزير.

العقيد ـ لماذا فعل الشيخ ذلك؟

المعاون ـ لعله تاثر بردود الفعل الاعلامية الخارجية والداخلية والتي فعلت الكثير من اجل  اتهام ايران بعمليات التخريب الاخيرة.

العقيد ـ لكننا تاكدنا من خلال مراقبتنا لتحركات رجال الصحافة ومدراء التحرير المقربين للعراقيين ومن خلال مراقبة التلفونات التي يستخدمونها بان كل ما نشر من اخبار وتفاصيل حول الاحداث الاخيرة كان مصدره السفارة العراقية وبالذات القنصل العراقي وهي بالنسبة الينا راس خيط مهم في ساق التحقيق.

في تلك اللحظة رن جرس التلفون فرفعه المعاون ثم سلمه للعقيد

العقيد ـ نعم..

الرائد ـ سيدي لقد سلم عبد القادر البصري نفسه الينا عند الصباح ثم راجعتنا زوجته فاطمة… وقد اجرينا التحقيق اللازم معها.

العقيد ـ ما هي نتائج التحقيق.

الرائد ـ هي نفس المعلومات التي قدمها القنصل السوري الينا مع اضافات اخرى وجزئيات اكثر دقة وعددا من الصور التي جلبتها فاطمة اخت المتهم فاضل.

العقيد ـ ماذا تتصور يا ايها الرائد هل المعلومات صادقة وصحيحة ام انها عملية تمويهة لصالح السياسية السورية؟

الرائد ـ من خلال معلومات القنصل السوري والمعلومات التي قدمها عبد القادر وزوجته هناك دلائل كثيرة تثبت صحة الاقوال والتقارير وبقي امامنا خطوة تثبت صدق الاقوال وصحتها سوف نوافيكم بالنتيجة عند اتمامها…

العقيد ـ حسنا انا في انتظار تقاريرك ايها الرائد مع السلامة.

وضع العقيد السماعة.

 

 

وخرج الرائد بسرعة من غرفة التحقيق وهو ينظر الى عبد القادر وقد ضمد راسه وصدره ويديه من اثر الجراحات التي ادت الى ايجاد صعوبة للتنفس وصعوبة في الحركة وكان يعاني من الام شديدة في جسمه…

نظر الرائد الى احد ضباط الامن وقال:

الرائد ـ انقلوه الى المستشفى العسكري وضعوا حوله رقابة ان الرجل يتالم فعلا من جراحاته.

الضابط ـ يجب ان تؤخذ اشعة فالرجل يحس بشظايا داخل جسمه.

الرائد ـ حسنا خذوا له اشعة ثم ارقدوه في غرفة من الطوابق العليا للمستشفى.

الضابط ـ حاضر سيدي.

قالها الرائد وتحرك صوب الغرفة الثانية وفتحت الباب ونظر الى فاطمة زوجة عبد القادر والتي كان منظرها يدل على انها تعيش انهيارا عصبيا من هول المفاجاة غير المتوقعة من يد اخيها… وكانت الدموع تسيل من عينيها بلا انقطاع اثناء الحديث او انقطاعه وبين الحين والحين تطلق كلمات لا ترتبط بالحديث تقول .. مجرم… جبان.. جبان…

وفي وسط شرودها الذهني.. كانت تنطلق تلك الكلمات فادرك الرائد ـ اثر الحادث وفعلة اخيها على روحيتها فالتفت الى الضابط نفسه وقال:

الرائد ـ هل انتهى التحقيق معها؟

الضابط ـ نعم سيدي واقوالها كانت تطابق تماما اقوال زوجها عبد القادر وقدمت لنا معلومات اضافية عن اخيها انّه رجل استخبارات عراقي منذ حوالي سبع سنوات.

الرائد ـ انقلوها مع زوجها الى المستشفى واعرضوها على طبيب اعصاب… ليفعل لها شيئا قبل ان تصاب بانهيار عصبي كامل.. فهي ضحية من ضحايا الارهاب العراقي ولها طفلان…

الضابط ـ سيدي لقد قلت الارهاب العراقي فهل تاكدت من ان العراقيين وراء سلسلة عمليات التخريب؟

الرائد ـ (سكت الرائد لحظات) ساذهب لاتاكد من ذلك.

تحرك الرائد صوب الباب الخارجية للمديرية وركب سيارته وراح مسرعا صوب المستشفى.

وصل المستشفى ونزل من سيارته واتجه صوف الغرفة التي ترقد فيها الشابة الايرانية وطرق الباب ودخل الغرفة فنظر وشاهد مضمدة ترتب فراش الشابة ويبدو انها اصبحت في حالة افضل من قبل ولا تستطيع ان تحرك من جسدها الا رمش عينين وبعض اصابع يَديْها.

نظر الرائد الى المضمدة وقال:

الرائد ـ اين الطبيب المختص؟

المضمدة ـ انه في غرفته.

الرائد ـ رجاء اخبريه باني بحاجة اليه.

ذهبت المضمدة خارج الغرفة وظل الرائد في الداخل وبعد دقائق رجعت المضمدة ومعها الطبيب فاقترب الرائد منه وقال:

الرائد ـ عفوا على ازعاجك ايها الطبيب ولكني احتجت اليك للترجمة.. اسئل الفتاة عن هذه الصورة وعليها ان تخبرنا بصراحةٍ هل تعرف صاحبها لانه يتوقع ان يكون المسبب في قتل زملائها واخرين واخبرها بان تعاونهما سوف يساعدها كثيرا في التخفيف عن عقوبتها لمخالفتها قوانين البلد.

نظر الطبيب الى الشابة وابتسم في وجهها وسلم عليها باللغة الفرنسية وبدا.. يجاملها ويسالها عن صحتها ومن ثم اخذ يعمل لها عدة فحوصات لنبضات قلبها وتنفسها وضغط الدم والرائد ينظر وكم كان يحرقه الانتظار حتّى كاد ان ينفجر ولكنه ادرك ان الطبيب يستخدم عقله في طرح السؤال فالتزم الهدوء والسكينة حتّى يكمل الطبيب عمله.

لكن الطبيب ما ان انتهى من فحوصاته حتّى راح يطرح سؤاله الى الشابة بكل برود وراح يقدم لها النصيحة والحكمة في التعاون مع رجال الامن  ومن ثم سالها السؤال … واجابته بكلمة نعم من خلال حركة رموشها وحركة اصابعها.

الطبيب ـ انها حاضرة للرد على السؤال بكل صدق.

فاخرج الرائد صورة فاضل من الظرف وجعل الصورة امام  وجهها وقال..

ـ هل رايتي هذا الرجل؟ والطبيب كان يترجم له

ونظر الى عيونها فاجابات برموشها بكلمة نعم.

الرائد ـ اين في الكويت؟

ومرت اخرى اجابت برموشها بكلمة.. نعم.

الرائد ـ وخلال هذه الايام القليلة.

فاجابت بنعم.

الرائد ـ وهل هو الذي سلمكم الاسلحة والمتفجرات؟

فاجابت بنعم.

الرائد ـ هل تعرفينه من قبل؟

فاجابت بـ "كلا"

الرائد ـ هل يعرفه اصدقائك من قبل؟

فاجابت بنعم..

الرائد ـ يعرفونه من الكويت؟ ام في العراق؟

فحركت المراة اصابعها بيدها وكانها تطلب قلما فجئ لها بقلم وورقة وراحت تكتب بكل صعوبة كلمتين.

الاولى (العراق) والثانية (مدّرب)

فنظر الرائد الى تلك الكلمتين والتي ترجمها له الطبيب وقال:

الرائد ـ رجاءً وقعي بامضائك تحت تلك الكلمتين.

فوقعت الشابة بصعوبة بامضائها على تلك الورقة واخذ الرائد تلك الورقة ووضعها في الظرف مع الصورة وشكر الطبيب وخرج من الغرفة متجها الى خارج بناية المستشفى ومن ثم الى سيارته واتجه مسرعا الى مديرية الامن.

ودخل الغرفة الخاصة بقسم العلميات وطلب من المسؤول المختص تكثير عدة نسخ لتلك الصورة ومن ثم طلب من المسؤول الثاني ان يوزع تلك النسخ من الصور عند الانتهاء من الطبع الى كل مراكز الحدود وشرطة النجدة ورجال الامن وباسرع وقت ثم ذهب الى غرفته وطلب عقد اجتماع فوري باكثر ضباط الامن وما ان مرت دقائق حتّى مرت دقائق حتّى كان جمع من الضباط قد ملؤوا الغرفة وراح الرائد يتكلم فيهم:

الرائد ـ بعد اخر نتائج التحقيق التي توصلنا لها اتضح جيدا ان الفاعل الذي يقف وراء العمليات الارهابية الاخيرة في بلدنا هم عدد من رجال الاستخبارات العراقيين ولكننا لا نملك سوى صورة لواحد منهم ونملك اسمه الواقعي ولكننا لا نعرف باي اسم دخل وباي جواز سفر… ولا نعرف اين يسكن وكيف يتحرك… ولذلك يجب علينا ان نتحرك بسرعة ونراقب مراكز الحدود بكل دقة وان لا يهدا لنا بال حتّى نُلقي القبض عليه لنعرف من يعمل معه داخل الكويت ولا تنسوا ان فلت هذا الرجل فلتت كل العناصر التي تعاملت معه وسوف نخسر الكثير…

وظل الرائد يحدث الضابط بكل حرارة واندفاع حيث انتهى من كلامه اخذ الضباط يناقشونه في كيفية انتشار رجال الامن داخل البلد وعند الحدود وراح الكل يعد خطته او مجموعة خطط للايقاع وبعد حوالي ساعتين خرج الكل من الغرفة وتوجه كل واحد منهم الى مهمته.

كان رجالُ الامن منتشرون في قاعة مطار الكويت يراقبون كل من يدخل ومن يخرج ينظرون الى الوجه بكل دقة فكل رجل امن لديه صورتان صورة للاشقر وصورة لفاضل…

وخلفت كل صورة كُتبت بعض التفاصيل الطول والعرض المواصفات الخاصة لون العين لون الوجه والعلامات الفارقة.. الجوازات كان يُدققُ بها اكثر من مسؤول. حتّى ان المسافرين احسوا بان المراقبة داخل المطار قد تجاوزت حدودها الطبيعية… واكثر مسافر ادرك ذلك هو الاشقر المتخفي الذي راح يسير كما يسير الشيخ مرتكزا على عصاه وكان يحاول دائما ان ينكس براسه للاسفل ويسير بعيدا عن كل وجه يشك به انّه رجل امن وراح لا يجلس الا في الزوايا الميتة والبعيدة عن العيون في صالة الانتظار حتّى اعلن عن موعد السفرة من الكويت الى اليونان فتحرك الرجل باتجاه المكان الخاص بتفتيش الجوازات وسلم جوازه للمسؤول الذي راح ينظر الى وجهه جيدا وينظر الى الصور التي امامه لكنه لم يجد اي تتشابه ما بين الصور وما بين وجه الرجل وحتى لون العين لم يكن يشبه ما كتب عنده ولا هناك علامات فارقة فختم جوازه وسلمه له واخذ الاشقر جوازه المختوم وراح متابعا سيره حتّى باب الطائرة التي دخلها واستقر فيها وراح ينظر من خلال شباك الطائرة وبين شفتيه ابتسامة الانتصار وتحولت البسمة الى ضحكة عريضة حينما تحركت الطائرة واقلعت بجناحيها باتجاه اثينا… وراح ينزع من بؤبؤي عينيه العدسات الملونه…

 

 

كان ضابط الامن من منطقة السالمية يقوم بمهمته كما اوكلت له حيث يراقب الشوارع والازقة والناس الذين يسيرون على جوانب الشوارع.

واثناء تجواله وكانت الساعة تقترب من الخامسة عصرا توقف عند اشارة المرور وانتظر لحظات حتّى تبدل اللون الاحمر باللون الاخضر فالتفت الى يمينه ليرى سيارة مارسيدس سوداء اللون وقد وضع في زجاج السيارة نايلون غامق اللون لا يرى المرء ما بداخلها بوضوح ولكن وفي لحظة نزلة الزجاجة المقابلة له ليخرج رجل راسه الى الخارج ويبصق.. ومن خلال شق الشباك الذي انفتح في لحظات لاحظ الضابط ان هناك رجلا اخر في السيارة يشبه وجهه وجهه صورة المتهم…

حاول امعان النظر في وجه الرجل ولكن زجاجة الشباك ارتفعت بسرعة ولم يقدر على التاكد فظل في شك..

لمع اللون الاخضر من اشارة المرور وتحركات السيارة المارسيدس بسرعة وتحرك الضابط بسيارته وراءها وظلت السيارة تقطع شارع الخليج مسرعة باتجاه شارع التعاون والضابط ممسكا بسماعة جهاز اللاسلكي وهو يقول:

الضابط ـ من جابر الى المركز… من جابر الى المركز…

وقبل ان يكمل جملته نظر الى رقم السيارة فوجدها (هيئة دبلماسية) فسكت ولم ينبس بكلمة واحدة.. فاجابه صوت من اللاسلكي

اللاسلكي ـ من المركز.. تفضل يا جابر… من المركز… ماذا حدث.. ماذا حدث..

الا ان ضابط الامن لم يرد على المكالمة ولانه قد لمعت في راسه فكرة جعلته ما بين نارين لا يقدر على الاجابة خوفا من ان السيارة الدبلماسية تحمل جهازا لا سلكيا يلتقط ذبذبة الاتصالات ما بين سرايا الامن والشرطة والمركز وهو شئ لا يصعب على رجال سفارة العراقية وبذلك سوف ينتبهون الى انهم مراقبون وقد يفلتون من السير كما انّه خاف ان لا يجري اتصالا ويحدث له مكروه في الدرب فلا احد يعرف ماذا حدث ولا يعرف ما هي مواصفات السيارة المشكوك فيها.

وفي لحظات فكر الضابط ماذا يفعل فصمم على التحدث ومتابعة السيارة على مسؤوليته الخاصة ولتنتهي المغامرة حيث انتهت وراح يتحدث بالاسلكي:

الضابط ـ من جابر الى المركز.. من جابر الى المركز اني اتباع سيارة مارسيدس سودءا ذات رقم دبلماسي عليها علامة ورقة اعلانات للمركز التجاري العراقي ملصوقة على الزجاجة خليفة… الوضع مشكوك.

صوت اللاسلكي ـ الرسالة وصلت.. تابع المسير.. وتابع التحدث.. وهكذا ظل الضابط على اتصال بالمركز وهو يتابع السيارة من شارع الى شارع بكل حذر حتّى دخلت منطقة مشرف وتوقف المرسيدس على بُعد من بيت مركز المخابرات وادرك الضابط ان الراكبين قد شكا به او ادركا ان سيارة تراقبهم فدخل في شارع فرعي ونزل هو من مكانه وترك سماعة اللاسلكي مفتوحة.

ونقلت الرسالة الى الرائد الجاسم كان يتابع العمليات بدقة..

حين نظر الرائد الى الرسالة طلب بسرعة من عدد من رجال الامن والضباط التحرك نحو الخارج… فاسرع الجميع الى سياراتهم وركبوا السيارات وتحركوا باتجاه مشرف وما ان مرت دقائق حتّى كانوا عند الشارع الذي ذكر اسمه ورقمه في الرسالة وراحوا يبحثون عن سيارة الضابط الكويتي فوجدوها عند زاوية شارع واقفة وبدون الضابط:

نزلوا الى السيارة ونظروا فيها فلم يجدوا شيئا.

انتشر رجال الامن بسرعة في اطراف المكان وراحوا يبحثون عن الضابط ولكنهم لم يجدوا اثرا له.

قامت اتصالات عديدة ما بين المركز ورجال الامن للبحث عن الضابط الا ان الضابط اختفى ولا اثر له تماما.. ولكنهم وجدوا اثار دم على بعد حوالي مائة متر من السيارة فامر الرائد باخذ عينه من قطرات الدم السائلة على ارض الرصيف وبعثها الى المختبر لتحديد نوعها.

امر الرائد الجاسم بوضع منطقة مشرف تحت حراسة مشددة ودون ان تكون محسوسة من قبل اهالي المنطقة.. فانتشر عشرات من رجال الامن في شوارع واطراف المنطقة وقد تخفوا بشخصيات شتى وباشكال متنوعة.. كعمال تنظيف وبائعي المثلجات ومصلحي تلفونات وسائقي تاكسي وغيره.

وظل الرجال يراقبون المكان شبرا شبرا ساعات طوال.

اتصل المركز بالرائد وابلغه بان قطرات الدم كان لانسان وان فصيلتها (o -) فطلب الرائد ان يرجع ملف الضابط المفقود ومقارنة هذه الفصيلة بفصيلةِ وبعد عشرة دقائق جاء الجواب بان فصيلة الضابط المفقود هي ايضا (o  - ) او منفي..

عند ذلك ادرك الرائد ان الضابط ربما وقع في كمين وان تلك القطرات ربما تكون قد سالت من مواضع جسمه..

ظل رجال الامن يمشطون المنطقة باساليب امنية مستترة بعدة حالات واشكال ومضت ساعات طويلة ولا اثر للسيارة المرموزة ولا اثر للضابط.

فنظر الرائد الى احد الضباط وقال:

الرائد ـ لا بد ان نفتش الحدائق ومواقف السيارات لكل البيوت في هذه المنطقة…

الضابط ـ اي اسلوب تستخدم؟

الرائد ـ اولا ابداوا بتفتيش حدائق البيوت من فوق سيارة كبيرة.

الضابط ـ حاضر سيدي؟

وما ان مرت دقائق حتّى كان عدد من الشاحنات الكبيرة وقد حملت بالطابوق وجلس فوقها عدد من رجال تجوب شوارع المنطقة وكان رجال الامن يراقبون وينظرون الى الحدائق من اعلى الشاحنات والتي كان علوها كافيا للمراقبة.

وعند احد شوارع الفرعية وكان الوقت يقترب من الساعة الخامسة والنصف صباحا والشمس لم تبزغ بعد الا ان النور كان كافيا للرؤية، لاحظ بعض الرجال وجود سيارة مارسيدس سوداء تقترب من المواصفات المذكورة ورقمها هيئة دبلماسية قد وقفت داخل حديقة لاحد البيوت فبلغوا عنها وما مرّت دقائق حتّى كان رجال الامن وعلى راسهم الرائد يحاصرون البيت..

طرقوا الجرس عدة مرات لم يجبهم احد وظلوا ينتظرون دقائق للرد ولكن لا رد..

عبر الرجال من على السور الداخل وفتحوا الباب الخارجية والداخلية بطريقة يستخدمها المتخصصون في فتح الاقفال وراحوا اولا يبحثون داخلها فلم يجدوا فيها سوى مجلات وجرائد عراقية وقد ادركوا من اول مرة انها احدى السيارات المستخدمة من قبل السفارة العراقية… دخلوا في البيت فلم يجدوا احدا فيه وكل شئ مرتب وثم ذهبوا صوب السرداب والذي كان مغلقا فتحو القفل وفتشوا السرداب فوجدوه خالي تماما الا من بعض الكراسي والرفوف.. الا ان احد الضباط راح يراقب زوايا المكان وشقوقه فلاحظ شيئا صغيرا جدا يلمع في ضوء الباب المفتوح قد سقط تحت احد الرفوف وعلى الارض فراح وحمله ونظر فيه واسرع باتجاه الرائد واعطاه فنظر الرائد اليه فوجده (صاعقا) فادرك ان المكان قد اخلي من قبل وانه ربما استخدم لعمل المتفجرات فماذا يفعل الصاعق هنا؟

وان اصحاب البيت قد نسوا او وقع منهم هذا الجزء الصغير الحساس.

تم الاتصال ما بين الرائد والعقيد واعلم العقيد وكيل وزارة الداخلية بالوضع وتم الاتصال من قبل وزارة الداخلية بوزارة الخارجية لانها المرجع القادر على مخاطبة السفارات مباشرة … وبعد ساعة من محاصرة المنزل جاء الرد الى الرائد الجاسم … بالانسحاب من المكان فرفع الرائد السماعة اللاسلكي وكلم العقيد.

الرائد ـ سيدي كيف ننسحب من هذا البيت وقد مسكنا فيه راس الخيط. من هنا نستطيع ان نمسك عددا من المخربين ومن هنا ربما نستطيع ان نعرف الضابط الذي اختفى في لحظة…

العقيد ـ يقول المسؤول في وزارة الخارجية ان البيت تابع للقنصل العراقي والسيارة تابعة له واننا لم نجد اية ممنوعات في البيت ولا نملك اي دليل ضده.. ماذا نفعل؟

الرائد ـ لقد وجدنا صاعقا في البيت.

العقيد ـ وجود الصاعق دليل حساس ومهم للتحقيق ولكن قانونيا لا اهمية له ولا يمكننا من محاصرة البيت بهذا الدليل الصغير… كما ان السفارة العراقية قدمت اعتراضا شديدا الى وزارة الخارجية واتهمت رجال الامن يتجاوز القانون لاقتحامها احد بيوت القنصل العراقي دون اي تهمة موجهة او دليل يثبت وجود ممنوعات داخل البيت او اشخاص خارجين على القانون.. وان السفارة هددت بانها سوف تستخدم نفس الاسلوب ضد مسؤولي السفارة الكويتية في بغداد… ايها الرائد سفارتنا في بغداد في وضع خطر.. انسحب بسرعة من البيت…

اضطر الرائد للانسحاب من البيت وتركه على ما هو وابعد الرجال عن المكان ونظر الى احد الضباط وقال:

الرائد ـ حتّى ولو بقينا نحاصره فلا فائدة فقد فرت الفريسة.

الضابط ـ سيدي اننا كنا نحاصر المنطقة كلها ونراقب كل الخارجين والداخلين اليها فاين ذهبوا؟

الرائد ـ اني اعتقد انهم لا يزالون في هذه المحلة وانهم لم يخرجوا بعد من هنا.. شددوا الحراسة والمراقبة على اطراف السفارة العراقية وكل مركز عراقي في البلد لابد ان نجد الرجل..

وظل الرائد وسرايا الامن تراقب كل صغيرة وكبيرة في المنطقة وكان عددٌ من رجال الامن قد اشرفوا على مراقبة كل تلفونات المنطقة ويتابعون المكالمات واحدة واحدة.. وكم كانت تلك العملية مسلية لرجال الامن فاحاديث النساء وما يقلن وما يتحدثن عنه من شؤون البيت ومواصفات الازواج كانت تحمل من التسلية جعل المراقبين يتابعون الاحاديث بكل اهتمام فالاستماع الى احاديث النساء الخاصة فرصة لا تاتي في العمر الا مرات ووسط تلك المكالمات الغريبة العجيبة التي تفضح اسرارا من الافراح والاحزان وتفضح عالما من العشق والغرام وعوالم من الماسي والالام… من وسط ذلك كله حدث اتصال تلفوني برقم بيت في الشارع الثالث لمنطقة مشرف والمكالمة كانت من تلفون تابع لشركة الخطوط الجوية العراقية.

الصوت ـ الو… احذروا.. الطائرة تريد الاقلاع والضيوف كثرة ولا يمكن اجتياز المطار لزحمة المسافرين. امكثوا في البيت حتّى موعد اخر لاقلاع الطائرة الاخرى وشكرا.

ولم ياتي جواب على المكالمة واغلق التلفون..

اعتبر الضابط المسؤول عن مراقبة التلفونات هذه الجملات رموزا مشكوكا فيها فاتصل بالرائد لا سلكيا وابلغه بالمكالمة وعنوان البيت الذي اتصلوا به.

اسرع الرائد الى العنوان فوجدوا انّه البيت الخلفي لبيت القنصل والذي يقع بابه في الشارع الثاني الموازي للشارع الذي يقع فيه بيت القنصل ولكن البيتين يتجاوران مع بعضها من الخلف.

اتصل الرائد بالعقيد وطلب منه اجازة باقتحام البيت في حالة الاضطرار فاصدر العقيد مجوزا باقتحام البيت عند الضرورة.

تقدم الرائد وعدد من رجال الامن والشرطة الى باب البيت وضغطوا على زر الجرس وانتظروا فلم يجيبهم احدٌ وكرروا العملية عدة مرات فلم يجبهم احدٌ فقام عدد من رجال الامن والشرطة يتسلق الجدار وما ان نزلوا الى ساحة الحديقة حتّى انفتحت من شبابيك البيت فوهات الرشاشات وامطرت رجال الامن والشرطة بالرصاص ..

فوجئ رجال الامن بالموقف الا انهم انبطحوا على الارض واصيب احدهم بجرح في ساقه.. حين سمع الرائد صوت الرصاص اصدر اوامره لجميع السرايا بمحاصرة البيت من كل جهة واصدر اوامر لسرية باقتحام المكان باي صورة فذهب رجال الامن والشرطة القناصة مع بنادقهم الى اعلى سطوح البيوت المجاورة والتي تعاون اهلها وسلموا بيوتهم لرجال الشرطة.

وبعيدا عن المكان خرج الناس بالعشرات ينظرون الى ما يحدث في ذلك الشارع وتقاطرت عشرات سيارات النجدة وسيارات تحمل العشرات من رجال الامن.. رجال القناصة فوق السطوح استطاعوا ان يصيبوا رجلين عن بُعد ولم يُعرف هل جُرحا او قُتلوا الا ان النيران التي كانت تنطلق من داخل البيت قد قلت وبقيت تقل حتّى قطعت فامر الرائد يوقف اطلاق النار ونادى بمكبرة الصوت وقال:

الرائد ـ انتم محاصرون ولا فائدة من المقاومة سلموا انفسكم وسوف نعاملكم باحترام… سلموا انفسكم.

بعد عدة دقائق انفتح الباب الداخلي وخرج رجل وهو يصرخ باللهجة العراقية…

الرجل ـ لا تطلقوا النار سوف نسلّم انفسنا..

لا تطلقوا النار..

الرائد حسنا اخرجوا الواحد تلو الاخر وايديكم على رؤوسكم…

فدخل الرجل الى داخل البيت وخرج بعد دقائق وخرج وراءه رجل اخر.. ثم خرج فاضل ومن ورائه رجلان اخران وراح رجال الامن يمسكوهم الواحد تلو الاخر وبسرعة يذهبون بهم الى مديرية الامن.

ولما قبض على الجميع، دخل رجال الامن والشرطة الى البيت فتشوه فلم يجدوا احدا في الطابق الاول سوى الضابط الكويتي والذي رُبطت يداه ورجلاه بالحبال وسد فمه بقطعة قماش واثار الضرب بادية على راسه ووجهه.

دخل رجال الامن الى السرداب فوجدوا جريحين فنقلوهم بسرعة الى المستشفى العسكري كما وجدوا مقدارا ليس بالقليل من المتفجرات والاسلحة والذخيرة والساعات المعدة خصيصا للتفجيرات واجهزة لاسلكي خاصة للتفجير من بُعد. جمع رجال الامن كل ذلك ووضعوه داخل سيارة وغادروا المكان وبقي عند البيت عدد من رجال للحراسة والمراقبة.

 

 

قنصلية ام دائرة امن

داخل القنصلية العراقية كان القنصل يجتمع بعدد من مدراء تحرير الجرائد في الكويت.

كالانباء والسياسة والقبس..

وعلى راس الشخصيات التي كانت مدعوه للاجتماع عملائهم الخاصون.

القنصل ـ لا تنسوا ايها الاصدقاء والرفاق باننا وقفنا معكم عندما احتجتم الينا ودعمناكم ما استطعنا ماديا وسياسيا وزودناكم بالمعلومات وكانا لكم معينا في الكثير من تحركاتكم ولا تنسوا بانكم مدينون لنا بالنجاح وعلو الشان الذي حصلتم عليه وعلى ذلك فاننا نطلب منكم اليوم ان تقفوا الى جانبنا بكل استطاعتكم وبكل ما تقدرون عليه لتعزيز موقف العراق في حربها ضد ايران العدوة وتعزير قيادة القائد صدام حسين وان تاثروا على الاعلام الداخلي في جر المساندة الى جانب حكومة الثورة في بغداد واننا سنكون دائما معكم كرماء ما استطعنا وسنكون سندا في الوقوف الى جانبكم عند الحاجة.

وبعد ان انهى القنصل العراقي خطابه بعملائه ومرتزقته الصحفيين اخذوا يتجادلون ويتنافسون حول الاساليب اللازمة للتاثير على الاعلام الداخلي وخلق جوا معاد الى ايران ومساند للحكومة العراقية وبدات تطرح عدة اسماء لكتاب وصحفيين لجرهم الى هذه الخطة المدبرة وبقيت المناقشات دائرة د اخل القنصلية لمدة ساعتين وبعدها اتفق الجميع الى ترتيب عدة خطط اعلامية الى جانب الاعلام العراقي من خلال الصحف الكويتية.

وحين انتهى الاجتماع تحرك القنصل العراقي بسيارته باتجاه وزارة الخارجية الكويتية واوقف سيارته في ساحة الوزارة وقبل ان يدخل نظر خلفه ليرى من كان يتبعه طوال الدرب فراى عددا من ضباط الامن الكويتي يتعقبونه اينما رحل.

دخل القنصل غرفة وكيل وزارة الخارجية الذي قام وصافحه واشار له بالجلوس فما ان جلس القنصل حتّى على صوته وبدا يتكلم بعصبية وبدون ان يراعي القوانين والاعراف الدبلوماسية وحتى اللياقة الادبية..

القنصل ـ ان حكومة الثورة في بغداد تعترض بشدة على التعرضات الشائنة لرجال الامن الكويتي وانها تحذر حكومتكم من الخروج على الاعراف الدبلماسية ضد رعاياها ودبلماسيها في الكويت…

ان اقتحام بيتي ومراقبتي بهذا الشكل الشائن لهو امر في غاية الوقاحة من قبل مسؤولي الامن في الكويت وان حكومة الثورة في بغداد سوف لن تبقى ساكنة على هذه التعرضات الغير لائقة والغير متوقعة من قبل دولتكم…

وحين سكت نظر اليه وكيل الخارجية وقال بكل هدوء.

المعاون ـ ارض الكويت ليست مسرحا ليعبث الغرباء بها كيف يشاؤون ولا تسمح دولتنا الاميرية بان تُنقل الى ارضها معارك تدور على حدودكم مع ايران…

ان كان لديكم حربٌ ضد الايرانيين فافعلوا ما شئتم عند حدودكم معها وليس هنا.. واني اتهمك شخصيا بانك اصبحت عنصر دبلماسيا غير مرغوب ببقائه على ارض الكويت وامامك مدة اسبوع لترتب امورك وتغادر ارض الكوتي الى اي مكان تشاء.

عند ذلك وقف القنصل وصرخ…

القنصل ـ باي حق تمنعني من البقاء على ارض الكويت؟

عند ذلك ضغط الوكيل على زر لمسجل كاسيت فبدا يعمل وخرج صوت فاضل وهو يلي باعترافاته..

صوت فاضل ـ نعم… اني .. كنت اعمل حسب اوامر…

القنصل العراقي .. ويعتبر قنصل السفارة هو القطب المهم لادارة هذه العمليات .. واني..

وضغط الوكيل على زر فسكت المسجل

وقال هو:

المعاون ـ لولا رعاية المسائل الامنية لاسمعتك كل الاعترافات التي يتردد فيها اسمك عشرات المرات فهل هذه يكفي.

فنظر القنصل الى وجه الوكيل وقد صدمته المفاجاة وراى نفسه امام دليل قاطع لا نكران معه فقال بصوتٍ عال:

القنصل ـ انها كلمات واعترافات من اثر التعذيب فتحت التعذيب يجبر المرء على قول اي شئ يطلب منه ولا اعرف من وراء هذه المؤامرة الخبيثة التي تستهدف توتير العلاقات بين البلدين والاخلال بالتقارب العراقي الكويتي… وان حكومة الثورة سوف تقف بالمرصاد لمن تسوّل له نفسه بتخريب العلاقات العراقية الخليجية.

قالها وخرج من باب الغرفة ودون ان يلقي تحية الوداع

واتجه الى خارج المبنى الى سيارته وركبها وتوجه مسرعا باتجاه السفارة…

وما ان دخل السفارة حتّى مضت دقائق فخرجت مجموعة من الرجال في سيارة تحمل رقما دبلماسيا وظلت السيارة تقطع شوارع الكويت مسرعة حتّى وصلت الى منطقة (بنيد القار) واقتربت من مبنى السفارة الايرانية ووقفت مقابل السفارة الايرانية خرج رجلان من السيارة وفي يد احدهما قاذف (ار. بي. جي 7) ووضع قذيفة اربي جي ووجه السلاح صوب السفارة الايرانية وضغط على الزناد فانطلقت القذيفة صوب الطابق العلوي من السفارة واصابت السفارة وهدمت جزءا من الحائط وكسر زجاج شبابيك السفارة من اثر الانفجار…

ثم ركب الرجلان السيارة وانطلقت بسرعة جنونية وسط شوارع الكويت وقبل ان تصل اليها سيارات الشرطة دخلت باب السفارة واغلقت الباب.

ظل رجال الامن والشرطة يحاصرون السفارة العراقية عن بُعد ويراقبونها من فوق سطوح المباني المجاورة بسرية وبعد ساعات خرجت سيارة السفير العراقي عبد الجبار عمر غني وراحت تقطع شوارع المدينة حتّى وصلت الى مقر وزارة الخارجية وخرج السفير من سيارته واتجه الى داخل المبنى واتجه الى غرفة الوزير ودخلها وصافح وزير الخارجية صباح الاحمد الجابر وقدم له مظروفا مرسلا من بغداد.

فتح الشيخ صباح الاحمد الجابر المظروف واخرج منه رسالة كانت صادرة من وزارة الخارجية العراقية ومن مكتب وزير الخارجية كتب فيها:

من وزير خارجية الجمهورية العراقية طارق عزيز الى الشيخ صباح الاحمد الجابر وزير الخارجية الكويتي…

انني اختصر القول معكم ايها الاخ العربي بقولي ان امن الكويت هو امن بغداد وامن بغداد هو امن الكويت ونحن لا نرى ان هناك حدودا تفصل ما بين البلدين وان كانت فهي خطوط وهمية لا وجود لها في خارطتنا العراقية وان كبح جماح رجالنا ورفاقنا في الكويت سوف يفجر نارا لا تطفئ حتّى تحترق ايدي المتامرين والعابثين بامن بغداد والكويت.

وزير خارجية الجمهورية العراقية

طارق عزيز

نظر وزير الخارجية الكويتي الى السفير عبد الجابر عمر غني وقال:

الوزير ـ اننا اعرف كيف نحافظ على امن وطننا من اية جهة اخرى ونحن قادرون على حماية وطننا بانفسنا ولا نخاف ولا تتاثر من التهديدات الخارجية.. بلغ ذلك وزير خارجيتك.

السفير ـ حسنا سوف ابلغه رسالتك الشفاهية..

ولكن هل فكرت يا سيادة الوزير بما تقول؟

الوزير ـ لقد فكرت كثيرا من قبل واني اعني ما اقول.

السفير ـ حسنا سوف نرى.

خرج السفير من باب غرفة الوزير ونزل الى سيارته في الخارج وراح مسرعا صوب السفارة العراقية ومنذ تلك اللحظة لم يدخل الى السفارة احد ولم يخرج من رجال السفارة احد ومضت اربع وعشرون ساعةً على ذلك اللقاء.. وفي وضح النهار دوّت عّدت انفجارات في مدينة الكويت سمع صداها في ارجاء المدينة واشتعلت النيران في المقاهي الشعبية وراحت جثث الرجال والنساء والاطفال تتطاير في الهواء مقطعة ومتناثرة هنا وهناك.

والى هنا تركنا الاجواء متشنجةً متفجرةً وركبنا سفينة صغيرة راحلين الى بلد اخر.

 

وانتهت القصة

غريب الجبوري