المقدمة

 

تتمتع منطقة الخليج العربي منذ القديم بأهمية اقتصادية وسياسية وعسكرية. وكانت هذه الأهمية التي تمتاز بها هذه المنطقة سبباً في استقطاب القوى العالمية للسيطرة عليها على امتداد القرون الغابرة وحتى وقتنا الحاضر.

وجاء اكتشاف النفط في منطقة الخليج العربي هذا القرن ليغطي على الأهمية التقليدية التي كان يتمتع بها الخليج في السابق، وأصبح تسابق الدول الكبرى للتوغل في هذا الشريان أمراً ملحاً يرتبط بمستقبل صناعتها التي اعتمدت النفط في تحريك جميع مفاصلها.

ولما كانت بريطانيا أكثر الدول نفوذاً وسيطرة على الخليج العربي فإن من المسلّم به أن تحاول أكثر من السابق المحافظة على هذا النفوذ الذي سعت لترسيخه منذ القرن الثامن عشر، وأصبح لزاماً عليها ـ بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ـ مواجهة محاولات الدول الكبرى للتوغل في هذه المنطقة.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية أكثر الدول قدرة على مزاحمة بريطانيا في الخليج العربي خلال فترة ما بين الحربين، كونها الدولة الوحيدة التي خرجت من الحرب أقل ضرراً وإنهاكاً، فضلاً عن مكانتها الدولية وإمكاناتها المادية الكبيرة.

ولم يأت دخول الولايات المتحدة الأميركية للمنطقة بصورة مباشرة كلياً، وإنما جاء عن طريق الشركات النفطية، كخطوة أولى نحو النفوذ الأميركي المباشر.

إن أهمية دراسة هذه الفترة من تاريخ الخليج العربي تكمن في كونها تشكل الأساس الذي استندت عليه السياسة الأميركية المعاصرة في هذا الجزء المهم من الوطن العربي. إذ ان الوجود الأميركي بدأت خطواته الأولى في هذه الفترة وتمكن بعدها تدريجياً من مواجهة النفوذ البريطاني وإضعاف أسطورة الهيمنة البريطانية في هذه المنطقة.

وبعبارة أخرى نقول أن البحث يكاد يكون إجابة متواضعة على السؤال الذي يدور حول الصورة التي تمَّ بها دخول الأميركيين للخليج العربي، وهو إجابة متواضعة أيضاً على ما هو متعارف عليه من ان دخول أميركا إلى الخليج العربي قد تمّ بعد الحرب العالمية الثانية.

ومما يزيد من أهمية هذه الدراسة في كونها لم تعالج من قبل الدراسات الأكاديمية أو غيرها إلا ما ندر من الاشارات السريعة وغير المقنعة. وقد كان هذا السبب الرئيس الذي اضطر الباحث إلى الاطلاع على المصادر الوثائقية الموجودة في لندن باعتبارها الأساس الصحيح الذي يمكن الركون اليه في دراسة الحقائق التاريخية.

أما عن تحديد فترة البحث ما بين 1928 ـ 1939 فيعود إلى بعض الأسباب التي تسوغ هذا الحصر. ففي تموز 1928 تمّ عقد اتفاقية الخط الأحمر التي حددت نشاط جميع الشركات المساهمة في شركة نفط العراق ضمن السياسة التي ترتأيها هذه الشركة، مما أقفل باب التنافس بين الشركات الأميركية والشركات الأجنبية ومنها البريطانية في هذه المنطقة. فضلاً عن ذلك فإن أول امتياز أميركي مستقل في الخليج العربي تمّ عقده في 21 كانون الأول 1928 حينما تمكنت شركة ستاندر كاليفورنيا من الحصول على امتياز نفط البحرين. ويعد ذلك التاريخ الرسمي لأول خطوة ناجحة للمصالح الأميركية النفطية في الخليج العربي، وأول ضربة توجه إلى اتفاقية الخط الأحمر. كما ان عام 1939 الذي ينتهي عنده البحث هو بداية الحرب العالمية الثانية التي غيرت الكثير من أوضاع الخليج العربي السياسية وميزان القوى فيه سواء بالنسبة لبريطانيا أو أميركا.

يضاف إلى ذلك فان أبرز ما يميز هذه الفترة 1928 ـ 1939 هو التنافس الدائر على النفط بين المصالح الأميركية والبريطانية، وهي الفترة التي شهدت معظم حلقات التنافس على نفط الخليج وأهمها.

لقد واجه الباحث بعض الصعوبات كان أبرزها الصورة المعقدة التي كانت عليها السياسة البريطانية لدى معالجتها قضية النفط في الخليج العربي. والوجوه المتعددة والمتداخلة التي يتخذها الموقف البريطاني حيال محاولات المصالح الأميركية دخول المنطقة، ووجهات النظر المتضاربة بين الوزارات المعنية بشؤون الخليج العربي عموماً والنفط بشكل خاص، مما دفع الباحث إلى محاولة توضيح ذلك قدر المستطاع.

يضم البحث تمهيداً وستة فصول رئيسة جاء التمهيد عرضاً لتطور النفوذ والمصالح البريطانية والأميركية خلال القرن التاسع عشر حتى عام 1928، كما تناول المراحل الأولى للتنافس البريطاني ـ الأميركي خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وقد أفرد الفصل الأول لمعالجة الخطوات التي أسفرت عن حصول شركة كاليفورنيا على امتياز نفط البحرين والموقف البريطاني من ذلك.

أما الفصل الثاني فهو دراسة لنشاط الشركات الأميركية في العراق وتصدي بريطانيا لهذه الشركات ومحاولة ابعادها عن تحقيق اهدافها في العراق، فتضمن عرضاً لسياسة الحكومة البريطانية لالغاء سياسة الباب المفتوح التي كانت تطالب الولايات المتحدة الأميركية بتطبيقها لفسح المجال أمام شركاتها لممارسة نشاطها في المنطقة. كما تعرض الفصل لتنافس الطرفين للاستحواذ على امتياز نفط الموصل في عام 1932، ونفط البصرة في عام 1938.

بينما اهتمّ الفصل الثالث بدراسة التفوق الأميركي في المملكة العربية السعودية ونجاح الشركات الأميركية في عام 1933 في الحصول على نفط الاحساء الذي يعدّ من بين أكبر مستودعات النفط في العالم، والصورة التي تّمت عليها ابعاد الشركات البريطانية من ساحة التنافس. وقد مهّد بدراسة للنفوذ البريطاني في السعودية، ثم بداية تغلغل المصالح الأميركية. كما حاولنا في هذا الفصل دراسة الأسباب التي كانت وراء نجاح الأميركيين في الحصول على امتياز الاحساء، ثم مواصلة الشركات الأميركية لنشاطها واستئثارها بالمناطق المتبقية من السعودية، من ثم كانت دراستنا لأثر المصالح النفطية الأميركية على تطور العلاقات السعودية الأميركية.

وكان الفصل الرابع دراسة للتنافس الذي دار بين المصالح البريطانية والأميركية حول نفط الكويت، واتفاق الطرفين على استثمار نفط الكويت بصورة مشتركة بينهما بعد جولات طويلة ومعقدة من المفاوضات والمناقشات التي مثلت لنا بوضوح تفاصيل السياسة البريطانية لمواجهة الضغوط الأميركية المتزايدة لضمان مصالحها في الخليج العربي. وتعدّ هذه المرحلة من التنافس أكثر حلقات التنافس صعوبة وتعقيداً بالنسبة للطرفين على حدّ سواء. فقد اتخذت فيها بريطانيا كل ما يلزم من الخطوات كي لا تفرط بالكويت بعد أن فقدت امتياز نفط البحرين والاحساء.

أما الفصل الخامس فقد تعرض لمعالجة آخر حلقة من حلقات التنافس البريطاني الأميركي على نفط الخليج العربي خلال فترة ما بين الحربين والذي دار حول القسم الجنوبي من الخليج (قطر، ساحل عمان، وسلطنة مسقط وعمان) وقد تضمن تفاصيل الخطوات التي كانت تتخذها الشركات الأميركية للحصول على امتيازات النفط في هذه المنطقة والجهود التي بذلتها الجهات البريطانية الرسمية وغير الرسمية لعرقلة هذه المساعي. وقد تمكنت الحكومة البريطانية بالفعل الحد من النشاط الأميركي في المنطقة والاستئثار بالامتيازات.

وجاء الفصل الأخير محاولة لدراسة موقف الشعب العربي في الخليج وهو يشهد التنافس الخارجي على ثروته الخاصة. هذا بعد أن كنا قد عالجنا الموقف الرسمي للحكام والشيوخ العرب من هذا التنافس في الفصول المتقدمة من الرسالة. وقد مهدنا لدراسة هذا الموقف الشعبي بدراسة لطبيعة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، بقدر ما يتعلق ذلك بما نحن بصدد دراسته، لكي يكون بالامكان دراسة موقف الحركة الوطنية في الخليج ضمن هذا الاطار.

وليس ثمة شك ان دراسة من هذا النوع تمتاز بصعوبتها لاعتبارات فصلت في هذا الفصل.

اعتمد البحث على جملة من المصادر المتنوعة يمكن مراجعتها بالتفصيل في قائمة المصادر. ونورد هنا ذكراً لأهم المصادر البارزة التي أسهمت في بناء هذا البحث.

تأتي الوثائق الرسمية غير المنشورة في طليعة هذه المصادر وهي تشمل وثائق وزارة الخارجية والمستعمرات الموجودة في دائرة السجلات العامة في لندن Pudic Office Records.

ثم وثائق وزارة الهند المحفوظة في دائرة سجلات وزارة الهند في لندن India Library and Records Office.

وتغطي هذه الوثائق معظم المراسلات الجارية بين الدوائر البريطانية التابعة للوزارات المعينة في لندن، وبين هذه الوزارات وموظفيها في الخليج العربي، وتكشف عن الخطط التي كان يتخذها المسؤولون البريطانيون في الخليج ومرؤوسيهم في لندن لعرقلة نشاط الحركة الأميركية في هذه المنطقة، وتلقي الضوء ايضاً على الاجتماعات والمؤتمرات التي تعقدها الدوائر المختصة لمواجهة الموقف الناجم عن دخول المصالح الأميركية إلى منطقة الخليج.

كما اعتمد البحث على الوثائق العراقية الرسمية غير المنشورة لدراسة السياسة البريطانية في العراق لدعم مصالحها النفطية فيه وإغلاق الباب في وجه الشركات الأميركية التي كانت تحاول الحصول على موطئ قدم لها هناك.

أما بالنسبة للوثائق الرسمية المنشورة فإن أبرز ما يمكن الاشارة إليه بهذا الصدد هو الوثائق الأميركية التي كانت تقوم الحكومة الأميركية بنشرها عن سياستها الخارجية والمعنونة بـ  the United States of Relations Foreign the of Relating Papers.

وقد تناولت هذه المجموعة جوانب متعددة من السياسة الأميركية الخارجية التي عنيت بنشاط الشركات الأميركية في الخليج العربي.

ومن الوثائق الأميركية التي اعتمدها البحث التقرير الذي أعدته "لجنة التجارة الفدرالية الأميركية" التابعة للكونكرس الأميركي والمعنون بـ International Petrolnm Cartel، بقسميه المترجم للعربية الخاص بالعراق، والقسم الآخر المتعلق بنشاط الشركات الأخرى في الخليج العربي.

وتكمن أهمية هذا المصدر في كونه يتضمن معلومات وثائقية حول مجمل ما دار بشأن النفط في المنطقة خلال هذه الفترة.

كما استعان البحث بمحاضر البرلمان والصحف والمجالات والرسائل الجامعية غير المنشورة لتغطية بعض جوانب البحث.

أما بالنسبة للكتب التي اعتمدها البحث فيكاد ينحصر معظمها بالمصادر الأجنبية إلى جانب المصادر العربية التي كان بعضها يتجنب دراسة هذه الفترة بسبب افتقاره للمصادر الأساسية المتعلقة بذلك.

ويأتي في مقدمة هذه المصادر الكتب التي قام بتأليفها ممن كان لهم دور خلال الفترة موضوعة البحث وأهمها كتاب: Winston, H. V. E, and Z. Freeth Realty and Prospect Kuwait, وهو من المصادر الوثائقية الجديدة القيمة التي اهتمت بتاريخ الكويت. وقد أفرد هذا المصدر حيزاً كافياً لمعالجة قضية النفط في الكويت. ولا يخفى ان "زهرة فريث Freeth Z. " التي أسهمت في تأليف هذا الكتاب كانت قد عاشت فترة طويلة في الكويت وعاصرات أحداث هذه الفترة، غير أن ما يؤخذ على الكتاب افتقاره للهوامش وذكر المصادر التي استند اليها رغم أهمية المصادر التي اعتمدها، وهي وثائقية في أغلبها كما اتضح من خلال مقارنة بعض الوثائق التي في حوزتنا والحقائق التي عالجها هذا الكتاب.

ويوازيه في الأهمية كتاب "جيشولم  Chisholm,A.H.T. " والموسوم بـ " Concession The First Kuwait Oil " وهو من الكتب الوثائقية المهمة المعنية بقضية النفط الكويتي، كما ان مؤلفه كان ممثلاً لشركة نفط الانكلو ـ فارسية في مفاوضاتها مع شركة نفط الخليج الأميركية حول امتياز نفط الكويت.

وتتمتع كتب " فلبي Philby " بأهمية خاصة في هذا المجال، كون مؤلفها أحد أبرز الذين ساهموا في المفاوضات التي دارت حول امتياز نفط الاحساء، بل انه أحد الذين اثروا على سير المفاوضات لصالح الأميركيين، هذا فضلاً عما تتضمنه من المعلومات الكافية عن امتياز نفط الاحساء، أما أبرز كتبه، فهي كتاب Arabian Oil Venture وكتاب Arabian Jnbilee.

ويحظى كتاب "تويتشل" المملكة العربية السعودية وتطورات مصادرها الطبيعية بأهمية غير قليلة فمؤلفه مهندس لعب دوراً ملحوظاً في الاتصال بين الشركات الأميركية والمسؤولين السعوديين، وهو أحد المفاوضين الذين مثلوا الجانب الأميركي في مباحثاتهم مع الجانب السعودي حول امتياز نفط الاحساء.

ومن الكتب الجديدة والمهمة كتاب " Power play " لمؤلفه "موسلي Mosley " حيث تميز بكشفه لبعض الجوانب المهمة المتعلقة بامتيازات النفط بما ينم عن اعتماده المصادر الأساسية في البحث.

ومن المصادر المهمة أيضا كتاب " شوادران Shwadran " الموسوم بـ " The Powers Great Middle East, Oil and The " ويضم هذا الكتاب معلومات كافية عن امتيازات النفط في منطقة الشرق الأوسط ومن ضمنها الخليج العربي، وما رافق ذلك من تطورات حول الموقف البريطاني من تغلغل المصالح الأميركية في هذه المنطقة.

كما تعتبر الدراسة التي خرج بها محمود مرسي عبد اللّه والمعنونة بـ                     " The United Emirates " من الدراسات المهمة في هذا المجال لاعتمادها على وثائق متنوعة في دراسة تاريخ ساحل عمان.

كما اعتمد البحث على مصادر أخرى لا تقل أهمية عن المصادر السابقة ككتاب سمبسون Siven Sisters وكتاب لونكريك Oil in the Middle East وكتاب الأزمة العالمية في البترول لمؤلفه اوكونور هارفي، وبترول الصحراء لمؤلفه دافيد هـ. فيني.

ومن المصادر العربية التي اعتمدها البحث كتاب جمال زكريا قاسم المعنون بـ "الخليج العربي" وكتاب: دراسة في تاريخ الكويت، لمؤلفه بدر الدين عباس الخصوصي، إلى جانب العديد من المصادر المدرجة في نهاية هذا البحث.