الخاتمة

 

واجهت بريطانيا منذ مطلع القرن العشرين نداً قويا وجديداً تمثل بالولايات المتحدة الأميركية التي اخذت مصالحها بالتغلغل في المنطقة في هذه الفترة بحثاً عن موطئ قدم لها بين مصالح الدول الكبرى الأخرى.

ومع أن التجارة والمشاريع الاستثمارية الاقتصادية كانت احد وجوه المصالح الأميركية في بداية هذا القرن، فان هذه المصالح اخذت تنحصر في الاستثمارات النفطية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. بحكم تطور اهمية النفط عالمياً ودخوله في معظم الصناعة المتطورة في العالم الغربي.

وكان لابدّ لهذه المصالح من التصادم مع المصالح البريطانية التي تمثل ابرز المصالح الدولية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والخليج العربي بشكل خاص.

وقد كان من نتائج ذلك التصادم أن نجحت المصالح الأميركية في الدخول إلى ميدان الاستثمار في هذه المنطقة، فما أن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى استأنفت المصالح الأميركية النفطية نشاطها الذي بدأته قبل الحرب والذي واجه عراقيل وعقبات من قبل بريطانيا. وكان من ابرز ما يميز هذا النشاط دخول الشركات الأميركية في ميدان التنافس الدولي على نفط العراق واجبار الحكومة البريطانية للرضوخ امام مطاليبها للاسهام في استثمار نفط العراق إلى جانب المصالح الأخرى.

وقد ادركت السياسة البريطانية ثقل الضغوط الأميركية التي واجهتها في العراق، ونظرت بحذر إلى تزايد هذه الضغوط في المستقبل، وكان من جراء ذلك أن عقدت اتفاقية الخط الأحمر التي سوت بموجبها خلافاتها مع المصالح الأميركية، ومن ثم تقييد نشاط الشركات الأميركية في المنطقة بالشكل الذي لا يتضارب مع مصالحها هناك.

على أن اتفاقية الخط الأحمر قد اغلقت باب التنافس امام الشركات الأميركية المساهمة في شركة نفط العراق فقط. وعلى هذا فالاتفاقية لم تمنع الشركات الأميركية الأخرى غير المساهمة في شركة نفط العراق من الدخول إلى المنطقة، كما أن هناك مناطق مثل الكويت لم تشملها الاتفاقية وبهذا فليس ثمة ما يحول دون دخول الشركات الأميركية المساهمة في شركة نفط العراق وغير المساهمة إليها.

وعلى هذا فان اتفاقية الخط الأحمر لم تحقق لبريطانيا كل ما كانت تنتظر تحقيقه بعقدها لها، ومن ثم لم تتمكن من ايقاف التغلغل الأميركي المتزايد في المنطقة وبالذات في منطقة الخليج العربي، واضطرت إلى مواجهة النشاط الأميركي الذي اتخذ من البحرين قاعدة لانطلاقه نحو اقطار الخليج العربي الأخرى، بعد أن تكلل هذا النشاط بالنجاح حين حصلت الشركات الأميركية على امتياز نفط البحرين في عام 1928.

فما أن وطدت المصالح الأميركية اقدامها في البحرين حتى تحركت إلى عدة اتجاهات في آن واحد وبالصورة التي تؤكد وجود خطة مدروسة للاستئثار بامتيازات نفط المنطقة باسرع ما يكون وبأكبر مقدار من الضغط، وهذا ما يفسر احتدام التنافس في معظم اقطار الخليج العربي في فترة واحدة تقريباً. وقد عزز اكتشاف النفط في البحرين عام 1932 النشاط الاميركي، وزاد من ثقة حكام الخليج العربي بكفاءة الصناعة النفطية الأميركية ودفعهم إلى التعاون مع الشركات الأميركية. وكان ذلك كله نقطة تحول الصناعة النفطية الأميركية ودفهم إلى التعاون مع الشركات الأميركية. وكان ذلك كله نقطة تحول الصناعة النفطية في الخليج العربي.

ولم تتوقف اهمية اكتشاف النفط في البحرين على كونه مفاجئة للبريطانيين بل كان الحدث الذي نبه البريطانيين على الهجوم الواسع الذي شنته المصالح الأميركية ودفعهم إلى تأكيد اهتمامهم بامتيازات النفط في الساحل الغربي في الخليج العربي، الأمر الذي أدى إلى حدة التنافس بين الجانبين للحصول على امتيازات النفط هناك.

وكان لاتساع هذا الهجوم وامتداد مساحته إلى جهات عديدة، أن واجهت بريطانيا مهمة صعبة تستلزم اقامة جدار محكم وجه تلك المصالح، على أنها لم تتمكن من ذلك، ولم تحل دون دخول الاميركيين إلى المنطقة والاستئثار بنصيبها من الامتيازات النفطية.

فبينما تمكنت بريطانيا من أحكام قبضتها في العراق وغلق الباب في وجه المحاولات الاميركية، فانها اخفقت في مساعيها على ساحة السعودية، مما يفسر ردود الفعل القوية التي انعكست على الموقف البريطاني في الكويت واصراره على إبعاد المصالح الاميركية عنه، ولولا القوة التي ظهرت بها هذه المصالح ودعم الحكومة الأميركية لها في هذا الصراع، لما وافقت السياسة البريطانية على فكرة العمل المشترك بين المصالح البريطانية والاميركية لاستثمار نفط الكويت.

على أن التسوية التي وافقت عليها بريطانيا لم تغير من صلابة الموقف البريطاني الذي اعقب امتياز السعودية، فاغلقت الباب كلياً في وجه المحاولات الاميركية في القسم الجنوبي من الخليج العربي.

وبذلت جهوداً ملحوظة لهذا الغرض وتمكنت في الأخير من احتكار امتيازات نفط هذا القسم من الخليج العربي.

لقد اظهرت الدراسة إلى جانب ما تقدم أن السياسة البريطانية ـ في النصف الثاني من العقد الرابع للقرن الحالي ـ حاولت انتهاج اسلوب جديد لمواجهة سياسة الباب المفتوح التي كانت تطالب بها الحكومة الاميركية.

وذلك من خلال اشراك المصالح الاميركية المساهمة في شركة نفط العراق لمواجهة المصالح الاميركية الجديدة غير الخاضعة لاتفاقية الخط الأحمر. فشكلت لهذا الغرض "شركة امتيازات النفط المحدودة" كشركة تابعة لشركة نفط العراق لتتولى مهمة التصدي لنشاط الشركات الأميركية في الخليج العربي.

ولا يخفى أن السياسة البريطانية في العراق كانت تتذرع بهذه الحقيقة ـ وهي ازدواج المصالح البريطانية والأميركية في شركة محدودة ـ حجة لمواجهة سياسة الباب المفتوح باعتبار أن شركة نفط العراق تضم في ادارتها عدداً من المساهمين الاميركيين.

هذا فضلاً عن أن السياسة البريطانية قد وضعت ثقلها إلى جانب ضمان امتيازات النفط في العراق لشركة نفط العراق. وكان ذلك هو العامل الرئيس الذي قرر مصير امتيازات النفط العراقي.

والظاهرة الأخرى التي تثير الاهتمام هي أن المصالح الاميركية واجهت بشكل عام معارضة بريطانية قوية في المناطق التي تخضع لنفوذ بريطاني قوي كالعراق والكويت مثلاً. في حين كان الموقف البريطاني ضعيفاً في السعودية بحكم ضعف النفوذ البريطاني عموماً في السعودية.

وقد تبين أيضاً من دراستنا للتنافس البريطاني ـ الأميركي أن الحكومة البريطانية كانت تضطلع بالدور الرئيس في نيابة مصالحها النفطية لمواجهة تغلغل المصالح الاميركية النفطية في الخليج العربي.

بينما كانت الشركات الاميركية تتولى هذا الدور بنفسها. وبالرغم من دعم الحكومة الأميركية لهذه المصالح إلاّ أنه لم يكن بالحجم الذي كان عليه دعم الحكومة البريطانية. ويعود ذلك إلى أن الحكومة البريطانية كانت تساهم في رأسمال هذه الشركات، كما أن الدور الذي اضطلعت به إنما يأتي من باب دفاعها عن نفوذ في المنطقة. إذ ان دخول المصالح الاميركية كان بمثابة بداية لنشوء النفوذ الأميركي في الخليج العربي.

والحقيقة ان هذه الصفة الرسمية التي كانت تطغى على الشركات البريطانية كانت احدى الأسباب التي افقدت هذه الشركات شعبيتها بين مشايخ الخليج ودفعتهم إلى النظر إليها بحذر وقلصت تعاملها معها، إذ ان ذلك بنظرهم يعني دعماً للسيطرة البريطانية على سيادتهم وسلطتهم كحكام.

وتكشفت لنا من خلال هذه الدراسة حقيقة مهمة كان لها اثرها الواضح على طبيعة التنافس البريطاني ـ الأميركي، ونعني بها عدم رغبة المصالح البريطانية في تطوير انتاج النفط خلال هذه الفترة لأسباب تتمثل في اكتفائها من كميات النفط الموجودة في العراق وايران،وقناعتها بعدم وجود النفط في الخليج العربي بالكميات التي يمكن استغلالها، استناداً للتنقيبات التي كانت قد اجرتها في المنطقة.

لذا كان اهتمام السياسة البريطانية منصباً على مجرد الحصول على الامتياز وطرد الاميركيين وابعادهم عن امتيازات نفط الخليج العربي واحتكارها لها دون العمل على استثمارها. والحقيقة ان مثل هذه السياسة كانت سبباً رئيسياً في احجام حكام الخليج من منح الامتيازات للمصالح البريطانية.

وآخر ما يمكن قوله أن السياسة البريطانية كانت تحاول الاحتفاظ بسيطرتها على أن مشروع نفطي اميركي في الخليج العربي، دون التمسك برفض قيامه بعد أن بات من الصعب وغير المعقول منع المصالح الاميركية لأسباب تتعلق بمكانة الولايات المتحدة الأميركية التي برزت بين دول العالم بعد الحرب العالمية الأولى.

وكذلك لحاجة بريطانيا نفسها للنفط الذي ستضمن الحصول عليه في حالة الضرورة..

وكما جاء على لسان المسؤولين البريطانيين "أن تعمل من اجل الحصول على اقصى ما يمكن من السيطرة البريطانية دون أن تضغط بثقل على اصابع الاميركيين".

 

,,,, أنتهى