الأمر لا يحتاج إلى بطل!

مذكرات شوارتزكوف

وثائق وأسرار خطيرة

ترجمة

 د. نور الدين صدوق.

د. غلاب الجابري

مقدمة

كاد هذا الكتاب أن يوشك على عدم كتابته. ففي يوم العرض العسكري للانتصار في حرب الخليج عام 1991، حضرت حفلة تأبين في مقبرة أرلينجتون في العاصمة واشنطن "دي ـ سي" للرجال والنساء الذين لقوا منيتهم في عمليتي "درع الصحراء"، و"عاصفة الصحراء".

ولقد جلست على المنصة وراء الرئيس ونظرت إلى الجماهير المؤلفة من العائلات أولئك الذين فقدوا الأحبة والأعزاء. وأدركت من خلال الحزن الذي أعتلى وجوههم أن كتابة مذكراتي التي سوف تشتمل على حرب الخليج من شأنها أن تتسبب لهم في المزيد من الألم.

إلاّ أنني عبر أحاديثي معهم التي استغرقت بقية النهار، دهشت من قولهم لي بأنهم ينشدون مني كتابة مذكراتي. وبعد ذلك بيومين، حدث نفس الشيء في عرض عسكري بمدينة نيويورك.

وفي تلك اللحظة، سألني أفراد العائلات التي نكبت في عزيز لديها قائلين: "متى سوف تكتب كتابك عن الحرب؟ نريد سماع القصة الكاملة". وهكذا فإنني بدون تشجيعهم وحثهم، لم أكن لأكتب أبداً أي شيء.

أما الهدف الأصلي لي فكان أن أحذو حذو المذكرات الشخصية عن الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية التي كتبها يوليسيس سيمبسون غرانت الرئيس الثامن عشر للولايات المتحدة بين عامي (1869 ـ 1877) ـ التي وقعت في مجلدين عظيمين، وهو العمل الذي لا يزال في رأيي أنصع تأريخ عسكري كتب عن الحرب الأهلية الأمريكية. إلاّ أن كتابي قصدت به أن يكون ـ على خلاف كتاب غرانت ـ سيرة ذاتية كاملة، وليس فحسب قصة أساسية عن حرب الخليج.

ولكن اتضح من خلال كتابته أنه صار عبارة عن عملية للسيرة الشخصية بخلاف ما خططت له، وتحتوي الصفحات التالية على تجارب ذاتية عاطفية أكثر مما ورد في تاريخ الحرب الأهلية للرئيس الأمريكي غرانت في القرن التاسع عشر.

وكان ذلك هو المسلك الوحيد لرواية القصة، حتى على الرغم من أنني تعلمت في الأكاديمية العسكرية الأمريكية "ويست بوينت" ألا أعير التفاتاً إلى العاطفة! إبان حياتي العسكرية كلها. ولي الفخر في أن أقول بأنني كنت ثابت الجأش حتى في أكثر الظروف فوضوية.

وظلت حالي هكذا بتلك الهيئة والمظهر حتى اشتركت في حرب فيتنام، حيث تحققت بأنني أتعامل مع حياة أفراد من البشر، وهي متى فقدت فلن تعوض أبداً وآنذاك سرعان ما علمت بأنه ليس ثمة إثم أو خطيئة في أن أكون عاطفياً لين الجانب.

وكان أحد القرارات القاسية على هو المتعلق بمناقشة اعتياد أمي على احتساء الخمور. وكان إدمانها الخمور من بين العوامل التي شكلت شخصيتي تماماً مثلما فعلت حقيقة أن أبي يشغل منصب الجنرال في الجيش الأمريكي. وطوال طفولتي وصباي، كان مرضها واحداً من الأسرار التي تكتمتها العائلة، ولقد كتمت ذلك السر طيلة خمسة وعشرين عاماً حتى شعرت بأنني بوسعي أن أذكره للأصدقاء. واليوم صار هنا الكثير من المنظمات والوكالات التي تقدم العون والمساعدة لمدمني الكحوليات وعائلاتهم، وآمل أن يدرك الأطفال الذين آباؤهم مدمنون ويقرأون هذا الكتاب، أنهم ليسوا بمفردهم وحيدين في هذا العالم.

ولما شرعت بالعمل أنا و"بيتير بيتر"، أيقنت بأنني أسود قصة جيش الولايات المتحدة في نفسي وقت سردي لقصتي. وذلك أن الجيش كان محور حياتي بدءاً من صباي وأنا في الثانية عشرة وحتى تقاعدي وأنا في سن السابعة والخمسين ـ حيث عشقت اصدار الأوامر للجنود وأن أكون محاطاً بالقوم الذين يؤدون واجب الإلتزام بخدمة الوطن. وكنت محظوظاً أن يعهد القادة لي بالتكليفات المثيرة في مواقع تتراوح من جنوب ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة وحتى برلين الغربية في المانيا. ولكن بينما كنت ممتازاً في موقعي بين الجنود وترقيت ترقيات سريعة، لم أكن دائماً سعيداً في الجيش: وغالباً ما كنت أمقت ما أراه يدور حولي، وصرت على وشك تقديم استقالتي وليس للمرة الأولى ولكن في مرات عديدة.

وحينما تلقيت نبأ ترقيتي إلى ملازم ثاني، كان الجيش يعاني من عواقب وتأثيرات الحرب الكورية، وكان من نواح عديدة مفلساً أخلاقياً ومعنوياً، وهو الأمر الذي أدى إلى مأساة فيتنام في النهاية. وبنهاية الجولة الثانية لي في فيتنام، لم يكن الجيش قد وصل إلى الحضيض والدرك الأسفل بحسب، بل كان قد فقد الثقة من الشعب الأمريكي أيضاً.

ولقد تعذبت طويلاً في الحيرة بين البقاء أو الرحيل ـ وقررت المكوث على أمل أنني يوماً ما سوف تواتيني فرصة المساعدة في إصلاح ما أعتقد أنني خطأ. وفي الوقت الذي ترقيت فيه إلى الرتبة الأعلى بمرور السنين، شاهدت بنفسي تحول الجيش من تلقاء نفسه إلى قوة بحق للأمريكيين أن يفخروا بها. وتعد الوحدات التي قمت بقيادتها إبان وعاصفة الصحراء بمثابة نتابع لعشرين عاماً من الاصلاح، قوامها الجنود والضباط الاكفاء الذين تلقوا أفضل التدريبات مما جعل الجيش الأمريكي الأحسن تجهيزاً في العالم.

وفيما يتعلق برصدي لحقائق عملية "عاصفة الصحراء"، حاولت أن أرمي مجموعة هائلة معقدة من الحوادث بوضوح ودقة وشمول كلما استطعت لذلك سبيلاً ولقد تحاشيت الاستطراد إلى التحليلات العسكرية والسياسية التي لم تكن هامة في مجرى الحوادث كما اتضح فيما بعد.

ولقد تحاشيت كمثل الرجوع إلى الوراء من أجل تبرير أو التماس المعاذير للقرارات والخيارات التي اتخذناها. وحاولت أن أنظم من جديد عملية  اتخاذ القرار التي تمت وراء الكواليس على أساس المعلومات والحقائق التي جمعتها وكذلك المذكرات التفصيلية بحوزتي ابان الاتزمة.

وكما سيتضح من خلال محادثاتي مع الرئيس جورج بوش، ووزير الدفاع تشيني، ورئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة كولين باول، كانت هذه العملية مصدر عذاب وشقاء ومليئة أحياناً بالتوترات والمشاحنات العاطفية ـ ذلك إننا كنا نعلم بأن قراراتنا سوف تؤثر على حياة آلاف ومئات الآلاف من الناس وكذلك مكانة واعتبار الولايات المتحدة الأمريكية. إن المناقشات والخلافات المسجلة ههنا لا تعني انتقاداً للزعماء، ذلك أنني أحترم وأعجب بالرئيس بوش، ووزير الدفاع رتيشارد تشيني، وكذلك رئيس هيئة الأركان المشتركة كولين باول، وكنا دائما نتوصل إلى موافقة اجماعية على كل قضية أو مسألة كبرى.

إن تناولي للحرب يحذف من السرد مجموعة من العمليات، وقع بعضها فيما وراء خطوط الجبهة العراقية، التي لا تزال طيي الكتمان، كما كنت حريصاً على تحاشي وتفادي أي ذكر للبرامج أو المعلومات السرية. مثل هذه المناقشات لم يكن من شأنها أن تغير أياً من النتائج التي توصلت إليها. وكذلك. كنت محل ثقة الكثير من الجنرالات والزعماء الأجانب على مدار الحرب والأحداث، ولقد كنت عند حسن ظنهم، ووفيت بحفظ ثقتهم في.

أخيراً، عبر فصول الكتاب، وأثناء وصفي لعملية "عاصفة الصحراء" في بعض المناسبات، حينما كنت انتقد أحد الزملاء الضباط بطريقة من شأنها أنني شعرت بأنها جرحته هو أو أحد أفراد عائلته، صممت على عدم ذكر الاسم.

ثمة عمليات أخرى للحذف قمت بها، إلاّ أنني أسفت على ذلك. ولكم كنت أتمنى أن أذكر آلاف الأشخاص الذين ساعدوني، وعلموني. وساندوني، وعضدوني، وخدموا بالقوات المسلحة معي، والسكرتارية الذين أسدوا لي معونات كثيرة، والسائقين الذين أوصلوني إلى غاياتي في الوقت المحدد في كثير من المرات، المساعدين المدونين في قوائم الذين ساعدوني على الترقية عن المسؤولين الكبار الذين زاروني في بيتي، والمعاونين الميدانيين الذين آداروا حياتي بأفضل ما أستطيع أنا أن أفعل، والقساوسة الذين أسعفوني والأطباء الذين طببوني، والمراقبين العسكريين الذين أرشدوني إلى كافة الأماكن العظمى لاصطياد الأسماء، والطاقم المدني الذين قاموا بتشييد المنشآت التي أصدر أوامري إليهم باقامتها، ثم أعادوا تطويرها ببراعة حينما طرأت على بالي أفكار جديدة، والأنفار كل في موقعه، وكذلك الضباط الذين وضعوا أوامري نصب أعينهم، وحققوا النتائج التي جعلتني أبدو في موقف حسن لا أستحقه.

وكذلك تمنيت أن أذكر رؤساء الأركان، ومساعدي القواد، والنواب الآخرين الذين كنت حريصاً على الحفاظ على أرواحهم ما استطعت. وهم الذين اختصوني بولائهم ولم يحبطوني أبداً، وكبار الضباط الذين حملوا عني أعباء كثيرة كان يتعين عليّ القيام بها، وكذلك الأصدقاء الأجانب الذين لم يرحبوا بي فحسب في بلادهم وأوطانهم ولكنهم أيضاً هيئوني ذهنيا للتعرف على ثقافاتهم. ولكم تمنيت أن أذكر المزيد من رفاق الدراسة في "وبست بوينت" الأكاديمية العسكرية الأمريكية وعائلاتهم، وعشرات الأصدقاء القدامى والأنداد.

وأخيراً، تمنيت لو ذكرت المئات من أعضاء هيئة القيادة المركزية الذين أسدوا لي مساعداتي جمة سواء قبل أو أثناء أو بعد عملية عاصفة الصحراء. لقد حافظوا على مهامهم داخل صفوف القوات، وجمع الاستخبارات ونقلوا الأوامر وكتبوا التقارير، وتفقدو الامدادات، وأصلحا التليفونات، وقدموا وجبات الطعام، وبالأحرى حافظوا على عجله الحرب دائراً. إن شطراً من هذا الكتاب مكرس لكل فرد منهم.

 

مدينة كامبا، ولاية فلوريدا

2 أغسطس 1992

 

الجزء الاول -  قصة حياته وتدرجه بالرتب


الجزء الثاني -
عمليات الحرب على العراق