الفصل الرابع عشر
إن أي شخص يسير حول قلعة ستيوات يشاهد بوضوح مهام الفرقة الرابعة والعشرين الميكانيكية. فقد كان اللون الزيتوني العسكري يغطي كل مركبة ودبابة وحاملة امداد وحاملة جنود مسلحين وسيارات الجيب، ومن ثم فقد تم طلاؤهم بلون الصحراء الأصفر بهدف التمويه.
لقد كنا أول فرقة عسكرية تم تسليحها في تأريخ الولايات المتحدة لتدخل الحرب في منطقة الشرق الأوسط.
وأذكر هنا أنه انقضت ثلاثة أعوام منذ أن تركت عملي السياسي في هاواي. لقد كانت لدينا الأموال في القوات المسلحة حتى يتم حماية المصالح الأمريكية في الخليج الفارسي، فقد قامت واشنطن بتوسيع نطاق القوات السريعة الانتشار حيث تم تنفيذ ذلك في أوائل يناير عام 1983 وكان ذلك تحت سيطرة أحد قادتنا العسكريين.
ففي حالة حدوث حرب فإن القيادة المركزية سوف يكون لديها نظام عالي المستوى دائم الأستعداد، وسيشمل هذا النظام القوة التاسعة الجوية ومقر القيادة العسكرية في قاعدة شو للقوات الجوية الواقعة بجنوب ولاية كالورينا، إضافة إلى القوة الأولى من البحرية العسكرية في معسكر بندلتون بولاية كاليفورنيا، علاوه على سلاح القوات المحمولة جوا في قلعة براج الواقعة شمال كالورينا. واذكر هنا إننا كنا جزءاً من سلاح الفرقة الثامنة عشرة للقوات المحمولة جواً كان العمل الرئيسي للقوات العسكرية في خطة الحرب للقيادة المركزية يتمثل في منع القوات السوفيتية من أي هجوم خاطف من مناطق القوقاز المنخفضة بغرض السيطرة على حقول البترول الإيرانية. لقد كنا نتساءل: هل أن مثل هذا الغزو السوفيتي لإيران وشيك الوقوع أم لا ؟ وبناءً على ذلك وضعنا الفرقة الثانية والثمانين للقوات المحمولة جواً والفرقة 101 الجوية على استعداد تام للذهاب إلى منطقة الشرق الأوسط وقد تم ذلك بنقل الفرقتين بواسطة الطائرات الجوية العملاقة (س ـ 5 أ) و (س ـ 141) ـ يتبع ذلك فرقة الجنود المحمولة جواً إلى هنا، بينما الدبابات والأسلحة الثقيلة سيتم حملها على ظهر السفن الحربية إلى المنطقة. لقد كنا نعلم أن عمليات التنسيق لسلاح المشاة الخفيف والأسلحة الثقيلة بالمعركة لن تكون سهلة وإنما تحتاج إلى مهارة عالية خاصة بالنسبة لقائد الفرقة الثامنة عشرة المحمولة جواً وهو الجنرال "جاك ماكمول" خاصة وأن الخبرة في هذا المجال كانت تتركز في القوات الجوية والقوات المحمولة جواً. لذلك فقد أوصاني "كافازوس" بضرورة تفهمي لنقاط القوة والضعف في الوحدات المحمولة جواً. والتي ستحارب إلى جانبي خاصة وانني كنت احد الجنرالات الذي لديه خبرة قوية في هذا المجال وتحديداً في المشاة الخفيف والقوات المحمولة جواً وأيضاً الناقلات المدرعة.
عندما حصلت على الفرقة الخاصة بي، كنت شغوفاً لكي أقدم كل ما لدي من خبرات مثل طريقة فونو في عمليات التدريب والادارة والمتابعة، أيضاً الطريقة الخاصة ببرامج كافازوس" الدائمة، ثم برامج عائلة شوارزكوف أو كما تسميها.
لقد وصلت بالفرقة الرابعة والعشرين ميكانيكي إلى درجة عالية من الكفاءة دون أي احتياج للاصلاحات الطارئة، وهنا يتبين أنه من الخطأ أن أقوم بتحريكها بسرعة شديدة، لذلك فكرت جدياً كيف يمكن استغلال الوقت في التعرف على كفاءة الفرقة للمهمة المعهودة، وعليه فقد وضعت برنامجاً خاصاً لتعليم وتدريب القادة والجنود الذين يعملون تحت رئاستي وذلك على الأساسيات الهامة بالمعركة وخاصة محاولة التعرف عن قرب على مئات الأفراد الذين سوف أعمل معهم داخل وخارج الوحدة.
كانت الفرقة الرابعة والعشرون الميكانيكية تتكون من ثلاث كتائب دبابات، وثلاث كتائب مشاة ميكانيكي، ثم ثلاث كتائب مدفعية ميدان وسرب خيالة ثم كتيبة طيران وأخرى من سلاح المهندسين، ثم كتيبة مدفعية دفاع جوي، هذا إضافة إلى لواءين من الجنود المساعدة، أيضاً لواء من الاحتياط وهو اللواء الثامن والاربعون من الحرس القومي لولاية جورجيا والذي يتكون من كتيبة دبابات وأخرى من المشاة الميكانيك، ثم كتيبة دبابات مساعدة من الحرس القومي لجنوب ولاية كالورينا. لقد كانت مهمتنا هناك هي الدفاع عن قلعة ستيوارت ثم سلاح الدفاع الجوي في السفانا.
على الرغم من إنني لم أقم بعمل أي تغيير أو تعديل إلاّ أنني لعبت دور القائد منذ اللحظة التي وطأت قدماي أرض القاعدة العسكرية. واذكر انه في صباح اليوم التالي لوصولي للقاعدة خرجت لممارسة رياضة الجري، وبمجرد وصولي للمنطقة الواقعة خارج المعسكر وجدت تشكيلاً عسكرياً يتسابق بجانبي ويقوده رجل يبدو من طريقة عدوه أنه يتسابق في دورة ألعاب أوليمبية.
وبالقاء نظرة حولي ثم إلى المسافة الواقعة بين الجنود غير القادرين على ملاحقة من يتقدهم بدأت أفكر سريعا. وعند بوابة المعسكر توقف المتسابقون كي يلتقطوا أنفاسهم من الجري، ثم قاموا بآداء التحية فعرفت انهم علموا بحضوري. ثم توقفت وسألت القائد الذي كان يتقدمهم عما كانوا يفعلون فقال لي: سيدي لقد أنهينا في التو سباق الخمسة أميال. فقلت له هذا رائع، وأضفت: ولكن ماذا عن كل هؤلاء الناس الموجودين في الخلف والذين لم يصلوا بعد. فقال. سيدي هؤلاء هم الأفراد الذين لم يستطيعوا اللحاق بنا. فقلت له: لكنك تركتهم في الخلف ـ وهنا نظر إلى النقيب (نظرة محيرة ـ فقلت له: أريد منك أن تفكر ملياً: إذا افترضنا انك جندي حديث العهد بالجيش وحضرت إلى وحدتك العسكرية حديثا ولم تتلق التدريبات الأساسية بعد، وفي نفس الوقت تشعر بالعظمة لأنك جندي، ثم تجد في نفس الوقت معاملة مختلفة مثل قيام وحدتك العسكرية بالجري لمسافات أطول من المعتاد، وفي أول يوم تخرج معهم تصاب أرجلك بالألم ولم تستطع رئتاك على التقاط الهواء والقيام بأداء وظيفتها الطبيعية نتيجة الإرهاق الشديد، ومع كل ذلك تستمر وحدتك العسكرية في سباق الجري وتتركك في الخلف ـ إذن كيف يكون انطباعك حول وحدتك العسكرية الجديدة؟ وبالفعل فهم النقيب ما أقصده حول ضرورة الاهتمام بالجنود ثم تركته وانطلقت أنا في العدو ـ لقد شعرت بالرضا لأنني لقنته درساً هاما خاصة وأنه من كبار الضباط الخمسة الذين يعملون تحت رئاستي بالقاعدة.
لقد كانت هذه هي طريقتي دائما في التعامل مع الجنود والضباط الذين يخطئون ـ وأذكر على سبيل المثال أنه عند خروجي مع عائلتي مرتديا بدلتي ورابطة عنقي إلى مكان ما، ثم يصادف أن أرى أحد الجنود الذين يعملون تحت رئاستي يسير في الطريق غير مهندم الثياب فإنني أوقف السيارة على الفور: وهنا تقول زوجتي " لقد بدأ العمل، بينما إبنتي سيندا وجيسكا تقولان " بابا هذا شيء مخجل " ومع ذلك فإني أخرج من السيارة واتوجه إلى الجندي وأخبره عن هويتي ثم آمره أن يصلح من هندامه.
بمجرد تسلمي رئاسة الفرقة بدأت في اتخاذ القرارات التي تستوجب العمل الصحيح بها. واذكر أنه في أول يوم سبت (أول نهاية الأسبوع) من تسلمي العمل كنت أقود سيارتي في أحد الشوارع الخلفية لقلعة فورت وذلك لتسجيل بعض الأشياء، وهناك وجدتني قريبا من بعض الجنود الذين كانوا جالسين تحت اشجار الصنوبر بجانب الطريق ـ وبالقرب منهم توقفت وسألتهم ماذا هم فاعلون؟. وقد أجاب أحدهم: سيدي: نحن نتدرب ـ وسريعا نظرت عبر المساحات المسطحة فوجدت على مسافة ليست بالبعيدة إثنين من الجند في حركة تدريبية وذلك في اتجاه اشجار الصنوبر ـ ولقد لاحظت أن معظم الجنود المشتركين في التدريب كانوا فقط جالسين ومنتظرين دورهم في التدريب دون أن يفعلوا شيئا. بعد دقائق معدودة وصل قائد الجنود وأدى التحية العسكرية، ثم أخذته جانبا وقلت له: سيدي:... لم نستطع تكملة المشروعات التدريبية خلال الأسبوع المنصرم، لذا قررنا استكماله اليوم ـ قال ذلك بافتخار، وحقيقة أن جنوده كانوا يؤدون التدريب بروح عالية ـ وهنا سألته. متى أخبرت جنودك بميعاد هذا التدريب؟ فقال: بالأمس يا سيدي. فقلت له: ألم تكن تتوقع أن جنودك ربما يكون لديهم بعض الخطط والترتيبات في عطلة نهاية الأسبوع فقال: نعم يا سيدي ولكننا لم ننه التدريبات الموكلة إلينا خلال الاسبوع.
وبمجرد وصولي إلى مراكز القيادة في صباح الاثنين قمت بالاتصال بغالبية قادة الفرق المساعدة بالاضافة إلى رئيس اركان الجيش وشرحت له الموقف السابق ـ
وقلت لهم: "إن هؤلاء الشباب الصغار السن لم يقيدوا في الجيش لهذا الغرض.
وأنا أعرف أن هؤلاء الشباب لم يدخلوا الخدمة العسكرية للعمل طوال أيام الأسبوع، وإنما فقط لخمسة أيام وذلك في حالة السلم. ولكن في حالة الحرب أو القيام بالمشاريع العسكرية التدريبية فإن الوضع يختلف.
وبالفعل أمرت بمنع التدريب في العطلة الأسبوعية منذ ذلك الحين. وعليه فقد وضعت بعض القوانين ومنها:
أولا: إذا أراد القائد استمرار التدريب في أيام العطلات الاسبوعية من فترة السلم فعليه ابلاغ الجنود قبل بدء التدريب بحوالي 6 أسابيع.
ثانيا: أنه لابد وأن تكون التدريبات على مستوى عال وجيد وليس مجرد جلوس الجنود تحت اشجار الصنوبر خاصة وأنني من الآن فصاعداً سوف أتابع بنفسي عمليات التدريب.
ثالث: ان أي قائد سوف يعطي تدريباً إضافياً في أيام العطلة الاسبوعية فإنه بالتبعية عليه اعطاء جنوده فترة راحة بعد ذلك. ثم اضفت: وسوف اتابع ذلك بنفسي.
وبالفعل منذ ذلك الحين لم يصدر أي قائد أوامره باعطاء فترة تدريبات إضافية في نهاية الاسبوع. وفي هذا الصدد قال لي العقيد بيتر تايلور وهو رئيس أركان فرقتي قال لي سيدي "أنا أحذرك من ان كفاءتنا القتالية سوف تعاني كثيراً مما قد أعلنته بشأن الجنود" ولكني قلت له: لن يحدث ذلك، بل سوف يؤدي إلى الافضل وسوف ترى.
كان المركز القومي للتدريب العسكري الجديد الموجود بقلعة إيروبن بولاية كاليفورنيا من أعلى المستويات التي تحتوي على أجهزة عالية التقدم والتطور. كان يشغل حوالي ألف ميل مربع من صحراء موجيف وغير البعيدة عن مخازن النخيل التاسعة والعشرين. ففي هذه المنطقة كان يوجد اللواء الذي كنت أعمل به في قلعة لويس وهناك حصلنا على تدريبات شاقة. وطبيعة تضاريس هذه المنطقة من حيث الأرض والمناخ أقرب كثيراً إلى طبيعة الأرض الإيرانية.
وعليه بمجرد تعييني قائداً للفرقة قررت الذهاب إلى هذه المنطقة لالقاء نظرة أخرى عليها قبل ذهابي إلى منطقة الشرق الأوسط والتي ستعطينا فرصة كبيرة في المعارك ومن ثم تجعلنا أكثر تفوقاً على بقية الجيوش في العالم التي ليس لها تجربة عسكرية في القتال بمثل تلك المناطق.
لقد صمم المركز القومي للتدريب على احتواء كتيبتين من الزيارة الواحدة مع كتيبة مدفعية مساعدة ووحدة مساعدة ووحدة نقل، ثم وحدة اشارة وأخرى مهندسين ثم وحدات أخرى مساعدة.
ان الكتائب التي وصلت استغرقت ثلاثة أيام لترتيب أوضاعها واستعدادها للقتال من حيث تثبيت أجهزتها واتخاذ المواقع الخاصة بها، ثم على الفور دخلت تلك الكتائب في مرحلة تدريب لمدة أسبوعين وذلك طوال ال 24 ساعة أي ليل نهار.
لقد كانت مرحلة التدريب لتلك الكتائب بمثابة مواجهة حقيقة أي كما لو كانت اما اقوى الجيوش العالمية مثل الاتحاد السوفيتي. لقد كانت مراحل التدريب تتم سريعاً من مرحلة لأخرى دون أدنى تأخير كما لو كانوا في حالة حرب تماما ـ وكانت عملية التقييم الميداني تتم على الفور لكل وحدة في أرض المعركة (التدريب) وذلك على كافة المستويات.
ولقد كانت جميع الدبابات والقوات المقاتلة مجهزة بنظام الكشف بأشعة الليزر والذي من الممكن استعماله في المانيا ضد الاتحاد السوفيتي، كما أن الاسلحة الثقيلة ونظم الاتصالات كان قد تم توصيلها بمراكز الكمبيوتر التي تقوم بتسجيل العمليات القتالية. وبمجرد الانتهاء من عملية القتال يقوم القائمون بعملية التقييم بتجميع قادة الوحدات سريعاً لاعطائهم الملاحظات الهامة والنقد على ما قاموا به. ومن هذا الوضع يتم مواجهة قائد الوحدة بما يقوله وما يظهر على شاشة الكمبيوتر حتى لا يكذب القائد ومن ثم يرى أعماله ويطابقها بما يقوله.
وفي نفس الوقت تبقى الوحدات المساعدة في أرض المعركة وذلك لتغذية الجنود وتطهير المواقع من الأجهزة التي تم تدميرها اثناء التدريب ثم إعادة تجهيز المواقع كما لو كان كل شيء حسناً في ميدان المعركة ويسير بأدق التفاصيل وفي كافة الاحتمالات والظروف.
وأذكر أن أثنين من الكتائب التابعة لفرقتي كانت بالاستعداد للذهاب إلى المركز القومي للتدريب في سبتمبر عام 1983، وذلك بعد مرحلة من الاعداد وصلت لعدة شهور، وقبل عشرة أيام من ذهاب الكتيبتين للتدريب كنت أشاهد الطريقة التي يضعون بها أجهزتهم ودباباتهم في داخل عربات نقل السكك الحديدية للذهاب إلى تلك الرحلة الطويلة وطوال ذلك الوقت كنت أفكر كيف تصل الكتيبتان إلى مركز التدريب القومي بطريقة أفضل من ذلك ـ وعليه فبمجرد رحيلهم إلى هناك طلبت منهم العودة فوراً وعند عودتهم قلت لهم: إن مركز التدريب القومي ليس مركز اختبار قومياً وعليه فأنا أتوقع منكم أن تخطئوا، فانا أريد منكم أن تأخذوا بزمام المبادرة وأن كل ما يهمني هو أن تسقط على مؤخرتك في السلم بدلاً من أن يحدث ذلك في وقت الحرب خاصة وأنه خلال وقت السلم لا يموت أحد بينما العكس هو الصحيح.
كنت أريد منهم أن يعرفوا شيئاً هاماً وهو ضرورة أن يتعلموا من اخطائهم ومن تجاربهم ومن ثم فليس هناك خطورة لأنه ليس هناك من سيأخذ شيئاً ضدهم. لقد كنت أعلم جيداً أنه من المفضل أن أكون متابعاً للوحدات أثناء تدريبهم في الأيام القليلة الأولى بالمركز القومي للتدريب ـ ففي اليومين أو الثلاثة الأولى يصبح القادة والجنود متسخين ومرهقين كما أن اداءهم سيكون غير مرض ولكن بعد ذلك يبدأون في زيادة الجرعات ويحاربون بجرأة وحيوية أكثر ـ ومن ثم فقد قررت زيارتهم في الأسبوع الثاني لتدريبهم.
في نفس الوقت قمت مع القادة بالفرقة على تدريب عالي المستوى وخاص بنا فقط وهو سري لمده يومين في قمار القيادة الجوية الثامنة عشرة وذلك لمعرفة الدور المنوط بنا في خطة حرب.
الشرق الأوسط الخاصة بمركز القيادة. وفي منتصف أكتوبر قمت بعمل معسكر خاص في مبنى مكون من طابق واحد بقلعة براج وقمت بوضع أسلاك شائكة حول هذا المبنى الذي كان يوجد به أثنى عشر قائداً حيث أعطيت كل منهم خطة خاصة بوحدته القتالية والتي سيقوم بدور في المعركة الإيرانية، ولقد تم وضع الاحتياجات التي تريدها في تلك المعركة حتى يتم عرضها على البنتاجون ـ ولقد كانت الاحتياجات الرئيسية الهامة متمثلة في قطع غيار للأسلحة والمعدات والمؤن والسفن المتخصصة وبعض الأجهزة والآلات المستخدمة في إعادة الإمداد السريع للعمليات القتالية بمنطقة الشرق الأوسط.
في عطلة نهاية الأسبوع بعد عودتي من الإجازة ذهبت للصيد وكنت موفقاً في صيد عدد لا بأس به من الأسماك، وفي يوم الأحد كنت بالمطبخ حينما دق جرس التليفون وكان على الخط الجنرال ديك جريفتس مدير العمليات بقيادة الجيوش، وقال لي ماذا لديك خلال الأسابيع القليلة القادمة؟ فأجبته: ماذا عن؟. فقال. أريد أن اعرف.. فلقد تم اختيارك لمهمة هامة، وقد سألني الجنرال كافازوس أن أعرف ما هي خطت في المرحلة القادمة ـ فأجبته باحتقار حول برنامج الفرقة، وقلت له ليس لدي شيء، الآن وسوف أكون بالقاعدة في المرحلة القادمة. فقال: وهو كذلك ـ ثم قال: سوف أتصل بك حوالي الساعة السادسة.
لقد شعرت بالرغبة في معرفة ماذا يريد ـ في نفس الوقت حاولت إنهاء ما أقوم بطهوه بالمطبخ ولكني لم أفلح لفرط اهتمامي بمعرفة نتائج هذا الاتصال التليفوني. وفي الساعة السادسة تماماً أتصل جريفيس مرة ثانية وقال: بأي سرعة تستطيع أن تصل إلى هنا في اطلنطا؟ فأجبته: في ساعات قليلة. فقال: هو كذلك. ثم قال: سوف تذهب في عملية قتالية وسيستغرق ذلك حوالي ثلاثة أسابيع ـ ونظراً لأن تليفون منزلي لم يكن مُؤَمَناً فوجدت أنه من الأفضل أن اسأل فقط. ثم بعد ذلك اتصلت بضابط الفرقة المكلف ثم بدأت في تجهزي شنطة السفر ونظراً لعدم معرفتي بنوع المهمة الموكلة لي فقد أخذت ملابس الصيف والشتاء، ثم قمت بقيادة السيارة إلى مراكز القيادة ومن هناك اتصلت تليفونياً ب جريفيس من أحد التليفونات المؤمنة (غير المراقبة) ولكن الاتصال كان شيئاً ومع ذلك تبين لي أن المهمة ليست خاصة بمنطقة الشرق الأوسط فلقد كان مطلوباً منى الذهاب إلى كندا، وبعد أن اعطيت أوامري إلى مساعدي بالفرقة ليتولى زمام الأمور الخاصة بالفرقة ـ بعد ذلك ذهبت على منزل ومصنعت ملابس القتال الصيفية في حقيبة الملابس. وفي حوالي الساعة التاسعة وصلت سيارة لتأخذني إلى أرض المطار، ثم قبلت أولادي وزوجتي التي كانت خائفة والتي قالت: هل ستكون في مكان خطر؟ ولكني قلت لها سوف أذهب إلى بيروت، وطمأنتها وقلت لها لا أستطيع أن أقول لك أكثر من ذلك، وهزت رأسها بالإيجاب.
عندما وصلنا إلى مطار تشارلي يراون في اطلنطا أخذنا سيارة إلى أحد النهايات الصغيرة حيث وصلنا إلى ديك جريفيس الذي رحب بي على البوابة ـ ولقد أعطاني إسكتش وقال لي إن حكومة جرينادا سقطت وتولى أمور البلاد عساكر الخونتا وأن المئات من الطلبة الأطباء الأمريكيين تم اعتقالهم هناك، وقال: "لقد أعدت البحرية خطتها لشن عملية هجومية ضخمة حيث يتم إنزال القوات براً لتحرير هؤلاء الطلبة تم إعادة الحكومة التي خلقها العسكريون مرة ثانية في حكمتها لشن عملية هجومية ضخمة حيث يتم إنزال القوات براً لتحرير هؤلاء الطلبة تم إعادة الحكومة التي خلقها العسكريون مرة ثانية في الحكم.عدد ضخم من القوات العسكرية لم تشترك في هذه العملية منها الفرقة 82 المحمولة جواً ووحدات العمليات الخاصة ثم كتيبة الزينجر الأولى.
ولقد كانت واشنطن تريد التأكد من البحرية سوف تقوم بذلك على أكمل وجه وقد كان ذلك هو هدفنا وأضاف "الجنرال كافازوس يريدك أن تذهب هناك كمستشار للبحرية".
فقلت "انتظر، يبدو أنني سوف أكون متطفلاً عليهم". ثم رد جريفيس ضاحكاً وقال: "في الحقيقة هذا صحيح، فالبحرية لا تريد أن تعمل أنت معها، ولكن عليك أن تعرف أن أعلى المستويات في واشنطن تساندك، فلو تعاملت معك البحرية بطريقة غير جيدة، فعليك ألا أن تخبرنا بذلك وسوف تحصل على كل التقدير والاحترام هناك" فقلت له لنوع من الشك. وهو كذلك ولكن أخبري ماذا ـ أفعل جيدة، فعليك إلا أن تخبرنا بذلك وسوف تحصل على كل التقدير والاحترام هناك" فقلت له بنوع من الشك. وهو كذلك ولكن أخبرني ماذا ـ أفعل هناك.
فقال: لقد قلت لك كل ما أعرفه، وسوف يكون هناك اجتماع غداً في السابعة صباحاً وذلك بالقيادة الأطلنطية في نورفوك، ويجب أن تكون هناك في السابعة صباحاً.
وبالفعل أقلعت بنا الطائرة، ونحن في الهواء تبين لي أنني لم أكن متأكداً أين نحن الآن ولا الطيارين الذين أحضرتهم معي ولكن عرفنا أننا في طريقنا إلى جزيرة الكارابيين.
وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مقر القيادة وكان ذلك في 24 اكتوبر ثم تقابلت مع نائب الادميرال جوزيف ميتكالف وهو شخص نحيل ويتحدث بلهجة نيو انجلند، وعلى الفور بدأ بالقاء العديد من الأسئلة حول ما يمكن ان أقدامه في هذه العملية. وبعد لحظات وصل الأدميرال "ويس ماكدونالد" قائد القوات الاطلنطية، ثم ذهبنا نحن الثلاثة إلى حجرة خاصة بالطابق العلوي وبدأنا نتحدث حول ما يمكن عمله ـ كان معنا في تلك الحجرة اثنان من جنرالات الجيش وهما إيد تروبو قائد الفرقة 82 المحمولة جواً، والجنرال ديك شولتز قائد القوات الخاصة.
ولكن الادميرال ماكدونالد اخصني بالذكر وقال لي بلهجة حادة ونحن على انفراد: بحق المسيح حول أن تكون معاونا لنا. أسف تكون؟ وأضاف: نحن لدينا عمل صعب لكي ننجزه ولا نريد من الجيش أن يزيد من متاعبنا. واجبته: سيدي: أنا هنا للمساعدة بأي شيء وطريقة قدر استطاعتي. فلقد خديف لمدة عامين في قياده الباسفيك تحت رئاسة الأدميرال ويزنر والأدميرال لونج، وعندي من الخبرة الكافية حول الطريقة التي تعمل بها البحرية، ولن يكون هناك أدنى تعطيل في العمل نتيجة لخبراتي السابقة ـ وهنا شعرت أن الأدميرال شعر بارتياح لحديثي هذا.
كان مقدراً للغزو أن يتم بعد 19 ساعة أني في الساعة الثانية صباحاً من اليوم التالي لوصولي. ولقد كان ملقى على المكتب خريطة تشبه كرة القدم ـ جزيرة جرينادا تبلغ مساحتها حوالي عشرة أميال عرضاً وخمسة أميال طولاً فقط، وأن جزءً من الشاطئ تكسوه الرمال، ولكن الجزيرة في الغالب تتكون من الجبال والغابات.
بعد ذلك اجتمع الادميرال ما كدونالد بنا وقال بإنجاز: قبل أن نبدأ العملية الموكلة إلينا.. على كل فرد منكم أن يعلم جيداً أن هناك احتمالاً لعدم انهاء تنفيذ هذه العملية ـ فالكارثة لا تزال تمر في الكواليس الدبلوماسية وقنواتها الطبيعية، فقد قيل لنا أن المتمردين ربما ينسحبون، "وقد أكد حديث الادميرال أحدى الشخصيات التي تمثل الإداره الأمريكية والذي كان يجلس بجوار الادميرل".
كانت العملية تركز على ضربة واحدة قاصمة. فبينما تحاصر البحرية الجزيرة بالسفن الحربية والطائرات فإن جنود البحرية تقوم بهجوم برمائي على الساحل الشرقي للجزيرة. كان الهدف هو الاستيلاء على مطار بيرلس وهو المطار الوحيد الذي يعمل بالجزيرة، ثم الاستيلاء على مدينة جرينفيل التي تضم القوات العسكرية. ثم تقوم الطائرات بإسقاط كتيبة الرينجرس لمحاصرة واستيلاء مطار بوينت سالينس وهو مطار ضخم تحت التشييد ويقع في نهاية القطاع الجنوبي للجزيرة، ثم الاستيلاء على مدرسة الطب بالجامعة والتي تم اعتقال الطلبة الأمريكان بها. وبمجرد تأمين الاستيلاء على المطار تقوم كتيبتان من الفرقة 82 المحمولة جواً بالسيطرة على المكان عليّ أن تترك كتيبة الرينجزس المكان لاستلام مهام أخرى في نفس الوقت تقوم قوات العمليات الخاصة بعمليات انزال على العاصمة القديس جورج الواقعة على القطاع الغربي للشاطئ بحيث يكون مهامها إطلاق سراح السير بول سكون وهو الحاكم العام الانجليزي الذي وضع تحت الحراسة في منزله، كما تقوم القوات الخاصة بالاستيلاء على مبنى الإذاعة ثم قلعة رابيرت وقلعة فردريك وسجن ريتشموند الواقع من أعلى المدينة وذلك لإطلاق سراح رئيس الوزراء موريس بيشوب وعدد آخر من مسئولي الحكومة. ثم إحكام السيطرة الشاملة على بقية أجزاء الجزيرة.
أما عن الجيش الجرينادي فهو يتكون من ألفين من الجنود العاملين وبضعة آلاف من الاحتياط، ولكن جهاز المخابرات أكد على عدم القلق من الجيش الجرينادي فعندما يعلمون أننا أمريكان سوف يستسلمون. وعلى الرغم من وجود المدافع المضادة للطيران حول بوينت سالين والقديس جورج إلا أنه ليس هناك تحلق منهم خاصة وأنهم غير مدربين ومن ثم لا يشكلون تهديداً حقيقاً.
وفيما يتعلق بالعاملين الكوبيين الموجودين حول مطار بوينت سالين والذي يقدر عددهم ما بين 600 على 800 وهم مسلمون ومدربون جيداً فإن أجهزة المخابرات أكدت لنا أنهم لن يشتركوا في القتال وهم بعيدون عن الدخول في المعركة.
ولكني كنت أكفر ملياً كيف يمكن تصديق أن الكوبيين لن يشتركوا في القتال مع الجريناديين ضدنا.
لقد كانت إحدى القضايا التي تشغل بال الجنرال ديك شولتز قائد القوات الخاصة هي كيف يمكن إنزال كتيبه الرينجرس على الأرض ـ ربما بالبراشوت إذا أمكن، ولكنه كان يرى من الأفضل هبوط طائرات النقل في بوينت سالين.
ونظرنا لعدم ملائمة الطقس وارتفاع الموج في البحر فإن الجنرال شولتز اقترح تأجيل العملية 24 ساعة، وبينما كانت المناقشة تدور بين فرد وآخر حول التأجيل وعدم التأجيل، قام الأدميرال ماكدونالد وقال بنبرة حادة أنا غير مصدق ما أمسه الآن، أنكم ستواجهون مجموعة صغيرة من الجريناديين، سوف يتساقطون لمجرد أن يشاهدوكم أمامهم، لماذا أنت هكذا؟ وساد الصمت.
ومن خلال الصمت الذي خيم على المكان خرج صوت مسئول الإدارة الأمريكية ليعلن أنه لا يجب الانتظار ولا بد من الإسراع خاصة وأن منظمة دول شرق الكاربيين التي طلبت منا الدخول لإعادة النظام لن تستطيع الاستمرار في الوقوف بجانبنا وربما تنهار سريعاً.
وهنا تدخل الادميرال ماكدونالد وقال: إذن سوف تبدأ عملية الغزو في الميعاد الذي حدد لها.
وافق شولتز بتردد ولكنه قال هل من الممكن تأجيل العملية فقط لمدة ساعتين حتى نقوم بعمليات استطلاعية ـ ووافق ماكدونالد على تأخير العملية لمدة أربع ساعات فقط.
وفي ختام الاجتماع، سأل أحد الموجودين حول الصحافة، وهنا قال ماكدونالد، لقد اتفقنا على إننا سوف نفتح جرينادا للصحفيين في الساعة الخامسة ظهراً من اليوم التالي حيث إنه في ذلك الوقت سنكون قد سيطرنا تماماً على الجزيرة.
كل ما أعرفه بعد ذلك هو أنني أجرت الطائرة إلى بربادوس. وأذكر هنا أن كل الذين اشتركت معهم كانوا من البحرية، بينما الجيش فقد كنت أنا أمثله ومعي أثنان من المساعدين وضابط صغير من الفرقة 82 المحمولة جواً واخذتنا الطائرة إلى عرض البحر ولم يكن شيء معنا سوى الطائرة والسماء من فوقنا والأرض من أسفلنا، فلو سقطت الطائرة صبحنا جميعاً مع السمك. لقد بدا أن قائد الطائرة لا يحب الرجال الذين يذهبون إلى الحرب ربما لأننا لم نكن نتحدث كثيراً. وفي حوالي الخامسة والنصف بعد الظهر وصلنا إلى المكان المعهود وخرجنا من الطائرة، وبعد قليل أعلن عن تناول العشاء. لقد كان ميس الطعام عبارة عن صالة كبيرة بها منضدة واحدة لتناول الطعام عليها مفرش أبيض. ثم جلسنا لتناول العشاء حيث حضرت الشوربة أولاً كفاتح للشهية وبينما نستعد لتناول الوجبة الأساسية وهي لحم الرومي إذا بنا نجد أمامنا رئيس أركان الأدميرال ميتكالف الذي قال "لقد بدأنا" وعلى الفور ساد الصمت فجأة. ثم كرر لقد بدأنا. لقد بدا أن ساعة الصفر تم تأخيرها ساعة حيث بدأ الغزو في الساعة الخامسة.
الكل جلس للحظة، ثم نظر مليا إلى الطعام، ثم انطلقت الهمهمات، وخرج الجميع إلى أن وجدت نفسي بمفردي في الحجرة. لم أجد شيئاً أفعله سوى أن أجلس أمام الطعام الذي لم أنهه وأفكر فيما حدث بعد فترة قصيرة صعدت للطابق الأعلى لأشاهد مايدور بين بعض الوحدات.
لقد بدأت الشمس تغيب ويدخل الظلام وأدركت على الفور أنه في نفس الوقت غداً سوف تكون في الحرب.
لقد سألت نفسي: هل سنبعث بالجنود إلى جرينادا؟ وهل دخلنا حرباً لا يساندها الشعب الأمريكي؟ لقد كانت تساؤلاتي شخصية بحتة، ولكني أدركت أن واجبي هو تنفيذ المهام الموكلة إلي وذلك بأقل الخسائر الممكنة في الأرواح الأمريكية. ثم قمت بتأدية الصلاة، ونزلت لأسفل للحصول على بعض الراحة.
إن الحجرة التي أنا بها كانت مباشرة أسفل حاملة الطائرات. ففي الساعة الرابعة صباحاً استيقظت على أصوات عديدة منها صوت التوربين وأصوات الجنود وغيرها وصعدت لأعل لأشاهد عشرات الطائرات الهليوكبتر المحملة بجنود البحرية وقد قال لي أحد الضباط أنه أثناء نومي قام الاستطلاع بالتعرف عما إذا كان من الممكن إنزال الجنود بالقرب من مطار بيرلس وجيرنفيل ولكن الاستطلاع أفاد أن ذلك غير مناسب. لذا قرر أدميرال ميتكالف أن يكون الهجوم بالهليوكبتر.
ونظراً لحدوث بعض الأعطال فإن كتيبة الرينجرز سوف تتأخر ثلاثين دقيقة عن الميعاد المحدد له ولكن جنود البحرية كانوا في عرض السماء داخل طائرات الهليوكبتر وذلك استعداد للهجوم.
ولكن التساؤل الآن هو: هل سنذهب كما هو مقرر الساعة الخامسة؟ وهنا سألني ميتكالف. فقلت له يجب أن تبدأ القتال الآن خاصة وأنهم علموا بوجود طائرتنا الهليوكبتر فوق الجزيرة ـ ولو توقفنا حتى لمدة نصف الساعة فسوف نفقد عنصر المباغتة وهو هام جداً، ووافق ميتكالف وأعطى أوامره بالغزو، وهبطت جنود البحرية في مطار بيرلس واستولت عليه دون الدخول في قتال. وفي الساعة السادسة والنصف أرسلت البحرية سرباً آخر من الهليوكبتر واستولت على جرينفيل دون قتال. أما في بوينت سالين فإن العدو كان في انتظار كتيبة الرينجرز وذلك في حوالي الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والثلاثين ـ لذلك اضطر الرينجرز إلى الانزال بالباراشوت امام مدافع العدو، ومن مسافة بعيدة كنا نرى الانزال بالباراشوت كما نرى أيضاً المدافع المضادة للطائرات في اتجاه طائراتنا.
وبمجرد وصول كتيبة الرينجرز على الأرض جاءت إلينا الأنباء لتؤكد لنا أن عمال المباني الكوبيين ليسوا فقط مسلمين بل انهم بالفعل في ميدان القتال على طول المطار. فلم يكن عملاً سهلاً بل كانت هناك خسائر في الأرواح.
وفي مدينة القديس جورج كانت قوات العمليات الخاصة تواجه مصاعب هناك حتى انها لم تستطع ان تصل إلى قلعة ريبرت أو سجن ريتشموند أو قلعة فردريك. كما ان الجنود لم يستطيعوا الوصول إلى منزل الحاكم العام الانجليزي بل انهم وجدوا انفسهم محاصرين لقد كان مشهداً يدل على الارتباك. فلقد تحطمت طائرتا هليوكبتر في المحيط عند عودتهما من الجزيرة إلى حاملة الطائرات ـ في نفس الوقت استقبل الادميرال ميتكالف رسالة من واشنطن تفيد بعدم امداد الطائرات بالوقود في الجو لحدوث بعض الخلل في طائرات الامداد، وهذا ما زعج الادميرال كثيراً.
وصلت إلينا معلومات من أجهزة مخابراتنا تفيد بأن مركز القيادة للمتمردين يقع في قلعة فردريك. وهنا قال لي ميتكالف أريد تدمير هذا المركز وسألني ماذا أرى؟
لقد كان سؤالاً صعباً جداً لأن مركز القيادة هذا بجوار المدينة المليئة بالسكان، وحسب الاوامر التي لدينا وهي الوصول بأقل حد ممكن من الخسائر بين المدنيين وغيرهم، لذلك شعر ميتكالف أنني لا أريد اعطاءه النصيحة الآن وإنما تؤجل لمرحلة لاحقة.
ولكني فاجأت ميتكالف وقلت له عليك بتدميرها خاصة وإننا إذا أجلنا ذلك الآن فإنهم سوف ينظمون صفوفهم ويحتاج الأمر لمدة أطول تصل فيها الخسائر لنسبة أعلى من ذلك. وعلى الفور أمر ميتكالف بتدمير مركز قيادة العدو ـ وعلمنا بعد ذلك أن التدمير شمال مركز القيادة ومستشفى للامراض العقلية تقع بجوارها وفي الساعة العاشرة استطاعت كتيبة الرينجرز السيطرة على بوينت سالين، ثم توجهت إلى مبنى الحرم الجامعي حيث توجد مدرسة الطب المحتجز بها الطلبة الامريكيون والذين تم إنقاذهم ولكن تبين أن بعضهم أخذ إلى مكان آخر يبعد حوالي ميلين عن الحرم الجامعي.
وحتى ظهر اليوم لم يتم الاستيلاء على مدينة القديس جورج بواسطة قوات العمليات الخاصة ومن ثم أعيد التخطيط لدخول أكبر عدد يمكن من المساعدات وخاصة من البحرية.
وفي المساء جلست مع ميتكالف لفحص نتائج اليوم الأول من القتال. فلقد تبين أن المتمردين لا زالوا أقوياء وأن مبنى الحكومة لا زال قائما هناك، وأن الحاكم العام الانجليزي لا زال محاصراً ومعه قوات العمليات الخاصة، اضافة إلى الاغلبية من الطلبة الامريكيين لا زالوا في الأسر في مكان آخر.
بينما الأخبار الجيدة كانت في وصول جنود البحرية على الشاطئ الغربي وأخذوا مواقعهم بنجاح وسوف يبدأون في الصباح تقدمهم نحو العاصمة القديس جروج.
بناءً على ذلك اتفقت مع ميتكالف على الدخول في معركة حامية مع العدو على الأرض حتى الوصول لإنقاذ الطلبة ثم الاستيلاء على العاصمة.
وهنا سألني ميتكالف أن اقوم بعمل خطة الهجوم الأرض حيث انه لا يمتلك الخبرات الكافية في هذا المجال.
ووافقت على الفور وبدأت في عمل الخطة، بينما أخذ ميتكالف بعض الراحة خاصة إنه لم ينم لاكثر من 36 ساعة، ولكن قبل أن يذهب إلى حجرته جاء اتصال تليفوني يطلب عدد الضحايا على ساحة القتال، ورفضنا الاجابة عن التساؤل الآن، ولكن بعد نصف الساعة الأخرى جاء اتصال تليفوني يأمرنا باحصاء الخسائر. وبالفعل امرنا بعمل الاحصاء وجاء كالتالي: 13 قتلوا من الجيش و 133 من البحرية، وهنا شعرت بأن الرقم فيه نوع من المبالغة خاصة وان رقم البحرية كثير جداً. وحاولت ايجاد مخرج ولكن دون جدوى ولكن كل ما فعلته هو أن يجمع عدد الجيش والبحرية ويطلق عليه الخسائر الإجمالية هي 146 بدلاً من تحديد النوع.
وفي ظهر الاربعاء استطاعت البحرية التقدم نحو العاصمة واطلاق صراح الحاكم العام وتم نقله وعائلته بطائرة هليوكبتر إلى حاملة الطائرات. بينما قواتنا الموجودة في بوينت سالين فلم تحقق التقدم المرجو منها على الرغم من زيادة عددها هناك وفي نفس الوقت لم تحقق الهدف من وجودها وهو إطلاق صراح بقية الطلبة الأمريكيين المقبوض عليهم.
واقترحت على ميتكالف خطة الهجوم الارض التي توصلنا أسرع إلى مقر الطلبة المقبوض عليهم لإطلاق سراحهم خاصة إن واشنطن كانت ستفسر طوال الوقت عن الطلبة، وقد رافق ميتكالف على خطتي.
وبناءً على ذلك إتصلت ب "تروبو" الموجود بأرض المطار وأخبرته أن يجعل جنوده على اتم الاستعداد، ثم طلبنا من قائد جنود البحرية المسؤول عن كتيبة الانزال أن يأتي إلى الموقع حيث يوجد الكوبرى وعندما وصل شرحت له الموقف على الطبيعة من فوق الكوبرى حيث نرى جميع الأهداف أمام اعيننا، ثم قمت بعمل اسكتش خاص بانزال الجنود إلى قرب منطقة لبدء الهجوم البري. ولكن القائد المسؤول عن كتيبة الانزال قال لي: لن أفعل ما تقول. فقلت له: ماذا تقول؟ فأجاب: نحن لا نضع جنود الجيش في طائرات جنود البحرية ـ فنظرت إليه بتعجب شديد وقلت له: ألا تفهم أيها العقيد أننا بصدد أداء مهمة تتمثل في انقاذ هؤلاء الطلبة الآن ـ كما أن جنود البحرية التابعين لك ليسوا هنا الآن وهم في جرينفيل للسيطرة عليها بينما طائرات الهليوكبتر واقفة على الارض هنا لا تعمل، وأن الطريق الوحيد لإنقاذ الطلبة واطلاق سراحهم هو استخدام هذه الطائرات المروحية.
فقال: اذا طلبت مني القيام بذلك فلابد من استخدام جنود البحرية وليس الجيش.
فقلت له: كم من الوقت يستغرق لعودة جنودك إلى هنا؟.
فقال: على الأقل 24 ساعة.
فقلت له: اسمع أيها العقيد جيداً ـ انا قائدك الأعلى واذا لم تنفذ ما أقوله لك فسوف تحاكم عسكرياً لعدم تنفيذ الأوامر في ميدان القتال.
وعلى الفور تدخل أحد زملائه الذي أخذه بعيداً وبعد عدة دقائق عاد العقيد ووافق على الأمر الذي أصدرته وعلى تنفيذ خطة إطلاق سراح الطلبة المحتجزين.
وبالفعل تم اعداد الغارة الجوية وتنفيذها في زمن قياسي وتم تحرير الطلبة المحتجزين البالغ عددهم 224 طالباً، وقد بلغت خسائرنا جرح اثنين فقط من جنود كتيبة الرينجرز، وبذلك أصبح الوضع أفضل كثيراً مما كان عليه بالأمس.
وبحلول المساء جلست مع ميتكالف لاحصاء احداث اليوم، ثم طلب مني عمل خطة اليوم التالي، وبالفعل قمت بوضع الخطة ثم ذهبت إلى مكتبه وأعطيته الخطة، وقلت له عما حدث ظهر اليوم بخصوص طائرات الهليوكبتر، ثم اضفت إنه يسعدني كثيراً أن أدير لك المعركة الأرضية ولكن أود الحصول على بعض السلطة لتنفيذ المهام.
وهنا قال ميتكالف بهدوء: استطيع أن أفعل ذلك، ثم جمع كل كبار الضباط وقال لهم من الآن فصاعداً تم تعيين شوارتسكوف نائبا لي من هذه العملية وسوف يكون القائد الثاني في حالة غيابي، وعندما يصدر أوامره يجب على الجميع إطاعتها، وأنا سعيد لوجوده معنا في هذه العملية.
وفي الصباح التالي استطاع جنود البحرية أحكام السيطرة على العاصمة وفي ظهر نفس اليوم ذهبت مع ميتكالف إلى بوينت سالين لزيارة مركز القيادة هناك، وبينما نحن هنا وصلت رسالة من رئاسة الأركان تخبرنا بضرورة الاستيلاء على معسكرات كاليفجني قبل نهاية اليوم.
من المعروف أن كاليفيجن تعتبر حامية عسكرية تقع على الجزيرة وتحديداً على بعد 5 أميال من القاعدة الجوية. وحسب تقارير المخابرات الأمريكية تعد المدينة مركزاً لتدريب الإرهابيين الكوبيين.
ورداً على ذلك أرسلنا رسالة إلى القيادة الاطلنطية تفيد بأن القوات 82 المحمولة جواً في طريقها الآن إلى كاليفجني وسوف تسيطر عليها في نهاية الغد. ولكن القيادة الاطلنطية ردت بحدة وأمرت بالسيطرة عليها مساء اليوم.
وبالفعل امرنا بالهجوم الجوي على المدينة لتدمير معسكرات كاليفيجني واستمر القصف الجوي لمدة ساعة كاملة بالطائرات والمدافع البحرية وفي تمام الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والأربعين دخلت كتيبة الرينجرز ـ لقد كانت عملية غزو كاليفيجني كارثة حيث تم تدمير طائرت هليوكبتر وحدث نوع من الفوضى وبعض الخسائر ـ وفي النهاية بعد دخول كاليفجني لم نجد فيها فرداً واحداً حيث هجرها الجميع ولم يبق فيها سوى الاشباح التي كنا نطاردها.
وعندما عودني إلى مقر القيادة شاهدت الجرحى وقد كان منظراً مؤلماً جداً لإعداد الجرحى ونوعية جروحهم البشعة ـ لقد كنت غاضباً عند عودتي للمقر الخاص بي وخاصة عندما رأيت الموتى من جنودنا الشباب الصغار السن. خاصة وانه لم يكن هناك أي دافع للهجوم على كاليفيجني التي لم يوجد بها شيء سوى الاشباح وهؤلاء الموتى من جنودنا، وكنت اتساءل من هو إبن الحرام الذي طلب منا ضرورة الاسراع في تدمير كاليفجني.
وفي اليوم التالي وصل جنودنا إلى العاصمة حيث خرجت الجماهير للترحيب بنا.
ولقد تبين أن موريس بيشوب رئيس الوزراء الذي تم خلعه قد اختفى واعتقد البعض انه قُتل مع بعض أفراد حكومته. اما بخصوص سجن ريتشموند فقد وجد مفتوحاً وخالياً من المسجونين.
بعد ذلك قمنا بالقبض على الكوبيين وأرسلناهم إلى بلدهم. وفي صباح اليوم ذهب الادميرال ميتكالف إلى بربادوس لكي يقابل أعضاء منظمة دول شرق الكاربيين ـ وفي ظهر نفس اليوم حضر إلى رئيس الاركان وضابط عمليات وقد بدا عليهما القلق ـ وقالا: ان البحرية كانت تتابع إحدى السفن الكوبية التي كانت على مقربة من العاصمة وتحديداً ميناء القديس جورج في بداية القتال وذلك لجمع المعلومات ولكن بعد ذلك اقلعت في طريقها إلى ترينيداد.
لقد كان آخر الأوامر التي أصدرها ميتكالف هو عدم متابعة السفينة الكوبية في حالة خروجها إلى ترينيداد. ولكن ميناء أسبانيا بترينيداد رفض دخولها وهي الآن في عرض البحر في طريقها لمكان آخر، فهل تريد منا متابعتها.
لقد كانوا يعلمون انني لا اعرف شيئاً عن مثل هذه الاشياء وانما ارادوا أن يضعوني في خطأ لمجرد أن ميتكالف وضعني في منصب نائب القائد العام، ولذلك على اتخاذ قرار في هذا الشأن ـ وعلى الفور فهمت خطتهم ومن ثم قلت لهم: في مثل هذه الظروف ماذا يفعل القادة الذين يعملون تحت رئاستي، ولكن لحسن الحظ أن ميناء ترينيداد سمح للسفينة الكوبية بدخول الميناء.
بعد انتهاء ميتكالف من اجتماعه مع منظمة دول شرق الكاربيين قام بعقد مؤتمر صحفي ولكن الصحفيين كانوا متشددين من أسئلتهم وذلك لأننا لم نسمح لهم بالدخول إلى جرينادا في اليومين الأولين، ولكن بعد ذلك سمحنا للصحفيين ولم يدخل سوى عدد قليل منهم.
وفيما يتعلق بالصحفيين، فاذكر انه في اليوم التالي للغزو فوجئت بصحفيين يدخلون احدى طائرات الهليوكبتر بملابسهم المدنية وعندما رأيتهم وتبين لي أنهم صحفيون أمرت بإخراجهم من الطائرة وقلت لهم أن يتركوا ميدان القتال خشية أن تفرض ارواحهم للاذى، وقد تم ابعادهم بالفعل ووضعوا في أحد المكاتب بعيداً عن القتال وقد استمروا طوال اليوم يأكلون الحلوى ويشربون القهوة، ولكن ما حدث بعد ذلك ان كتبت الصحف أننا قبضنا على صحفيين وقمنا بحبسهم حتى ينتهى القتال.
أيضاً حادثة أخرى ومن غريبة بعض الشيء حيث اننا في اليوم الثاني اكتشفنا أن هناك قاربا يتجه بسرعة إلى ميناء القديس جورج وقد تابعت البحرية القارب وأخبرت الادميرال متيكالف بذلك وهذا أعطى ميتكالف أوامره باطلاق طلقة تحذير إلى القارب فإذا رجع فليترك في سلام وإذا أصر على الاستمرار فليتم تدميره ـ كان الخوف هو أن يكون هذا القارب خاصاً بكوبا وذلك لإنقاذ هودسن أو ستن، وبالفعل رجع القارب. بعد ذلك تبين أن القارب كان يحمل الصحفيين إلى العاصمة وذلك لمتابعة الاحداث هناك.
في يوم الأربعاء الثاني من نوفمبر اعلن الادميرال ميتكالف عن وقف اطلاق النار وانتهاء العداء هناك. وفي اليوم التالي ذهبنا إلى بربادوس ومنه إلى نورفوك.. وهناك قوبلنا بالهتافات في المطار وعزفت الموسيقى التحية و التهنئة لنا. ثم صافحت ميتكالف وودعته ثم أخذتني الطائرة إلى فرقتي.
وعندما هبطت الطائرة في مطار قلعة ستيورت، شعرت بالذهول عندما وجدت ازدحاماً شديداً ينتظرني هناك ويحمل الاعلام تحية لي ومن خلال هذا الزحام شاهدت زوجتي وأولادي وكانت الموسيقى العسكرية للفرقة 24 الميكانيكية تعزف، ومن فرط البهجة كانت تغلبني الدموع ـ فهذه أول مرة يحدث ذلك على الرغم من أنني اشتركت في حربين قبل ذلك... لقد شعرت أنني أساوي أكثر من مليون دولار.
لقد كان انطباعي حول عملية الغزو مختلفا جدا، فعلى الرغم من أنني كنت فخوراً جداً لأننا انهينا العمل الذي طلبنا القيام بتأديته على خير وجه ثم اسعدنا الشعب الأمريكي على الأقل من وجهة نظري حيث خرج العديد من الناس لتحيتنا ـ إلاّ إننا في نفس الوقت خسرنا العديد من الأرواح كنا في حاجة إليهم.
لقد كانت هناك بعض المشاكل والعقبات التي واجهتنا وخاصة التي واجهتني أنا، ولقد كتبت تفصيلا كل ذلك في التقرير الخاص بي حول عملية غزو جرينادا مثلما فعلنا قبل ذلك في حرب فيتنام.
بالعودة إلى فرقتي ـ فقد أرسلنا اثنين من الكتائب إلى المركز القومي للتدريب في يناير. كنت أعرف تماما أنه كلما زاد عدد الكتائب التي ترسل للتدريب في المركز القومي للتدريب كان ذلك افضل كثيراً لنا، فبدلاً من أن نحصل على شخص أو اثنين في مستوى عال في التدريب العادي فإننا من خلال التدريب في المركز القومي للتدريب نحصل على أعداد أكثر وهكذا.
أنا دائماً أعرف ان الاهتمام بعائلات الجنود يعد من الأشياء الصعبة والهامة في نفس الوقت حيث أن ذلك يعد من العادات الهامة وخاصة ما يتعلق بتوسيع المنزل للزوجات وذلك فيما يتعلق بالمؤهلات والملابس وغيرها. كما وضعنا برامج خاصة بالصليب الأحمر ثم التدريب على الظروف الطارئة وعلى الغارات.
اضافة إلى ما سبق أعلنت أن الثالث من أغسطس عام 1984 هو يوم العائلة وقد جعلنا هذا اليوم اجازة للعساكر وذلك بالنسبة للأسر التي تحضر إلى المعسكر.
كما كان لدينا العديد من الالعاب والبرامج، وركوب الخيل والمسابقات بأنواعها ووضعنا الجوائز الجدية لها.
ومع ذلك فقد كان هناك العديد من القادة غير المقنعين بمثل هذه الأنشطة وكانوا يعتبرونها غير مألوفة وغريبة عن سلوك الجيش ولذلك فقد طلبت من كل قائد مسؤولاً عن بعض الأشياء بالإضافة إلى وحدته، مثل هذا القائد مسؤول عن كرة القدم للاطفال والآخر عن الكشافة وهكذا... وقد تبين أن هناك من كان سعيدا ًبذلك والآخر غير سعيد بذلك.
إن اهتمامي بالجنود لم يكن يحوز رضاء المحيطين بالمنطقة، فبينما الفرقة كانت لها علاقات جيدة مع مدن جلينفيل وكلاكستون فإن الأفراد الذين يحكمون هينفيل كانوا يعتقدون ان قلعة ستيورت وجدت في هذا المكان فقط لتجعلهم أغنياء.
واذكر أنني احضرت إلى قلعة ستيورت محلات خاصة ببيع مأكولات الهامبورجر ويعد الأول من نوعه في أي قاعدة عسكرية ولقد تم افتتاح هذه المطاعم في أبريل عام 1985 وكان دائم الحركة والاقبال عليه كبير من الجنود ـ ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فلقد وصلت الأنباء إلى الكونجرس عن طريق الصحافة التي كتبت ان الجيش ينافس المدنيين في أعمالهم ومن ثم قام أعضاء مجلس الشيوخ بالتباحث في الأمر.
والآن وبعد انقضاء 24 شهراً بدأت أشعر بالأسى لكل يوم يمر، خاصة وأنني لا أريد أن أترك الخدمة بالجيش، فالعديد من الجنرالات تركوا الخدمة بمجرد إنتهاء مدة خدمتهم. والمعروف انه اذا أراد أي فرد الاستمرار في القيادة فإن ذلك يتطلب مجهوداً شاقاً للاستمرار خاصة وان الجانب المادي غير متوافر للاستمرار. فعلى سبيل المثال رتبة مثل رتبتي قضت 29 عاماً خدمة في الجيش فإن راتبه السنوي يصل إلى 68700 دولار مثل الاعمال الحكومية، وبالتالي ليس من المهم عدد النجوم التي نحصل عليها لأن الراتب سيظل كما هو ـ وبمجرد التقاعد عن العمل فإن راتبي السنوي يصل إلى 75 % من هذا الراتب السابق ـ أما في حالة استمراري في العمل فإن التعويض الذي سأحصل عليه هو إضافة 18 ألف دولار في العام إلى راتبي الأصلي بالإضافة إلى حصولي على منزل بدون مقابل.
لقد كانت خطته هي العمل لفترة أخرى، ويلاحظ أن ذلك لم يكن بالسهل حيث يتقدم إلى مد فترة العمل منافسون آخرون.
لقد جرى العرف أن قادة الفرقة يحصلون على عملهم اثناء حضورهم مؤتمر القادة بواشنطن في الربيع والذي يستمر لمدة يومين ـ وبالفعل حضرت هذا المؤتمر في ابريل عام 1986 وفي أول مساء دعانا الجنرال ويكمان حميعال إلى جناحه الخاص للعشاء وقال لي: أريد أن أخبرك بماذا ستكون مهمتك القادمة وأجبته: شكراً يا سيدي.
فقال سوف أضعك نائب مساعد رئيس الاركان للافراد ـ وهنا شعرت أن أسناني سوف تسقط من فمي خاصة وأن هذا العمل عرض علّي منذ عامين.
فقلت له: نعم يا سيدي (كانت أجبت بصعوبة) وأضفت: أنت تعرف أن هذا العمل عرض علّي من قبل أن أصبح قائد فرقة.
فاجاب: نعم، سوف اشرح لك. أضاف: أن هدفي هو جعلك نائب لرئيس الاركان ولكن ليس الآن لأن هذا المنصب مشغول وسيظل لمدة عام.
في نفس المساء علمت أن ويكمان قام بترقية ثلاثة من زملائي لرتبة أعلى.
وفي هذا المساء عدت إلى قلعة سيتورت وأشعر كما لو أنني طعنت بسكين في أمعائي، وقد قلت ذلك لزوجتي.
وفي صباح يوم الجمعة في شهر يونيو حضرت حفل ترك الخدمة للفرقة الرابعة والعشرين الميكانيكية.
وبعد ثلاثة ايام وبينما نحن في واشنطن وصلت إليّ برقية استدعاء سريع ـ كان لدي شعور أكيد أن لدورة أخرى قد تغير وذلك بفضل صديقي القديم كارل فونو الذي تم تعينيه نائب رئيس اركان الجيش للعمليات والخطط وهو عمل على جانب كبير من الأهمية. لقد أراد فونو أن أكون مساعده ـ لقد كانت هذه هي الأخبار الجيدة التي حصلت عليها، بينما الاخبار غير رالجيدة هي ان هذا العمل يستهلك الوقت كله، وبالتالي قلت لزوجتي بريندا ـ اتمنى أن أراك في عطلة نهاية الاسبوع.
لقد كان فونو مسؤولا عن أعمال ضخمة وعديدة، فعليه أن يتابع كل نوع العمليات الموكلة للجيش وذلك بمتابعة يوم بيوم لكافة الأنشطة في كل أنحاء العام ثم يقوم بكتابة التقارير الخاصة بذلك واعداد الخطط الخاصة بذلك ثم النظرة المستقبلية إلى الاسلحة والهيئات الخاصة بذلك. كما انه في نفس الوقت كان نائب الرئيس للجنرال ويكمان لرئاسة الاركان المشتركة وهو عمل كان يجعله دائماً مشغولاً مما جعله يوكل إليَّ العديد من الاعمال لأقوم بأدائها. وبالاضافة إلى تلك الاعمال الموكلة إلى وهي مراقبة الانشطة اليومية للعمليات كنت اقوم أيضاً بالمقابلات الخاصة بإدارة الدفاع الرسمية والكونجرس والمؤتمرات الدفاعية العادية و المعروض للجيوش الاجنبية، ثم المقابلات الخاصة بسياسة قوات الاحتياط، ثم الظهور في المناقشات وزيارات قادة الجيوش الاجنبية وهكذا.
ولكن الأهم من ذلك كله هو إعطائي عمل القيام بوضع الخطة السنوية ووضع الميزانية ل 73 مليون دولار للجيش.
لقد كان فونو يعلم بمقدرتي وخبرتي في مثل هذه الاعمال ومن ثم كان الاختيار موفقاً.
إن اجراءات وضع الميزانية تبدأ كل خريف عندما يجتمع كل من مديري البرامج وابحاث التنمية والتدريب والحرس القومي وهكذا وذلك لمراجعة خطة الانفاق لبرنامج الخمس سنوات.
فبينما كنت أجلس في الخلف عندما كنت ضابطاً صغيراً أجدني الآن ألعب دوراً رئيسياً في هذه المناقشات الخاصة بالتحليل والتقييم للخطة. كما أني اشترك في الاجتماعات التي من خلالها يتحدد وضع القرارات الهامة في هذا المجال وخاصة في الحصول على المعدات والاسلحة اللازمة. خاصة وأننا بدأنا في تحديث أسلحتنا باستخدام الالكترونيات الأكثر تطوراً في كافة مجالات القوات المسلحة أنا وفونو كنا مختلفين في الطريقة والتعامل من حيث العمل فبينما أتميز بأنني أقول ما بداخلي مباشره دون مواربة فإن فونو كان دبلوماسياً ويعرف كيف يكسب من أمامه ومن هذا المنطلق كنا ننجز الأعمال على كافة أنواعها خاصة وان فونو كان يعلم جيداً أنني مخلص له وللعمل.
ونظراً لضيق الوقت والانشغال الدائم فلم أجد الوقت حتى لاولادي أو للزيارات العائلية، فقد كنت مشغولاً طوال الوقت.
وبحلول الربيع وبداية الانتقالات في العمل علمت أن هناك احتمالاً لأن أقوم بالعمل مع الجنرال وبكمان الذي بدأت علاقتي معه فاتره، ولكني بعد طول البحث والمناقشة مع زوجتي قررت أن اترك العمل في الجيش واتجه للعمل المدني. ولكن قبل أن يحدث شيئ من ذلك فوجئت بأن ويكهام يعرض علّي قيادة السلاح الأول في قلعة لويس بواشنطن ولم أكن أصدق ذلك ـ فهذا يعني عودتي مرة أخرى لقيادة القوات في جزء من البلاد أعشق العمل فيه.
لقد كان السلاح الاول مسؤلاً عن ثلاث فرق وهي.
الفرقة السابعة مشاة الموجودة في قلعة أورد الواقعة على مضيق مونتري بولاية كاليفورنيا، والفرقة التاسعة مشاة الواقعة في قلعة لويس، ثم الفرقة السادسة مشاة وقبل تعييني في هذا المنصب كان علّي أن أجري مقابلة مع كاسبر واينبرجر وزير الدفاع الأمريكي الذي كان يمثل شخص الرئيس ريجان. وبعد عشر دقائق من المقابلة ابتسم وقال انت أهل لهذا العمل.
في أوائل يونيو قامت برندا بوضع الحقائب في سيارتي وذهبنا انا وبرندا وكريستيان إلى الشمال الغربي للباسفيك، وقد تركنا خلفنا سيندي وجيسكا مع اصدقائنا لانهما كانتا تدرسان في المدرسة.
لقد كنت مسؤلاً عن 70 ألف جندي عامل وحوالي 80 ألفاً من الاحتياط، وهو أكبر عدد ممكن من الجنود من الجيش، بالإضافة إلى ذلك كنت مسؤلاً عن جميع تجهيزات قلعة لويس التي تشتمل على مركز طبي للجيش ومجموعة القوات الخاصة الأولى وكتيبة الربنجر للدبابات وقوات مساعدة أخرى علاوة على الفرقة التاسعة ثم مركز القيادة التابع لي. وجميع أفراد القاعدة يبلغ عددهم 75 ألف جندي وتقدر تكاليفهم السنوية بحوالي 140 مليون دولار.
وفي ربيع عام 1987 ارسل مركز القيادة بعض الوحدات العاملة والاحتياط للاشتراك في التدريبات العسكرية والتشكيلات العسكرية، ولقد كان الشخص المسؤول معي صديقا قديماً هو الجنرال بيل ليفيسي.
ولم يمض عليّ في قلعة لويس عام حتى وصلتني الأوامر بالعودة إلى واشنطن حيث تبين أن هناك حركة تنقلات في البنتاجون فقد اعلن أن ويكهام سوف يتقاعد وأن كارل فونو سوف يحل محله كرئيس الأركان للجيش.
وعلى الرغم من ذلك فإن مجرد فكرة الرجوع إلى البنتاجون كانت غير محببة بالنسبة لي.
ونظراً لأنني ابلغ من العمر الآن 52 عاماً فهذا يعني أنني خدمت بالجيش لمدة 30 عاماً وفي هذه الحالة نجد أن معظم الجنرالات تتقاعد وعليه فقد وجدت انه اذا افترض وطلب مني التقاعد فسوف أكون سعيداً وذلك حتى ابدأ حياتي المدنية، وربما أفكر في العيش في ولاية أورجون أو واشنطن.