بينما نحن وقوف ننتظر المصير، وبعد ان راح الحراس يجمعون الأوراق من الواقفين (المتهمين) اذا بطابور طويل من عمال المطاعم، يدخلون الصالون الكبير يحملون «صواني» مرصوصا عليها اوان تحتوي على اصناف مختلفة من الاطعمة، يبلغ عددهم عشرة يسير الواحد وراء الآخر بنظام، توزعوا على الغرف الموجودة في الصالة ومر بعضهم من امامي، كان يحمل اطباق الدجاج.. والقوزي والسمك والرز وانواع المرق والسلطات وكل ما لذ وطاب.

تذكرت السفاح

قفزت الى ذهني قصة الخليفة العباسي الاول (السفاح) مع بقايا بني امية، حينما دعاهم الى وليمة، بعد ان اعطاهم الامان والاطمئنان وبعد ان استقر بهم المقام، انتظارا للطعام، امر السيافين ان يقطعوا رقابهم، ثم مد السماط على جثثهم، وجلس هو واصحابه يأكلون، والاجساد من تحتهم تترجرج، وتتماوج، تذكرت هذه الحادثة التي حدثنا عنها التاريخ وأخذ السفاح لقبه منها، ورحت اقارن بين الحالين فما هو الفرق؟ هناك سفاح جلس على اجساد ضحاياه يأكل طعامه، وهنا في هذا القصر يجلسون على اجساد ضحاياهم يأكلون طعامهم، ولكن الاجساد التي جزروها مجندلة في الحديقة ينظرون اليها ويأكلون، هذا ما جرى في العراق قديما وما يجري فيه اليوم.

كان الراديو يذيع بأعلى صوته خطاب احمد حسن البكر في مظاهرة يبدو انها اتجهت الى القصر الجمهوري مستنكرة المؤامرة، كان البكر يهدد ويتوعد، والهتافات تدوي وتصرخ وتطالب بالدم والانتقام، وتذكرت عبدالكريم قاسم «وهوسة» اخواننا الشيوعيين المشهورة «اعدم - اعدم لتكول ما عندي وكت اعدم.. اعدم». فضحكت وقلت ايضا، ما اشبه الليلة بالبارحة فلماذا لا نقرأ التاريخ، وان قرأناه لا نتعظ منه، بدلا من ان نضحك عليه كما نضحك عليه الآن، نظرت الى يساري فرأيت ضابطا لم اره من قبل يرتدي ملابس الميدان، برتبة عقيد ركن، يقف وكأنه متهم ويبدو انه قد جيء به قبل قليل، فنظرت اليه جيدا فإذا به العقيد الركن كمال عبود وقد سبق لي ان تعرفت عليه مع العقيد محمد سعيد الراوي. تنبه لوجودي ونظر نحوي، ولكنه تجاهلني، فتجاهلته انا بدوري، فالموقف لا يحتمل التعارف او الكلام، واثار انتباهي انه انكب على ورقة كانت بيده راح يكتب فيها، وبعد لحظات جاءه ثلاثة اشخاص ووقفوا معه، فأخذ يقرأ عليهم بعض فقرات مما كتب بصوت خافت مشيرا الى ارقام وتواريخ كان قد كتبها في الورقة، وسمعته يقول بعد ان انهى القراءة انه سبق ان ارسل برقية الى الرئىس احمد حسن البكر، وكرر اسمه اكثر من مرة، ثم اشار بالقلم تحت رقم وتاريخ معين. كان يتكلم مع الثلاثة بكل اطمئنان وثقة، ثم أخذوا الورقة منه ودخلوا إلى غرفة طه الجزراوي، وبقي يسترق النظر نحوي متسائلا مع نفسه عن سر وجودي هنا في هذا المكان، وبعد دقائق عاد الأشخاص الثلاثة إلى كمال عبود وكانت أساريرهم منفرجة، فقد أمنوا على قوله، وعلى كل ما جاء في الورقة التي كتبها، وقالوا له بصوت سمعته «كل ما ذكرت صحيح»، فانفرجت أساريره فرحا ثم التفتوا اليه وقالوا له «تفضل روح» فوضع سدارته على رأسه، وانسحب من بيننا، وساروا معه إلى خارج القاعة ثم صافحهم قبل أن ينزل من السلالم، وتقله سيارة إلى عالم الأحياء، وعدت الى نفسي والى هؤلاء المتاعيس ننتظر التصرف بمصيرنا.

أتعرف هذا؟

وبينما نحن وقوف إذ بشابين فتيين يقفان بجانبي، ولا يحملان سلاحا، قال احدهما يسأل صاحبه مشيرا بيده نحوي «أتعرف هذا؟» فأجابه صاحبه «نعم أعرفه هذا فلان الفلاني»، فقال له ثانية «هذا متآمر لأنه وزير..» فيجيبه صاحبه «هو وزير عدل.. مو؟» فيجيبه «لا وزير عمل..» انتهى حوارهما ثم مرا من جانبي يتضاحكان وانصرفا. طالت وقفتنا، وكلما مر الزمن، كبر الأمل مقرونا بالقلق.. لا شك ان المحكمة مشغولة بقراءة الأوراق، والاعترافات، تتفحصها، وتستعرض أصحابها.. ولكن لم هذا التطويل، ألم تكن العقوبة مقررة مسبقا لكل واحد منا؟، ورحت أتململ، كنت متعجلا ان أعرف مصيري حيا أو ميتا حتى أستريح، ولم يطل تململي فها هو شاب طويل نحيف مقبل نحوي من وسط القاعة، انه يقصدني.. رباه جاء رسول الموت، وقف الشاب بجانبي ثم سأل:

> أنت فلان الفلاني؟
ـ نعم.
> ماذا كنت تفعل أمس من الصباح حتى المساء؟
ـ صباحا كنت في المحاكم ثم خرجت منها ومررت ببعض الأصدقاء وعدت ظهرا الى داري، وخرجت منها عصرا مع ابني الصغير الى عيادة الدكتور.. ومعي زوجتي ثم عدت الى الدار، ومساء زرت صديقا في داره.
> ما اسم هذا الشخص الذي زرته مساء وأين يسكن؟
ـ انه الأستاذ غالب العلوش ويسكن في المنصور.
> ألم تر العميد عبدالهادي الراوي؟
ـ لم أره أمس.
> أشكد صار لك ما شفته؟ كم من الزمن وأنت لم تره؟
ـ أكثر من ستة أشهر.
> شنو علاقتك بعبدالهادي الراوي؟
- كنت محاميه في قضية.
> بس؟ (فقط؟).
- نعم اعرفه لانه رجل معروف باتجاهه القومي وهو صديق.
> هل شفته امس.. ترا احنه كنا مراقبينك البارحة؟
- اني لم اره امس وكما قلت لك رأيته منذ ستة اشهر عندما افرج عنه وخرج من السجن.
> لعد وين كنت امس بالليل.. ما رحت عنده بالمنصور؟
- لم اذهب اليه بدليل انني اخذت من دار صديقي غالب العلوش، وان سيارتي لم تزل واقفة بباب داره للآن.
من براثن الموت

كان يسجل كل كلمة اقولها في ورقة كان يحملها معه، ثم تركني وعاد من حيث اتى ودخل الى غرفة جانبية واعدت مع نفسي كل الاسئلة التي وجهها لي وانشغل بالي بالعميد عبدالهادي الراوي اذ اعتقدت انه موقوف وانه الآن في مكان ما في قصر النهاية، وان هذا التحقيق معي حوله يؤكد اعتقاله ورحت اردد «ربنا معك يا ابو زيد» ومرت دقائق واذا بالشاب الذي استجوبني يقبل من بعيد متجها نحوي ويحمل بيده اوراقا واشياء اخرى لم اتبينها، وعندما وصل قال لي: «هذه الاشياء مالتك؟» نظرت اليها فاذا بها هويتي، واوراقي التي اخذت مني بالامس، عند تفتيشي فقلت له «نعم مالتي» فقال تفضل خذها، فأخذتها منه ووضعتها في جيبي ثم اشار الى الحارس الواقف بجانبي وقال له هذا يطلع، خلي يركبوه سيارة توصله للشارع، ثم التفت لي قائلا تفضل استاذ روح وياه، ندت من شفتي كلمة الجلالة «الله لك الحمد يارب العالمين ورب المظلومين»، اخيرا وهبت لي الحياة بعد ان كانت معلقة بشفتي هذا الشاب او غيره، ولم اصدق انني اصبحت حرا وطليقا وسأخرج من قصر النهاية امشي على رجلي، كما دخلت.. انها العناية الالهية قد لطفت بي، وانتزعتني انتزاعا من براثن الموت قبل ان يبتلعني، هل صحيح ما سمعت، هل انا في حلم ام في يقظة؟ وتساءلت ومصير هؤلاء الواقفين؟ ترى هل علموا باطلاق سراحي وانني طليق؟ وحانت مني التفاتة الى راهي الواقف بجانبي مشدوها لم يفهم ما دار بيني وبين الشاب، او لم يسمع انه يعيش في حالة، وذهب الشاب وتقدم مني الحارس قائلا تفضل استاذ وسار امامي، وسرت وراءه اخطو نحو الحياة نحو الحرية، حرصت وانا في طريقي الى الخروج ان القي نظرة اخيرة على زملائي نزلاء الزنزانات الواقفين ووجوههم نحو الحائط انتظاراً للمصير، رآني راهي اسير نحو الباب فلم يتمالك نفسه وصاح «وآني.. وآني أغاتي» الله كم هو نداء مؤلم ماذا استطيع ان اصنع له أو لغيره وماذا كنت استطيع ان اصنع لنفسي، ما هي الا مشيئة الله، وارادة الله، والتفت نحوه واذا بوجهه اصفر شاحب، وقد رفع يديه مستنجداً بي فابتسمت له مشجعاً وانا اقول، الله يفك اسرك، ويخلصك مما أنت فيه فادعوه عله سبحانه ان يجعل لك ولهؤلاء مخرجا من حيث لا تحتسبون، وخرجت من باب القاعة، وبدأت انزل السلالم واذ بالشباب الذين على السلم يقفون ويقولون «ها أستاذ براءة؟ تهانينا» فأجبتهم «شكرا.. شكرا» ولم أزد، وكررت في سري كلمة براءة نعم براءة، ان اجلي لم يحن بعد، ولو اردتم قتلي لقتلتموني رغم براءتي.. كما قتلتم غيري من الابرياء، ووقفت امام حديقة الموت، وأجلتُ النظر فيها، وأمر الحارس احد الشبان المسلحين قائلا له «توصل الاستاذ للشارع وترجع» فركض هذا الى مرآب فيه العديد من السيارات وجاء بسيارة مرسيدس وفتح الحارس الباب الامامي وقال لي «تفضل» فصعدت بين مصدق ومكذب، ها انا في السيارة، ان السيارة تسير، وتلف حول حديقة الموت، القيت اخر نظرة عليها كانت خالية من الجثث فقد رُفعت وأرسلت الى مثواها الاخير انا الآن في طريقي الى الحرية الى عائلتي وأهلي، وتخرج السيارة من باب قصر النهاية، القصر المرعب، قصر الموت، وتصل السيارة الى شارع جسر الخر، وتختلط مع السيارات، وارى الحياة، ان الناس من حولي يختلفون عن اولئك الناس حكام قصر النهاية فهؤلاء الناس الذين يمشون في الشارع بشر، أما أولئك المتحكمون في قصر النهاية فليسوا من البشر وهؤلاء الناس في الشارع لا يعرفون ما يجري ويدور خلف اسوار ذلك القصر الذي يبعد امتاراً عنهم.

ايها الناس .. تيقظوا

عجبت لأمر هؤلاء الناس، ألم يسمعوا بأمر عشرات القتلى من الابرياء الذين اعدموا في بحر يوم او بعض يوم، ما يعنيهم اذاً؟ بم هم مشغولون؟ وراودتني رغبة بأن اصيح بأعلى صوتي «يا ايها الناس تيقظوا كفى نوماً، وسباتاً ايها الناس، افعلوا شيئاً ضد الظلم والطغيان. ايها الناس انا خارج الآن من قصر النهاية وتركت هناك اناساً ابرياء يواجهون الموت»، وشعرت بحاجتي الى البكاء، كيف ابكي، والناس من حولي، فماذا تقول عني: امجنون هذا يحدث نفسه ويبكي؟ لم اشعر الا وسيارة تقف غير بعيد ةعني، ويترجل منها رجل يقترب مني ويلوح بيده ويصيح «ها ابو غسان شو واكف هنا؟» انتبهت من شرودي فإذا به الاخ الصديق موسى صبار المحامي كان في طريقه الى النجف، لمحني واقفاً على الرصيف، اجبته «ماكو شي ابو عمران آني انتظر تكسي»، وكأن جوابي لم يقنعه، فمنظري، وشكلي يساعدان على ذلك، فالشعر منكوش كما طال شعر اللحية، فسأل ثانية «انت متأكد متريد شيء مساعدة؟»، فأجبته بابتسامة «شكراً ابو عمران تفضل روح هسه يجي تكسي واركب»، فسلم ثم ذهب في حال سبيله، ونزلت من الرصيف وبدأت امشي في الشارع انتظر سيارة تقلني الى البيت وتحملني الى الاهل الذين ينتظرون عودتي حياً او ميتاً، كان الوقت بعد الغروب بقليل ورحت افكر وانا في طريقي الى البيت ترى كيف ادخل على اهلي؟ هل افاجئهم بدخولي؟ ان المفاجأة قد تقضي على والدتي، فهي مريضة، هل اكلمهم تلفونياً من الشارع تمهيداً لدخولي عليهم حتى تذهب المفاجأة بردودها ومضاعفاتها؟! وأفقت على صوت السائق يسأل «اي شارع في الصليخ.. استاذ.. احنه بالصليخ» نظرت فإذا بي بالقرب من الدار، فأشرت عليه بالوقوف نزلت اتمشى، وجدت باب الحديقة مفتوحاً، دخلت دون ان يشعر بي احد واتجهت الى الباب الداخلي، فلمحتني ابنة اختي (ابتسام) فصاحت خالي.. خالي.. بأعلى صوتها بفرح واندهاش، واذا بالجميع يهرعون نحوي متسابقين، هذا يقبلني من وجهي، ومن رأسي، ومن صدري، وانا مذهول، وكأني مخدر، وانظر في وجوههم افتش عن امي، واذا بها مقبلة بمشيتها الثقيلة تحمل في يدها القرآن ورفعت يديها الى السماء، وراحت تدعو، ولم اتمالك نفسي، فارتميت على صدرها، واختلطت دموعنا، وعلا نحيبها، وبكى لبكائها الجميع، كان الله في عون الامهات الثكالى، واستقبلني ابن خالي ابو احسان، ولم يصدق عينيه فأخذ يقفز من الفرح، رغم ضخامة حجمه وثقل وزنه، فوقع على الصوبة (المدفأة) فانكسرت، وجرحت رجله، لقد انساه الفرح ألم الجرح، واخذ يلطم على رأسه دون شعور، وراح الجميع بين بكاء وضحك، وتهاويت على المقعد وبدأت اتفحص الوجوه، انها شاحبة لم تعرف النوم والراحة، والتف حولي اطفالي الاربعة اتحسس وجوههم وامسح على رؤوسهم كأنهم يتامى، كانوا قبل ساعة كذلك، وها هو ابوهم معهم وبينهم، وانهارت قواي من الضعف والتعب، فقد كنت متماسكاً وانا في قصر النهاية، اما هنا وانا بين اهلي ووسط عائلتي فقد تهاوت قواي مأخوذاً بالجو العاطفي، فقد اثر بي غاية الاثر، كنت شارداً مشغول البال عند اولئك الذين تركتهم في قصر النهاية، طلبت راديو لأسمع اخبارهم.. ماذا سيذيع عنهم، وكان يبث موسيقى عسكرية انتظاراً لما يرده من اخبار من قصر النهاية، وتوقف بث الموسيقى، فأصخت السمع، والكل معي حتى الاطفال هبط عليهم سكون عجيب كأنهم يستشعرون خطورة الامر، وطلع المذيع ليعلن عن وجبة جديدة تم اعدامها الآن، وراح يعدد الاسماء، ونطق باسم المرحوم راهي الحاج عبدالواحد سكر وسقط الراديو من يدي، وحزنت اشد الحزن، رحمه الله، ذهبت توسلاته واستعطافاته كلها ادراج الرياح، لا شك عندي ان اعدامه امر «مقرر» سلفاً، هذه ارادة الحزب، تخويفاً لكل القبائل والعشائر، وتذكيراً بالمصير نفسه، وكأني اسمع صوت حارس الزنزانات يعلن بصوته الكريه «وهذه وجبة اخرى من الخونة الى مزبلة التاريخ» ويعقبها بقهقهة عالية، فارتجفت، واقشعر بدني، فرحت واقفاً كالملسوع، وصاحت اختي ام احسان «ها اشبيك ابو سها؟» نظرت اليها دون جواب، بماذا اجيبها؟

اربع وعشرون ساعة نحر فيها سبع وخمسون ذبيحة، لم اشك ان كل من جيء به الى قصر النهاية كان أمر اعدامه معدا سلفا، وان لم يعدم بعضهم، فإن ظروفا جدت، واعتبارات حالت، دون تنفيذ الاعدام، وانا واحد ممن خدمته الظروف والاعتبارات فأطلق سراحي، وان حديث الشاب الذي اشار الى راهي في تلك الليلة (ونحن متجهون الى الزنزانات) دليل اكيد على ان اعدام راهي كان مقررا سلفا.. حينما وصفه بالمجرم الاقطاعي.. اقول ان الاعدامات كانت مقررة وما يؤكد ذلك سرعة تنفيذ عمليات الاعدام، حيث كان الفاصل الزمني بين اعدام الوجبة، والاخرى قصيرا، وكأن السلطة في صراع مع الزمن.. قبل ان يفيق العالم على حقيقة ما يجري في العراق، وعلمت ان قيادة حزب البعث كانت مقيمة في قصر النهاية، وحينما تريد ان تتسلى، وتكسر الملل تحضر احد المتهمين، ويوجهون اليه الاهانات، ويتسلون بتعذيبه بأيديهم، ثم يبلغونه انهم سيعدمونه، وهذا ما يتحقق بعد حين، فقد فعلوا مع المرحوم جابر حسن حداد نفس الشيء، اذ احضروه امامهم، وبدأوا يعذبونه بالخناجر، والسكاكين، ويتلذذون بطعنه في اماكن مختلفة من جسمه ويتنافسون على قطع اذنه، او بقر بطنه، وكان الرجل صابرا ويشتمهم، ويقول لهم (إني شهيد، ويشرفني ان شهادتي على ايديكم) الى ان لفظ انفاسه الاخيرة، رحمه الله بين ايدي الزبانية، وقد علمت ان الحزب الشيوعي العراقي، كان قد لام حزب البعث على سرعة تنفيذ الاعدامات، فقد كان يرى (الحزب الشيوعي) ان تتم المحاكمات في الشوارع، والساحات العامة وبمدة زمنية اطول وان ينال المجرمون جزاءهم، بتعليقهم في الساحات العامة.

ويظل سؤال وهو: لماذا لم اعدم انا مع المعدومين؟ وهذا سؤال حرت في الاهتداء الى الجواب الشافي له، كنت اظن قبلا ان الحزب كان يرى ان الوقت لم يحن بعد لقتلي، انتظارا لظرف اكثر ملاءمة، وان اخذي الى قصر النهاية كي اشاهد بعيني الاعدامات هناك، لارهابنا وتخويفنا نحن القوميين.
ولكني علمت بشكل قاطع بعد حين، ان حزب البعث كان ينوي التخلص من جملة القوميين الوحدويين في تلك الليلة بحجة ان هؤلاء القوميين قد تحركوا للتآمر على الحزب والدولة مستغلين انشغال السلطة بمطاردة رؤوس المؤامرة الرجعية ولكن هذه السلطة لم تنجح الا في اعتقالي فقط، في حين توارى الاخرون من القوميين، واختفوا، مدنيين وعسكريين، فأسقط في ايدي السلطة، ولم تعد تستطيع تنفيذ مخطط تصفية القوميين، فلو انها نجحت في اعتقال عدد كاف منهم لبادرت الى اعدامهم دون ابطاء، بتهمة محاولة انقلابية هذا ما كانت قد خططت له قيادة حزب البعث ولكن الاقدار شاءت غير ذلك «وتقدرون فتضحك الاقدار» اذ لم يقع بالمصيدة غيري، واعدامي لوحدي مع زمرة المؤامرة الرجعية غير مبرر، وغير نافع من وجهة نظرهم، فأطلق سراحي انتظارا لتدبير «مؤامرة» قومية مزعومة تنوشني وامثالي، وهذا ما حصل فعلا، اذ حصدت «المؤامرة المزيفة» قيادات قومية وبعثية تخلصوا منها كما هو معروف، وهكذا وجدتني احيا من جديد، حياة احلى ما فيها مر.
وما زالت وقائع، واحداث، وشخوص، قصر النهاية، عالقة بذهني حتى الان.
عذبوا جابر حداد بالسكاكين والـخناجر وقطعوا اذنيه وبقروا بطنه لكنه كان صامدا وشتمهم: اني شهيد ويشرفني ان شهادتي على ايديكم
من أجل ان يحيط القارئ الكريم بكل جوانب الموضوع أسجل الآتي:

1 ـ أعدم زوج سعدية صالح جبر المدعو حسن الخفاف عصر يوم 21/1/1970.
2 ـ جيء بالضابط عبدالوهاب عبدالرحمن الداوود (أخو إبراهيم عبدالرحمن الداوود) آمر الحرس الجمهوري ومنفذ انقلاب 17 يوليو 1968 إلى قصر النهاية عصر يوم 21/1/19970 وأعدم أمامنا في حديقة القصر.
3 ـ حكم على المحامي محسن الدوري بالأشغال الشاقة ولم يعدم.
4 ـ سلمت جثة المرحوم راهي العبدالواحد آل سكر بعد إعدامه صعقا بالتيار الكهربائي، مع التأكيد بعدم وجود أي رجل في تشييعه ودفنه، لذا تولت النساء من آل فتله وغيرها من العشائر تشييع جنازته فدخلت النجف مئات من النسوة متشحات بالسواد ويرتفع صراخهن إلى عنان السماء يحملن جثمان راهي وقمن بدفنه نيابة عن الرجال وحسب رغبة الحكومة وتهديدها.
5 ـ التقيت بعد أيام بالأخ شاكر مدحت السعود في ساحة الغريري في شارع الرشيد عند خروجي من مكتبي وبعد ان تعانقنا اخبرني ان «الجماعة» في قصر النهاية استضافوه الى ساعة متأخرة من الليل وتعرض الى صنوف الاعتداء والاستهزاء والسخرية ثم أطلق سراحه.
6 ـ سافر في 22/1/70 كل من حردان التكريتي (وزير الدفاع) وشقيق الكمالي (وزير الثقافة) إلى بيروت وهناك عقدا مؤتمراً صحفيا لشرح أبعاد «المؤامرة» المزعومة وتم عرض بعض الاسلحة من رشاشات ومسدسات باعتبار انها الادلة الجرمية بعد فشل المؤامرة.. وذلك تطويعا لردود الفعل الكثيرة التي استهجنت عمليات الاعدامات وابعادها وصداها في الداخل والخارج.