السياسة النووية الدولية وأثرها على منطقة الشرق الأوسط

الفصل الثاني عشر

                      حصيلة البحث

السياسة النووية والهيمنة على الشرق الاوسط

 

كانت الحرب العالمية الثانية نقطة تحوّل مهمة للسيطرة على العالم بأجمعه بتحالف الأقوياء لمنع أية حرب عالمية أُخرى. فالحرب العالمية الثانية ليست كَكُلّ الحروب الأُخرى بما فيها الحرب العالمية الأُولى، لكونها اتخذت طابعاً عسكرياً واستخباراتياً وصناعياً وفكرياً وصراعاً من أجل النفوذ مُنْذُ أيامها الأُولى. فعلى الرغم من كون الماضي كان يشكل أقطاباً أساسية ضمن مقياس القوة والتحصين، كانت الحرب العالمية الثانية قَدْ أخذت طابعاً فكرياً عقائدياً عشناه عقوداً طويلة ومازالت تحدياته تخترق المجتمع الدولي ليومنا هذا.

 

لَقَدْ ولد الصراع الفكري ما بين المعسكرين الغربي والشرقي بجميع منظوماته الأساسية الاقتصادية والدولية حربا باردة، تقاسم الاثنان من خلالها مناطق النفوذ من ناحية وصراعاً على مناطق أُخرى من ناحية أُخرى. وكان كُلّ من المعسكرين يبحث في وسائل اختراق الآخر، والتي تسببت في إشعال الحروب خارج منطقتي القطبين. ويعتبر مفهوم إشعال الحروب وتطبيقه في مناطق خارج مناطق المعسكرين المتحاربين ببرودة لإظهار أحدهما قوته للآخر وبالعكس تحولاً لم يعهد إن حدث في السابق أبداً. فعند استعراضنا لصراع الكوريتين، وحرب السويس وحرب فلسطين عام 1967 وحرب اليمن وحرب فلسطين الثانية عام 1973م وحرب أفغانستان وحروب العراق، نلاحظ إن هناك تدخّلاً من كِلا المعسكرين بصورة حثيثة، ولكن كان الاثنان يريدان تلك النزاعات، التي هما من ورائها، إن لا تكون على أرضهما أَو أرض حلفائهم. ولعل الشرق الأوسط بصورة عامة والمنطقة العربية بصورة خاصة كان لها النصيب الأعظم من الحروب والانتهاكات وعدم الاستقرار.

فيا تُرى لماذا المنطقة العربية بالذات؟ ويا تُرى لماذا دول الشرق الأوسط بالذات؟ دائماً تكون وكانت وستكون محل صراعات الدول المتحاربة المالكة للسلاح النووي، أنَّه سؤال يطرح نفسه بكل ما فيه من محاذير أساسية.

لعل العامل الرئيسي الذي يدفع عدم خوض المعسكرين الحروب في مناطقهم أَو مناطق حلفائهم هو الخوف من السلاح النووي وقدرته التدميرية. وكلا المعسكرين يعرف تَماماً ما معنى السلاح النووي واستعماله. فلم يتخذا منه أداة حربية بقدر ما اتخذه الاثنان أداة تهديدية كما حدث في الأزمة الكوبية. ولكن كان لابُدَ لكلا المعسكرين من الاستفادة من الكم الهائل من الأموال التي صرفت لإنتاج هذا السلاح في تعميق الصراع في المناطق الغنية بمواردها والحصول على منافع تؤدي بالنتيجة إِلى ديمومة بقاء حضارة كُلٍّ منهما. فالولايات المتحدة الأمريكية ومُنْذُ بداية اكتشاف السلاح النووي بمعاونة اليهودية العالمية كانت تحاول إن لا يمتلك هذا السلاح أية دولة حَتَّى ولو كانت حليفة ما عدا إسرائيل، وهو ما قَدْ لاحظنا في فصول الكتاب ما حدث لبريطانيا. إما استثناء إسرائيل فيعود لكون الجالية اليهودية قَدْ ساعدتهم في اكتشاف وامتلاك السلاح النووي. وبالتالي لتحقيق هذا المبدأ عليها تطبيق مشروع مكماهون الذي يطمح للسيطرة على العالم من خلال مؤسسة دولية مثل مجلس الأمن ومؤسسة مالية مثل البنك الدولي.

بالمقابل كان الاتحاد السوفيتي يحاول إن لا تكون اليد العليا للولايات المتحدة الأمريكية لكي لا تنسلخ منه الدول المتحالفة والمنطوية تحت الاتحاد السوفيتي. وكان الاتحاد السوفيتي يطمح للسيطرة على العالم فكرياً من خلال نشر مبادئ الحزب الشيوعي العالمي. ناهيك عن الدولة القيصرية التي كانت دوماً تطمح باحتلال المناطق الدافئة (الخليج العربي). وعلى الرغم من سقوط القيصرية ومجيء الشيوعية مازال التراكم الفكري للمجتمع السياسي الروسي الذي كان هو القائد الحقيقي للاتحاد السوفيتي يطمح لتحقيق أحلام القيصرية.

ومهما كانت الأسباب والمسببات يمكن إن نفهم نقطة مهمة جداً وهي إن كُلّ من المعسكرين الغربي والشرقي إذا أراد تحقيق أهدافه المعلنة وغير المعلنة لابُدَ إن يستعمل أسلوب الصراع الكلاسيكي مَعَ الآخر. وهو الصراع على مصادر الحياة وشريانها وتجنيد العامل الاقتصادي لتحقيق ذلك، دون اللجوء إِلى الحرب والاكتفاء بالتلويح بالسلاح النووي وإجراء المعاهدات. وبالتالي يحاول كلاهما إسقاط الآخر وزحزحته من مناطق نفوذه وكسب الشارع للضغط على الحاكم أَو تسيير الحاكم ليحفظ المصالح الضرورية.

هنا تكمن الإجابة لماذا الشرق الأوسط عامة والمنطقة العربية خاصة؟ وهذه مسألة تاريخية لها أبعدها الأساسية، فقبل ظهور البترول العربي كانت بريطانيا تعتبر منطقة الشرق العربي الخَطّ الأول للدفاع عن الهند من أطماع القيصرية. وكانت تعتبر بريطانيا الهند، لما فيها من موارد زراعية كبيرة، جوهرة التاج البريطاني. ولكن بعد ظهور البترول في منطقة الشرق الأوسط عام 1908م عندما تمكنت من استخراج أول برميل نفط من إيران وبدء التنقيب عليه في المنطقة، اعتبرت بريطانيا دول الشرق الأوسط غير العربية الخَطّ الدفاعي الأول بين أوربا والمصالح في المنطقة العربية. ولهذا ركزت الولايات المتحدة الأمريكية على تركيا وأنشأت قواعد لحلف شمال الأطلسي فيها لتمنع السوفيت من تحويط أوربا كليا وإسقاطها ومن ثُمّ الانقضاض على الشرق العربي.

والتزمّت الولايات المتحدة الأمريكية إيران على طول العقود السابقة، وساهم الشاه في ذلك من خلال منح قواعد للولايات المتحدة الأمريكية على أبواب الخليج العربي لمنع امتداد السوفيت إِلى المنطقة. كما قامت بزرع الكيان الصهيوني ليكون الرقيب على أيّ تلاحم بين دول المنطقة لمنع كلا المعسكرين من حصرهما بـ: مَعَ أو ضدّ. في حين إن الاتحاد السوفيتي قَدْ فضل اختراق المنطقة من الداخل وإرباك حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية من دول المنطقة.

لم تكن أهمية المنطقة نابعة فقط من كونها كنفوذ استراتيجي مرحلي ضدّ الاتحاد السوفيتي، بل بسبب غناها في المواد الأولية الأساسية، ولأنها تساهم في استمرارية أية حضارة من جهة. وإضافة إِلى ذلك فأنها مفتاح تغيير العالم اقتصادياً وسياسياً من خلال التلاعب في عمليات التصدير للبترول وغيره من المواد. كُلّ هذه الأسباب جعلت الصراع النووي بين الدول التي تمتلكه يؤثر بصورة مباشرة على مستقبل هذه المنطقة. فشهدت عدة نظريات مثل منطقة الحرب التي لا تنتهي كما أسماها هيكل، ومنطقة الضرب المتتالي كما أسماه هيغ وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية ونظرية التفتيت الشمولي لكيسنجر والاحتواء المزدوج لمارتن أندك وأخيراً الحرب ذات الرؤوس الأربعة لجورج بوش. هذه النظريات التي طبقها الجميع كانت أساساً للصراعات الدولية ما بين تلك التي تمتلك السلاح النووي. ولا ننكر إن الولايات المتحدة الأمريكية، ومُنْذُ عام 1946م، كانت تعمل بجدية على نزع السلاح النووي من كُلّ دول العالم، وتعرقل أية مساعٍ لإنتاجه أَو البحث فيه، لتنفرد به هي وإسرائيل فقط.

انعكست تلك المأساة بصورة أَو بأُخرى على المنطقة وخلفت أهدافاً وحالات كان لابُدَ من العمل على تفتيتها لكي تبقى الولايات المتحدة الأمريكية سيدة الموقف في الشرق الأوسط والمنطقة العربية. ولقد ساعدت التغيرات الدولية السريعة الولايات المتحدة الأمريكية على إنجاز مهمتها والتعجيل في السيطرة على العالم قبل ظهور قوة دولية أُخرى تنافسها من جهة، أَو ظهور تحالفات لا يمكن اختراقها فتفشل سياسة الولايات المتحدة الأمريكي. وعليه فأن البحث سيتطرق في هذا الفصل إِلى أسباب ومسببات مشاكل المنطقة الثابتة والمتجددة لنتعرف على أثر السياسة النووية الدولية عليها مباشرة.

 

12.1 قضية فلسطين وعمقها السياسي

مُنْذُ إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها تغير التفكير الغربي تجاه المنطقة بإجمالها من عدة نواحي، كان أهمها وجوب التزام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لليهودية أَو الصهيونية العالمية (سمها ما تشاء) بمنحها أرض الميعاد. وهذا لا يعني إن الدولتين المنتصرتين والمتحالفتين العدوتين في مسألة امتلاك السلاح النووي كانتا ترضخان لمطالب اليهودية العالمية، بل نتيجة لخسران الحلفاء لمناطق نفوذهم في المنطقة العربية أبان الحرب العالمية الثانية جعل سبل التفكير تتغير في كيفية أحكام المنطقة. فعلى الأقل في تلك الآونة التقت مصالح الدول مَعَ طلب اليهودية المتمثل بتسهيل الأمر بتسليم فلسطين إِلى اليهود من قبل بريطانيا وتَجْهِزيهم بالمال والسلاح من الولايات المتحدة الأمريكية ودعمهم بالاعتراف والهجرة اليهودية من قبل الاتحاد السوفيتي.

تعتبر هذه نقطة تحوّل مهمة في المنطقة، لأن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تمكنت من تغيير ديمغرافية المنطقة ليسهل التلاعب بها مَعَ العمل على إيجاد أحزاب سياسية مناهضة لهم وأحزاب سياسية مساندة لهم. وكلا الاتجاهين يعملان بالاستشارة الأمريكية كما بينا في الفصول السابقة. ولكن لابُدَ إن نعي إن في الدول الكبرى كان هناك تياراً يهودياً مسانداً لما حدث لتغلغلهم في داخل المؤسسات الحكومية والشعبية من جهة ولتواجدهم في موقع إقناع الذين يتخذون القرار من جهة أُخرى. ومن خلال هذا التوجه، منحت اليهودية الصهيونية العالمية موقعاً في قلب المنطقة، وهذا لا يعني إنها مجرد دولة بقدر ما كان هناك مخطط تدوره نخبة ما يسمى بالمسيحية المتصهينة. وهؤلاء مجموعة من الأفراد بدأوا في بريطانيا عام 1477م وانتشروا إِلى أوربا يدعون لسيادة اليهودية وإشاعة الحروب والفوضى لتسود اليهودية فيظهر المسيح ليحكم العالم.

هذه المسيحية المتصهينة كانت تؤمن بالتبشير بنسبة 90% من نشاطها، إما العمل السياسي والتغلغل الاقتصادي والإعلامي فكانت توليه فقط 10%، حَتَّى تحين الفرصة لحكم الدول الكبرى ويتم توجيه الضربة القاضية للعالم وفق مبادئهم. ومن خلال ذلك لا يمكن إن تكون مسألة فلسطين مسألة عابرة، بل هي لُبّ موضوع المنطقة وتغيراتها التي أسندتها دول النادي النووي. فمُنْذُ تأسيسها كانت القضية الفلسطينية قضية دولية لا يمكن المساس بها وكانت دول صديقة للدول الإسلامية والعربية تدعم مبدأ إعادة الأرض لأصحابها والعدول عن تهجير أُناسها. هذه المفاهيم كانت تشغل العالم بصورة أَو أُخرى، لأن جميع الأديان السماوية لابُدَ إن لها أثر تاريخي في المنطقة العربية والشرقية بالذات. ومن خلال السنوات التي تلت إعلان وجود الكيان الصهيوني بدأ الغرب في تقوية هذا الكيان اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً. وكانت الحكومة الإسرائيلية في نفس الوقت عين ساهرة لهم في المنطقة من خلال مراقبة الدول المحيطة وجمع المعلومات ونقطة انطلاق لكبح أيّ تمرد في أيّ مستعمرة وما شاكل ذلك.

لم يكن أيّ أمر يسير بالصورة الحسنة التي يمكن إن تتصورها دول الغرب، بل كانت هناك ردود أفعال عديدة من الشارع العربي. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تتوقع من خلال إيجاد ودعم أحزاب سياسية عديدة بمختلف اتجاهاتها اليسارية واليمنية والقومية والإسلامية والليبرالية والبين بين إن تتمكن من السيطرة على الشارع العربي لإيقاف المطالبة بتحطيم إسرائيل وعودة الفلسطينيين. ولعل كان أهمها الأصوات القادمة من مصر وسوريا بعض الشيء. ويبدو إن الولايات المتحدة الأمريكية تمكنت من إخماد أصوات سوريا من خلال حزب البعث وشخصياته القيادية كأكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح البيطار وغيرهم الذين كانوا يتمتعون بعلاقات حثيثة مَعَ المخابرات الأمريكية وتحدثنا عن ذلك مسبقاً.

لكن الحال في مصر كان مختلفاً تَماماً جداً بسبب الكثافة السكانية والخبرة السياسية والثقافية عند المصريين، فما كان إلا العمل على أشغالها حربياً وإرهاقها بعجلة الحرب وإيقاف حركة البناء والضغط عليها من خلال تفاوضها مَعَ المالكين للسلاح النووي. وهو ما جرى بالفعل إذ أرهقت مصر بحرب السويس عام 1956م وحرب اليمن 1961م وحرب حزيران ذات الهزيمة المنكرة عام 1967م وحرب الاستنزاف وحرب عام 1973م وغيرها، مَعَ الاعتماد على رجال يوالون الغرب في إنجاز مخططاتهم كعبد الحكيم عامر وأنوار السادات والباقوري وعبد المنعم إبراهيم وغيرهم.

إن الهدف من التركيز على مصر يعود إِلى جمح المطالبة بإخراج المستعمر البريطاني والفرنسي والإيطالي من المنطقة من جهة، ومن جهة إخراج طابع القضية الفلسطينية من طابعها الدولي إِلى طابعها العربي الإسلامي. وبالتالي يمكن إنجاز المخطط الرئيسي للصهيونية العالمية والمسيحيين المتصهينين. وبالفعل مَعَ عام 1969م خرجت القضية الفلسطينية من طابعها الدولي بفضل وزير خارجية الاتحاد السوفيتي ألكسي كوسيجن والرئيس السوفيتي بريجنيف، بعد إن كان خروشوف يصر على دولية القضية الفلسطينية ووجوب حلها في النادي النووي. ولعل أنور السادات قَدْ أكمل اللعبة بطرد الخبراء الروس في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1971م والاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية، فتأمل كيف يكون العدو حليفاً!

هذه التغيرات التي تلاحقت بعد حرب أُكتوبر التي يعتبرها الكثير نصراً، ونحن نعتبرها بداية الهزيمة المستقبلية، بدأ انسلاخ القضية الفلسطينية من الواقع الإسلامي نتيجة زيارة السادات لإسرائيل. إذ شجعت زيارته بعض الدول الإسلامية، (المسماة بالإسلامية) على إقامة علاقات مباشرة مَعَ إسرائيل ووقوف المناداة بحفظ الأماكن المقدسة. كما سبب شَرخاً كبيراً في المنطقة العربية إذ انقسمت بين مؤيد له وبين رافض لما فعل، مما سبب انتقال القضية الفلسطينية من مرحلتها الدولية إِلى المرحلة العربية الإسلامية ومن ثُمّ إِلى مرحلة اعتبارها قضية عربية.

نجحت الولايات المتحدة الأمريكية نجاح كبيراً في جعل القضية الفلسطينية قضية عربية بحتة في وقت أقل ما كانت تتوقعه. وحاولت جرها إِلى الموقع الإقليمي فقط مُنْذُ وصول ريغان للحكم. إذ شهدت إدارة ريغان عام 1981م وصول أول دفعة من المسيحيين المتصهينين لمركز القرار. ولعل ضعف ريغان سياسياً وشخصياً واجتماعياً دفع هؤلاء للخروج من موقع التبشير إِلى موقع القرار السياسي. ومن خلال هؤلاء تغيرت معالم العالم بصورة جمعاء، وصارت أهداف الولايات المتحدة الأمريكية عام 1981م ليس للدفاع عن حقوق الإنسان عالمياً، بل محاربة الإرهاب الدولي ليكن باباً في إنهاء الحسابات مَعَ من لا يقف بصفّهم.

ولكن ليس من السهولة جعل القضية الفلسطينية إقليمية وسلخها من الواقع العربي بهذه السهولة، وكان لابُدَ من العمل على ترسيخها، فكانت الحرب العراقية الإيرانية مدخلاً رئيسياً لذلك بغض النظر عن أسباب ومسببات الحرب التي طرحناها مفصلاً مسبقاً. وشهد الشرق الأوسط اختلافاً في المواقف من الحرب العراقية - الإيرانية فانفصلت الدول العربية عن بعضها البعض وتحقق للولايات المتحدة الأمريكية ما يلي:

1. فصل الكتلة العربية والإسلامية عن بعضها البعض في دعم القرارات أَو رفضها في مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة، نتيجة عدم توافق آرائهم حول الحرب العراقية- الإيرانية.

2. إشعال المنطقة القريبة البعيدة عن إسرائيل بالحرب لتتمكن من بناء ترسانتها التسليحية وتطور اقتصادها في حين ترهق الدولتين المتحاربتين.

3. امتصاص الأموال المتراكمة في المنطقة نتيجة ارتفاع أسعار البترول كي لا توجه مستقبلاً لإسقاط إسرائيل. أو تطوير اقتصادها فيصبح وجود إسرائيل المستقبلي للسيطرة على المنطقة اقتصادياً غير حثيث.

4. إلغاء مفهوم اعتبار القضية الفلسطينية قضية أساسية وجعل الدول العربية تركز على حفظ أمنها من الاعتداءات الخارجية من خلال إشاعة النزاعات الحدودية بين الدول المجاورة.

5. تقليل العمق الاستراتيجي العسكري للدول المحيطة بإسرائيل نتيجة تفاوت المواقف في الحرب العراقية - الإيرانية، وهو ما حدث لسوريا إذ كان العراق يمثل لها عمقا استراتيجياً.

6. جَعِل دول المنطقة تَفْقِدُ قدراتها الصناعية والزراعية والاقتصادية وكفاءة أبنائها من خلال سحقهم في محرقة الحرب الطويلة لتصبح دولا مستوردة بعد كانت مصدرة في نواح زراعية وصناعية عديدة.

7. خلق حالة من التأزم الاقتصادي الإقليمي من خلال تورط الدولتين المتحاربتين وحلفائهما بعقود عسكرية يستوجب دفعها، مما يدفع إِلى زيادة ضَخّ البترول وهبوط أسعاره لإيقاف النمو الاقتصادي في الدول المساندة للحرب إقليمياً.

هذه جملة من النقاط المهمة التي استفادت منها إسرائيل بصورة جمة، ولعل أهمها هي عزل القضية الفلسطينية من الناحية العربية وحصرها في محورها الإقليمي. مما يجبر الفلسطينيين على قبول أيّ حَلّ تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما تَمَّ بالفعل خلال موافقة السلطة الفلسطينية على مؤتمر أوسلو الذي تقصقصت أطرافه ولم يبقى منه إلا حرف الواو.

وبهذا نجحت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من خلال مرحلة الحروب العراقية-الكويتية على جعل القضية الفلسطينية قضية إسرائيلية فلسطينية داخلية. أيّ بالمعنى السياسي العام مسألة تمرد داخلي، فلذا يقتل الشعب الفلسطيني الآن على مسمع العالم العربي والإسلامي وحَتَّى الفلسطيني ولم يتخذ موقف واحد لإيقاف هذا النزف الدائم. هذه في الواقع تصوراتنا للقضية الفلسطينية وأهداف سياسة الدول النووية تجاهه، ولا يعني ذلك إن ليس في المنطقة أولويات أُخرى، بل سنتطرق إليها الآن مَعَ وجوب الانتباه لارتباط جميع النقاط ببعضها البعض. وبأعتبار المسألة مسألة سيادة على العالم فَقَدْ تنطلق الممارسات السياسية من السيطرة التامة على المنطقة العربية. وبالتأكيد نحن مَعَ هذا النظرة لكون من يتمكن إن يسيطر على الكعبة الشريفة وبيت المقدس الشريف يسيطر على العالم بأجمعه من خلال المقدسات البشرية ومنابع الاقتصاد العالمي المتمثل بالبترول الخليجي العربي.

 

12.2 التغيرات السياسية والدور الدولي فيها

لعبت كُلّ من بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانية دوراً كبيراً في منطقة الشرق الأوسط ومُنْذُ عام 1768م، إذ تكللت نتائجها بالحرب العالمية الأُولى. وانسحبت روسيا من الحرب لاندلاع الثورة البلشفية الشيوعية وسقوط الدولة العثمانية وتقطيعها أوصالاً لبريطانيا وفرنسا وتقهقر ألمانية بعد إن خسرت ما يقارب 35% من أراضيها التي أُلحقت بالدول المجاورة لها. وبالتالي شهدت منطقة الشرق الأوسط ما بعد الحرب العالمية الأُولى تخطيطاً طوبغرافياً غريب الأطوار جعل منها مناطق ساخنة لاندلاع الأحداث في أيّ لحظة تشاء أَو تود فرنسا وبريطانيا. كان الهدف من ذلك في واقع الأمر ليس لخلق بؤر عدم استقرار بقدر خوف فرنسا وبريطانيا من الدولة العثمانية التي تراجعت لتؤسس تركيا أتاتورك والدولة الألمانية ذات العبء الاقتصادي الذي خلفته الحرب. فَقَدْ كان هناك اعتقاد لدى الساسة البريطانيين إن جمهورية أتاتورك سوف لن تتوانى في إشعال الحرب مرة ثانية لإعادة التسلط العثماني على المنطقة العربية. وإن ألمانية لابُدَ من إن تثور ثانية لاستعادة مجدها التاريخي وأرضها المسلوبة. ولكن متى وأين، هذه هي المحنة التي كانت تنتظرها بريطانيا وفرنسا.

لَقَدْ كان التخوف البريطاني والفرنسي من ظهور تركيا الجديدة نابع من الدراسات المكتشفة حديثاً عن البترول الشرق أوسطي ومدى ولوج تأثيره في الاقتصاد العالمي المستقبلي. وعلى ضوء ذلك عملت فرنسا وبريطانيا مُنْذُ حينها في خلق تيارات سياسية عديدة متناقضة في الفكر والأُطروحات. وكثيراً ما كانت تحرك تلك التيارات لإيقاف تهديد خروجها من المنطقة. وهو ما حصل بالفعل أبان إضرابات عمال السويس في مصر والنسيج في سوريا والفحم في الجزائر.

فبدأت فرنسا وبريطانيا تعطيان أهمية كبيرة للحفاظ على مستعمراتهما في الشرق الأوسط بعد إنتاج البترول في منطقة الخليج العربي عام 1926م والجزائر عام 1929م ووضوح الرؤيا بأن تلك المناطق جالسة على بحيرة من النفط تجعل من الحضارة تستمر 300 سنة على قلة اكتشافه في ذلك الوقت. وبدأت الدولتان توقعان اتفاقات سرية مَعَ الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت فتية في دخولها للمنطقة من خلال منح بريطانيا لها امتيازات للتنقيب عن البترول في العربية السعودية. واستمرّ الحال في السيطرة على المنطقة من خلال تسيس شعوبها للبقاء في خطّ الدولة المحتلة لقاء إعطائهم بعض صلاحيات الحكم البسيط.

هذه الممارسات التي يمكن إن نقول إن بريطانيا تمكنت من إنجاحها نوعاً ما على الرغم من هدير التيار الشيوعي في المنطقة ومحاولة بريطانيا إيقافه بالتيارات السياسية المتأسلمة والوطنية والقومية التي نجحت نوعاً ما. إلا إنها لم تدم طويلاً لاندلاع الحرب العالمية الثانية وفِقْدان فرنسا وبريطانيا السيطرة على مستعمراتهما وخاصة في الشرق الأوسط، وبالصورة التي كانت سائدة. ولقد استغلت ألمانية الهتلرية التخبط البريطاني الفرنسي في المنطقة وولدت تيارات سياسية أُخرى مناهضة للاستعمار. تلك التيارات وجدت استحساناً كبيراً في الشارع الشرق أوسطي حَتَّى إن التيارات التي خلقتها بريطانيا وفرنسا وجدت من انشق عنها للالتحاق بالتيار النازي وأهدافه في حينها.

تلك الصورة السياسية المرسومة للشرق الأوسط خلال فترة التسلط الفرنسي البريطاني لما قبل الحرب العالمية الثانية، وعلى هذا لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً في النزاع فيه، أيّ النزاع الذي دخلته فرنسا وبريطانيا ومن ثُمّ روسيا، فبدأت تحاول رسم خطتها للأحكام على المنطقة الغنية بالبترول من خلال انشغال أصدقائها في الحرب. وَقَدْ حاول تشرشل جَرَّ الولايات المتحدة الأمريكية مراراً إِلى الحرب إلا أنَّه في كُلّ لحظة كان يفشل في ذلك. هذه الأمور كلها ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية على دفع نفوذها عميقاً إِلى داخل إيران ومنطقة الخليج العربي وتركيا ووصولاً إِلى الدول المحيطة بالشرق الأوسط. وتمكنت من رسم الصورة الحقيقة لما تمتلكه تلك المنطقة من موارد تعتبر أساساً لتحقيق أهداف مكماهون لسيادة العالم في المستقبل.

تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال بحثها النووي استلاب جميع المستعمرات البريطانية المحيطة بالولايات المتحدة الأمريكية وجنوب شرق آسيا للتحالف مَعَ بريطانيا نووياً. ثُمّ تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تجريد بريطانيا مخابراتياً في منطقة الشرق الأوسط باستثناء الهند وثلاثة إمارات في الخليج العربي وواحدة في شمال شرق آسيا مقابل المساعدة في آلية الحرب أَو الدخول فيها كطرف. إلا إن بريطانيا كانت تنظر لمستقبل الهيمنة الأمريكية بحذر ودراية منصفة فقررت توقيع حلف استراتيجي وعسكري وسياسي ونووي ومخابراتي مَعَ الولايات المتحدة الأمريكية.

وَمَعَ الأسابيع الأخيرة التي صاحبت الحرب العالمية الثانية وضرب اليابان وهيروشيما بقنبلتين ذريتين، ألغت الولايات المتحدة الأمريكية التحالف النووي البريطاني وأبقت على التحالفات الأُخرى. ولكن على الرغم من الالتقاء والافتراق ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حول السلاح النووي الذي دام خمس سنوات إلا أنَّه في النهاية جلس الاثنان وخَططا لمستقبل السيطرة على المنطقة، من خلال إيجاد دول وحكومات بصفة جمهوريات وملكيات وغيرها للحفاظ على مصالح الدولتين من التهديد السوفيتي لها.

لعل نتاج نظرية البروفيسور بروكن الخاصة في منطقة الشرق الأوسط وخاصة الغنية منها بالبترول قَدْ أخذ مجراه خلال العقود الثلاثة بدءاً من عام 1967م والمتضمن إيجاد حكومات عسكرية تحكم المنطقة بتوجه وطني. الهدف من ذلك حصر مطالب كُلّ شعب وتطوره واقتصادياته داخل حدود دولته لتأمين تنفيذ البنود الأُخرى. كما عملت نظرية بروكن على بناء منظومات استخباراتية أرفدتها بالخبرة والتدريب في كُلّ دولة للمحافظة على ديمومة الحكومات للقيام بأداء واجباتها المرسومة على أتم وجه. هذه المنظومات الاستخباراتية التي أوجدها بروكن في بحثه مستقاة من النظرية اللينينية، والتي مفادها كُلّ جهاز يراقب الآخر دون معرفته بمن يراقبه.

كما نصت نظرية بروكن على ضرورة عزل منطقة الخليج العربي سياسياً واجتماعياً وفكرياً عن المنطقة العربية ودعم مشروع إسنادها بكوادر عمل غير عربية كالآسيويين مثلاً. لتتمكن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا من السيطرة على منابع البترول. ومن خلال دعم العراق وإيران من جهة وتخويف تلك الحكومات من تهديداتهم من جهة أُخرى ارتبطت تلك الدول بمعاهدات كبيرة أعطت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا الحَقّ في استعمال الأراضي والتواجد فيها حيثما شاءت. هذه المعاهدات لم تكن وليدة أحداث اليوم بل مُنْذُ عام 1961م. وبالتالي تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من السيطرة على منطقة الخليج العربي ومنع استخدام مواردها ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية في أية مواجهة مستقبلية. ولكن كانت حرب 1967م وتوجيه رئيس الوزراء العراقي آنذاك طاهر يحيى انذراً باستعمال البترول كسلاح قَدْ فَجَّر صمام الأمان. وبالتالي عندما استعمل البترول كسلاحاً نسبياً في حرب أُكتوبر أصبح توجه الولايات المتحدة الأمريكية يقترب للسيطرة على المنطقة العربية الغنية بالبترول من خلال إيران لضمان عدم تكرارها.

سبب سقوط الشاه تغيراً كبيراً في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه المنطقة فعملت على استنزاف مواردها وإرهاق شعوبها قبل احتلالها. وبالتالي كانت سلسلة الحروب التي عاشتها المنطقة حَتَّى عام 1990م هي أنذر لحرب شمولية أكبر وذات أهداف أسمى بالنسبة لهم. وعندما إنهار الاتحاد السوفيتي وجدت الولايات المتحدة الأمريكية إن الحرب الباردة قَدْ انتهت وتخوف غزو السوفيت لإيران ومن ثُمّ إِلى الخليج العربي لا وجود له. فعملت على احتلال المنطقة بعد انتهاء الترتيبات اللازمة لذلك والتي منها انشاء قوات الانتشار السريع.

من هنا نرى التوجه الأمريكي البريطاني تجاه المنطقة نابعاً أساساً عن عدة أساسيات أولها الحفاظ على الكيان الصهيوني لتسود اليهودية وهو توجه عقائدي، ومنع الاتحاد السوفيتي من السيطرة على المنطقة أَو تحالفها مَعَهُ وهو صراع فكري، وآخرها منابع البترول العالمي وهو اقتصادي بحت. ولكن مَعَ دراستنا لوقائع الأمور لابُدَ من إن نؤكد أنَّه ليس من الممكن فصل أيّ من التوجهات عن الأُخرى لترابطهن مصيرياً ضمن آلة الاستراتيجية الغربية لعقود طويلة.

 

12.3 صراع المتحالفين وأثرها على المنطقة

بعد إن خرج الحلفاء منتصرين في الحرب العالمية الثانية وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إن بريطانيا غير شريك معها في امتلاك السلاح النووي، بدأ الصراع يأخذ مجرى آخر. فَقَدْ انتبهت بريطانيا إن الولايات المتحدة الأمريكية تنوي الانفراد بالسيطرة على العالم من خلال تهديدها بالسلاح النووي. وستكون أُولى أولوياتها منطقة الشرق الأوسط لتأمين الملاحة للوصول إِلى البترول الخليجي.

لم تدع بريطانيا هواجسها في داخل حدودها بل تعدى ذلك إِلى أوربا وروسيا آنذاك. ولكن حين تأسس الاتحاد السوفيتي وبدأ طموحه يظهر في امتلاك السلاح النووي بصورة سريعة قياساً بالفترة التي صرفتها الولايات المتحدة الأمريكية لإنتاجه، امتد طموحه ليضم أجزاءاً من أوربا. هذا الطموح جعل الحلفاء الفرقاء يلتقون مرة أُخرى لدرء الخطر السوفيتي الذي حسب وصفهم ما إن تسنح له الفرصة حَتَّى يكون مثل ألمانية في طموحاته المتنامية.

ولدرء الخطر السوفيتي تقرر تأسيس حلف شمال الأطلسي بتموين أمريكي مالاً ورجالاً وسلاحاً وبمشاركة أوربية شرط إن تكون قواعده في أوربا قبالة الاتحاد السوفيتي. إن الولايات المتحدة الأمريكية كما يبدو للبحث أرادت من ذلك أبعاد شبح الحرب النووية عن بلادها في مواجهة الاتحاد السوفيتي الممتلك للسلاح النووي حديثاً. على أية حال بدأت اجتماعات الدول الأوربية تأخذ مجالاً أوسع فأوسع وكثيراً ما يختلفون على جهة وتدريب القوة وبأية أسلحة سوف تُجَهّز هذه القوات. ولعل فرنسا كانت أكثر الدول حماسا في هذا المجال باعتبارها مسؤولة عن آمن أوربا.

كان الاختلاف الأساسي ليس على القواعد والتجهيز بقدر ما كان الاختلاف على آلية القرار ولمن يكون القرار. فَفِي الحين كانت فرنسا وإيطاليا وألمانية تُصِرّ على المشاركة في القرار، كانت بريطانيا تُصِرّ على إن يُعطى القرار بيد الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل اجتماع كانون الثاني 1957م كان من أشدّ الاجتماعات التي اختلفت فيه الولايات المتحدة الأمريكية مَعَ حلفائها في شمال الأطلسي. وعندما وجدت إصرار من فرنسا وعدم تنازل رأت الولايات المتحدة الأمريكية الأمور تسير في حَلّ الحلف. ولقد تجسد ذلك عندما أعلنت فرنسا وإيطاليا في مارس/آذار 1958م إنهما سوف يقومان بتأسيس جيش أوربي متعدد الجنسيات لحماية أوربا من خطر الاتحاد السوفيتي.

على الرغم من عدم تجرأ فرنسا للقيام بهذا العمل وقبلت الولايات المتحدة الأمريكية صيغة الائتلاف في اتخاذ القرار في حلف شمال الأطلسي، إلا إنها عرفت لا مستقبل لها مَعَ الأوربيين في المستقبل القريب. فلذا ومُنْذُ تلك الفترة بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن قواعد في مناطق النفوذ لحماية مصالحها. ولعل أول قوة تَمَّ نشرها كانت في السعودية عام 1961م، وذلك بحجة حماية آبار البترول.

كانت تلك القوات التي أُلحق بها بضعة آلاف لتدريب الجيش السعودي نواة لبناء قواعد عسكرية على الأرض والبحر السعودي. وصاحب التواجد العسكري دراسات اجتماعية وفكرية واقتصادية من قبل كبار المؤسسات الأكاديمية الأمريكية لمعرفة الواقع السعودي بوجه خاص والخليجي بوجه عام لتتمكن الحكومة الأمريكية من استقراء المستقبل. وَمَعَ مرور الزمن تدفق العسكر الأمريكي للمنطقة بصورة مدروسة شيئاً فشيئاً حَتَّى باتت لا تعتمد على حلف شمال الأطلسي إلا في النواحي التي تحتاج فيها مشاركة دولية لإضفاء الشرعية.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية تفكر في حينها بإنشاء جيش يفوق أَو يضاهي حلف شمال الأطلسي بتجهيزاته وقواعده. فتمكنت مُنْذُ عام 1972م من إن تضع أدبيات جيش الانتشار السريع حَتَّى تَمَّ التنفيذ في عهد جيمي كارتر عام 1977م. ورصدت الولايات المتحدة الأمريكية مبالغ طائلة جداً لإنجاز هذه المهمة من خلال إيجاد القواعد الثابتة القريبة من منطقة الخليج العربي أَو المتواجدة فيها.

هذه القوات تَمَّ إنشاؤها وتدريبها بصورة تدريجية توحي إنها مهيأة لإنجاز مهمة مستقبلية. فمع التدريب والمناورة كان تعداد هذا الجيش مَعَ الاحتياطي يقارب 680 ألف عسكري أمريكي يمكنه الانتشار في أية بقعة من العالم بواحد وعشرين يوماً ويمكنه إن يقاتل 5 أسابيع قبل وصول أية تعزيزات. كما جهّز هذا الجيش الذي بدأت نواة تأسيسه عام 1977م وكان جاهزاً للتنفيذ عام 1989م بأحداث الأسلحة الأمريكية وأدقها إصابة للهدف وأشملها دماراً. ولعل الآلة العسكرية التي استعملتها قوات الانتشار السريع في خرب الكويت الأُولى والثانية والتي بعضها كان من الحداثة إن استعمل فوراً في أرض المعركة دون الحاجة لتجريبه ويدخل الخدمة الأمريكية بقرار من الكونغرس.

لم تكتفي الولايات المتحدة الأمريكية من التواجد عسكرياً في المنطقة من خلال جيشها الجرار بل عقدت عدة معاهدات مَعَ دول المنطقة لكي تأسس البقاء الشرعي لهذه القوات في مياه وأرض الخليج العربي. وكانت معظم الدول في المنطقة ترى في تواجدها حماية لآبار النفط وتأمين الملاحة، في حين كان تواجدها لاحتلال المنطقة بصورة سلمية دون إن تتكبد خسائر في أرواح أبنائها. وبهذا الجيش تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من اختراق المنطقة ومحاصرتها من الداخل لتنفيذ مشاريعها المستقبلية.

ولعل كبرى المشاريع المستقبلية الأمريكية تلك هي التي كانت تتوقع إن أوربا ستصبح بلداً اقتصادياً كبيراً مما قَدْ يشكل بإمكاناته البشرية والاقتصادية والعسكرية قطبا ينافس الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إِلى الصين كما توردها الدراسات الاستراتيجية لمستقبل الدول الصناعية. وبالتالي فإحدى أولويات الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي هو الاستحواذ على البترول العالمي لتتحكم في صنبوره من المنبع إِلى السوق. وأخيراً تضمن عدم ظهور قطب دولي منافس لها إلا إذا كانت هناك حرب ضروس. وهو ما نستبعده على الأقل في السنوات العشر القادمة لتفرد الولايات المتحدة الأمريكية وتسلطها على العالم دون منافس. ولكن كيف يمكنها إن تحافظ على قطبيتها واستمرارية تحكمها بدول العالم من خلال وضع يدها على صنبور البترول؟ وماذا لو اكتشف البترول في دول أُخرى غير دول الشرق الأوسط وتمكنت الدول التي يتوقع نهوضها لتكن كبرى ومماثلة للولايات المتحدة الأمريكية من إن تضع يدها على تلك المنابع البترولية الجديدة؟

يبدو إن الولايات المتحدة الأمريكية من خلال دراساتها الاستراتيجية النفطية توصلت إن احتياطي النفط العالمي يكمن في منطقة الخليج العربي. إذ سوف يصل مَعَ عام 2010م إِلى 86.1% من إجمالي الاحتياط النفطي العالمي. وستبقى المنطقة هي الرائدة في هذا المضمار. فلذا عمدة في السيطرة على الخليج بصورة سلمية، وكان هذا نابعاً من إيمانها بنجاح خطتها الاستراتيجية وضمان مستقبل البترول العالمي واحتياطية الذي تتوقع إن لا مكان لوفرته بهذه الكثافة إلا في الخليج. ولكن ما الذي جعل سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تصل إِلى حدّ احتلال العراق بحرب كانت مجزرة أقرب من حرب لمجرد الاحتلال؟ ولماذا كان الأسلوب السياسي الذي اتبعته الولايات المتحدة الأمريكية مَعَ العراقيين يختلف تَماماً عن ما اتبعته في مناطق أُخرى؟ وما هي الأهداف المستقبلية وراء ذلك؟

في الواقع كلها أسئلة مهمة تحتاج لإجوبة شافية لنتمكن من خلالها إن نستنتج ما الذي ستقدم عليه الولايات المتحدة الأمريكية مستقبلاً. وهل هذه سياسة استراتيجية أم إن الظروف المحيطة دفعت بها لتكن هكذا. سيحاول البحث في مناقشته في القسم القادم عن مسألة احتلال العراق، إن يكشف عن إن التطبيقات الأمريكية لسلوكها اتجاه العراق هي التي ستقوم بالإجابة على تلك الأسئلة ضمناً أَو مباشرة.

 

12.4 أزمة العراق وتداعياتها

تاريخياً يعتبر العراق حالة خاصة تختلف عن أية بقعة في الشرق الأوسط. فعلى طول مدى التاريخ كان العراق بموقعه وتركيبة سكانه وانفتاحه على بوابات الشرق والغرب العالميين امتداداً للجزيرة العربية ورابطاً ديمغرافياً للأقوام غير العربية المحيطة به. هذا التصور الغريب الذي يتمتع به العراق حَتَّى من الناحية التضاريسية اصطدمت به بريطانيا اصطداماً كبيراً خلال وبعد الحرب العالمية الأُولى. ولعل المقاومة التي شهدتها من لدن العراقيين كانت سبباً بتأخر زحفهم رويداً رويداً نحو بغداد ومن ثُمّ ولاية الموصل. ولعل المقاومة التي أرهقت القوات البريطانية لم تكن من شعب كان يتمتع بحرية وكفاية معيشية وتطور اجتماعي بقدر ما كان مقهوراً مضطهداً من قبل الدول العثمانية السيئة الصيت والسمعة في التاريخ العربي على الأعم والعراقي خاصة. ولذا كانت مُنْذُ اليوم الأول لدخول القوات البريطانية أرض العراق تسأل نفسها، ما الذي يجبر هؤلاء للدفاع عن الدولة العثمانية؟ وواقع الأمر إن العراقي في حينها لم يكن يدافع عن العثمانيين بقدر ما كان يقاوم كُلّ من يريد إن يحتله ويتبعه بكافة كياناته إِلى مخططاته ومصالحه الاستراتيجية.

تمكنت بريطانيا لامتصاص النقمة العراقية، في حينها إن تقنع العراقيين بان جيشها جاء فاتحاً محرراً وليس محتلاً. فاستجاب البعض غير المتأكد وبقي البعض يراقب متى تقدم بريطانيا على الإيفاء بوعودها. وَمَعَ الزمن تبين إن البريطانيين لم يَفُوا بوعودهم، بل زادوا غطرسة وانتقاما فانفجرت ثورة العشرين بكل بساطتها وعدم تكافئها مَعَ المحتل لتضع العراق في نقطة تحوّل كبيرة في التفكير البريطاني. ويبدو إن السبب في عدم تمكن أيّ محتل من الإحساس بالسيطرة التامة على العراق مُنْذُ عصور التاريخ القديمة وحَتَّى الحديثة منها يعود لتركيبة العراق العشائرية المرنة التي تمتزج فيها المدنية والثقافة مَعَ الانتماء العشائري. كما إن الواقع الديني الذي يعيشه العراق بكافة طوائفه ووجود تراث فكري كبير لكبار المذاهب الإسلامية من شيعة وسنة ألهمتهم الصحافة في الرأي وسمو الشخصية التي تطمح لأن تكون قيادية في داخل نفسها. ناهيك عن الامتداد العشائري الذي يصل شمال العراق بجنوبه مَعَ اختلاف الانتماء الطائفي.

وهذه حالة لم يتمكن أيّ محتل إن يستغلها لصالحه من خلال إثارة النازع الطائفي. وحين نمر بالتكوينات غير العربية في العراق كالكردية والتركمانية والآثورية نرى إنّهم يتكونون من كيانات عشائرية أَيضاً لها قوانينها الخاصة التي لا تختلف في أدائها وتصورها الكينوني عن أداء وتصور العشيرة العربية. فتشكل بذلك مكون عراقي يتألف من عشيرة واحدة تتخللها فروع شتى.

هذه الصورة التي كان يتمتع بها المكون العراقي والأحداث التي صاحبت الاحتلال البريطاني جعلتهم يكونون ملزمين لدراسة الوضع العراقي الاجتماعي لخرقه كي يدوم الاحتلال. وبالتالي فَقَدْ اعتمدت بصورة أَو أُخرى على شخصيات كان لها دور في حكم العراق لا يعرف العراقيون أُصولهم التكوينية والانتمائية. ومعظمهم ممن كان في الإستانة قبل سقوط الدول العثمانية، والبعض منهم ممن ينتمي للواقع العراقي فانهار أمام المغريات ثُمّ عاود دراسة الوضع بجوهره فسقط على الرغم من انتمائه للعشيرة أَو القبيلة، فاستجاب للأهواء دون الأصالة والالتزام فسقط كما تريد بريطانيا.

كانت بريطانيا ومُنْذُ احتلالها للعراق تبحث في المكون العراقي وكيفية السيطرة عليه دون تقديم ضحايا. وتمكنت من رسم صورة حيّة للواقع العشائري والقبلي. وتمكن باحثيها من معرفة أبسط المعلومات عن المكون العراقي خلال فترة قصيرة وَتَمَّ جمعها في ملف مودع في مكتبة الوثائق البريطانية تحت رقم W0252 وباسم The Tripes of Iraq. وبمجرد إن يطلع أيّ منا على هذا الملف سوف يرى إن بريطانيا قَدْ صنفت العراق تصنيفاً جوهرياً حَتَّى من ناحية أخلاق وكبرياء ودناءة كُلّ فرد. وراحت أبعد من ذلك في دراسة الواقع الاقتصادي لِكُلِّ قبيلة ومدى النمو السنوي لِكُلِّ منها ومدى تأثيرها على القبائل الأُخرى ومن هي أرذلها ومن هي أسماها وما إِلى ذلك من صفات جمة. ناهيك عن دراسة المشاكل العالقة ما بين القبائل مُنْذُ عصور طويلة وكيفية حلها وعلاقة العشائر فيما بينهما وكيفية حَلّ مشاكلهم بالتزاوج فيما بينهم.

من خلال تفحص بريطانيا للمكون العراقي تمكنت من إن تصل إِلى حَلّ مشكلتها دون إن تجهد نفسها بعد إن وجدت من الصعوبة إن تعتمد على عشيرة أَو طائفة ما. وبذلك فَقَدْ اتبعت بريطانيا أسلوب التقسيم المناطقي لعدة أسباب منها:

1. يجب إن تعتمد على منطقة أحد مكوناتها الأساسية الحرمان وقلة الثقافة لتتمكن من تدريبهم وزجهم في أجهزة الدولة وخلصت إِلى إن جميع عشائر العراق من شماله إِلى جنوبه تتمتع بالحرمان الثقافي نتيجة بطش واضطهاد الدولة العثمانية لهم.

2. الاعتماد على المنطقة التي ليس لها حدود مَعَ الدول غير العربية لربط امتدادها داخل الجزيرة العربية وعشائرها هناك لتكون بعداً استراتيجياً مستقبلياً داخل حدود القبيلة الواحدة.

3. يجب إن تكون تلك المنطقة تتواجد فيها عشائر لها امتداد في اتجاهات العراق المختلفة وفيها من الطوائف الإسلامية جميعها لتضمن سيادتها أينما تطلبت الحاجة إليها.

4. إن يكون للعشائر أو القبائل في تلك المنطقة مجموعة من الفروع كي يمكن من خلال ذلك دعم أحدهم ضدّ تمرد الآخر.

كانت هذه أحد التصورات التي عملت عليها بريطانيا لحكم العراق من خلال دعم العشائر في مناطق محددة في شمال ووسط وجنوب العراق بصورة انتقائية تتطابق مَعَ مصالحها الخاصة. إلا إن حَتَّى هذا التوجه لم يأخذ مجراه الذي إرادته بريطانيا، حَيْثُ سرعان ما حصل التوتر ونتجت عنه إفرازات أُخرى على الرغم من استمرار بريطانيا في جمع المعلومات عن العراق ومكوناته طيلة فترة تواجدهم. مما وضعها في حالة من اليأس لحكم العراق وكيفية التعامل مَعَ أبنائه فقررت مراجعة المسألة العراقية مراجعة جذرية لعلها تتمكن من فكّ لغز التكوينة الاجتماعية العراقية. ويبدو إن بريطانيا بقوتها وجبروتها المنتصر في الحرب العالمية الثانية كان ينظر للعراق الأصعب نقطة في مستعمراته التي كانت هادئة.

لَقَدْ تبين فيما بعد لبريطانيا إن جميع الدراسات التي وضعتها عن المكون العراقي قَدْ انهارت مَعَ الحرب العالمية الثانية، إذ عاد الجميع إِلى الإضراب والمطالبة برحيل بريطانيا وإلغاء المعاهدات. ولم تتمكن بريطانيا من خلال القبائل إن تسكت تلك الأصوات بل وجد البعض ممن تعتمد عليهم بريطانيا من سياسيين ورجال دولة ضرورة الالتحاق بالأصوات العراقية. مما قَدْ سبب إرباكاً في قراءة وضع العراق وكيفية التعامل مَعَهُ في خصوصية الحكم عند بريطانيا. لذا كان البديل إيجاد حكومات تحت مفهوم الوطنية لإخراس أصوات العراقيين ومن خلالهم تتم عملية تمرير المخططات الشمولية والعامة. وحَتَّى هذه الحكومات قَدْ فشلت على الرغم من قمعها أبناء الشعب، في تمرير الكثير من تلك المخططات. فعلى سبيل المثال لم تجرأ أية حكومة إن تساوم أَو تتمادى في استحقاقات القضية الفلسطينية أَو تغيير توجهات الشعب فيها. مما جعل تلك المهمة عائقاً كبيراً أمام المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. إذ بدون تتابع الأحداث وموافقة بلدان الشرق الأوسط والتخلي عن انتمائهم وإيمانهم بقضاياهم لا يمكن إن يتم المخطط.

بعد إن أخذت الولايات المتحدة الأمريكية دور اللاعب الأساسي في منطقة الشرق الوسط مباشرة وفشل حلف بغداد، تمكنت من استلام جميع الملفات الخاصة بالعراق استخباراتياً واجتماعياً واقتصادياً من بريطانيا. فعلى الرغم من سهولة تطبيق المشاريع وتطبيع شعب منطقة الخليج العربي لمهمة أوسع، واجهت صعوبة كبيرة في إدخال العراق اللعبة الأمريكية المستقبلية للمنطقة. ولم يسعفها حَتَّى تفاهمها مَعَ نظام الحكم، لأن الأخير أخفق في ترويض العراقيين لقبول أيّ حَلّ ضمن الأُطروحة الأمريكية. وبالرغم من بطش النظام العراقي الذي جثم 35 سنة وورود أصوات تطالب بتغييره حَتَّى ولو بحاكم إسرائيلي، كان اللاعب الجديد يعرف إن المجتمع العراقي ليس بهذه البساطة من القبول بأيّ تغيير تراه هي مناسباً له.

كان لابُدَ للولايات المتحدة الأمريكية من إن تستغل غباء صدام حسين وحزب البعث اللذان يقودان السلطة في العراق لتعميق الشق في الداخل العربي والعمل على انقسامات جوهرية تؤدي بالنتيجة إِلى الإفتراق العربي. وصولاً إِلى اعتماد كُلّ دولة على علاقاتها الخارجية وتحالفاتها التاريخية لصدّ أيّ عدوان. فكانت مهزلة وقوع صدام في الفَخّ وإقدامه على اجتياح الكويت قَدْ جسد مرحلة بداية الإنهيار للمنطقة العربية والخلاص من عناد المكون العراقي لتمرير المخطط الأمريكي. ولعل البوابة الرئيسية التي اتخذت طابعاً دولياً شمولياً أكثر منه أمريكياً بريطانياً كان في خيمة صفوان، عندما وافق مبعوثو صدام حسين على بنود الاتفاق دون إن يفقهوا مردوداته الأساسية. ولعله كانت خيمة صفوان نقطة الانطلاق لانهيار المنطقة وترتيبها ترتيباً جديداً يتلاءم مَعَ معطيات المرحلة القادمة إذا ما قرأنا بإمعان التنازلات التي قدمها العسكر من أجل بقاء نظام الحكم غانماً سالماً على ركام آهات ومعاناة الشعب العراقي.

وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية تضغط بلجان التفتيش على النظام العراقي لإيقاف حركة التطور العراقي من جهة وإذلاله بالحصار من جهة أُخرى ليوافق مستقبلاً على أيّ حَلّ لمشكلته. وكان في الجانب الآخر عملاً سياسياً عراقياً معارضاً يعمل لتبرير ما تقترفه الولايات المتحدة الأمريكية من أعمال وحشية تجاه الشعب العراقي، ويضفي عليها طابع الشرعية الدولية لقاء حفنة من الدولارات. فحين بدأ يتضح للعالم مدى إجحاف العقوبات على العراق وحصار شعبه اقتصادياً وتمتع النظام بأيامه الخوالي كانت أصوات الساسة الكبار وأحزابهم السياسية الكبرى تجهض صوت كُلّ عراقي يدعو إِلى فكّ العقوبات الاقتصادية وإبدالها بمحاصرة النظام دبلوماسياً ودولياً.

ومُنْذُ إن بدأ التفتيش في العراق بقيادة أونسكوم دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على تهيئة مستلزمات المرحلة القادمة. وكانت هذه المرحلة تعتمد دون شكّ على البعد السياسي المعارض للنظام وبصورة علنية. ويبدو إن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت من ذلك إن تشعر نظام صدام حسين بأننا قادرين على إبدالك بغيركَ مثلما أتينا بكَ. خصوصاً وأنّهم اعتمدوا كثيراً على مَن كان يعمل في داخل حلقته القريبة من خلال تدليلهم وإظهارهم بصورة أَو أُخرى. ناهيك عن إن حركة المعارضة العراقية قبل دخول صدام إِلى الكويت كانت هزيلة ضعيفة لا وجود لها تقريباً. ويكمن ذلك في عدة أسباب مهمة أولها دعم العرب في حينها إِلى نظام صدام حسين فلم تعطِ هؤلاء المعارضين أية أهمية. وثانيها إن تلك الأحزاب القليلة المعارضة كانت تعويلية الأداء، أيّ إنها تعول نجاحها وخلاصها من النظام على غيرها الآتي من خارج أسوار العراق.

فهي وقيادتها غير الكفوءه كانت تتمنى إن يتم سقوط صدام من خلال الحرب العراقية- الإيرانية. وعند الانتهاء من تلك الحرب وتوقيع معاهدة السلام ووقف إطلاق النار بين البلدين المتحاربين كادت تلك المعارضة إن تنحسر بعد إن تَمَّ شقها لعدة اتجاهات. فوجدت الولايات المتحدة الأمريكية الوحل الذي وقع فيه هؤلاء ومرض الفشل السياسي أحسن فرصة لتجنيدهم لمخططها المستقبلي وإن طال ولكن بقيادات ترتأيهم هي.

فعلى الرغم من اجتماعات المعارضة العراقية تحت لافتات عديدة خلال السنة الأُولى ونيف من الأشهر لما بعد احتلال الكويت وتهافتهم على كسب الأموال من السعودية والدول الخليجية الأُخرى لم يتمكنوا من ترتيب حالهم. فجاءت الترتيبات من الولايات المتحدة الأمريكية من خلال فرضها شخصية غير سياسية فاشلة مهنية وتتمتع بسمعة فاسدة محكومة في قضايا فساد لتجعلها شخصية قيادية. ولعب مُحَمَّد بَحَر العلوم وليث كبة وهاني الفكيكي وغيرهم دوراً كبيراً في تسويق أحمد الجلبي لينطلق تحت عباءته مؤتمر فينا عام 1991م ليقود اللواء الأمريكي الذي أوصلنا لما نحن عليه الآن.

كان مؤتمر فينا وانضمام الفصيلين الكرديين والمجلس الأعلى وحزب الدعوة والحزب الشيوعي وغيرهم من الأحزاب ذُو قوة جماهيرية كبيرة كما يبدو للعيان. ولكن الحقيقة كانت غير ذلك إذ إن سيرته وترتيباته وانعقاده كان من لدن وإشراف مخابرات الولايات المتحدة الأمريكية، وكنا نشاهد تدخلهم العلني حَتَّى في نصوص البيانات وكيفية الانتخابات والترشيحات. فكانت نتيجة هذا المؤتمر الذي أصبح أساساً لتدمير العراق وتفتيته هي المحاصصة الطائفية والعرقية. وعلى الرغم من رفض الكثير ممن يهمهم استقلال العراق وانفرج كربه ما حدث في أروقة المؤتمر من انتهاكات، إلا إن ما إرادته الولايات المتحدة الأمريكية صار وبإصرار من الأطراف الكبيرة في المؤتمر. ومُنْذُ ذلك الحين عرفنا إن العراق مقبل على تهميش وسوف يكون التقسيم الطائفي هو الدلالة المستقبلية لأيّ عمل سياسي مستقبلي.

لَقَدْ تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح من رسم معالم العراق الذي تريده مستقبلاً مُنْذُ أول يوم لأيام مؤتمر فينا، وذلك من خلال المقررات والشخصيات التي فرضتها كقيادة له. وصاحب مقررات مؤتمر فينا وبدعم أمريكي تأسيس ثمانية وعشرين حزباً سياسياً خلال ثلاثة أسابيع. وذلك لإضفاء طابع الشرعية على المؤتمر وتوجهاته من كثرة الأحزاب التي توافدت عليه والتي بعضها لا يتعدى المنتمين فيه عدد أصابع يَدّ واحدة. هكذا كان السياق السياسي في القضية العراقية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. فما إن انفض مؤتمر فينا حَتَّى عقد بعد أقل من سنة مؤتمراً في أربيل، ذلك المؤتمر الذي عمق مسألة الطائفية وأهدافها المستقبلية في العراق، وصاحب المؤتمر النتائج والتطورات التالية التي يمكن حصرها بما يلي:

1. تجنيد القيادات البعثية التي تركت العراق بعد أحداث 1991م لتنخرط تحت مظلة ما يعرف بالمؤتمر الوطني العراقي وارتباطهم مباشرة بأحمد الجلبي.

2. تأسيس أربعة مقرات لوكالة المخابرات الأمريكية وسبع مقرات للاستخبارات الأمريكية لترتبط مباشرة مَعَ شخصيات وأحزاب المعارضة العراقية التي هي جزء من مؤتمر أربيل.

3. تجهيز بعض الأحزاب السياسية العراقية بأجهزة استقبال وتنصت ترتبط مباشرة بدوائر المخابرات والاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية.

4. تقرير منح الأحزاب العراقية التي تنضوي تحت المؤتمر الوطني مواقع في شمال العراق وتدعم بكافة تجهيزاتها العسكرية والمالية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

5. فتح معسكرات تدريبية تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية وتدعمها عسكرياً ومالياً.

6. ترشيح كُلّ حزب عدد من عناصره تحدد نسبهم فيما بعد لغرض التدريب في قواعد الولايات المتحدة الأمريكية خارج منطقة شمال العراق.

7. عدم الاعتراف بأيّ تشكيل سياسي أَو نشاط سياسي لأية شخصية سياسية مهما كان تاريخها خارج مظلة المؤتمر الوطني والإيعاز إِلى دول الجوار في التحفظ في التعاون معهم.

كانت هذه الاتفاقات السرية التي تمخض عنها مؤتمر أربيل وشيوعها في الساحة العراقية السياسية خارج أسوار النظام السفاح قَدْ تواترت. وبدأ الكُلّ يتهم الكُلّ في الوصول إِلى الحالة وبات كُلّ منهم يتخوف من الانسحاب كي لا يفوته قطار التغيير. فما أُشيع عن إن هذا الحزب قَدْ انسحب أَو هذه الشخصية قَدْ انسحبت لا صحة له. لكون الواقع كان يبين عكس ذلك وتمكن العراقيون من معرفة إنها مسألة أدوار لابُدَ لِكُلِّ حزب من الأحزاب السياسية إن يلعبها من خلال توقيف نشاطه وزجّ بكبار شخصياته في داخل اللعبة تحت مسميات كثيرة.

ولقد حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على إعطاء مؤتمري فينا وأربيل ونشاط الأحزاب المشاركة فيه أهمية كبيرة. الغرض من ذلك العمل على تهميش أيّ دور وطني لشخصيات رفضت الانخراط في بوتقة المشروع الأمريكي. وَمَعَ ذلك كانت تزجّ بين الحين والآخر بشخصيات تعتمد عليها في مخططها المستقبلي لإفشال أية محاولة لإيقاف سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على الشارع السياسي العراقي. ولكن هذه الحالة لم تدم طويلاً فسرعان ما لاحظت الولايات المتحدة الأمريكية إن هناك مداً جماهيرياً عراقياً من القاعدة البسيطة التي عانت من النظام الصدامي الفاسد تنخرط بمجاميع كبيرة في المعسكرات المشيدة في أربيل والسليمانية. وإن هؤلاء بدأوا يطالبون قياداتهم بضرورة الزحف نحو بغداد إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ذات مصداقية في حمايتهم من طائرات النظام.

وعندما وجد أحمد الجلبي وأعضاء مؤتمره إنّهم لم يتمكنوا من إيقاف تلك الجموع، حصلت مهزلة 31 أُغسطس/آب 1996م التي تمخض عنها دخول القوات العراقية إِلى أربيل وبطلب رسمي من مسعود البرزاني واكتسحت المعسكرات وألقت القبض على المبدأين منهم وأرسلتهم إِلى بغداد. وللأسف ساهم في هذه العملية بعض الأحزاب المنظوية تحت راية المؤتمر وبطلب أمريكي.

كانت مهزلة أربيل عام 1996م قَدْ كشفت اللعبة الأمريكية، إذ قامت وكالة المخابرات الأمريكية والبتاغون بإجلاء 3400 فرد من العراقيين العاملين تحت لوائها، بالإضافة إِلى شخصيات قيادية في المؤتمر كشفتهم الصحافة الأمريكية في حينها ومنهم مُحَمَّد عبد الجبار شبوط، موفق باقر (الربيعي)، مُحَمَّد بَحَر العلوم، نبيل الموسوي، نوري البدران، رياض القره غولي، آراس حبيب، جودت العبيدي، عبد الحليم الرحيمي (الرهيمي)، حامد البياتي (طالب الأصفهاني).

بعد هذه المهزلة كان لابُدَ للولايات المتحدة الأمريكية من إن تغير التكتيك وليس الاستراتيجية، فعملت خلال السنوات الأربعة فقط على جمع المعلومات من داخل العراق بالاعتماد على الأحزاب المنخرطة تحت راية المؤتمر الوطني. وَقَدْ تَمَّ صرف أموال كثيرة لترويج هذا الأمر دون متابعة حثيثة من الولايات المتحدة الأمريكية عن صحة المعلومات من عدمها. ولكن لم يتوقف المؤتمر عن اجتماعاته الدورية وأن كانت بين مدّ وجزر مَعَ الأحزاب الأُخرى، ولوحظ إن في كُلّ اجتماع أَو لقاء كانت المحاصصة الطائفية تلعب دوراً كبيراً. ولعل الملفت للنظر في غضون هذه الأحداث التي جمدت فيها الولايات المتحدة الأمريكية نشاطاتها لإسقاط النظام الحاكم هو إن إدارة كلنتون وجهت إِلى مؤسسة راند الأمريكية المتخصصة بالاستراتيجيات الشرق أوسطية طلباً لدراسة وضع العراق المستقبلي. خلصت الدراسة التي أجراها الكاتب الاستراتيجي المخابراتي الأمريكي كراهام أي فولر المسماة "العراق في العقد القادم: هل سيبقى العراق لغاية عام 2002م"، إِلى نتيجة مفادها أنَّه إذا استمرّت الولايات المتحدة الأمريكية في تطبيق تصورتها المستقبلية نحو العراق، فأنَّه سوف لا يبقى العراق عراقاً حَتَّى عام 2002م. وسوف يصاحب العراق تقسيماً ما بين 4-6 ولايات صغيرة يمكن السيطرة عليها بسهولة. كما إضافة الدراسة، إن على الولايات المتحدة الأمريكية إن لا تفرط بالشخصيات التي تعاملت معها وإن تحتضنهم ليتمكنوا من القيام بمهام مصيرية، تجعل الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل الدولة الوحيدة التي لها الريادة والسيادة في المنطقة. وبالنتيجة نحن الآن نرى مدى إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على إبقاء تلك الشخصيات قيادات مستقبلية للعراق لتتحقق نتائج دراسة الباحث كراهام بحذافيرها.

خضعت دراسة فولر إِلى تطبيق شديد من قبل إدارة كلنتون ما بين عام 1996م ولغاية 1998م. ويبدو إنها استشارت بعض الدول المحيطة في العراق، وأبدت تلك الدول عدم ارتياحها لتلك الفكرة التي تعتبر أحد بنود المخطط الإسرائيلي للوصول إِلى المنطقة. وبادرت بعض الدول تحرك شخصيات عراقية لإجهاضها ولكن بدون تخطيط أَو وضوح. ولعل من تلك الأُطروحات هي وصول عدنان الباجه جي إِلى لندن في تلك الفترة والالتقاء بشخصيات عراقية سياسية يدعوهم لعدم المناداة بسقوط صدام بل إبداله بابنه قصي. إلا إن هذا المقترح جوبه بالرفض وعدم النضج السياسي عند الباجه جي، بالذات من كاتب السطور شخصياً، حَيْثُ كنا نصر على ضرورة إن يسقط النظام بأيدي عراقية ويحاكم ضمن القانون الجنائي العراقي هو ومن مَعَهُ من الذين قَدْ يثبت ارتكابهم جرائم بحَقّ العراقيين. وَمَعَ التوجهات العربية لإجهاض الخطة الأمريكية كان هناك عمل شاق دأبت عليه الولايات المتحدة الأمريكية مُنْذُ صيف عام 1997م. تمخض هذا العمل برصد أموال طائلة عن طريق المؤتمر الوطني لفتح مؤسسات إعلامية وثقافية عراقية مدنية. فشهدت الساحة في وقت واحد صورة غير طبيعية لما يسمى بجمعيات التحول المدني. والواقع هذه حالة حضارية لابُدَ منها ولكن ليس بالصورة التي تريد منها الولايات المتحدة الأمريكية خدمة مصالحها وتنفيذ مخططاتها. على أية حال كان لهذه الجمعيات نشاط ملحوظ ودعم مادي كبير. وبالفعل تَمَّ من خلالها طرح عدة بحوث تخدم التحول الأمريكي في المنطقة ضمن إعادة برمجة الدولة العراقية.

في الجانب الآخر كانت هناك شخصيات اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية، واجبها دحض أيّ عمل سياسي وطني تقوم به ثلة من الوطنين ضدّ المخطط الأمريكي من جانب وضدّ النظام الصدامي من جانب آخر. فكانت على سبيل المثال اجتماعات كثيرة وعديدة للمستقلين للخروج من هذا الصمت وما يضمره المستقبل. وتمخض أحدها عن إعلان سري بتأسيس حركة للمستقلين العراقيين في المهجر في 17 أبريل 1997م، وأقدمت هذه الحركة على رسم ملامح العراق الجديد بعد سقوط صدام والعمل من الداخل على إسقاطه وإعادة برمجة الحياة فيه ضمن الأُسس الحضارية الدولية ورفض التدخّل الأمريكي في شؤون العراق ومحاكمة صدام ومن أجرم بحَقّ الشعب العراقي محاكمة عادلة.

كما صاحب هذه المجموعة التي أسسها كُلّ من حسين الشعلان وعبد الأمير علوان وجلال البياتي وسامي فرج علي ونوري العبد وقاسم غالي وفائق الشيخ على (فائق دعبول المرندي) وفارس الجادر وهيثم الناهي وطالب علي وفلاح شفيع (انسحب بعد اجتماعين) ومحمد نبيل (انسحب بعد اجتماع واحد)، دراسات في التكنولوجيا والاجتماع والإدارة والسياسة والتربية كنظرة مستقبلية لبناء العراق الجديد. ولكن المشروع قَدْ فشل، بعد عمل متناهي لمدة أربعة عشر شهراً عندما تَمَّ مناقشة النظام الداخلي للحركة حين أصر فائق الشيخ على وقاسم غالي على ضرورة إضافة فقرة تنصّ على ضرورة إقامة علاقات مَعَ إسرائيل. فانسحب كاتب السطور لاعتراضه على الفقرة وعلى تواجد من يفكر بهذا المستوى فانسحب مَعَهُ فارس الجادر وسامي فرج علي وطالب علي. واستمرّت حركة المستقلين أشهر قليلة وفشلت تَماماً بعد انسحاب جلال البياتي منها لنفس السبب الذي انسحب الآخرون بموجبه.

وتبين فيما بعد إن الكثير ممن كان منخرطاً في حركة المستقلين قَدْ زجّ بهم لإفشال الحركة من قبل أحزابهم، فبعضهم كان من منتمياً إِلى الحركة الملكية الدستورية، والوفاق الوطني، والمؤتمر الوطني العراقي، ومجلس العراق الحرّ. ومنهم من كان مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بمؤسسات مخابراتية دولية وإقليمية هدفها تعطيل أيّ مشروع عراقي وطني حُرّ.

كانت حكومة كلنتون تأسس لترتيبات مدنية سياسية تتماشى مَعَ خطّ الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أهداف دراسة فولتر. ولكن يبدو إن المسألة بدأت تأخذ أكثر جدية عام 2001م عندما وصل جورج بوش الابن لدفة الحكم وأصر على تطبيق خطته الموسومة "الحرب ذات الرؤوس الأربعة". ولهذا شهدت ساحة المعارضة العراقية نشاطا كبيراً من جانب ومجلس الأمن الدولي من جانب آخر. وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن متدربين للاضطلاع بمهام الحكم العراقي الجديد كما أسمته. ولعل حرب أفغانستان أدت جزءاً كبيراً من المهمة، ويمكن إن نستنتج إن الحرب على العراق كانت قادمة لا محالة مهما كلف الأمر من خلال التصريحات الأمريكية بشؤون العراق والأحداث التي توالت والتي يمكن إجمالها بما يلي:

1. كان دَكّ تشيني نائب الرئيس الأمريكي يصرح إننا لابُدَ من إن ننهي عملية كان من المفترض إنهاؤها قبل أكثر من عقد. ويتضح للمتتبع أنَّه لا يقصد القضاء على صدام فقط بقدر ما يريد إن يكمل مخطط السيطرة على العراق والمنطقة.

2. تصريحات دَكّ تشيني المتتالية بضرورة البقاء في العراق لمدة أربعة عقود حَتَّى يتغير التفكير العراقي في معاداته لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

3. تصريحات بأول بان الولايات المتحدة الأمريكية ستزيل صدام لتبقى هناك ولم تنسحب وتترك العراق إِلى فوضى وحرب أهلية حسب قوله.

4. عمل الولايات المتحدة الأمريكية على تجنيد أكثر من 77 ألف عسكري غير أمريكي ووعدتهم بمنحهم الجنسية الأمريكية لقاء المشاركة. وذلك لمنع مأساة فيتنام إذا طالت مدة الحرب وكي لا تكون الخسائر البشرية مؤثرة في الشارع الأمريكي.

5. العمل على ترويض المنطقة قبل شنّ الهجوم على العراق وإشعارهم بأنهم قادمين لا محالة وَلابُدَّ إن يرضخوا لهذه الحقيقة. كما عملت ترتيباتها مَعَ الدول العربية والشرق أوسطية الأُخرى على اتخاذ التدابير لعدم خروج شعوبهم للشارع والتلويح بمظاهراتهم ضدّ توجهات الولايات المتحدة الأمريكية. وبالفعل شهدت تركيا ومصر والمغرب ولبنان ودول أُخرى قمعاً للمظاهرات الرافضة للحرب.

6. التصعيد الذي صاحب لهجة بوش في تهديد استعمال القوة حَتَّى بدون قرار من مجلس الأمن إذا لم يرضخ صدام لقبول المفتشين وتدمير أسلحته. وتهديده الدول الأُخرى مُنْذُ حرب أفغانستان بأن من لم يكن معنا فهو في الخندق الذي يواجهنا. مما أدى إِلى تكالب الدول الشرق أوسطية لمنحه الولاء من جهة والطلب بعدم إعلان مساهمتهم ودعمهم إعلامياً حسب ما قال وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد للصحافة الأمريكية في السابع من آب/أُغسطس عام 2002م.

7. ضعف الدول الكبرى في مجلس الأمن للوقوف أمام توجهات الولايات المتحدة الأمريكية خوفاً من محاصرتها اقتصادياً. بالإضافة إِلى تفاوض الأخيرة معهم وإعطائهم تعهدات بضمان مصالحهم المستقبلية في العراق إذا لم يقفوا أمام توجهاتها باتخاذ حَقّ النقض "الفيتو"، ضدّ أيّ قرار يتخذ بشنّ الحرب على العراق من جانب وبالضغط على العراق بقبول المفتشين وتدمير أسلحته التقليدية من جانب آخر.

8. إعطاء برنامج العراق التسليحي أهمية أكبر من حجمه على الرغم من معرفتهم بعدم امتلاكه له. ولعل التقرير الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول وبدعم من رئيس وكالة المخابرات الأمريكية في حينها جون تينت في الثاني عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2002م خير دليل على تلك الأُسطورة. إذ اعترف باول في العشرين من مايو/مارس 2004م بالأكاذيب التي وردت في التقرير وإن الولايات المتحدة الأمريكية فَقَدَتْ الأمل في إيجاد أيّ سلاح تدمير شامل في العراق أَو قابليته على امتلاكه.

 

لم تمرّ إلا أشهر عديدة من عام 2002م حَتَّى بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تعد العدة لعقد مؤتمر شامل للمعارضة العراقية. الهدف منه كان تأكيد المحاصصة الطائفية والعرقية التي أقرتها في مؤتمري فينا وأربيل واستمرّت تروج لها من خلال إعلامها الموجه. وصاحب العمل الأمريكي قبل انعقاد المؤتمر ترويض وتدريب وارتباط شخصيات مختلفة لهذا المشروع منها دينية ومنها سياسية ومنها اجتماعية. ولعل من أبرز تلك الشخصيات التي تَمَّ تدريبها لتأخذ دوراً جديداً في العراق مجيد الخوئي. إذ كان دوره يستند إِلى أُطروحة تدويل النجف واعتبارها مدينة مقدسة لا دخل لها في سياسة العراق المستقبلية. وكان الهدف من هذا المشروع هو إفراغ الشيعة من محتواهم السياسي وارتباطهم بالواقع المذهبي في المناسبات فقط كما هو الحاصل الآن مَعَ الفاتيكان. وفي غضون 10-13 كانون الأول/ ديسمبر 2001م تَمَّ عقد المؤتمر في فندق هلتن بأُجور رود بلندن. وحرصت الولايات المتحدة الأمريكية على إدخال كُلّ التشكيلات والشخصيات السياسية في هذا المؤتمر.

وتمكنت من إن تحشد له حشداً كبيراً وغطته إعلامياً. وتمكن مبعوث الرئيس بوش زلماي خليل زاده (ذُو الأصل الأفغاني المتجنس أمريكياً) من لعب دور مخابراتي كبير لرسم صورة العراق وما سيحدث وفق مخطط جاهز. وعلى الرغم من تغيب أحزاب وشخصيات كثيرة كالحزب الإسلامي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية والحزب الشيوعي إلا إن زلماي حرص على لقائهم سرّاً وتوضيح الأمر بضرورة الانضمام للقطار الأمريكي. وَتَمَّ الاتفاق بالموافقة ولكن دون الإعلان عن ما تَمَّ الاتفاق عليه. وحرص أَيضاً على لقاء شخصيات عراقية سياسية معارضة للمؤتمر خارج إطاره لتوضيح ضرورة الالتحاق بعجلة المؤتمر.

لَقَدْ أصر موفد الرئيس الأمريكي لحضور مؤتمر المعارضة العراقية على مقابلتنا لاستيضاح أسباب رفضنا المشاركة في المؤتمر وعدم موافقتنا لما يخطط له من قبل الولايات المتحدة الأمريكية. وتمت مقابلته في أروقة فندق هلتن بعد انتهاء المؤتمر بيوم واحد وأبلغته في لقائنا، إننا لا يمكننا إن نوقف زحف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العراق لكوننا لسنا بدولة أَو نتمتع بقوة تمكننا من مقارعة ذلك. وعلى الرغم من إن سقوط النظام يمثل أكبر طموحاتنا ولكن على إن لا يكون الثمن هو العراق. كما أبلغناه أنَّه من المؤسف حَقّاً إن يتم تدمير بلد بأكمله وقتل شعب يتكون من ثمانية وعشرين مليوناً لإزالة شخص صدام وحفنة من المجرمين مَعَهُ، وباعتقادنا إن الولايات المتحدة الأمريكية لديها أساليب أُخرى يمكن اتّباعها لإزالته دون اللجوء للحرب. وباعتقادنا إن صدام وحكمه أضعف مما تعتقدون أنتم أَو تروجون له ولو سمحتم باستقلالية المعارضة التي توجهونها لسقط صدام مُنْذُ عقد.

وعليه فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية مصممة على خوض الحرب فإنّ رفضنا يستند إِلى ضرورات مهمة يستوجب على الولايات المتحدة الأمريكية توضيحها، وإن تتعهد بالالتزام بها قبل بدأ حربها على العراق. لنكون على الأقل قَدْ وفينا لشعبنا العراقي بعض الشيء. كانت الأمور التي طرحناها على زلماي تتلخص بالنقاط الخمس التالية:

1. مدى مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب من العراق حال الانتهاء من العمليات الحربية وضرورة وضع جدول بذلك يتم اتفاق فصائل المعارضة والولايات المتحدة الأمريكية عليه قبل بدء العمليات.

2. ضرورة كشف الولايات المتحدة الأمريكية عن نوع السلاح الذي تنوي استخدامه في العراق وعدم تجربة أيّ نوع جديد لم يجرب من قبل. لكي لا تتلوث المنطقة بالأسلحة الفتاكة مثلما حدث في حرب عام 1991م التي أدت إِلى مأساة إنسانية وأمراض سرطانية وتشوهات ولادية نتيجة استعمال اليورانيوم المستنفذ.

3. أطلعنا على الملف الذي أعدته الولايات المتحدة الأمريكية مَعَ بعض عناصر المؤتمر الوطني العراقي الموسوم بـ: "نحو التغير الديمقراطي في العراق Toward Democracy in Iraq"، ووجدنا إن هناك نية لتحطيم مؤسسات الدولة العراقية ومعاملها الخدمية والإنتاجية ونحن بدورنا نريد ضمانات بعدم المساس بتلك المؤسسات والحفاظ عليها لأنها تمثل مصادر حية لديمومة الاقتصاد العراقي المستقبلي بالإضافة إِلى ضرورة ضمان توفر العمل للعراقيين من خلال المحافظة عليها. وسنقوم بتزويدكم بأسماء البعثيين الكبار العاملين في هذه المؤسسات لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة إن أجرموا أَو ساهموا في فساد الدولة العراقية طيلة فترة حكم صدام حسين.

4. تقديم صدام وزمرته والذين اقترفوا جرائم بحَقّ الشعب العراقي من البعثيين إِلى المحاكمة العلنية العادلة في خلال ثلاثة أشهر من سقوط النظام. وفتح مراكز في مدن العراق لجمع المعلومات من المواطنين بالجرائم التي نفذت بحقّهم.

5. مؤتمر لندن استعمل المحاصصة الطائفية والعرقية ويبدو إن هذا التوجه سوف يؤدي إِلى عدم استقرار العراق وكتابة دستوره الدائم وإقرار القانون كسيد للمجتمع لا يعلوه أحد. وسوف تنتهي الأمور برأينا إِلى الفوضى إذا ما استمرّت تلك المحاصصة، لذا نرتأي إن تكون المحاصصة إذا كان لابُدَ منها محاصصة عرقية عربي - كردي - تركماني بدلاً من خلطها مَعَ بعضها البعض من الطائفية والعرقية. ويجب إن تكون بالاستناد إِلى الكثافة السكانية وإدخال عراقي الداخل في تلك المحاصصة بنسبة 70%. وبعد المحاصصة العرقية تتم في داخلها المحاصصة الطائفية ولو نحن ضدّ هذا التوجه بالكامل.

رفض زلماي نقاطنا الخمسة أعلاه جملة وتفصيلاً وأبلغنا إن الولايات والمتحدة الأمريكية غير ملزمة بإعطاء التزامات أَو وعود لأيّ كان وإن من لم يسير معها في هذا الركب سوف لن تكون له أية مساهمة في بناء العراق الجديد كما أسماها.

بدأت بعد مؤتمر أَجور رود بثلاثة أشهر تدريبات أمريكية لعراقيين مدنيين وعسكريين سابقين وسياسيين محترفين وإعلاميين من شتى الطوائف. وكانت مجاميعهم تَضُمّ مُحاصَصَة طائفية أَيضاً، إيماناً من الولايات المتحدة الأمريكية في تمرير هذا المخطط للاضطلاع بمهام جبارة في حكومة الاحتلال الأمريكي للعراق. وكانت فترات التدريب تتراوح ما بين شهر إِلى ثلاثة أشهر في كُلّ من تكساس وواشنطن وبعضاً من وقتها في إسرائيل لبعض الشخصيات التي سوف تأخذ أماكن حساسة. هذه الدورات التي كانت تشمل جميع التخصصات والتيارات وانضم إليها عدد لا يستهان به من المعارضين والمحسوبين على المعارضة العراقية ممن يحمل شهادة وعاطل عن العمل لسنوات فوجد حظه معهم.

ونذكر من هؤلاء حسين بركة الشامي ورؤوف الأنصاري وأحمد السامرائي (الحجية) ومحمد براء نجيب الربيعي وعبد الحليم الرحيمي (الرهيمي) وسامي العسكري ومحمد عبد الجبار شبوط وإبراهيم بَحَر العلوم وسعد شاكر ومهدي الحافظ وقاسم داوود وتوفيق الياسري وعدنان الذرفي وأحمد الشريفي وباسم الأستربادي وزهير حسن وعمار الصفار وحميد الركابي وآزاد شورش وشيرزاد طالباني وعلي حنوش وحامد البياتي وكمال فيلد ونوري لطيف وسعد جواد قنديل ورضا جواد تقي وعلي البياتي وسالم اللامي وسعد البزاز ومشعان الجبوري ووفيق السامرائي وعبد الحميد الكفائي ومُضر شوكت ونبراس الكاظمي وسعد الجبوري ودلشاد زيباري وصادق الموسوي (طارق مطر)، وغيرهم وَقَدْ تطول القائمة لتصل 1833 شخصية موزعة الآن داخل الوزارات العراقية ومؤسسات إصدار القرار التابعة للاحتلال. كانت الدورات تحتوي في محتواها على كيفية الخدمة في أروقة دوائر الاحتلال وكيفية الترويج له عند الدخول للعراق. كما تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من تدريب ستة آلاف عراقي معظمهم من الأكراد للقيام بأعمال ترجمة ومرافقة عسكرية خلال فترة الاحتلال.

بدأ الشارع السياسي العراقي يتحدث عن هذه المسألة وكان الاستياء الكبير من مسألة تدريب علماء الدين يأخذ طريقه إِلى المناقشات. لكون الولايات المتحدة الأمريكية كانت تخلق تياراً من علماء الدين في الخارج بزي رسمي إلا إن تفكيرهم وعقليتهم تَصُبّ في التوجه الأمريكي الجديد. وفي إحدى صلاة الجمعة المقامة في دار الإسلام بلندن في شباط عام 2003م صرح في خطبته حسين بركة الشامي داعيا العراقيين للجهاد مَعَ القوات الأمريكية لتحرير العراق كما أسماه وقال في بعض من خطبته: "يتهمني البعض بإنني أمريكي التوجه وأعلنها من هنا إنني أمريكي حدّ النخاع".

استمرّ حال التوجس من الحرب والتصعيد للحرب يفترش الساحة العراقية بصورة كبيرة جداً حَتَّى وقع الاحتلال وشوهد مَن ساهم فيه بصورة فعالة وعرف العراقي ضعف قدرة صدام وجبنه حَتَّى في الدفاع عن أقل من شبر لساعات طويلة وتبين إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تخيف العراقيين بصدام لكي تكمل مخططها دون إن يحدث ما لا يمكن السيطرة عليه. ولتكن هي صاحبت الفضل على العراقيين بإسقاطه في حين كان بإمكان العراقيين إسقاطه بسهولة لولا تسريب المعلومات إِلى صدام حسين بين الحين والآخر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يكن سقوط بغداد مفاجئا للجميع لأن الكُلّ كان متوقعاً عدم مصداقية صدام للقتال من أجل العراق هو وحزبه ومن يَلِفّ حوله من زمرته المستفيدة. والدليل على ذلك بمجرد إن هوى عام 1991م انتقل الكثير من أعوانه للعمل في صَفّ المصالح وأصبحوا معارضين يميلون حَيْثُ يميل الهوى. ودخل مرتزقة صدام في الأمس كمحررين وقادة للمعارضة عند سقوط بغداد دون مقاومة من على الدبابات الأمريكية. والعجب الذي لا يطاق هو الالتحاق بعد فترة وجيزة جداً وبصورة علنية للأحزاب التي كانت متعاهدة مَعَ الولايات المتحدة الأمريكية بصورة سرية كالدعوة والشيوعي والإسلامي العراقي وبانت مَعَ ذلك ومن خلال الأحداث المتعاقبة اللعبة الأساسية في رسم المخطط الجديد.

من جانب آخر كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترى أنَّه ليس من الصحيح إن تترك الساحة السياسية العراقية الخارجية خالية لدحض أُطروحة الاحتلال والعمل ضدّها. فخلقت أَيضاً قبل إقدامها على الاحتلال، تياراً صهيونياً فكرياً تحت منظمة ما يسمى بالذاكرة يديرها كنعان مكية. هدف هذه المنظمة العمل على إجهاض أية مبادرة وطنية أَو عمل يرفض الاحتلال الأمريكي ويدعو لوضع العراق الطائفي من خلال اتهام أعضاء تلك المنظمة الفاسدة للشرفاء من العراقيين الذين لم تنطوي عليهم اللعبة باتهامات باطلة. ضَمَّ هذا التيار الصهيوني عناصر كانت في الأمس القريب قبل انتفاضة عام 1991م شخصيات بعثية تدين بالولاء لصدام حسين وحزبه الفاشستي. وكانت هذه المجموعة مدعومة بصورة أَو أُخرى من قبل إسرائيل وَتَمَّ تدريب معظمهم في إسرائيل حسب رواية خالد اللحام المسؤول في المكتب الفلسطيني من خلال اتصال بمحطة المستقلة الفضائية في 22 مايو 2004م إذ قال بعد إن أكد أسمائهم: "نحن لدينا الوثائق الخاصة بهؤلاء الذين تَمَّ تدريبهم في هرتزيليا بإسرائيل وإذا كانت المستقلة على درجة من الشجاعة نحن على استعداد لإرسالها ونشرها عبر قناتها".

##

ضمت هذه الشلة المتصهينة عدداً ممن كان تابعاً للنظام الصدامي قبل عام 1991م وممن دربتهم الولايات المتحدة الأمريكية لإملاء وتطبيق المشروع الطائفي الصهيوني ونخصّ من هؤلاء بالذكر فائق الشيخ علي (فائق دعبول المرندي) ومحمد حسن الموسوي (مُحَمَّد حسن سعيد الزاملي) وباسم العوادي ومحمد هويدي (مُحَمَّد المهداوي "الشيخ" ويلقب بعبد الأمير هويدي ويعتبر قائداً روحيا لهذه الشلة) وطالب الصراف (للمعلومة ابنه زوج بنت نظمي أوجي المعروف بعمله التجاري لصالح نظام صدام حسين طيلة العقود الثلاثة الماضية) وأمير جابر وحامد الياسري ورياض القره غولي وأحمد هاشل سليمان الحلفي ومصطفى الكاظمي ودلشاد زيباري وصادق الموسوي (يعمل الآن مستشار رئيس الجمهورية العراقية واسمه الحقيقي طارق مطر وهو ليس بموسوي) وحميد الكفائي وآخرين لم يفصحوا عن أسمائهم الحقيقة ويعملون من وراء الكواليس تحت مفهوم عدم مقاومة الاحتلال واللجوء إلى العملية السياسية. وتتلخص مهام هؤلاء بالإضافة إلى ما ذكرناه إلى تكريس الاحتلال والدعوة إلى تقسيم العراق إلى دويلات طائفية وتعميق الفوارق العرقية وإحداث الفوضى من خلال طرح مشاريع فوضوية تمّ دراستها ضمن المشروع الصهيوني للمنطقة

حَتَّى وصل وصفهم الاحتلال الأمريكي للعراق بالفتوحات الإسلامية وأهدافها السامية فتأمل حجم الشرخ الصهيوني الذي يعيشه العراقيون في هذه الفترة. ولعلنا بانتظار مفاجئات كثيرة سوف تظهر على الساحة من خلال نشاط هذه الشلة، خدمة منهم بقصد أَو دون قصد للصهيونية العالمية ضدّ العراق وشعبه التاريخي الأبي، هكذا بدت مؤثرات السياسة النووية تجاه العراق وملابسات سقوط صدام ووقوع العراق تحت الاحتلال، ولكن ما هي الأهداف الأساسية لذلك تجاه المنطقة؟ وهل ينتهي المشروع الأمريكي عند هذا الحَدّ أم إن المنطقة مقدمة على حرب أشمل وأكبر في المستقبل القريب العاجل. ولعلنا لابُدَ إن نؤكد في نهاية مطافنا هذا، إن المشروع الأمريكي كاد إن لا يأخذ طريق النجاح لولا الظهور العلني للاتفاق السري ما بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة والأحزاب السياسية العراقية ذات الشعبية قياساً بالأحزاب الأُخرى الموجودة على الساحة العراقية من جهة أُخرى. إن التحاق حزب الدعوة الإسلامية بكافة فصائله المنشقة والمتحالفة والحزب الإسلامي العراقي والحزب الشيوعي العراقي، كان له الأثر الكبير في تمكين الولايات المتحدة الأمريكية من تطبيق أجندتها التدميرية في العراق بصورة دقيقة. والحقيقة إن تلك الأحزاب الثلاثة قَدْ أَجْهَزت على الفكر السياسي العراقي وأردته قتيلاً عندما تبين أنَّهم جزء من اللعبة الأمريكية في العراق ومُنْذُ وقت طويل.

فَفِي الوقت الذي كانت أدبياتهم ومُنْذُ عقود طويلة تؤكد على مقارعة الاستكبار العالمي في المفهوم الفكري الإسلامي، والإمبريالية المستعمرة في الفكر الشيوعي، نراهم الآن أكبر حليف للولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ مخططها في العراق، الذي لا تخلو الخيوط الصهيونية الدولية من اللعب في كيانه وتوجيهه. وبالتالي فتلك الأحزاب الثلاثة قَدْ جعلت الأمل في التخلص من هيمنة المشروع الأمريكي على المنطقة العربية والإسلامية في الشرق الأوسط عامة والعراق خاصة أمراً مستحيلاً جداً.

لَقَدْ تبين للعراقيين الذين عانوا من طغمة صدام حسين وحزب البعث وبطشه خلال العقود الأربعة الماضية، إن السياسة في عُرف الأحزاب السياسية العراقية سواء كانت إسلامية وشيوعية أممية أَو قومية عربية وكردية وتركمانية أَو ليبرالية منتمية أَو مستقلة، هي كيفية الوصول إِلى السلطة وحسب. إذ ليس هناك مجالاً في نهجهم الواضح لنا الآن أيّ موقع للمبادئ والقيم الدينية والأخلاقية والفكرية، فراح ضحية هذه الممارسات الشعب العراقي بكافة أطيافه. وعلاوة على ذلك فَقَدْ مارست تلك الأحزاب همجية كبيرة لقمع أية توجه شعبي عراقي وطني، لتبقى هي وبحماية الولايات المتحدة الأمريكية سيدة الموقف في السلطة والسياسة، وهذا ما تبين في الواقع في الأشهر القليلة الماضية، حين اتفق الجميع بمختلف أطيافهم السياسية العراقية التي كانت تشكل مجلس الحكم سيئ الصيت، على قمع التيار الصدري، لكونه كان يمثل حالة شعبية عراقية لها امتداداتها الفكرية والعقائدية.

 

12.5 الأفاق المستقبلية للمنطقة

مَعَ الانتهاء من احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومساهمة بعض الفصائل العراقية في الترويج والتكريس له، بدأت حرب القرن الحادي والعشرين تأخذ مجراها الفعلي. فَقَدْ صاحب الاحتلال الأمريكي للعراق ظهور أُطر فكرية تحاول إن تأخذ طريقها داخل المجتمع العراقي بصورة خاصة وداخل منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة. ولعل من أهم أولويات هذه السياسة الجديدة هو تقوقع كُلّ شعب وحكومة في داخل حدودها دون الاكتراث لما يحدث في البلد المجاور. فتسنى للولايات المتحدة الأمريكية تمرير أوامرها بالصورة والتوجه اللذان تراهما مناسبين لإقرار مشروعها المستقبلي. ولقد نجحت بعد احتلال العراق ببثّ مفهوم حَلّ المشاكل الداخلية ولسنا مسؤولين عن ما يحدث خارج أسوارنا. وَمَعَ براءة التعبير الشعبي لهذا المنظار الفكري الجديد إلا إن ورائه أهداف أساسية للولايات المتحدة الأمريكية، إذ تهدف من خلاله إن تصفي نقاط التوتر المعادية إليها. فعلى سبيل المثال ظهر في الآونة الأخيرة تياراً صهيونياً مروّجاً في العراق لعدم الاكتراث بما يحدث في فلسطين وضرورة التركيز على حَلّ المسألة العراقية الداخلية التي نرى إنها سوف لن تَحلّ حَتَّى تنتهي عوالقها خارج منطقة العراق. وبالتالي فالولايات المتحدة الأمريكية أرادت من ذلك إن يقول العربي إن لا ناقة لنا ولا جمل في فلسطين وما هي إلا مشاكل داخلية ولإسرائيل الحَقّ في تصفيتها. أنَّه خيار مَفَّرَ لا يمكن إن يتقبله الشارع العراقي أبداً ولكن التوجيه الإعلامي المركز على هذه النقطة أعطاه بعداً جماهيرياً غير موجود لمعرفتنا بخلفيات المروجين له من خلال استعمال التعابير الإنسانية لمظلومية اليهود في العراق. ولعل الأتعس في تلك الأُطروحة التي يروجها التيار السياسي العراقي المتصهين هو إعطائهم حَقّ اليهود الإسرائيليين بالعودة إِلى العراق ورفض حَقّ الفلسطينيين بالعودة إِلى ديارهم فتأمل أيها القارئ الكريم إِلى أيّ حدّ وصلت الأمور!

تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال التيارات الجديدة إن تعطي اليد الطولى لإسرائيل في القضاء على الفلسطينيين دون إن يتدخل أحد ممن كان يعتبر القضية الفلسطينية أم القضايا العربية الإسلامية. وأخذ هذا المفهوم مداه ليصل إِلى عمق الشرق الأوسط، فترى شعوب المنطقة لا دخل لها فيما يحدث بأفغانستان والباكستان وحصار إيران والعراق وفلسطين والجزائر وبالتالي فَقَدْ نجحت السياسة الجديدة بفصل المنطقة لقواطع لها جاهزيتها للتقطيع لبقع أصغر وأصغر.

كان من أُولى أولويات الولايات المتحدة الأمريكية إن تخرج منطقة الشرق الأوسط من طابعها العشائري المحافظ، ومن خلاله يمكن تقسيم المجتمعات إِلى مدن قائمة بذاتها تنخرط ضمن آليات بناء الدولة التي تراها وتخطط لها الولايات المتحدة الأمريكية كحل مستقبلي لمفهوم الديمقراطية الداعية إليه. الهدف من ذلك إن لا يكون هناك امتداد عشائري أَو قبلي ليغطي جميع مناطق القطر بل ينحصر ضمن المدينة الواحدة. وتمكنت من خلال حربها في أفغانستان من إن تفتت المنظومة هذه من خلال حربها التي أسمتها ضدّ الإرهاب وما إن نجحت حَتَّى انتقلت نفس الفكرة لتطبيقها في المملكة العربية السعودية بعد إن تَمَّ تعميق مفهوم محاربة شبح الإرهاب، وإجبار القبيلة أَو العشيرة التخلي عن أبنائها، لا بل تطاردهم وتسلمهم للسلطات حَتَّى وإن كانت لديهم قناعات ببراءتهم. ثُمّ امتد المفهوم نفسه ليصل إِلى اليمن والسودان والعراق ولا ندري سوف ينتقل إِلى أين في المستقبل القريب.

ولعل من أهم أولويات المشروع الصهيوني الحديث هو تقسيم عالم الشرق الأوسط إِلى دويلات صغيرة لا تقوى على الاضطلاع في التزاماتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والمصيرية. ولكن ضمن القانون الدولي لا يمكن تجزأة الدول المستقلة إلا إذا طلب أبناء الدولة. فمُنْذُ السنوات الأُولى للتسعينيات كانت الولايات المتحدة الأمريكية تأطر وتحاول برمجة مفهوم الفدرالية في العرق دون إن توجد لها آلية ما. وتحاول من خلاله إن تترك الأمور إِلى الأحداث السائدة في العراق. ولعلها كانت تحاول تطوير هذه الفدراليات لتكن دويلات صغيرة. ولهذا ما يحدث في العراق من تكريس للاحتلال وعدم استقرار نابع من أهدافها في إيصال العراق إِلى حالة مأساوية غير مستقرة يصل فيه الحَدّ إِلى أبناء المنطقة للمطالبة في الانفصال لحماية آمن مدنها. ومن هذا المنطلق يمكن بعد ذلك إن تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية تجربة حية يمكن تصديرها إِلى دول المنطقة فَيَتمّ على ضوئها بعد توسيع العمليات المسماة بالإرهابية في السعودية واليمن والسودان فتشهد المنطقة تقسيمات جديدة يمكن إن تباركها الشرعية الدولية لنجاحها في فرض الاستقرار في العراق.

يبدو إن دعوة جورج بوش الأخيرة إِلى بناء شرق أوسط كبير يدخل ضمن هذه الخطة التي بدأت رسومها تأخذ جدية أكبر مَعَ التصعيد في منطقة دارفور السودانية الغنية بالبترول، والتضييق على برنامج إيران النووي السلمي. وَقَدْ شاهدنا في الآونة الأخيرة إن تقرير وكالة المخابرات الأمريكية السنوي الصادر في شباط 2004م ولأول مرة يبحث في شؤون أقليات إيران، مُرَكِّزاً بذلك على منطقة عربستان وتاريخ شعبها وأحقيتهم في تقرير المصير وعلى المنطقة التي يقطنها الأكراد وضرورة مراجعة حقوقهم. أيّ يعني ذلك إن المرحلة القادمة ستشهد لعبة جديدة لإثارة النزاع في إيران ويمكن من خلال تلك النزعات تصدير مشروع تقسيم العراق إِلى دويلات مرتقبة. وبالتالي تبقى ساحة الشرق الأوسط ساحة صراع لقيادتها ما بين تركيا وإسرائيل وكلاهما على الأقل في الوقت الحاضر حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية.

الصراع المستقبلي لقيادة المنطقة ما بين إسرائيل وتركيا يبدو سوف لن يكون ذُو أهمية كبيرة لدى الولايات المتحدة الأمريكية على الأقل في الوقت الحالي. ولكن إذا ما تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من زرع قواعدها العسكرية الست في العراق وزرع قاعدتين أُخريين في المنطقة الكردية وإضافة 12 قاعدة جديدة في منطقة الخليج العربي حسب مصادرها العسكرية، سوف تكون الولايات المتحدة الأمريكية غير مستعدة للبقاء في حلف شمال الأطلسي ولا تحتاجه مُطلقاً. خصوصاً وإنها بدأت بسحب قواتها من أوربا شيئاً فشيئاً بحجة انتهاء الحرب الباردة. وبالتالي فسوف ترى الدول الأوربية لا مناص من تأسيس حلف عسكري أوربي على ركام حلف الشمال الأطلسي وينتهي بذلك تواجد القوات الأمريكية في تركيا. ولا تصبح حليفاً استراتيجياً فتدخل ضمن لعبة التقسيم تحت ذريعة الرضوخ لمطالبة الأقليات. وبهذا تتضح صورة الشرق الأوسط الكبير الذي يتصوره الرئيس بوش لتنفرد بقيادته إسرائيل. ويتحقق حلمها بالسيطرة على المنطقة من النيل إِلى الفرات ليس عسكرياً بل فكرياً واقتصادياً وسياسياً وتاريخياً.

يبدو إن هذه الأحلام لا يمكن إن تأخذ طريقها بسهولة للتنفيذ مَعَ غياب القطب المضاد للولايات المتحدة الأمريكية. ولكن إذا ما استمرّ العالم بجميع دوله في مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ مخططاتها بذريعة شبح الإرهاب فإنّها سوف لن تأخذ وقتاً طويلاً لتنفيذه. إلا إن التقارير تشير إن فرنسا وألمانية وانضمت إليهم مؤخراً الدنمارك قَدْ أدركوا حجم الكارثة إذا ما أعطيت الولايات المتحدة الأمريكية الغطاء الدولي لتنفيذه. ولعل تصريح قادة الحلف وشيراك شخصياً بأننا لن نسمح بتغيير إسرائيل لحدودها التي كانت عليها بعد 1967م خير دليل على فهم اللعبة الجديدة. وَمَعَ هذا فإنّ تلك الدول الأوربية ليست باللاعب الأساسي لإيقاف المشروع، بل عليها إن تعيد حسابات استراتيجياتها ومصالحها في المنطقة لمنع التسلط الأمريكي بصورة شاملة.

التحرك الفرنسي الألماني الدنماركي المعاكس لتوجه الولايات المتحدة الأمريكي ولو لم يأخذ الجانب العلني، كان في المقابل منه تحرك أمريكي سريع للسيطرة على منابع البترول العالمي. فبعد إن تمّت سيطرته على البترول الخليجي والقزويني راح يمسح العالم الأفريقي لتعيين المناطق الغنية بالبترول وكان نتيجة ذلك، التصعيد في السودان مرة بخصوص حرب الجنوب وتارة في دارفور الغنية بالبترول وما شاكل ذلك. وكان أهدافه في تعيين المناطق والاستحواذ عليها من خلال التدخّل لمنع كوارث إنسانية كما أسماها، ليس نابعاً من احتياجه للبترول بقدر ما يحاول السيطرة على منابعه والتحكم في تصديره وتسعيره دولياً لمنع ظهور أية قوة شبيه بالاتحاد السوفيتي، ولتبقى الولايات المتحدة الأمريكية سيدة العالم. خصوصاً وإن التقارير تشير إِلى ترقب ظهور كلا من الصين والهند والاتحاد الأوربي كمنظومة قوية ثلاثية تنافس الولايات المتحدة الأمريكية مستقبلاً وفي فترة لا تتجاوز العشر سنوات القادمة، لمقاييس النمو الاقتصادي والتكويني البشري لِكُلِّ منهم والقدرة التطويرية وامتلاك كلا منهما منظومة نووية. ويبدو إن الولايات المتحدة الأمريكية تتخوف من ظهور تحالفات ما بين تلك القوى الثلاث فتحاول حصر الصين والهند من خلال قواعدها القريبة منهما وإثارة المشاكل في مناطقها كما يحصل في كشمير بالنسبة إِلى الهند وتايوان بالنسبة إِلى الصين وتعميق الخلاف في كوريا الحليف الرئيسي للصين.

نستنتج مما جاء أعلاه إن الشرق الأوسط والصراع عليه يبدو مفتاح الحرب والأمان لما يمتلكه من ذخيرة كبيرة لمصادر الحياة المتمثلة بالبترول والفلزات الأُخرى. وبالتالي فنحن نميل إِلى اندلاع حرب جبارة خلال الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين يكون مسرحها الشرق الأوسط بأكمله للسيطرة على منابع البترول والمصادر الأُخرى. خصوصاً إذا أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على السيطرة على أسعار البترول ومحاربة الدول المرشحة لتكن كبرى في اقتصادياتها.

هكذا بدا لنا العالم وصراعاته النووية وحروبه المتتالية وتوجهاته السياسية. وهي صراعات من أجل مناطق النفوذ وتقليل امتلاك الدول للسلاح النووي ليبقى بيد من اكتشفه واستعملته أول مرة ليتمكن من سيادة العالم وتحقيق نبؤة سيادة اليهود ليظهر المسيح مرة أُخرى حسب رواياتهم الدينية التي سيسها الساسة لحماية الكيان الصهيوني.

 

ملحق