![]()
(
العد العكسي للحرب
)
عندما انتصف اكتوبر كان من الواضح أن الازمة ستطول بعض الوقت ، وان حلها يزداد تعقيدا يوما بعد يوم ، واصبح الشرق الاوسط مسرحا لاحداث ماساوية .
وركزت الصحف في صفحاتها الاولى كما ركزت الاذاعات والتلفزيونات على المشكلات الجديدة : مقتل واحد وعشرين فلسطينيا في القدس في 8 أكتوبر ، وقيام القوات السورية في 13 من الشهر ذاته بالاطاحة بالزعيم العسكري المسيحي ميشيل عون في لبنان .
وفي الثاني عشر من أغسطس ـ أي بعد غزو الكويت بعشرة ايام صرح صدام حسين بأنه لا يمكن حل الازمة الا في اطار النزاعات الاخرى في الشرق الاوسط : الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان وجنوب لبنان . وردت حكومتا الولايات المتحدة واسرائيل على ذلك بانه " دعاية رخيصة . "
وبينما كانت الازمة آخذة في الاشتداد اصدرت بعض الدول الغربية تصريحات تربط في الظاهر بين هذه القضايا الشرق أوسطية . فالرئيس الفرنسي ميتران أعلن في خطاب له في الامم المتحدة في 24 سبتمبر ان صدام حسين صرح بانه سوف ينسحب من الكويت ، وأن أبواب التفاوض مفتوحة . وقال دوغلاس هيرد وزير خارجية بريطانيا ان الاولوية ستكون للقضية الفلسطينية عندما يتم حل أزمة الخليج .
كانت الاحداث الدامية التي وقعت في القدس في الثامن من أكتوبر بمثابة هدية لصدام حسين . إذ ركزت أنظار العالم في القضية الفلسطينية ، ووضعت اسرائيل في موقف بالغ الحساسية . فبادرت اسرائيل إلى القول بان منظمة التحرير الفلسطينية احكمت تدبير ذلك لاحراج اسرائيل ، بل ذهب بعض الناطقين الاسرائيليين إلى حد القول بانه ربما كان العراق وراء جهود المنظمة في هذا السبيل . على انه كانت للفلسطينيين وجهة نظر أخرى . فاتهموا الاسرائيليين بالقيام بالمجزرة في محاولة لمنع المتطرفين الاسرائيليين من " جماعة المؤمنين في الهيكل " من الزحف على المسجد . فكانوا قد نادوا بضرورة هدمه وتحويله إلى كنيست . ومن الواضح أن البوليس الاسرائيلي منع المتطرفين من الاقتراب من المسجد وان الفلسطينيين أخذوا يقذفون الحجارة على آلاف المصلين اليهود امام حائط المبكى . لكن كان من الواضح أيضا أن الجنود الاسرائيليين أطلقوا النار على الفلسطينيين بعد فرار اليهود من الحجارة وابتعادهم عن الخطر .
وهاجمت بعض الجماعات الاسرائيلية حكومتها بسبب الطريقة التي عالجت بها المظاهرة . واتهمت جماعة " بتسيلم " المستقلة التي ترصد الاعمال الاسرائيلية في الاراضي المحتلة القوات الاسرائيلية باطلاق النار دون تمييز على المتظاهرين والمتفرجين ورجال الاسعاف . وورد في تقرير للجماعة يشجب ما حدث ويقع في أربع وثلاثين صفحة قولها : " واستمر إطلاق النار حتى بعد أن اخذ المتظاهرون يتفرقون في كل اتجاه وبعد ان هرب كثرة منهم وحتى بعد ان وصلت سيارات الاسعاف والفرق الطبية ".
خلق هذا الحدث مشكلة كبيرة للحكومة الاميركية التي كانت لها منذ سنوات طويلة علاقات وثيقة مع اسرائيل . فخلال مناقشات امتدت خمسة ايام في مجلس الامن حاولت التوصل إلى صيغة قرار يحمل أقل ما يمكن من الادانة لاسرائيل . لكن بعد أن حصلت على دعم غالبية الحكومات العربية في ازمة الخليج ، لم تعد في وضع يمكنها من استخدام حق الفيتو ضد القرار . وفي الايام التي تلت احداث القدس كان في مقدور المرء أن يلاحظ ان الهجوم في البلاد العربية على منظمة التحرير بسبب تاييدها لصدام حسين قد تحول مؤقتا إلى هجوم على اسرائيل . وبرز هذا بوضوح في مصر حيث كان مبارك قد اصبح مناصرا قويا لموقف الولايات المتحدة من صدام .
وعندما تبنت الامم المتحدة اخيرا قرارها ، لم يشتمل هذا القرار فقط على انتقاد اسرائيل بسبب الطريقة التي عالجت فيها (مظاهرات) الفلسطينيين ، بل وعلى الطلب من الامم المتحدة ارسال وفد إلى اسرائيل للتحقيق في الاحداث . فردت حكومة شامير على ذلك بغضب وهاجمت الولايات المتحدة بسبب موقفها ، ورفضت رفضا قاطعا فكرة الوفد قائلة بانه باستطاعة أفراده ان يزوروا اسرائيل كسائحين . وقارن جيمس بيكر بين رد الفعل الاسرائيلي تجاه قرار الامم المتحدة برد فعل صدام حسين تجاه تلك الهيئة الدولية ، مما زاد التوتر بين الولايات المتحدة واسرائيل . وكانت الولايات المتحدة تحرص كل الحرص على أن تتحاشى حدوث ذلك . فمنذ بداية الازمة نصحت الولايات المتحدة اسرائيل ان تعمد إلى الهدوء ، لانها لم تكن تعتبر ازمة الخليج مؤامرة اميركية صهيونية . وكان هذا هو ما فهمه صدام حسين وما يفسر لماذا أعلن صدام في عدد من المناسبات انه إذا قامت الولايات المتحدة والقوات العسكرية الاخرى في السعودية بمهاجمة العراق فانه سيقوم على الفور بمهاجة اسرائيل بالصواريخ . وكان يامل من وراء هذا توريط اسرائيل في الحرب ودق اسفين في تأييد الدول العربية للهجوم على بلاده .
قامت اسرائيل بتشكيل لجنة تحقيق حول حمام الدم بالقدس برئاسة مدير الموساد السابق زفي زامير . وجرى الاستماع لاول شهادة في الجلسة المغلقة يوم الاحد في الرابع عشرة من اكتوبر وبعد مضي اثني عشر يوما أعلن تقرير زامير ان القوات الاسرائيلية بريئة من قتل الفلسطينيين البالغ عددهم واحدا وعشرين .
ويحتمل ان يكون الغضب على الولايات المتحدة هو الذي حفز الاسرائيليين إلى اتخاذ قرار آخر كفيل بالحاق المزيد من الضرر بالعلاقات مع الولايات المتحدة . إذ اعلن وزير الاسكان عن وجود خطط لبناء مساكن في القدس الشرقية لليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي . وكان الاميركيون قد قدموا قرضا مضمونا باربعمئة مليون دولار لاسرائيل لايواء المهاجرين السوفييت لكن بشرط ان لا يخصص أي جزء منه لبناء مساكن في الاراضي المحتلة . وقال شارون ان القدس الشرقية ليست منطقة محتلة بل هي جزء من القدس عاصمة اسرائيل ، وهو شيء رفضت قبوله كل دولة في العالم .
***
جرى أيضا الربط بين القرار السوري باستخدام القوة للاطاحة بالجنرال عون بلبنان وبين أزمة الخليج . فبعد أن ظلت الولايات المتحدة سنوات تدين سوريا بوصفها دولة ارهابية ، فانها اصبحت حليفة لها في ازمة الخليج . وكان من دواعي سرور الرئيس الأسد الذي كان على الدوام يكن الكراهية لصدام ان ينضم إلى قوة عالمية تعتزم طرد صدام من الكويت ، وربما من السلطة أيضا . وكان جيمس بيكر قد عقد اجتماعا مع الرئيس الأسد تعرض لبعض النقد في الولايات المتحدة ، وأثار بوجه خاص سخط أسر ضحايا الرحلة 103 لطائرة بان أميركان التي انفجرت فوق لوكيربي باسكتلندا . فلم يكن بوسعهم أن يصدقوا انه من الممكن لمسؤول اميركي كبير أن يزور بلادا لعبت دورا في الهجوم الارهابي .
لكن الرئيس الأسد كان قد أصبح عندئذ في وضع لا غبار عليه في نظر الولايات المتحدة . إذ كان قد أرسل قوات سورية إلى السعودية والامارات وأيد بقوة موقف الولايات المتحدة وهيئة الامم من العراق . وكشف مصدر سوري عالي المستوى انه احاط بقواته القسم المسيحي الذي يسيطر عليه الجنرال عون في بيرات ، تلقى الضوى الاخضر من البيت الابيض للمضي قدما والاطاحة بعون.
وعندما وجد عون نفسه محاصرا بالقوات السورية ناشد الاسرائيليين ان يقوموا بمساعدته . وهذا ما اكده أوري لوبراني منسق العمليات الاسرائيلية في لبنان الذي أكد أن التحالف السوري الاميركي في الخليج سهل على السوريين استخدام القوة للاطاحة بعون . قال " لا ريب عندي في ان صار لدى السوريين الحرية في استخدام القوة داخل لبنان طالما أنهم حلفاء للاميركيين " .
وبعد معركة قصيرة ولكن دامية هرب الجنرال عون من القصر الرئاسي إلى السفارة الفرنسية . ولا يزال فيها . ومنذ ذلك الوقت رفضت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة الهراوي طلبا تقدمت به الحكومة الفرنسية للسماح له بمغادرة لبنان إلى فرنسا . وتصر على محاكمته بتهمة الفساد .
لم يثر التدخل السوري في بيروت الشرقية أي انتقاد رسمي في الولايات المتحدة أو في غيرها من الدول الكبرى . وبدلا من ذلك ، جرى تصويره باعتباره محاولة كريمة لاعادة توحيد لبنان . وليس من شك في أن اعادة توحيد دولة انتهكت حرمتها امر في غاية الاهمية ، لكن من الصعب تفسير الاتفسير الاحتلال السوري للبنان خلال السنوات الكثيرة القادمة على انه مختلف .
لكن إذا كان نجاح سوريا في الحصول على الضوء الأخضر قد جاء نتيجة لانضمامها للتحالف فانه كان ذلك بعض النتائج الايجابية . فالواقع ان الذي دفع سوريا إلى الانضمام للتحالف لم يكن مجرد علاقاتها السيئة مع العراق منذ وقت طويل . إذ كانت تشعر بالعزلة عن عدد من الدول العربية المهمة وخصوصا مع مصر والسعودية . إذ لم يكن لسورية أية مشاركة في مجلس التعاون العربي الذي تشكل عام 1989 ولا في مجلس التعاون الخليجي، ولكن بانضمامها إلى التحالف ضد العراق كسرت الحواجز واصبحت مشاركة لدول عربية مهمة . ثم ان السوريين أدركوا ما يجري في الكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتي اللذان كانا يدعمان نظام الأسد . إذ كان غارقين في المشكلات الاقتصادية إلى حد أيقن معه السوريون بأن المساعدات الاقتصادية والعسكرية سوف تتوقف . وعليه كان من المهم ايجاد حليف قوي آخر ، فكان الولايات المتحدة .
لكن بالرغم من هذه الايجابيات فقد كان في سوريا شعور متزايد بالإحباط بالنسبة لقضايا أخرى ، وأولها أن الولايات المتحدة خصصت 700 مليون دولار لإسرائيل لمساعدتها على تحسين نظامها الدفاعي ضد الصواريخ .
فأدان السوريون هذا القرار بشدة لأنه كما قالوا محاولة من الولايات المتحدة لربط أزمة الخليج بالنزاع العربي الإسرائيلي . كما أن السوريين أصيبوا بخيبة أمل عندما رأوا المساعدات المالية التي كانت تحصل عليها أقطار مثل مصر من الغرب . وكانت الولايات المتحدة قد ألغت دينا لها على مصر بمبلغ 7 بلايين دولار وكذلك فعلت دول الخليج بدينها البالغ 5 بلايين دولار نقدا . كما أن سوريا كانت لا تزال تعاني من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا وغير قادرة في الوقت ذاته على الحصول على المساعدات المالية التي تمكنها من حل المشكلات الاساسية للاقتصاد السوري .
ومما أغضب السوريين أيضا العلاقات الدبلوماسية . فبريطانيا التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران ، رفضت إعادتها مع سوريا . وكانت علاقاتها ببرطانيا قد قطعت على أثر حادث الهنداوي عام 1986 عندما وجدت قنبلة على إحدى طائرات العال بمطار هيثرو ، وحملت بريطانيا سوريا المسؤولية عن تلك العملية الإرهابية .
وأصرت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر على هذا الموقف بالرغم من السياسة السورية الجديدة التي تجلت في الدفاع عن التحالف ضد العراق . وبقيت هذه المشكلة دون حل إلى أن خرجت تاتشر عن الوزارة في نوفمبر . فبعد ذلك بأربع وعشرين ساعة اعادت بريطانيا علاقاتها مع سوريا .
وكان السوريون يواجهون مشكلة أخرى . فبالرغم من أنهم كانوا يكرهون العراق فانه كان سيتحالف معهم في حال نشوب الحرب مع اسرائيل . وهكذا فانهم اعلنوا بوضوح ان قواتهم موجودة في السعودية للدفاع عنها لا لمهاجة العراق وأنهم لا يسعون إلى حرب مع العراق بل إلى حل سلمي . أجل كانوا يريدون حلا سلميا لا يضعف قوة العراق . لكن هذا الموقف تغير كليا فيما بعد عندما اندلعت الحرب ، فقبلت بهدوه تدمير العراق وأيدت فكرة الإطاحة بصدام حسين .
***
طرأت أحداث أخرى مهمة أثرت في أزمة الخليج . ففي 18 نوفمبر ـ أي بعد الغزو بثلاثة أشهر ـ اجتمع بباريس لأول مرة منذ الحرب الباردة رؤساء ورؤساء وزارات 34 دولة تضم دولا من أوروبا الشرقية والغربية بالاضافة إلى كندا والولايات المتحدة ( ضمن إطار منظمة CSCE ) . وفي تلك الأثناء وصلت رسالة مستعجلة من بغداد تعلن أن صدام حسين سيبدأ في عيد الميلاد بإطلاق سراح جميع الرهائن . على ان الرسالة لم تفاجئ أحدا . فمنذ بداية الازمة وصدام حسين يحاول استغلال قضية الرهائن في محاولة منه لإضعاف تأييد الرأي العام الدولي لأي هجوم عسكري على بلاده . ومهما يكن من أمر فان إعلان صدام استقبل باستخفاف من قبل الولايات المتحدة بوصفها مجرد دعاية عراقية أخرى . وفي صباح اليوم التالي ، وبعد أن تناول بوش الفطور مع مارغريت تاتشر ، شجب القرار العراقي بالإفراج عن الرهائن على دفعات ، وقال بأنه إذا أراد صدام حلا سلميا فعليه ان يفعل بالكويت ما فعله بإيران . وهذا يعني " أن عليه أن يتراجع تراجعا كاملا . فلن تطلق رصاصة واحدة غضبا إذا فعل ما يفترض فيه عمله وهو التقيد تقيدا كاملا بقرارت الامم المتحدة " .
عند بدء اجتماع الدول الأربع والثلاثين . كان من الواضح أن أزمة الخليج تتزايد تعقيدا . فطوال شهور كنا نسمع عن مختلف الخيارات لحل الأزمة ـ المفاوضات السلمية ، وانسحاب طوعي للقوات العراقية من الكويت ، والحل العربي ، والحرب . وبعد أن قام الرئيس الأميركي بنشر 000 , 200 من الجنود كخطوة أولية ، أعلن في أوائل نوفمبر أنه سيرسل تعزيزات للوجود العسكري في السعودية تتألف على الأقل من 000 , 200 جندي . وفي هذه صار من الواضح لدى متتبعي الأزمة أنه طرأ تغير أساسي على الموقف الأميركي . إذ تحولت الولايات المتحدة إلى دولة مهاجمة ، وبالتالي أخذ احتمال وقوع الحرب يتحول إلى حقيقة . وذهب عدد من الخبراء إلى أن نشر القوات يعني أن الحرب ستقع بين منتصف وآخر يناير أو أوائل فبراير . واعتقد آخرون نشرها قد يكون خدعة لتغطية هجوم مبكر على الكويت
***
لم يحضر جورج بوش وسكرتير الدولة جيمس بيكر إلى باريس فقط بهدف المشاركة في المؤتمر ، بل أيضا وأساسا من أجل إقناع فرنسا والاتحاد السوفييتي بالحاجة إلى قرار جديد تصدره الامم المتحدة يجيز استخدام القوة العسكرية ضد العراق . بعد أن اجتمع بيكر ووزير الخارجية الفرنسية رولان دوما أشاع مساعدو بيكر بان فرنسا وافقت على دعم هذا القرار . وأشيع الشيء ذاته على أثر عشاء ضم بوش وميتران . فسارع الأليزيه إلى القول بأن أي اتفاق بهذا الشأن لم يتم ، وبأن فرنسا إذا كانت تقبل " من حيث المبدأ " فانها لا تدعم أي قرار لم يناقش في مجلس الامن . وحدد ميتران موقفه النهائي في مؤتمر صحفي عقده بعد انتهاء اجتماع باريس ، معلنا فيه ان قرارا جديدا سوف يتم تبنيه خلال ثلاثة أسابيع ويجيز استخدام القوة .
وجرى الشي ذاته مع السوفييت . فقد عقد بيكر ثلاثة اجتماعات مع ادوارد شيفارنادزه ؛ واجتمع بوش كذلك بغورباتشوف . وعرف أولا أن السوفييت غير متحمسين لصدور قرار عن الامم المتحدة يؤيد استخدام القوة . وأعلن الناطق الرسمي السوفييتي في عدة مناسبات ، بان موقف بلاده هو " الصبر " .
ولكن قبل مغادرة غورباتشوف لباريس ، ظهر على شاشة التلفزيون الفرنسي وحمل على العراق وعلى صدام حسين قال : " الوضع شديد الخطورة . يجب علينا ان نتحرك ، ونظهر حزمنا وتصميمنا . ونشعر بالحاجة إلى قيام مجلس الامن دون تأخير بالاجتماع ومناقشة الوضع واتخاذ قرار" .
وخاب أمل الذين قالوا باحتمال التوصل إلى حل عربي . وفي أوائل نوفمبر دعا الملك الحسن الثاني إلى عقد قمة عربية لحل أزمة الخليج . ولكن في حين أن العراق سارع إلى تأييد اقتراحه فان الدول العربية الرئيسية مثل مصر وسوريا والسعودية بادرت على الفور إلى رفضه .
وخاب كذلك الأمل في حل دبلوماسي . فالوسيط السوفييتي يفجيني بريماكوف الذي قام بجولة مكوكية على الاقطار العربية بما فيها العراق بهدف التوصل إلى حل سلمي ، تحدث عن القيام بتنازلات للعراق . لكن الولايات المتحدة لم تكن على استعداد لقبول شيء من هذا . والواقع أن بوش كان قد وضع نفسه في موقف كان من الصعب تغييره ومن المستحيل التفاوض حوله . إذ قال انه لا يمكن إجراء محادثات مع العراق إلا بعد انسحاب العراق من الكويت وعودة الأسرة الحاكمة والافراج عن جميع الرهائن من الأجانب . وكان صدام قد أشار في كثرة من المقابلات بأنه لن يقبل ذلك . وعندما كنت ببغداد في أوائل سبتمبر أبلغتني وزارة الخارجية العراقية ان صدام حسين يرغب في مناظرة تلفزيونية مع بوش . ونقلت رغبته إلى البيت الأبيض فكان الجواب قاطعا بالنفي . وفي مقابلة لبيتر جنكز المراسل الرئيسي لشبكة " إي بي سي " مع صدام ببغداد شدد هذا على استعداده للتفاوض مع الولايات المتحدة والسعودية ولكن بدون " شروط مسبقة " وكان معنى ذلك أنه لن ينسحب من الكويت قبل التوصل إلى حل تفاوضي . لكن بالرغم من كل الحديث عن الحاجة إلى حل دبلوماسي فانه بات في حكم المستحيل .
أما وقت تعذر انسحاب صدام بدون شروط ، وتعثر الحل العربي والحل التفاوضي فلم يبق هناك إلا خيار واحد وهو الحرب .
وفي 29 نوفمبر تبنى مجلس الامن القرار 678 الذي أيد بوضوح ذلك الخيار . واتُّخد القرار باثني عشر صوتا مقابل اثنين عارضاه وهما اليمن وكوبا وامتنعت الصين عن التصويت . وخولت الفقرة الرئيسية من القرار " الدول الأعضاء بالتعاون مع حكومة الكويت " لا ستخدام " جميع الوسائل الضرورية " لتنفيذ القرار رقم 160 الذي دعا إلى انسحاب العراق انسحابا تاما من الكويت . وحدد تاريخ الانسحاب بموجب القرار 678 " في أو قبل " الخامس عشر من يناير 1991 . كما دعا القرار إلى إعادة " السلم والأمن الدوليين إلى المنطقة " . وهذه هي الكلمات الرئيسية التي استندت إليها الدول الغربية فيما بعد لتبرير تجاوز تحرير الكويت إلى غزو العراق . وهكذا بدأ العد العكسي نحو الحرب .