![]()
(( سطر كتب على الرمال ))
عندما نزل ياسر عرفات وأبو إياد في مطار جدة في السابعة من صباح 7 أغسطس كانوا مثل باقي الناس في العالم لا يعرفون شيئا عن الاتفاق الذي تم بين الزعماء السعوديين وواشنطن وعن عملية درع الصحراء الوشيكة الوقوع .
كان الليل في آخره في القواعد الأميركية على ساحل الولايات المتحدة الشرقي ، حيث كانت طلائع القوات { المتجهة إلى الخليج } . لكن لم تظهر أية علامات على وجود نشاط غير عادي.
عندما وصل الزعيمان الفلسطينيان قصر الملك فهد وجدا الجو المخيم عليه محيرا. لقد اعتادا أن يجداه غارقا في صمت يدعو إلى الخمول . أما عندئذ فكان خلية تعج بالنشاط . كانت ارتال السيارات تشاهد في طريقها إلى القصر حاملة أركان الحكم ، بينما كان مسؤولون آخرون يروحون ويجيئون في دهاليز القصر وهم يحملون الملفات .
وظل عرفات وأبو إياد ينتظران إلى ان وصل رسول من الملك وأبلغهما ان الملك لن يستطيع استقبالهما قبل اليوم التالي . فقال عرفات مشيرا إلى الحركة غير العادية : " ما الذي أثاركم على هذا النحو ؟ " .
فتردد رسول الملك قليلا ثم أجاب بقوله : " لقد وصل وزير الدفاع الأميركي أمس على رأس وفد . وهو الآن يواصل محادثاته مع الملك " .
فأقلقت هذه الأخبار عرفات . ولم يكن أبو إياد المسؤول عن دوائر الأمن والمخابرات بالمنظمة قد علم مسبقا بالزيارة . وعليه فإنهما أخذا يفكران في وضع جدول لزيارتهما .
وقبل ان يقررا زيارة السعودية للاجتماع بالملك فهد كانا يعتزمان الذهاب إلى فيينا للاشتراك في تشييع جنازة المستشار السابق يورنو كرايسكي الذي كان يدافع عن الفلسطينيين . لكن لم بعد بإمكانهما القيام بالرحلة لعدم وجود طائرة تقلهما إليها . وعبّرا عن خيبة أملهما لرسول الملك الذي أبلغهما نبأ تأجيل اجتماعهما مع الملك ، فاستمع اليهما باهتمام وبعد أن غاب حوالي عشرين دقيقة عاد منفرج الاسارير وقال : " لقد تم ترتيب سفركما . أمر الملك بتخصيص طائرة لكما . وهي الآن جاهزة لنقلكما إلى فيينا واعادتكما إلى جدة " .
* * *
في القدس أدى تشييع جنازتي شابين اسرائيليين كانا قد قتلا، إلى أعمال عنف ضد العرب .
وفي مقر المخابرات العسكرية كان هناك أمران يشغلان الخبراء . فالعراقيون بغزوهم الكويت استولوا من الكويتيين على أعتدة عسكرية متطورة أكثرها من صنع أميركي وشبيه بالاسلحة الموجودة لدى القوات الإسرائيلة . وبالاضافة إلى هذا كشفت " المصادر " أن المخابرات العراقية السرية تلقت وهي تعد للغزو معلومات كثيرة من مخابرات منظمة التحرير . وهذه بدورها حصلت عليها من الفلسطينيين الذين يحتلون مناصب مهمة في الكويت . وفي تلك الاثناء كانت طائرات ف 15 وف 16 تقلع من الولايات المتحدة إلى السعودية بينما كان أربعة آلاف رجل من الفرقة المحمولة جوا يتأهبون لمغادرة البلاد.
وبدأت الآثار الأولى لضغوط واشنطن السياسية هي الأخرى بالظهور . فقد أغلق السعوديون خط الأنابيب الذي ينقل النفط العراقي إلى البحر الأحمر ، ومنعت تركيا نقل النفط عبر أراضيها إلى شواطئها على البحر الأبيض المتوسط .
وكما قال أحد السياسيين الأوروبيين فانه كان هناك أسلوبان لمعالجة المشكلة وهما " المواجهة والخنق " واختار بوش اللعب بالوراقتين في الحال . لكن كان كلاهما يتطلب درجة كبيرة من التنسيق والتعاون الدوليين ليكون فعالا.
وفي داخل الدائرة المغلقة لزملاء بوش من أصحاب الاطلاع دار نقاش مثير حول أفضل وقت لاعلان حشد القوات في الخليج . ورأى أكثرهم أن يعلن عن ذلك بالتلفزيون مساء الثلاثاء " قبل ان تنشر الصحافة أخبار العملية " . أما بوش الذي لا يشعر بالارتياح عندما يظهر على شاشة التلفزيون فقد تمسك باعتقاده الذي يشوبه الغموض وهو أن الاعلان يجب أن " يجري في اللحظة المناسبة سياسيا وعسكريا " .
* * *
في تلك الاثناء أكد صدام حسين عبر التلفزيون أن احتلال الكويت " أنهى التجزئة الاستعمارية " التي كانت تفصل الأكثرية افقيرة عن الأقلية الغنية .
* * *
عاد عرفات وأبو إياد من فيينا ليلة الثامن من أغسطس واستقبلهما الملك فهد في الصباح ، وحضر المقابلة الأمير عبد الله ولي العهد . وكانت طلائع القوات الاميركية قد بدأت في الوصول .
وكان عرفات قد أصبح على مر السنين خبيرا في فن البقاء . فبعد أن تولى دور الوسيط الذي تخلى عنه الملك حسين بسبب خيبة أمله ، اعتقد انه يستطيع تعزيز مكانة المنظمة لا بين رؤساء الدول العربية فقط بل في الغرب . وكان قد رفض أن يدين غزو الكويت واعتبر ذلك ورقة مرور رابحة تمكنه من البقاء على اتصال بصدام حسين لكن موقفه لم يكن مصدر قوة له . فالواقع أنه أضعف مركزه .
وكان حافظ الأسد يحتقره ، ومبارك لا يثق فيه ، ودول الخليج تشجب موقفه . والسعودية وحدها التي كانت مموله الرئيسي وقفت موقفا معتدلا من المنظمة .
وقبل وصول عرفات وأبو إياد إلى الرياض كانا قد فكرا في الانعكاسات المالية المحتملة للأزمة على المنظمة . وكان بعض مستشاري المنظمة الموثوق بهم قد نطقوا بكلمة " إفلاس " فإذا فقد الفلسطينيون البالغ عددهم 000 , 400 أعمالهم في الكويت وإذا تراجعت الدول عن تعهداتها المالية فان المنظمة ستجد نفسها بلا موارد تذكر .
وكان عرفات قد طلب وضع خطة تأخذ بعين الاعتبار تخفيض 35 % من الميزانية السنوية التي تبلغ بليون دولار . وجاء إلى جدة لا للمفاوضة فقط بل ولطلب المال .
وفاجأ الملك المتزن عادة ضيفه ـ عرفات وأبو إياد ـ بهجومه العنيف على آل الصباح الذين لجأوا إلى بلاده . قال غاضبا : " لدي انتقادات كثيرة لهم . إنهم لم يسددوا ديونهم . إنهم يتحملون القسط الاكبر من المسؤولية عن نشوء الأزمة " .
ثم بحث الملك مع الزعيمين الفلسطينيين خطة انسحاب من الكويت يمكن تقديمها لصدام حسين ، وتسمح للعراقيين بالانسحاب إلى المنطقة المتنازع عليها حيث آبار النفط . وتمكنهم من البقاء في الجزيرتين اللتين توفران لهم منفذا على الخليج . فسأله أحد الفلسطينيين : " هل جلالتكم على استعداد للاجتماع بالزعيم العراقي ؟ " فنظر الملك إلى ولي العهد الأمير عبد الله وأجاب :
" نعم إذا التزم بهذه الشروط " . ووافق الملك كذلك على تقديم مال للعراق . وكان طوال المقابلة يتحدث عن صدام حسين بطريقة سلمية جدا .
وتحولت وجهة الحديث على نحو لم يسرّ الفلسطينيين عندما أثيرت مسألة تمويل المنظمة . إذ استولى الغضب على الأمير عبد الله الذي كان أقل مجاملة من الملك وقال :
" يبدو أنكم ايها الفلسطينيون لا تعرفون شيئا عما يفعله الكويتيون من أجلكم . إنكم لم تقدموا لهم شيئا في مقابل ثقتهم بكم ومساعدتهم لكم . "
وأخذت حدة النقاش تتصاعد فأمر الملك الجميع بالهدوء .
* * *
في الرابعة صباحا خرج بوش من جناحه بالبيت الأبيض وتوجه إلى قاعة المؤتمرات حيث قام مع برنت سكوكروفت بالإشراف على مغادرة القوات الأميركية . وفي السادسة صباحا عاد إلى المكتب البيضاوي . ورأى في طريقه صحفيا ملحقا بالبيت الأبيض فطلت منه أن يستمع باستمرار للراديو . وفي التاسعة التقى بالصحفيين في مكتبه وأعلن عن العملية . وعندما انتصف النهار عقد مؤتمرا صحفيا صرح فيه أنه " جرى رسم خط على الرمل " .
وفي التاسعة قام بمهمة يكرهها وهي الظهور على شاشة التلفزيون لمخاطبة الأمة . وبدا عليه التجهم والتوتر وقال : " يأتي وقت في حياة الأمة ندعى فيه لأن نكتشف من نحن وبماذا نؤمن . واليوم وبوصفي رئيسكم أطلب منكم دعمكم للقرار الذي اتخذته والذي يسمح لنا بأن نقف بثبات إلى جانب الحق ، وأن ندين الباطل " . وأوضح في خطابه أن مهمة القوات الاميركية دفاعية تماما . وقال ان لها أربعة أهداف : انسحاب العراق الفوري غير المشروط من الكويت ؛ وإعادة الحكومة الشرعية إلى الإمارة ؛ والحفاظ على أمن منطقة الخليج ، وخصوصا احتياطي النفط ؛ وحماية الاميركيين .
* * *
لم يكد الرئيس بوش يلقي خطابه حتى أصدر مجلس قيادة الثورة في العراق بيانا يعلن " ضم الكويت " ووصف ذلك بأنه " وحدة أبدية " .
وفي السعودية وغير بعيد عن الظهران حيث مقر الأرامكو بدأت طلائع القوات الأميركية بالانتشار . وذكرت مصادر البنتاغون أن 000 , 500 جندي سوف يأخذون مواقعهم قبل نهاية الشهر .
وكان العالم العربي يقوم بآخر محاولة يائسة لتسوية الازمة وكان مبارك منذ اليوم السابق يتصل بزعماء المنطقة لعقد مؤتمر في القاهرة في العاشر من أغسطس .
* * *
في تلك الاثناء كانت الحكومة في بغداد تقوم بالخطوات الازمة لقطع ما تبقى من علاقات بينها وبين العالم الخارجي . ففي التاسع من أغسطس وبعد إعلان ضم الكويت بأربع وعشرين ساعة قرر العراق إغلاق حدوده وإبقاء جميع الاجانب على أراضيها " لأسباب أمنية " الأمر الذي كان سيحول ثلاثة ملايين شخص إلى رهائن .
كما أعلن العراق بأنه على جميع السفارات الأجنبية في الكويت ان تغلق أبوابها في غضون أربع وعشرين ساعة . لكن الصحافة الأجنبية عوملت معاملة خاصة . فمنح الصحفيون حرية الدخول والخروج . وأحسنت بغداد بصورة خاصة معاملة شبكات التلفزيون الأميركية .
وعلق المسؤولون العراقيون على الحصار والاجراءات العسكرية ضدهم بقولهم : " نستطيع العيش بدون بيبسي (كولا) وبدون كومبيوترات ماكنتوش وبدون ويسكي " . لكنهم لم يذكروا أن العراق كان معاني من نقص في الحبوب وأنهم كانوا يستوردون ثلاثة أرباع ما يستهلكونه من القمح وكميات كبيرة من الأرز والسكر واللحم . والواقع أن العراق كان قد قام بتخزين حاجياته بسبب توقعهم حدوث الأزمة .
وفجأة اختفى صدام حسين بصورة غريبة من البلاد التي أعاد تشكيلها . كانت صورته في كل مكان : في الشوارع وعلى جوانب التماثيل والبنايات العامة . وكان قد أوجد حقائق جديدة ، وأعاد صياغة غيرها على طريقته . وأقام في بغداد صرحا شبيها بقوس النصر الباريسي أسماه " سواعد النصر " وطوله نحو ثلاثين قدما وعلى شكل سيفين متقاطعين يحملهما ذراعان ضخمان من البرونز . وكان تصميمه يمثل الشعار الذي اتخذه صدام والذي يرمز إلى انتصار العراق على إيران ـ وهو الانتصار الذي لم يحدث . لكن الشعب العراقي لم يحتج على ذلك بسبب يقظة البوليس السري . وكما قال أحد الدبلوماسيين فانه لم تكن تصل إلى البلاد " سوى لقطات من حقائق العالم الخارجي " . إذ كان صدام قد كون البلاد على صورته هو . فصارت مثله تجهل ما يجري في الخارج وتنعم بعزلتها .
ومرت أيام في الشطر الأول من أغسطس لم يشاهد أحد خلالها الرئيس العراقي . وكانت الدفاعات ضد الطيران قد عززت حول القصر الرئاسي . لكنه لم يكن يتواجد هناك إلا نادرا . ولما كان يخشى القصف ومحاولات الاغتيال فقد صار يميل إلى تغيير مكان إقامته كل ست ساعات ويقضي أكثر وقته في حصنه . وكان منذ زمن طويل قد اعتاد أن يتصرف بلا غاية سوى البقاء على قيد الحياة . أما الآن فقد كان كما يعرف تماما يقوم بأخطر لعبة خلال حكمه .
كان قد أحرق كل الجسور . وفي هذه الفترة التي تعرض فيها للإدانة دوليا فان الزوار الأجانب صاروا يتحاشون الذهاب إلى بغداد . ولم يشذ عن ذلك سوى ياسر عرفات وأبو إياد اللذين كان يسعيان إلى التسوية .
* * *
خرج صدام من مخبئه لمقابلتهما . ولم يبد عليه شيء من القلق أو الدهشة بسبب الحملة الشعواء التي شُنت عليه . وكانت الأمور قد ازدادت تعقيدا بعد الاجتماع الأخير بين صدام وعرفات . وكان قد جرى إعلان ضم الكويت وأخذت القوات الأميركية تصل إلى السعودية . وقدر لاجتماعهم هذا أن يدوم ثلاث ساعات .
حاول عرفات وأبو إياد إقناعه بحضور قمة القاهرة في اليوم التالي . فرفض ذلك إذ كان أمير الكويت يعتزم حضورها . وبالرغم من جميع محاولاتهما فانه لم يغير موقفه . وقال لهما بغضب : " لقد زالت الامارة وممثلوها من الوجود " . وكانت تلك اللحظة الوحيدة التي خرج فيها عن طوره.
فاقترح الزعيمان الفلسطينيان خطة أخرى تقضي بأن يسافر عرفات إلى القاهرة ويقنع زعماء الأقطار الرئيسية الخمسة بزيارة بغداد لإجراء مفاوضات ، على أن تتوقف القمة إلى أن يعودوا . لكنهما كانا يدركان أن اقتراحهما فيه مجازفة كبيرة ومعقد إلى حد يتعذر معه نجاحه إلا إذا استطاعا اقناع رؤساء تلك الاقطار الخمسة حال وصولهم إلى القاهرة . ووافق صدام على الاقتراح .
وعندما انتهى الجانب الدبلوماسي الصرف من الاجتماع استبقاهما صدام ليتحدث إليهما . وتكلم بهدوء وحزم عن الحريق الضخم الذي كان باستطاعته إشعاله في المنطقة . ولم يعمد إلى التبجح ، بل كان واضحا ودقيقا وكأنه خبير في القنابل يعد قنبلة للتفجير ويختار وقت تفجيرها .
ثم تحدث صدام عن احتمال نشوب الحرب بينه وبين الولايات المتحدة فقال : " من الواضح أنه حالما أهاجم سوف أهاجم اسرائيل . فتدخل إسرائيل في النزاع سوف يغير موقف كل شخص في العالم العربي ، وسوف يعتبر العدوان على العراق مؤامرة أميركية صهيونية . وسوف يقوم عدد من الدول التي تدعم الولايات المتحدة الآن وخصوصا مصر وسوريا بتغيير موقفها عندما ترى أن إسرائيل تشارك في الحرب ."
ثم أوضح صدام ذلك فيما بعد بقوله : " إنني أقوم بتعزيز البنية العسكرية التحتية في الكويت . سيكون هناك أربعة خطوط دفاعية إثنان منهما للدفاع عن مدينة الكويت . وسوف تضطر القوات الأجنبية إلى اختراقها إذا أرادت استعادة المدينة . وحتى لو تحقق للولايات المتحدة التفوق في الجو فان قواتي ستلحق خسائر جسيمة بالقوات المهاجمة " .
وكان الجانب الثالث من خطته يتعلق بالسعودية " حيث تشكل فريق من العراقيين والسعوديين مستعد لشن هجمات إرهابية على القوات الأميركية المتمركزة على الأراضي السعودية " .
وختم صدام حديثه بقوله : " إذا نشبت الحرب فسوف يقع القتال في السعودية . وفي السنوات الخمس الماضية تم تهريب عشرات الأسلحة التشيكية والبولندية عبر الحدود من اليمن . وهي الآن بأيدي القبائل المعادية للأسرة السعودية الحاكمة " .
* * *
في أنقرة على بعد بضع مئات من الأميال وجد الرئيس التركي أوزال نفسه في وضع صعب . وكان إلى جانبه جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركية . فشكره بيكر على إغلاقه خط الأنابيب الذي كان ينقل النفط العراقي وأضاف : " على أن هذا ليس الغرض الرئيسي لاجتماعنا …" وأخذ أورزال يشعر بالقلق وهو يصغي إليه باهتمام . فقال بيكر : " المهم هو التفكير في كيفية استخدام قواعدكم العسكرية وبأية شروط " .
وجاء جواب أوزال مشحونا بالعبارات العامة الغامضة . قال : " لقد كانت لتركيا علاقات وثيقة بالغرب منذ أن أعلنت الجمهورية عام 1923 . ولكن كانت لنا أيضا علاقة تاريخية تقليدية مع العالم العربي والإسلامي " . فقال بيكر : هذا صحيح . إن الأزمة الحالية تبرز الأهمية الاستراتجية لبلادكم ودورها في حلف شمالي الأطلسي . ولهذا نريد أن نعرف إذا كنا نستطيع استخدام قواعدكم . " فسأله أوزال : " بأي إطار يا حضرة الوزير ؟ " أجاب بيكر : " لعل أعنفها طبعا هو القيام بهجوم على العراق ".
وعلت شفتي أوزال ابتسامة يشوبها الاحراج وقال : " تلك نقطة حساسة . ان باستطاعة قواتكم استخدام قواعدنا في اطار مناورات حلف شمال الاطلسي لكن الاحتمال الذي تتحدث عنه …" وهنا قاطعه بيكر وقال : " لا بد من عرض أي خطوة أولا على حكومتكم لنيل موافقتها . " فقال أوزال : " أعتقد أنه باستطاعتنا الاتفاق علي ما يلي وهو أننا سنلبي طلبكم إذا أصبح العمل العسكري …" فقاطعه بيكر وقال : "ضروريا " وعندئذ هز أوزال رأسه وقال : " لا ، انني أفضل كلمة " لا يمكن تجنبه ."
فوافق بيكر على ذلك . ثم تطرق الحديث إلى احتمال مشاركة تركيا في القوة المتعددة الجنسيات التي كانت قد أخذت مواقعها للدفاع عن السعودية . ولم يبد الحماس على وجه أوزال الذي كان قد انضم إليه وزير خارجيته . فقال : " إنه احتمال ينبغي دراسته . " فقال بيكر :
" على أي حال تلك مسألة ينبغي تسويتها بين تركيا والمملكة العربية السعودية ، لا بين تركيا والولايات المتحدة ".
" على أي حال تلك مسالة ينبغي تسويتها بين تركيا والمملكة العربية السعودية ، لا بين تركيا والولايات المتحدة " .
وبعد ذلك بوقت قصير طرح الزعيمان التركيان مسالة تضحياتهم المالية التي تنطوي عليها العقوبات ضد العراق . وعندما سألهما بيكر عن حجمها قالا بأنها ستبلغ 6 بلايين دولار . وفوعد الوزير الأميركي بتقديم مساعدات أميركية وقال: " إن الحكومة الكويتية في المنفى تعرض المساعدة للتخفيف من الخسائر التي ستلحق بتركيا ."
* * *
وفي عمان كان الملك حسين يتأهب للسفر إلى القاهرة لحضور مؤتمر القمة الذي كان سينعقد في اليوم التالي .واختار للرحلة طائرة ملكية أردنية من طراز " إرباص " اسمها " بغداد " ورفض اقتراح مساعديه طمس الاسم . وكان يأمل أن يقترح على المؤتمر إنشاء لجنة تحكيم تضم رؤساء الدول العربية وأن يطلب من الدول الخليجية ان تدعم عريضة تطالب بالتخفيف من التواجد العسكري الأميركي في المنطقة .
* * *
كانت القمة في نظر الولايات المتحدة الاميركية حدثا بالغ الاهمية . إذ كانت الادارة الاميركية تامل في أن تصوت غالبية الدول الاعضاء في هيئة الامم المتحدة إلى جانب ارسال افواج من القوة المتعددة الجنسيات .
وفي السابع من أغسطس توقف تشيني وهو في طريق عودته من السعودية في القاهرة حيث طلب من الرئيس حسني مبارك ان يرسل قوات مصرية إلى السعودية . ونفى مبارك فيما بعد حقيقة ما حدث ، وهو انه وافق " على شرط ان توافق الدول العربية الاخرى " ولم تكد طائرة البوينغ التي تقل تشيني تقلع من مطار القاهرة وتحلق فوق المتوسط حتى وصلته رسالة من بوش تقول : " دك ، أود ان تذهب إلى المغرب لمقابلة الملك الحسن " .
وكان طلب بوش هذا غير متوقع إلى حد أنه تعين ارسال خريطة السفر إلى الرباط فورا بالفاكس لملاحي الطائرة . ولم تتمخض مقابلة الملك الحسن عن شيء مجد . إذ رفض الملك ارسال قوات مغربية . وعندما علم مبارك بذلك تراجع هو بدوره عن موافقته .
وأظهرت الانظمة العربية إذ ذاك انها ضعيفة لا تصمد للهزات ، وانها اكثر ميلا إلى التسوية منها إلى اتخاذ مواقف ثابتة , وتميزت القمم العربية في الماضي بالنفور من اتخاذ اية قرارات بشأن المسائل المطروحة للبحث . وفي هذه المرة وقفت وظهورها إلى الحائط عاجزة عن إخفاء مراوغتها .
***
واستمرت المواجهة في اليوم التالي . وبينما كان مبارك والأسد الحليفان خلال المؤتمر يتأهبان للسفر إلى الاسكندرية دعيا القذافي لمرافقتهما . وما ان ابتعدوا عن الآخرين حتى اشار مبارك بأصبعه نحو القذافي مهددا وقال والأسد ينظر بلا مبالاة : " كيف توافق على احتلال الكويت ؟ كن حذرا . إذا واصلت السير في ذلك الاتجاه فسوف احتل بلادك غدا ولن يحرك احد ساكنا " .
***
كان للقرار العربي بتشكيل قوات طوارئ دولية موازية للقوات الاميركية هدفان متناقضان وهما اضاء الاميركيين كما اراد البعض ومنع التدخل الغربي في المنطقة . وكان مبارك قد اشار ضمنا خلال القمة إلى عدم الثقة النفوذ الاجنبي عندما قال : " خيارنا واضح : عمل عربي للحفاظ على مصالحنا أو تدخل أجنبي لا سلطان ولا سيطرة لنا عليه . "
وكان الزعماء العرب الذين اقترعوا لصالح ارسال القوات يخشون رد فعل الرأي العام في بلادهم . إذ كانوا يدركون انه من واجب الدول الإسلامية معاقبة من يسمح للكفار بالقتال على ارضه لانه يعتبر مرتداً .
الواقع ان الجميع كانوا يعرفون الحقيقة وهي أن المواجهة الوشيكة هي في الاساس مبارزة بين العراق والولايات المتحدة ، وان الدول العربية تلعب دوراً ثانويا .
وكان صدام حسين يعرف ذلك تماما . فبينما كانت تجري الاحداث العاصفة في القاهرة أذاع صدام خطابا بالتلفزيون قرأه شخص يشبهه ودعا فيه إلى " الجهاد ضد الولايات المتحدة والزعماء العرب الفاسدين " وقال بأن وصول القوات الأميركية يدنس مكة {المكرمة} مسقط رأس الرسول .
***
في واشنطن فسرت وكالة المخابرات المركزية (السي آي إي) ما أذاعه صدام بأنه دعوة للإطاحة بنظام الملك فهد . وتحدث مدير الوكالة وليم وبستر في هذا الشأن مع الرئيس بوش الذي كان قد وصل قبيل ذلك وبعد الظهر إلى مقره في كينبنكبورت بولاية ماين حيث كان يعتزم قضاء عطلة تمتد بضعة ايام . وكان القلق يساور وبستر بشأن أمر آخر . ففي ذلك اليوم نفسه تظاهر الآلاف في الشوارع عمان تأييدا لصدام وذلك بتحريض من الإخوان المسلمين . وكان قد تطوع أكثر من 000 . 40 أردني للقتال مع القوات العراقية . وعلى أي حال فمخاطر الانفجار كانت تتزايد باستمرار .
وكان محللو وكالة السي آي إي منكبين بعناية على تحليل نقاط ضعف عدد من الامم المتحالفة . وكان ابرزها نقاط ضعف الأردن بالرغم من أن الملك حسين كان ـ كما قال أحد الخبراء ـ " قد غير جلده مليون مرة من أجل البقاء " فلم يسبق أن كان عرشه مهددا إلى ذلك الحد . فالحصار الاقتصادي على العراق الذي تعهد باحترامه سوف يلحق خسائر كبيرة بدخل بلاده لا قبل له بها . وإذا قرر صدام حسين أن يهاجم إسرائيل فان الأردن سيكون في الواجهة .
ولم تكن مصر في وضع أفضل . إذ كان مبارك قد صرح بما يلي : " عندما كذب صدام حسين على شعر 40 مليون مصري بأنهم أهنيوا " . فلم يكن ياستطاعته أن ينكر أن 5 , 1 مليون مصري يعملون في العراق وأن 000 , 150 غيرهم يعملون في الكويت . فإذا طرد هؤلاء جميعا فان الوضع الحرج للاقتصاد المصري سيزداد سوءاً .
ولم يظهر الخبراء حماسة كبيرة لمشاركة سوريا التي كان يصفها الأميركيون قبل ذلك بوقت قصير بأنها " دولة إرهابية " . وصرح أحدهم " بأن الأسد سيحاول أن يأخذ منا ما يستطيع أخذه ". وستبرهن مسألة لنبان على صدق قوله .
***
جرى حديث بوش مع وبستر في صالون فاقع الألوان بسيط الأثاث في بيت بوش بكنبنكبورت . والبيت مبني من الخشب ويقع قرب البحر وملعب غولف . وكان منذ سنوات ركن الراحة والانزواء المفضل لدى بوش وأسرته ، وبناه جد بوش الذي كان لاعب بولو معروف .
تناول وبستر في حديثه المملكة السعودية التي لم يسبق لها أن كانت في مثل ذلك الغنى والتعرض للخطر في وقت ذاته . كان ارتفاع أسعار النفط سيمكنها من مضاعفة دخلها منه بحيث يصل إلى 95 بليون دولار خلال السنة التالية . على أن الجانب المقلق هو النقد الذي يتعرض له الملك فهد داخل نطاق الأسرة المالكة بسبب الضوء الأخضر الذي أعطاه للأميركيين . إذ كانت خطب بعض الأئمة في المساجد يوم الجمعة بمكة والمدينة قد سجلت على أشرطة وصارت توزع . وكانت تشتمل على " نقد شديد للأسرة الحاكمة " . ففي حرب الكلام كان العراقيون يركزون على تواجد الأميركيين الذي سيؤدي إلى " خفلات الجنس والخمرة " .
وبعد هذا الحديث بينهما اتصل بوش بالبنتاغون وتحدث مع تشيني وباول ، وقرروا زيادة عدد " قوات الخاصة " التي سترسل إلى الخليج . وكانت تتألف من عدة مئات من وحدات " سيل Seal " البحرية وقوة التدخل " الدلتا Delta " الملحقة بالقوات البرية ، ومهمتها حماية آبار النفط من الهجمات الارهابية والاستعداد الدائم للقيام بعمليات لإنقاذ الرهائن ، ولو ان كلمة رهائن لم تذكر . وتقرر كذلك أن يعهد لعدد من الوحدات بحراسة كبار أفراد الأسرة السعودية المالكة .
***
على الأرض كان اللفتنانت ـ جنرال تشارلز هورنز يقوم بتنسيق وصول القوات المحمولة جواً . وكان من المنتظر أن تكون مئتا طائرة مقاتلة قد أخذت مواقعها في القواعد السعودية بالاضافة إلى مئة طائرة مساندة قبل نهاية الأسبوع . كما كانت هناك خمسون طائرة من طراز ب ـ 52 تنتظر على جزيرة دييغو غارسيا لكي " تفرش بساطا من القنابل " ـ كما قال أحد الضباط ـ على الأهداف العسكرية العراقية ، ووضعت 14 طائرة ف ـ 111 في القواعد بتركيا . وكان مجموع الطائرات التي كان البنتاغون يتوقع وصولها 600 وذلك لمواجهة 500 طائرة عراقية منها مئة من طائرات الميج 23 واليمراج ف ـ 1 س كانت تعتبر مصدر تهديد حقيقي .
وكان الجنرال نورمان شوارزكوف يشرف من مقره بالرياض على كل جوانب العملية . وكان لقائد القوات الأميركية هذا الذي لقب بـ " دب الصحراء " بالقياس إلى رومل على اتصال مباشر بكولن باول في واشنطن . وكانا يتحدثان مرة كل يومين . ويقول شوارزكوف : " إن لقواتنا على الأرض قدرات دفاعية وهجومية " .
كان البنااغون قد أقام ما يمكن اعتباره جسراً جويا مع السعودية وأخذت تهبط طائرة عملاقة من طراز سي ـ 141 في السعودية كل خمس دقائق . وقدرت المواد التي كان يجري ارسالها بأكثر من 000 , 450 طن تشمل إلى جانب الأعتدة العسكرية جبالا من الصناديق التي تحتوي على سلع مختلفة تشمل 000 , 168 جهازا واقيا من الأسلحة الكيماوية و 000 , 150 قارورة من السوائل الواقية، حرارة الشمس . ولم يكن في الجيش من يعلم أن هذا الجهد الهائل سينتهي بوجود 000 , 250 جندي في صحارى السعودية إلا باول وشوارزكوف واقرب الزملاء إليهما . ولم يحدث منذ حرب فيتنام أن نشرت الولايات المتحدة مثل هذه القوات أو قدمت مثل هذا العرض للقدرات العسكرية.
***
وبينما كانت القوات الأميركية تغادر البلاد إلى السعودية كان بوش يقوم كل صباح يلعب جولة غولف في الملعب المجاور لمقره في بكنبنكبورت . وكان يوقف اللعب من وقت لآخر ليتحدث بالتلفون مع زملائه في واشنطن أو مع زعيم في جهة من العالم . وكان احد مساعديه يقف دائما إلى جانبه يحمل التلفون المتحرك الذي يمكنه من الاتصال باي بقعة في العالم . ومنذ اندلاع الازمة كان بوش قد أخذ ينفض عن نفسه صفة التردد التي وُصم بها . وبدا الآن كشريف حازم يأمر الاسرائيليين بالهدوء والتكتم ، ويطلب من اليابانيين أن يلتزموا بالقيام باكثر من الاسهام المالي ، ويوضح للصينيين والسوفييت أن الفرصة سانحة لكي يصبحوا جزءا من المجتمع الدولي ، ويظفر بتأييد حلفائه الأوروبيين وغالبية الأقطار العربية .
كانت شخصية بوش أكثر تعقيدا مما بدت عليه في بداية الأمر فبالاضافة إلى أنه من الأسر العريقة على الساحل الشرقي ومن محبي الموسيقى الكلاسيكية، ومن المهذبين في تصرفاتهم ، كان عصاميا وجمع ثروته من العمل بنفط تكساس . لقد كان من " وحوش المال " لا يرحم في التعامل ومن المتيمين بالموسيقى الفولكلورية .
ويجد المرء في " دبلوماسيته التلفونية " ومحادثاته التي لا تنتهي مع زعماء العالم أمثلة أخرى على هذه الثنائية {في شخصيته} . إذ كان من ناحية ينتقد الملك حسين بشدة بسبب موقفه الغامض وتأييده المقنع لبغداد . وقام الملك المعجب بصراحة بوش بتذكيره بأنه كان دائما حليفا مخلصا للولايات المتحدة . وعرض عليه القدوم إلى الولايات المتحدة للاجتماع به في غضون أيام بعد ان يكون قد ذهب إلى بغداد للاجتماع بصدام .
وكان الملك يأمل ان يقدم صدام بعض التنازلات . فكان جواب بوش القاطع " اني أشك في ذلك".
ومن ناحية أخرى نجد أن بوش ظل ساهرا حتى الثانية والنصف بعد منتصف الليل ليتحدث إلى ميتران الذي كان بباريس . فقد خشي بوش ان يوقظه لان الساعة بباريس كانت عندئذ تشير إلى الثامنة والنصف صباحا .
***
خلال لعبة الانتظار التي كانت تجري في الصحراء اجريت دراسة مفصلة لجوانب القوة والضعف في الجيش العراقي . وكان في نظر الخبراء الأميركيين كجيش حلف وارسو تقريبا ، لان غالبية اعتدته كات سوفييتية ، ولانه درب على غرار الجيش الاحمر . وكان يشن هجماته بدبابات سوفييتية من طراز ت ـ 72 و ت 62 ، ويمهد لها بنيران المدافع من عيار 122 ملم و152 ملم . أما دفاعه الجوي فكانت تقوم به بطاريات محمولة لصواريخ سام وأجهزة رادار مضادة للطيران من طراز ZSU 23 . ولم يكن هناك وجود يذكر للأسطول . وكان عدد من الدبابات العراقية من طراز قديم . ولم تكن قوته الجوية مجهزة في الغالب بالتقنية التي تمكنها من القتال بفعالية .
غير أن الحرب البرية التي تستهدف في الاساس استرجاع الكويت كانت تنطوي على المجازفة بأرواح الكثيرين . وقام البنتاغون ورؤساء الأركان بناء على طلب بوش بوضع تقدير للخسائر المحتملة . وذهبت هذه التقديرات التي لم تكن قد قدمت بعد إليه إلى ان عدد القتلى سيتراوح بين عشرين وثلاثين ألف قتيل ، والى ان عشرة آلاف منهم سوف يسقطون في الأيام الأولى للقتال ـ وهو ثمن بشري وسياسي ضخم .
وكانت الادارة الاميركية تامل أن يحمل حجم القوات وفعالية الحصار صدام حسين على تغيير لهجته . ذلك أن العراق لم يعد قادرا على تصدير نفطه الذي يشكل المصدر الوحيد لدخله وعلى استيراد شيء بما في ذلك الخبر .
ولتقدير أثر العقوبات قامت وكالت المخابرات المركزية ووكالات المخابرات الاخرى بتنسيق عمليات جمع المعلومات . وكان العنصر الأول هو الصور الفوتوغرافية التي تلتقطها الأقمار الصناعية والتي تظهر بدقة جميع الحركات المدنية والعسكرية وتطورات الوضع في الميدان. وكانت مسؤولية هذا تقع على عاتق وكالة الأمن القومية . كانت لهذه الوكالة أيضا محطات تنصت سرية جدا في تركيا تستطيع أن تلتقط غالبية المكالمات التلفونية التي تجري في العراق وأن تنقل تفاصيلها على الفور إلى الولايات المتحدة حيث يقوم المترجمون واللغويون بتقييمها استنادا إلى الكلمات المستخدمة ، ونبرة الصوت ، ومعنويات السكان ، والتذمر المحتمل ، وأولى علائم الضائقة الاقتصادية . وتم وضع برنامج كمبيوتر في مقر وكالة المخابرات المركزية بلانجلي لتغذيته بجميع المعطيات المتوافرة حتى أشياء مثل زيادة أجور التاكسي التي قد تكشف عن ارتفاع في تكاليف العيش وأسعار الوقود وربما صعوبة الحصول على قطع غيار .
***
وفي الوقت ذات بدأ تنفيذ عمليات " حرب العصابات النفسانية " التي جرى تنسيقها في إطار لجنة من وكلاء الدوائر الرئيسية مثل روبرت غيتس نائب مدير مجلس الأمن القومي ، الذي سبق له ان كان الرجل الثاني في الوكالة المخابرات المركزية . وكان أحد الأهداف التصدي للدعاية العراقية . وقال أحد المشاركين في هذا النشاط : " كلنا نذكر فيتنام حيث خسرنا الحرب سياسيا . "
وفي تلك الأثناء كان صوت أميركا يذيع للعراق أربعا وعشرين ساعة في اليوم بالرغم من اعتراض عقبة واحدة وهي عدم وجود مذيعين باللهجة العراقية . وكان اختصاصيون من الفريق الرابع للعمليات النفسانية المتمركز في " فورت براغ " بكارولينا الشمالية يتأهبون لمغادرة البلاد إلى السعودية للقيام بتخريب إعلامي يحطم معنويات القوات العراقية المحتشدة على الجانب الآخر من الحدود مثل حملها على الاعتقاد بأن آبار الماء في الصحراء مسمومة .
وجرت ممارسة ضغط نفساني قوي على العراق للتأكيد على تصميم الأميركيين . وكانت تعرض صور الجنود وهم يتدربون على تفتيش البيوت بيتا بيتاً وذلك تمهيدا لاستعادتهم مدينة الكويت .
وكان فريق روبرت غيتس قد أعد قائمة سرية جدا فيها " كل ما يجب وما لا يجب عمله " وموجهة لجميع المسؤولين المدنيين والعسكريين المشاركين مباشرة بالأزمة . وكانت تشتمل على منهج للسلوك ، فتصف مثلا البيانات العامة التي ينبغي إصدارها وتلك التي ينبغي تجنبها .
واقترف الجنرال دوغان رئيس القوة الجوية خطأ فاحشا . ففي إحدى المقابلات صرح للصحفيين بأن هناك خطة لقصف بغداد ، وأن إسرائيل سوف تساعد القوة الجوية على اختيار أهدافها . فطرده بوش على الفور ، وذلك لأن تصريحه سبب الكثير من الإحراج . إذ كان قد تجاهل أحد بنود " ما يجب وما لا يجب عمله " الذي يقضي بعدم ذكر أي شكل من أشكال التعاون مع إسرائيل.
***
في القدس ساور القلق الاسرائيليين . إذ كانوا قد تلقوا معلومات من دوائر الاستخبارات مفادها أنه سيقع هجوم جوي على المفاعل النووي في ديمونا بصحراء النقب . واخذ التهديد على محمل الجد ، ونقلت صواريخ هوك من الحدود الأردنية إلى المفاعل النووي لتقوية الدفاع القائم . وجرى بحث احتمال الجلاء عن البلدة القريبة .
وفي 12 أغسطس اقترح صدام في خطاب بثه الراديو والتلفزيون تسوية شاملة للشرق الأوسط ، جاء فيها أنه لا يمكن بحث الانسحاب من الكويت بدون مناقشة الوجود السوري في لبنان ، والوجود للقوات الإسرائيلي في الأراضي المحتلة . ودعا في الواقع إلى " الانسحاب الفوري غير المشروط للقوات الإسرائيلية " . ورد بوش على ذلك فورا بالدعوة إلى " الانسحاب الفوري غير المشروط للقوات التي تحتل الكويت . "
على أن الرد الأميركي لم يطمئن شامير رئيس وزراء اسرائيل كثيرا . فقد كان يرى أن صدام " يحاول إضعاف التحالف ضده " . وفي الصفة الغربية وغزة رحب الفلسطينيون بحماسة بتصريح الزعيم العراقي . وخصصت الوزارة الإسرائيلية أكثر اجتماعها الاسبوعي يوم الأحد لبحث أزمة الخليج . وتحدث فيه مطولا كل من موشي أرينز وزير الدفاع ، ودان شاميرون رئيس الأركان ، وأمون شاهاك رئيس المخابرات العسكرية .
***
وصل الملك حسين إلى بغداد يوم الاثنين الموافق في الثالث عشر من أغسطس . وكان من المقرر ان يغادرها بعد يومين إلى واشنطن على أمل أن يجتمع ببوش ومعه رسالة من صدام أو مشروع خطة للسلام . والظاهر أنه كان لا يزال يعتقد بالحل ولو أن ذلك كان مخالفا لكل منطق . فالولايات المتحدة وغالبية الدول الاعضاء في الجامعة العربية ـ وذلك منذ قمة القاهرة ـ كانت تقف ضد الفكرة . وكانت بلاده قد أخذت تغرق في المصاعب الاقتصادية ، وفقدت الرياض وواشنطن ثقتهما به . وأقدمت عدة أقطار عربية على طرد الأردنيين المقيمين فيها . وعلم الملك أن السعودية ـ الشريك التجاري الأكبر والثالث للأردن ـ على وشك أن توقف شراء البضائع الأردنية .
واعترف الملك حسين بأن كل يوم يمر يقرب بلاده من الحرب ، وأن الذين يدعون ان الحل العربي سقط نهائيا ينسون انه ظل ممكنا خلال الاسبوع الأول من الأزمة والى أن وقف الأميركيون في وجهه .
وكان الملك يدرك أيضا أن عليه مواجهة عداء الشيوخ والنواب في الكونجرس الأميركي ؛ فأعد رسالة يشرح فيها موقفه ، وبعث بنسخة منها لكل منهم .
وعندما خرج من اجتماعه بصدام حسين كان متجهما ولم يفه بكلمة واحدة . وكشف الأمير حسن أخوه عن أن الاجتماع كان فاشلا .
***
وفي الرابع عشر من أغسطس قطع جورج بوش عطلته لوقت قصير عاد فيه إلى واشنطن . وكان قد تم انتشار ستين ألف جندي وبحار وطيار في السعودية بالاضافة إلى خمسين ألف آخرين كان من المتوقع وصولهم إليها في الأيام القليلة القادمة . وقدر البنتاغون تكاليف عملية درع الصحراء بعشرة ملايين دولار في اليوم .
وفي صباح الخامس عشر من أغسطس التقى بوش بزعماء الكونجرس . وكان القانون يخوله سلطة دعوة 000 , 120 من جنود الاحتياط لمدة 180 يوما . دون حاجة إلى موافقة الكونجرس . لقد كان يحاول الحفاظ على اجماع في الداخل شبيه بالاجتماع الذي حققه على الصعيد الدولي . لكن كما قال بعض مستشاريه " كان الحصول على موافقة الأمم المتحدة أسهل من الحصول على موافقة الكونجرس " . وقال أحدهم : " لقد وعدناهم فعلا باستشارتهم في حال اللجوء إلى الحرب . وبمعنى آخر أننا كنا سنتصل بهم بالتلفون بعد إسقاط الدفعة الأولى من القنابل " .
***
في ذلك اليوم جرى الاعلان عن مبادرة صدام حسين . ففي كتاب منه إلى الرئيس رفسنجاني عرض السلام على البلاد التي كانت حتى ذلك الوقت عدوه اللدود . وصرح أنه سيتخلى عن مطالبه في منطقة الحدود وأعلن انه ابتداء من 17 أغسطس سيجري سحب القوات العراقية المرابطة هناك وارسالها إلى الكويت وحدود السعودية . وأخيرا وافق صدام على إطلاق سراح 19000 أسير إيراني .
وهكذا فان الزعيم العراقي محا بسطور قليلة ذكرى مئات الآلاف من القتلى العراقيين وذكرى أشد صراع دموي منذ الحرب العالمة الثانية . فبرهن بذلك على مهارته كرجل مناور .
وكان من السهل تفسير الانسحاب العراقي من شط العرب . فبفضل ضم الكويت صار للعراق منفذ واسع على الخليج .
والواقع أن كلمة " ضم " ليست الانسب . فما حدث هو دمج للكويت في العراق الكبير. وقد تساءلت أجهزة الاستخبارات الغربية كثيرا عن الهوية الصحيحة للكولونيل علي الذي قيل بانه زعيم جماعة من " الثوار الشبان " الذين استولوا مؤقتا على السلطة في مدينة الكويت . فتبين أنه لا وجود للكولونيل علي في الجيش الكويتي . وكشف المزيد من التحري أنه ابن عم صدام حسين وسمه علي حسن الماجد .
وبالاضافة إلى الاربعمائة وثلاثين ألف جندي الذين انتشروا في المنطقة ومعهم 7500 عربة مصفحة تم ارسال سبعة آلاف بوليس سري إلى مدينة الكويت . وكان هدفهم سحق حركات المقاومة الناشئة . وقسمت العاصمة إلى مناطق تخللتها نقاط تفتيش كثيرة . وجرى تفتيش البيوت وكان نصيب كل من وجدت معه منشورات أو صحف صادرة عن المقاومة الإعدام الفوري . وجرى التدقيق في سجلات البنوك لمعرفة المسؤولين والموظفين الذين كانوا يتلقون شيكات من دوائر حكومية . وحولت المدارس ومراكز البوليس إلى مراكز للاستجواب والتحقيق .
وأعيد رسم الخرائط العراقية التي أصبحت الكويت تشكل فيها المحافظة التاسعة عشرة . وأطلق على مدينة الكويت اسم كاظمة . ووضعت على السيارات لوحات عراقية . وعلقت صور صدام ونصبت تماثيله في الشوارع والميادين . وعليه وكما قال زميل للزعيم العراقي : " ضاعت الكويت في خضم التاريخ واختفت من الجغرافيا " .
وكان العراقيون قد استولوا على ثروات الكويت . وبينما ظفرت قوات الاحتلال بشيء منها فان الزعماء نهبوا على نطاق واسع . فخسر تاجر سيارات واحد 000 , 14 سيارة شيفروليه وأولدزموبيل جديدة في غضون بضع ساعات ، وأرسلت جميعا إلى بغداد وصار زملاء عدد من الوزراء يترددون على الإمارة السابقة لا لغرض سوى تكديس السلع الكمالية .
غير أن الزعيم العراقي لم يستطع وضع يده على ودائع الكويتيين الهائلة لأنها جمدت في الساعات الأولى التي أعقبت الغزو . لكن استطاعت قوافل عراقية خاصة نقل ما يوازي ثلاثة بلاديين دولار من العملات الأجنبية وبليون دولار من الذهب الذي سرق من البنك المركزي والعديد من المؤسسات المالية في البلاد .
وفي 16 أغسطس هدد صدام حسين باحتجاز الأميركييين والبريطانيين المقيمين في الكويت ، وأمرهم بالتجمع في أحد الفنادق . هدد أيضا باعادة الأميركيين " في النعوش " .
***
في ذلك الصباح وصل الملك حسين إلى كينبنكبورت للاجتماع ببوش . وبدا أن صداقته مع الرئيس الأميركي آخذة في التدهور وذلك لان صورته كحليف لصدام حسين كانت آخذة في الانتشار . وأشارت الصحافة إلى أنه يحمل معه رسالة من الرئيس العراقي . لكن هذا لم يكن صحيحا . فأحد الاشياء التي كان يريد أن يقوم بها هو إطلاع بوش على المحاولات الضخمة التي قام بها خلال الايام القليلة الاولى لحل الازمة .و أوضح للرئيس أن الزعيم العراقي كان على استعداد للانسحاب من الكويت ولكنه أصبح بعد ذلك أكثر تصلبا بسبب انتشار القوات الاميركية وغيرها على الاراضي السعودية . فقال بوش : " نحن هناك لحماية السعودية من العدوان لا أكثر . وسننسحب عندما يطلبون ذلك " . وبالرغم من أنهما لم يتوصلا إلى اتفاق فان الملك ترك الاجتماع متفائلا بعض الشيء لأن بوش كان في موقف دفاعي فقط ولأن الحل الدبلوماسي كان لا يزال ممكنا .
***
وفي اليوم التالي أعلنت الحكومة العراقية أن الغربيين الذين تسيطر عليهم سوف ينقلون إلى مواقع استراتيجية مدنية وعسكرية وأنهم سيبقون هناك ما دام التهديد قائما . فطلب مجلس الأمن من السكرتير العام بيريز دي كويار أن يعمل على إطلاق سراح جميع الأجانب. وفي تلك الاثناء كانت ثلاثون فرقة عراقية تغادر الحدود الإيرانية لتنضم إلى القوات العراقية في الكويت البالغ عددها 000 , 150 جندي .
وفي 17 أغسطس غادر جيمس بيكر واشنطن لقضاء عطلة لمدة بضعة أيام في مزرعته بويومينغ . وكان لا يزال على اتصال بادوارد شيفارنادزه بموسكو . وبناء على اقتراح من بوش طلب بيكر من شيفارنادزه تأييد قرار يصدر عن هيئة الامم المتحدة يجيز استخدام القوة لفرض الحصار . وبذلك بدأت لعبة الخداع . فبينما كان السوفييت يجرجرون أقدامهم لانهم لا يزالون يعتقدون بامكان التوصل إلى حل بالتفاوض ، كان الاميركيون في سباق مع الوقت .
وفي 20 أغسطس وصل سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء إلى موسكو واستقبله المسؤولون السوفييت الذي طالبوه بانسحاب غير مشروط من الكويت وإخلاء سبيل جميع الاجانب . فعاد حمادي في اليوم التالي إلى بغداد . واتصل شيفارنادزه على الفور ببيكر وقال : " انتظروا 48 ساعة قبل أن تطرحوا قرارا في الامم المتحدة للتصويت عليه . فقد ينجح نائب رئيس الوزراء باقناع صدام حسين " . فسأله بيكر :
" وهل إذا فشل ستقفون إلى جانبنا في غضون يومين ؟ " فاجابه نظيره السوفييتي :
" سأعلمك بذلك بأقرب وقت ممكن " .
وبعد ظهر اليوم التالي اتصل شيفارنادزه ببيكر وقال بأنه يحتاج إلى المزيد من الوقت . فلما ساله بيكر كم من الوقت يحتاج قال : " خمسة أيام ـ إلى 27 أغسطس . فصمت بيكر برهة وقال : " يبدو هذا طويلا جدا . عليّ أن ابحث الامر مع الرئيس " .
واتصل بيكر ببوش . وكان هذا قد عاد من بيته في ماين وسافر إلى بلطيمور لإلقاء خطاب أمام جمعية المحاربين القدامى . وفي الخطاب وصف للمرة الاولى الاجانب المحتجزين في الكويت بأنهم " رهائن " . وكانت هذه الكلمة قد اكتسبت منذ أزمة الرهائن في طهران عام 1980 دلالات عاطفية وسياسية كبيرة في الولايات المتحدة . وبدا بوش متضايقا بسبب مماطلة السوفييت وطلب من بيكر الحصول على مهلة أقصر وعاود بيكر الاتصال بموسكو وقال لشيفارنادزه : " من الصعب علينا قبول طلبكم . فنحن نتعرض لضغط كبير وخصوصا من البنتاغون الذي يطلب السماح باستخدام القوة لفرض الحصار بدون انتظار دعم الامم المتحدة .
فتنهد شيفارنادزه وقال : " أعرف {ذلك} . فلدينا المشكلة ذاتها مع قواتنا المسلحة التي يعتقد افرادها اننا نقترف خطأ بدعمكم . ويقولون ان لكم هذفا واحدا وهو التواجد العسكري الدائم في الشرق الاوسط . لكن لنعد إلى مسألة الامم المتحدة ، فماذا تقترحون ؟ " أجاب بيكر : " أن يتخذ القرار في 24 أغسطس " . فقال شيفارنادزه : " حسنا " . وهنا قال بيكر : " ولكننا سنظفر بتأييدكم . أليس كذلك ؟ "
فجاء جواب شيفارنادزه غامضا . ومع هذا ففي اليوم التالي ـ 23 أغسطس ـ حضر القائم بالاعمال السوفييتي سيرجي شنفيركوف إلى وزارة الخارجية بوشنطن . وكانت حكومته قد كلفته أن يقوم كدلالة على حسن النية بتسليم الاميركيين النص الكامل لرسالة بعث بها غورباتشوف إلى صدام حسين وطلب منه فيها الانسحاب من الكويت وإخلاء سبيل جميع الاجانب وأضاف فيها قوله : " لقد أجلنا التصويت في مجلس الامن قدر ما استطعنا . إننا نطلب منك الرد قبل مساء الجمعة الموافق في 24 أغسطس على أبعد تقدير " .
وحال وصول جواب العراقيين اتصل شيفارنادزه بنظيره الاميركي . فساله بيكر : " ماذا يقولون ؟ " وبدا أن شيفارنادزه أصيب بالفزع لدى قراءته الجواب العراقي وقال : " إنه لا يستحق حتى الرد . وعلى أي حال فانه لا يرضينا على الاطلاق . يمكنكم الذهاب إلى الامم المتحدة وسوف نؤيدكم".
وبعد بضع دقائق صدرت الاوامر لتوماس بيكرنغ رئيس الوفد الاميركي في الامم المتحدة لإبقاء الجلسة منعقدة حتى يجري اتخاذ القرار . وفي الساعة الرابعة من صباح السبت الموافق في 25 أغسطس صدر القرار 665 الذي يسمح باستخدام القوة في تنفيذ الحصار بثلاثة عشر صوتا مقابل لا شيء . وامتنعت كوبا واليمن عن التصويت .
***
وفي 27 أغسطس غادر جيسي جاكسون مطار كندي بنيويورك على متن طائرة تابعة للخطوط الأردنية . وكان هذا المرشح السابق للرئاسة قد ابتدع أسلوبا سيظل حديث الناس طيلة أشهر : إذ قام برحلة إلى بغداد ، واجتمع مع صدام ، واستمع إلى مظالمه ، ثم عاد بعدد من الرهائن . وكان أول من فعل ذلك المستشار النمساوي كورت فالدهايم الذي انتهز الفرصة السارة لرفع الحجر الدولي المفروض عليه بسبب ماضيه الذي يثير الجدل .
واكتسبت رحلة جاكسون المزيد من الأهمية لأنه كان شخصية مرموقة في الولايات المتحدة ولانه صار ينظر إلى الازمة على أنها مبارزة بين بوش وصدام حسين . ثم إن جاكسون طار إلى بغداد وبرفقته فريق تلفزيوني ؛ وكان هدفه إجراء مقابلة مع صدام حسين . على أن المنحى الذي اتخذته رحلته كشف عن الطريقة التي كانت بغداد ستستغل فيها مثل هذه الزيارة .
كان في العراق والكويت ثلاثة ملايين من الأجانب أكثرهم من المصريين ( 5, 1 مليون في العراق و 000 , 150 في الكويت ) ويليهم الفلسطينيون ( 000 , 300 في العراق و 000 , 170 في الكويت ) ويلي هؤلاء الهنود والفليبينيون ـ لكن عمال العالم الثالث هؤلاء كانوا في سوق المساومات أقل أهمية بكثير من الأميركيين ( 2500 في الكويت و 500 في العراق ) ومن البريطانيين ( 4000 في العراق و 500 في الكويت ) ومن الجنسيات الأوروبية الأخرى .
وبعد وصول جاكسون ووفده بوقت قصير اجتمع طارق عزيز معهم لمدة ثلاثة ساعات ونصف شرح لهم خالها بعناية موقف بلاده والخلفية التاريخية للأزمة . وذهب حتى إلى حد القول : " لقد أظهر الرئيس صدام حسين عدة مرات خلال المفاوضات أنه كان أكثر صبرا واعتدالا مني … فبعد قمة جدة { في 31 يوليو عشية الغزو } دفعنا عناد الكويت إلى حافة اليأس . إذ لم نكن نستطيع أن ندفع ثمن ما نستورده من الغذاء . كانت هناك حملة حقيقية تستهدف تجويعنا . وحتى الملك فهد لم يقلقه أن يسمع بجوعنا . فاستنتجنا أن هناك مؤامرة تستهدف تدمير العراق . ولم يكن بإمكان الكويت أن تحيك المؤامرة بدون دعم من دولة عظمى . وتبين لنا أن هدف المؤامرة هو التسبب في انهيار اقتصادي يتبعه انهيار سياسي وتغيير النظام " .
وعندما انهى طارق عزيز شرحه ساله صحفي من مرافقي جاكسون : " كيف تأمل العراق في التعاطف معها بينما لا يزال الاميركيون يذكرون كيف رأوا المدنيين الاكراد يختنقون بالغاز عام 1988 وكيف شنق صحفي بريطاني خلال هذا العام ؟ " .
وفوجئ طارق عزيز بذلك . فصمت لحظة ثم قال بصوت منخفض : " أعترف أنها مشكلة " .
في ذلك المساء ظفر جاكسون بمقابلة خاصة مع صدام حسين . وخلال الحديث تناولا استشهاد المسيح . فاعتبر صدام نفسه كالمسيح ضحية للتحامل والاتهامات الباطلة ـ واعترف بأنه هو الذي امر باحتجاز الاجانب لكنه اعتبر ذلك " ضمانة للسلام " وقال بأن " الحصار الحالي لمنع الطعام والدواء أسوأ من أخذ رهائن " . وكان من الواضح أن الزعيم العراقي كان يشعر بمرارة نحو الولايات المتحدة . شعر بالاهانة بسبب عدم استجابتها لعروضه .
قال صدام لجاكسون بشيء من التواضع : " بعد اجتماعي مع سفيرتكم في 25 يوليو لم تقم السلطات الأميركية حتى بطلب نسخة رسمية عن وقائع الاجتماع . ان بلادكم تعاملني بعجرفة كما تعامل الدول الاستعمارية مستعمراتها " .
وفي اليوم التالي تمكن جاكسون بعد زيارة قصيرة للكويت من مقابلة صدام مرة أخرى . ولأسباب أمنية طلب المحيطون بصدام أن يقوم بالتصوير مصورو التلفزيون العراقي وبأجهزته . وفي نهاية المقابلة سأله جاكسون ان كان مستعدا للقيام ببادرة حسن نية " تخدم أغراض السلام " فيطلق على الفور سراح الرهائن . فرد عليه صدام بغضب قائلا:
" لقد شرحت موقفي بالنسبة لذلك الموضوع بوضوح في مقابلات كثيرة مع الصحفيين . وليس عندي ما أضيفه " . ثم هب واقفا ولكن بلحظة واحدة تغير موقفه وتغيرت ملامحه ، فتلاشى الغضب وحلت محله ابتسامة عريضة ومصافحة حارة مع جاكسون جميلة وتبادل إنساني عميق للآراء . وتكريما لمشاهدينا الأميركيين يمكنكم ان تصطحبوا معكم النساء والأطفال الذي سأسمح لهم بمغادرة البلاد وكذلك المرضى الأربعة . ويمكنك السفر إلى الولايات المتحدة على طائرة عراقية " .
***
وبينما كان جاكسون يستعد لمغادرة بغداد عاد ديفد إفري المدير العام لوزارة الدفاع الاسرائيلي إلى تل ابيب . وكان قد أرسل على عجل إلى واشنطن لإجراء محادثات سرية مع كبار المسؤولين في البنتاغون . إذ كان القلق يساور الحكومة الإسرائيلية حول الخطط الاميركية لبيع اسلحة للسعودية وخصوصا 24 طائرة ف ـ 15 سي إس ) (F15 CS و 150 دبابة و 200 صاروخ ستينغر مضاد للدبابات . وقدر الاسرائيليون هذه الصفقة ب 5 , 2 بليون دولار . وحمل افري معه طلبا للسماح لاسرائيل بالحصول فورا على كمية اكبر من الاعتدة العسكرية وخصوصا طائرات ف ـ 16 س وصواريخ أب شي وتاو ، وبالحصول كذلك على مجمل المساعدات المقررة لاسرائيل بقيمة 8 , 1 بليون دولار في بداية السنة المالية وبدفعة واحدة { لا بالتقسيط } . وعاد إفري ومعه وعد بان تقوم الولايات المتحدة ببيع ما قيمته بليون دولار من الاسلحة المتطورة لاسرائيل .
وفي اليوم نفسه تلقت الحكومة الإسرائيلية رسالة من غورباتشوف نقلها رولان دوما وزير الخارجية الفرنسية الذي كان قد اجتمع معه . وعبرت موسكو في الرسالة عن تخوفها من أن تقوم بغداد بهجوم على اسرائيل .
***
لم تكن ازمة الخليج في نظر غورباتشوف فرصة رائعة لاظهار اعتداله وشعوره بالمسؤولية للعالم وذلك بالعمل جنبا إلى جنب مع واشنطن فحسب ، وانما كانت أيضا صداعا في الرأس وربما شركا منصوبا . كان عليه أن يصمد لهجمات عدد من مراكز القوى صاحبة النفوذ وخصوصا داخل الجيش ، وبعض أقسام المخابرات ( كي جي بي ) وفي وزارة الخارجية التي كان لا يزال لها علاقات وثيقة ببغداد . كانوا جميعا " يشعرون بالقلق بسبب تواطئه مع الاستراتيجية الاميركية " . وفي الثالث من أغسطس كرر التأكيد على اعتقاده بان ما أقدمت عليه الولايات المتحدة " يتفق مع ميثاق الامم المتحدة " . ورد المعترضون عليه بالاشارة إلى ان واشنطن كانت تقوم بانشاء نظام امني جماعي في الخليج من شأنه أن يؤدي إلى تواجد عسكري أميركي دائم في المنطقة . وكان من المحتمل أن يضعه هذا الاعتراض في موقف صعب .
ومما أغضب غورباتشوف أيضا أن الكرملين لم يكن يعلم شيئا عن خطط العراق . ويوم الغزو استدعى إلى مكتبه وزير الدفاع المارشال ديمتري بازوف الذي كان من المحافظين المتشددين . ولكن حديثهما لم يكن وديا .
وأظهرت التحريات أن المخابرات العسكرية السوفيتية أبلغت باستعداد العراق للغزو قبل وقوعه بأسبوعين . وكان لهذه المخابرات ، من تتصل بهم داخل العراق مثل الخبراء العسكريين والمسؤولين ذوي الصلة الوثيقة بالزعيم العراقي . وبرر زعماء المخابرات صمتهم بأنهم ظنوا أن المعلومات التي حصلوا عليها مبالغ فيها . هذا بالإضافة إلى أنه كان بيد العراقيين ما يساومون عليه : كان لديهم عدد محاط بالسرية من العسكريين السوفييت الذين كانوا لا يزالون ببغداد . فأوضحت هذه الموسكو أنه قد تتعثر عودتهم إذا افشت " الاسرار العسكرية " للولايات المتحدة .
واشتبه أشد المتشككين من المحللين الغربيين في أن غورباتشوف كان يمارس لعبة مزدوجة . فبدا أنه من ناحية يلعب بالورقة الدبلوماسية فيشارك المجتمع الدولي غضبه؛ ومن ناحية أخرى يواصل سراً تقديم المساعدات العسكرية للنظام العراقي حليفه منذ عشرين عاما . ومهما تكن الحقيقة فانه بات واضحا أن هذه الشكوك تضعف مصداقيته .
وفي صباح الخامس من أيلول ظهر في برنامج " فرميا " على شاشة التلفزيون وقدم وصفا كاملا عن وقائع ذلك اليوم والزائرين الذين استقبلهم . ولم يذكر اجتماعه مع طارق عزيز الذي كان قد قام برحلة قصيرة إلى موسكو قابل خلالها غورباتشوف بناء على طلبه . وعندما خرج عزيز من المقابلة التي وصفت بأنها " صريحة " ـ أي " صعبة " حسب اللغة السوفيتية الرسمية الدارجة ـ صرح وهو يبتسم : " أقول بلا تردد إن الاتحاد السوفييتي لا يزال صديقا " . وربما قصد بالصراحة الظاهرة لعبارته هذه احراج خروتشوف قبل اجتماع القمة مع بوش في هلسنكي بثلاثة أيام . وكان ادوارد شيفارنادزه قد صرح في اليوم السابق أن المجتمع الدولي لا يمكن ان يقبل الدول المعتدية والانظمة التي تماس القرصنة .
***
لم يكن الاتحاد السوفييتي البلد الوحيد الذي يشتبه في أنه يقوم بلعبة مزدوجة . ففي الاسابيع التالية سوف تتساءل عدة مراجع رسمية عن الموقف الفرنسي الحقيقي . إذ كان هناك من يصفه بانه " موضع شك " أو " غامض : . فهل فاوضت فرنسا العراق لإطلاق سراح الرهائن ؟ فقد كان لفرنسا مبعوثون في تونس وعمان لهم علاقات مميزة مع الزعماء العرب ودوائر الاستخبارات . ويحتمل ان كان هؤلاء على اتصال مباشر بالمسؤولين العراقيين . وكان الاسمان اللذان يتردد ذكرهما كلود تشيسون وفيليب روندو المختص بالشؤون العربية في المخابرات الفرنسية . وسبق لوالد رونرو أن ساعد قبل سنوات كثيرة على إنشاء مخابرات مماثلة في سوريا . ترى ما هو الثمن الذي دفعته فرنسا ؟ من المؤكد انه تجاوز مجرد الانسحاب الرمزي لخمسة آلاف جندي فرنسي في السعودية مسافة ثلاثين ميلا أو التخلي عن السفارة الفرنسية في الكويت بحجة نقص المياه .
لكن بقي لغز آخر أكثر أهمية وهو ما إذا كان لا يزال هناك مواطنون فرنسيون في العراق . إذ قيل ان التقنيين المدنيين وربما أيضا العسكريين الذين كانوا يقومون ببغداد قبل الغزو بصيانة الاعتدة العسكرية الفرنسية كانوا لا يزالون يعملون بعد تحرير الرهائن ، الامر الذي كان انتهاكا لقرارات الامم المتحدة .
وفي الثامن من سبتمبر ، وقبل وصول الرئيس الأميركي ونظيره السوفييتي إلى العاصمة الفنلندية ببضع ساعات ، وجه صدام حسين بالتلفزيون تحذيرا من التدخل الاجنبي في العالم العربي . وكان لقوله هذا ينطوي على عداء ودهاء ويشير ضمنا إلى ان موسكو بتأييدها الموقف الاميركي تخسر نفوذها بالتدريج وتحول دورها إلى دور ثانوي .
وفي التاسع من سبتمبر توصل بوش وغورباتشوف إلى اتفاق . وبعد أن نجح غورباتشوف في اقناع الرئيس الامير كي بانه لن يقدم دعما عسكريا للعراق حصل على الضوء الاخضر للابقاء على صلاته مع العراق . وعهد إلى واحد من أقرب زملائه وهو يفجيني بريماكوف بمتابعة المسالة . وفي مقابل ذلك خول غورباتشوف بوش مواصلة الاستعدادات العسكرية . وأصدرا بيانا مشتركا أكدا فيه على الرغبة في التوصل إلى حل سلمي للأزمة . وجاء فيه أيضا انه " إذا فشلت جميع الخطوات الحالية ، فاننا مستعدون للنظر في اتخاذ اجراءات أخرى طبقا لميثاق الامم المتحدة " .
***
كان العامل الخفي لا يزال صدى تصميم صدام حسين ـ لكن هناك ما يشير بعض الشيء إلى حقيقته في المحادثات السرية بينه وبين زعيمي منظمة التحرير ـ عرفات وأبو إياد ـ في آخر أغسطس .
وجده الزعيمان الفلسطينيان " في منتهى الاسترخاء " . قال لهما بهدوء : " الآن وقد اتخذت أزمة الخليخ مثل تلك الابعاد فهل يمكنني أن أقصرها على المطالبة بجزيرتين وبضعة آبار من النفط خصوصا بعد أن أنسحبت من شط العرب؟ ذلك لا يكفي . إذا قلت للشعب العراق بأنني انسحب لانني توصلت إلى تسوية قضية في اهمية القضية الفلسطينية فسوف يفهمون ذلك . والواقع أنه أسوأ من خسارة الحرب . لم يسبق لي أن ذكرت أنني مستعد للانسحاب . لماذا ؟ لأنني أعتقد أن الجنود العراقيين سيفقدون معنوياتهم إذا شعروا بأنني مقتنع { بضرورة } الانسحاب " .
ثم أضاف صدام : " إذا تقدمت باقتراح للسلام فانه ينبغي ان أكون الطرف الذي يقدم التنازلات . لكن إذا قدمه الآخرون فانني سأحصل على تنازلات ".
وناقش ثلاثتهم احتمال وقوع الحرب . وتناوله صدام باتزان وشجاعة . قال : " إنني على يقين من أن الاميركيين متفوقون من الناحية التكنولوجية وخصوصا في الجو ، ولكن أعتقد بأنهم لا يستطيعون تحييد سوى جزء من القوات العراقية ، وأن المعركة الحاسمة ستجري على الأرض".
ووصف صدام بالتفصيل طبيعة ونطاق مختلف انواع الهجمات التي تُشن عليه، وبدا أنه يحسب حساب كل شئ، الخسائر المحتملة، وسبل الانتقام ، واشار عرفات إلى ذلك فيما بعد بقوله "لقد أذهلني بهدوءه وانا استمع إليه" وأخبره عرفات بانه هناك معلومات موثوق بها تشير إلى وجود مؤامرة تستهدف القضاء عليه . فانفجر صدام ضاحكا وقال : " هل تحاول أن تخوفني لكي استسلم ؟ ما هذه النكتة ؟ " .
***
اجتمع مبعوث غورباتشوف الخاص بصدام عدة مرات . وفي احداها ـ وكان ذلك في أكتوبر ـ بلغت دهشة بريماكوف وضيقه بتصلب الرئيس حدا تخلى معه عن اللغة الدبلوماسية التي كان حتى تلك اللحظة يستخدمها وقال :
" سيدي الرئيس إذا أصررت { على موقفك } فان الاميركيين سيشنون الحرب عليك ولن نتدخل لمنعهم " . فقال صدام بلا مبالاة : " أعرف ذلك " . فما كان من بريماكوف إلا أن قال : " لكنك ستخسر " . فنظر إليه صدام طويلا ثم قال بهدوء : " ربما " .