![]()
(( لن أغزو السعودية ))
اسشارت التقارير الواردة صبيحة الرابع من آب إلى أنَّ الوحدات العراقية دخلت " المنطقة المحايدة " بين الكويت والمملكة العربية السعودية وتمركزت على بعد نصف كيلو متر من الحدود السعودية . وفي " فورت ميد " حيث مقر وكالة الأمن الوطنية أظهرت الصور التي تلتقطها أقمار التجسس الصناعية التي باتت تصور كل كيلو متر من منطقة الأزمة ، أنّ مئة ألف جندي من نخبة الوحدات العراقية قد حُشدت قرب الحدود وكانت هذه الوحدات تنتمي إلى الفيلق الثالث والحرس الجمهوري الذي يؤمّن الحماية الشخصية لصدام حسين . وكان هذا الفيلق يضم 8 فرق تتألف كل منها من 30 إلى 33 لواء .
وتلقى المسؤولون الرئيسيون في الادارة الاميركية دراسة سرية فيها تقييم لما تمثّله هذه القوات من أخطار :
" يتطلب الغزو العراقي للسعودية عملية عسكرية تفوق بكثير اتساعا وعمقا تلك التي قامت بها القوات البرية العراقية . وتشمل الأهداف الرئيسية لهذا الغزو المرافئ والمطارات القريبة من الظهران الواقعة على بعد ثلاث مائة كيلو متر من الحدود الكويتية ، على أن يكون الهدف التالي الرياض عاصمة المملكة السعودية . ففي هذه المنطقة جميع الأهداف الاقتصادية الحيوية التي تؤدي الاستيلاء عليها إلى إغلاق الخليج على السعوديين ، والى إعاقة الإمدادات الأميركية " .
ثم تعرض الدراسة لمختلف الهجمات التي قد يقوم بها الحرس الجمهوري على الاراضي السعودية وتختم ذلك بمقارنة تاريخية غير متوقعة :
" قد تشكل سمعة الحرس الجمهوري الممتازة نقطة ضعف خطيرة . فتدميرها أو إلحاق هزيمة خطيرة بها ، قد يصيب باقي وحدات الجيش بصدمة معنوية هائلة تؤدي إلى تسريع تفككه وانهياره . فليس من المستبعد أن تكون ردة فعل القوات العراقية مشابهة لتلك التي صدرت عن جحافل الجيش الفرنسي الكبرى في واترلو عندما بلغها نبأ انسحاب حرس نابليون القديم . فقد أحدثت صرخة " الحرس يتقهقر " ذعرا عمَّ الجيش الفرنسي بأكمله وأدى إلى انهياره الفوري " .
وفي كامب ديفد المقر الصيفي للرؤساء القابع في جبال " كاتوكتين " ، انعقد الاجتماع الثاني الذي دعا إليه جورج بوش في أقل من أربع وعشرين ساعة . وقد بدأ كالذي سبقه في الساعة الثامنة صباحا ، وحضره إلى جانب برنت سكوكروفت وريتشارد هاس والجنرال كولن باول ، الذي كانوا هناك في اليوم السابق ، رئيس موظفي البيتالأبيضجون سنونو ووزير المالية نيقولاس برادي ومدير وكالة المخابرات الأميركية (CIA ) وليام وبستر إضافة إلى وزير الخارجية جيمس بيكر الذي كان قد عاد من موسكو في مساء اليوم السابق . وجلس المجتمعون حول طاولة من خشب البلوط في الشاليه الخشبية بعد أن كان أكثرهم قد خلعوا ملابسهم الرسمية وارتدوا ملابس عادية كما لو كانوا قد جاؤوا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع . والواقع أنهم كانوا وسط أزمة متفاقمة.
واستهل الاجتماع عدد من الخبراء العسكريين المدعوين إلى الاجتماع بتقديم تقرير حول " الوضع كما هو على الأرض وما يمكننا علمه " .
واثير احتمال القيام بنشاطات سرية تهدف إلى زعزعة استقرار النظام العراقي أو التخلص من صدام حسين غير أنه لم تجر مناقشة خطط محددة . وبعد أن أكمل العسكريون عرضهم وخرجوا من القاعة طلب جورج بوش من المجتمعين التعليق . ودار النقاش كله حول الخيارات العسكرية . وكان واضحا أن انتشارا عسكريا أميركيا في الخليج لا يمكن أن يتم عمليا دون دعم ومساندة الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية . إلا أن الرياض لم تكن مستعدة لإعطاء الضوء الأخضر ، وذلك لسببين : أولهما أن السعوديين كانوا لا يزالون متمسكين باحتمال تسوية عربية ، وثانيهما أن فكرة وجود قوات أميركية أثارت لديهم قلقا عميقا .
هذا وقد حملت آخر الأنباء عن الوحدات العراقية التي تحتشد على الحدود مع السعودية ما يدعو إلى المزيد من القلق وشكلت فوق كل شيء الورقة الحاسمة في المفاوضات مع الملك فهد . وعبر بوش عن ذلك بوضوح . فمنذ بداية الأزمة لم يخف تبرمه بسبب بطء الاستجابة الدولية . كما عبر عن غضبه بسبب القمع الذي كان يمارسه العراقيون في الكويت .
وعندما بدأ كولن باول بالكلام استقر بوش في مقعده وعلى وجهه علامات الاهتمام ويداه متشابكتان وأصابعه تلامس أنفه . إذ كان يريد أن يستمع إلى الخيار العسكري .
* * *
منذ الثاني من أغسطس والجنرال نورمان شوارزكوف المعروف بالدب بسبب ضخامة جثته لا ينام سوى بضع ساعات كل ليلة ، ويدخن أكثر من العادة ، ويكاد لا يفارق مقره في قاعدة ماكدل الجوية بفلوريدا . وكان من قدامى لاعبي كرة القدم المعروف في وست بوينت بحبه للحياة الهنيئة ، ورئيساً للقيادة المركزية ( السنتكوم ) . وكان استراتيجيو وزارة الدفاع قد قسموا العالم إلى مناطق وعهدوا بالمسؤولية عن كل قسم إلى جهة معينة . واعتبر السنتكوم مسؤولا عن منطقة مساحتها 15 مليون ميل مربع وتمتد من كينيا إلى باكستان . وعليه فإن هذا الجنرال الضخم المرح كان مسؤولا عن منطقة تحتوي على سبعين بالمائة من احتياطي النفط في العالم .
ومنذ بداية الازمة كان شوارزكوف يعمل بالتنسيق مع رؤساء الأركان وكولن باول . وعهد إليه بتحقيق الهدف التالي : تعديل الخطة السرية المشهورة رقم 90 ـ 1002 التي وضعتها إدارة كارتر للتدخل في الخليج بحيث تشكل دفاعا هائلا عن السعودية .
وواجهت " الدب " وزملاء مشكلات عديدة أكثر خطورة منها عدم وجود قواعد على الأرض السعودية والحرارة المرتفعة في الصحراء التي تجعل القتال صعبا للغاية . وكان بين أسباب القلق الأخرى احتمال استخدام العراق للأسلحة الكيماوية وسقوط طلائع القوات الأميركية التي كانت نسبيا في حاجة إلى حماية قبل وصول الدبابات والأسلحة الثقيلة .
من المرجح أن التدخل في منطقة الخليج كان أصعب تحد تواجهه السلطات الأميركية منذ حرب فيتنام . وفي الأسبوع الأخير من يوليو أُجري تدريب أطلق عليه " علم الحرب 90 " لاختيار قدرة قادة الجيش على الاتصال فيما بينهم من مسافات طويلة . وكانت العملية موجهة إلى الشرق الأوسط . ولكن بالرغم من التوتر المتزايد فإنه لم تجر الاشارة إلى العراق والكويت والسعودية . ولتفادي إثارة الحساسيات اظهر باول لباقة خارقة عندما طلب تقطيع الخرائط وتعديلها بحيث لا يظهر أي تشابه بينها وبين بلدان المنطقة .
وفي قاعدة ماكديل وفي البنتاغون (وزارة الحربية) كانت الكمبيوترات الضخمة تعمل طيلة أربع وعشرين ساعة في استيعاب المعلومات الجديدة . وكان يجري العمل ببرنامج ضخم له اسم كاللغز ويرمز إليه بالحروف TPFD ( أي قوة الانتشار في المرحلة الزمنية ( * ) ويشتمل على معلومات مفصلة عن القوات والاعتدة التي يجب ارسالها ، ووسائل نقلها ، وانظمة الاتصالات لتنسيق العملية ، وكل ما تحتاجه في صحارى السعودية من دفاعات جوية ومياه للشرب ومبان الخ .
وكان شوارزكوف وباول من قدامى المحاربين في فيتنام ، الذين يتخذون جميع الاحتياطات عند استخدام القوة . وكانا مقتنعين بأن نجاح العملية العسكرية رهن بتنفيذها على نطاق واسع واستخدامها كافة الوسائل وبدعمها بتصميم لا يتزعزع لدى السياسيين .
وكان في مكتب رئيس هيئة الأركان لائحة معلقة في مكان بارز وتشتمل على قائمة بـ " قواعد كولن باول " الثلاث عشرة وإحداها : " اختر بعناية ما تريده فتحصل عليه " .
* * *
وعندما بدأ باول في كامب ديفد ذلك الصباح بإلقاء بيانه أمام بوش وأعضاء الادارة ، كان عليه أن جميع المعلومات التي زوده بها شوارزكوف . قال :
" سيدي الرئيس ، قال باول ، إذا قررت القيام بعملية عسكرية ، لا بد من إدخال قواتنا بكثافة وصورة ملائمة . فمن الواضح أنَّ صدام حسين لا يبحث عن مواجهة مع الولايات المتحدة . إنَّه شرس ولكنه ليس مجنونا . وهو يعلم أنه سيخسر أي حرب يخوضها على نطاق واسع مع الولايات المتحدة . وفي حال حصول تدخل عسكري لا بد من إرسال فوري لقوات مناسبة إلى العربية السعودية وذلك لاظهار تصميمنا الواضح على الدفاع عن المملكة . ولا بد أيضا من أن يكون الانتشار واسعا بحيث يفهم صدام حسين أن الهجوم على العربية السعودية هو هجوم على الأميركيين . كما أن الخطة 1002 ـ 90 لا بد من أن تسمح بالسيطرة الجوية والبحرية وإرسال افواج المشاة بعدد يكفي لا للردع فقط بل للقتال . فما من أمة جنت ربحا من نزاع يطول " .
كان كلام باول من النوع الذي يريد بوش سماعه . فبعد أن استمع إلى تعليقات الآخرين قرر إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ الخطة 90 ـ 1002 ولإرسال أضخم اسطول منذ حرب فيتنام الطوف الآخر من العالم . " لقد تحول الرئيس " كما قال شاهد عيان " إلى صقر حقيقي " على أنه ترك التفاصيل لباول . وكانت طلائع القوات ـ بموجب ذلك ـ ستغادر في اوائل الأسبوع التالي . وحتى ذلك الحين كانت الخطة ستبقى سرية من الدرجة الأولى .
كان لا بد أيضا من تذليل عقبة أخيرة وهي الحصول على موافقة المملكة السعودية . فطلب بوش من تشيني وزير الدفاع التأهب للسفر في اليوم التالي إلى جدة ؛ واقترح برنت سكوكروفت أن يرافقه روبرت غيتس الرجل الثاني في مجلس الأمن القومي الذي شغل سابقا منصب مساعد مدير وكالة المخابرات المركزية . وتقرر أن يرافقهما الجنرال شوارزكوف .
وانتهى الاجتماع في العاشرة والنصف صباحا . وتقرر عقد اجتماع أخير في البيت الأبيض بعد ظهر اليوم التالي .
* * *
في هذه الاثناء كان ياسر عرفات مجتمعا مع مبارك . وكان مبارك متوترا ، وظل يقول بغضب : " على العراق أن ينسحب " ، وأشار إلى اتصاله بالملك حسين الذي كان قد عاد من بغداد . وبدا وكأنه يحاول تبرير موقفه بغض النظر عن النتائج فقال :
" سألته ( الملك حسين ) عما إذا كان قد بحث مع صدام مسألة انسحابه من الكويت فأجاب بالنفي . وأضاف بأن كل ما بحثاه هو عقد القمة المصغرة التي كنا سنحضرها أنا وهو والملك فهد وصدام الذي أعرب عن موافقته على حضورها . فقلت بأنني لن احضر ما دام صدام لم يعد بالانسحاب .
كانت كلمات مبارك هذه تناقض كلمات الملك حسين الذي صرح بأن الرئيس العراقي أبلغه بأنه سوف ينسحب إذا تم التوصل إلى اتفاق في اجتماع القمة المصغرة .
وبدا مبارك خلال المحادثات مُحرجا لأنه لم يكن هناك في العالم العربي من يجهل انه تعرض لضغط هائل من الولايات المتحدة . وفي أثناء المحادثات أسر لعرفات بأن العراق سيكون هدفا لعملية عسكرية بين 12 و 18 أغسطس . وفوجئ ياسر عرفات بذلك ولكنه لم يسأل مبارك عن مصدر معلوماته . وفي ختام محادثاتهما قال ياسر عرفات : " عليك ان تذهب إلى السعودية والعراق ." فرد عليه مبارك بفظاظة : " اذهب انت أولا ؟ " . وأضاف بعد شيء من التفكير : " أجل ، اذهب واعرف ما إذا كان مستعدا للانسحاب . فإذا كان كذلك فسأذهب أنا أيضا " .
* * *
في الثامنة مساء كان الملك فهد يتحدث مع مساعديه المقربين في حدائق مقره بجدة عندما توجه إليه احد رجاله وقال : " يا صاحب الجلالة إن الرئيس على التلفون . " وكان بوش يتحدث من كامب ديفد حيث كانت الساعة تشير إلى الوحدة بعد الظهر . وكانت الكلمات الأولى التي قالها لفهد هي كلمات مارغريت تاتشر قبل ذلك بيومين . قال " يا صاحب الجلالة إنك تعلم أنه ( أي صدام ) لن يتوقف " .
ثم أطلع بوش الملك على المعلومات التي تلقاها عن الحشود العراقية على الحدود السعودية . فاستولى الاضطراب والقلق على الملك وأظهر استجابة اكبر لمقترحاته . ويقول احد الموظفين في البيت الأبيض : " حتى ذلك الوقت كان الخوف يشل الحرب " ، وهذا الخوف هو الذي شكل الورقة الرابحة في استرتيجية بوش إزاء السعودية .
وطالت المحادثات بين بوش والملك . وكان من الواضح أنه لا يمكن للجيش السعودي الذي يتألف من 000 , 65 جندي أن يتصدى للقوة العراقية الضاربة . فالحشود العراقية على الحدود ـ كما قال بوش ـ كانت من الوحدات العراقية المختارة . ( لكن تبين فيما بعد أن هذا لم يكن صحيحا ) وأضاف بوش أن الدفاع عن المملكة أمر أساسي وأنه باستطاعة واشنطن تقديم دعم عسكري هائل . واقترح بوش على الملك إرسال وزير الدفاع الأميركي حاملا " رزمة من تقارير المخابرات التي تثبت أن الغزو العراقي ينطوي على خطر حقيقي والمرفقة بخطط محددة لانتشار القوات الأميركية في أراضيكم " .
ووافق فهد على استقبال تشيني لكنه طلب إمهاله أربعا وعشرين ساعة أخرى ليفكر خلالها في أمر القبول بالتواجد الأميركي العسكري .
* * *
خرج بوش من اتصاله مع فهد اكثر ثقة . وقضى اكثر ما تبقى من يومه في المكالمات الهاتفية مع كبار زملائه ورؤساء الدول الأجنبية ولا سيما بالرئيس التركي أوزال .
فقد كانت تركيا من أعضاء حلف شمال الأطلسي ويمر فيها يوميا 6 , 1 مليون برميل من النفط ، أي نصف جميع صادرات العراق النفطية ، وذلك عبر خط من الأنابيب طوله 750 ميلا ويصل بين آبار النفط بكركوك وميناء بومرطالق على شاطئ المتوسط . وكانت الأزمة قد وضعت الزعماء الأتراك في موقف حرج . إذ كان تصدير النفط يعود عليهم بمبلغ 300 مليون دولار في السنة هذا فضلا عن أن العراق كان يزود تركيا بثلثي حاجاتها من الطاقة . وبالرغم من أن الصحافة التركية أجمعت على ادانة الغزو فقد كان المسؤولون فيما بينهم اكثر تحفظا . إذ كانت أية بادرة منهم ستكلفهم غاليا . وأوضح بوش لأوزال ان العمل الدولي ضد العراق يعتمد إلى حد كبير على قطع صادراته من النفط . وأضاف أنه طلب الشيء ذاته من السعوديين ، وأنه حصل على موافقتهم .
على أن تأكيد بوش هذا كان سابقا لأوانه . إذ كان يفضل الانتظار حتى تسوّى جميع الأمور العسكرية قبل أن يبحث هذه القضية مع الرياض . فالسعودية كانت القطر الذي يمر به النصف الآخر من صادرات العراق النفطية .
كان أوزال الرجل البدين ذو الوجه المستدير والنظارات مناورا حاذقا . ورأى من الحكمة أن يتريث ليرى كيف سيتطور الوضع . صحيح أنه أكد لبوش دعمه له ، ولكن لم يلزم نفسه بشيء محدد ، ولم يذكر له أنه كان سيستقبل مبعوثا لصدام حسين في اليوم التالي ـ وفي اعقاب هذه المكالمة مع بوش اتصل اوزال بعدو العراق اللدود الرئيس الإيراني رفسنجاني . وفي اليوم ذاته كشفت معلومات من مصادر رسمية بطهران أن صدام حسين اتصل قبل اسبوعين برفسنجاني من أجل التفاوض حول حياد إيران إذا قام بغزو الكويت .
* * *
وفي عمان صدرت عن الملك حسين كلمات قدر لها أن تزيد من عزلته عن غالبية الأقطار العربية وعن حلفائه الأميركيين . فبعد أن انتقد مواقف دول المنطقة وإدانتها للعراق أضاف قوله : " إن صدام حسين رجل وطني " .
* * *
ألقى ياسر عرفات بصدام حسين يوم الأحد الخامس من أغسطس . فادعى صدام بأنه " صدم " عندما علم بالغاء القمة المصغرة ، وسأل عرفات : " من هو برأيك الذي أفسد الأمر ؟ " .
عكست مواقف صدام وبياناته في ذلك اليوم مزيجا غريبا من المرارة والتصميم . وأسهب في تبريره لغزو الكويت وأعرب عن خيبة أمله في ردود الفعل العربية . ولاحظ عرفات أن معنوياته لم تتزعزع على الإطلاق . إذ كان هادئا ويتصف بالحيوية . ولم يخل كلامه من الدعابة . وقال لعرفات : " لا بد من حل سياسي " . وعلق عرفات بقوله : " إنني متفق معك تماما " . وبعد لحظات من الصمت أضاف صدام : " إذهب إلى السعوديين وقل لهم إنني مستعد للحوار " .
* * *
في اليوم ذاته تلقى رجل أعمال فلسطيني بارز مكالمة تلفونية عاجلة من بغداد . وكان المتحدث نزار حمدون نائب وزير الخارجية الذي قال : " عليك أن تحضر إلى بغداد بأقصى سرعة ممكنة . إن الأمر خطير " . ولم يكن الفلسطيني متحمسا للذهاب إلى العاصمة العراقية لكنه قال بأنه سيتصل به . وفي اليوم التالي اتصل حمدون ثانية . وعندما علم رجل الأعمال الفلسطيني من المحادثة بأن عرفات سيذهب إلى فيينا في السابع من أغسطس للمشاركة في تشييع جنازة المستشار النمساوي السابق بروتو كرايسكي ، قال لحمدون بأنه سيذهب إلى فيينا واقترح عليه أن يبعث بما يريده لعرفات ليبلغه به .
وفي السابع من الشهر التقى رجل الاعمال بعرفات الذي سلمه رسالة من صدام حسين لينقلها إلى الرئيس بوش . وكان لهذا الفلسطيني معارف في البيت الأبيض . وأكدت الرسالة على أن صدام حسين كان على استعداد للانسحاب من الكويت ولكن بعد أن يسوي أموره أولا مع الكويتيين .
فاتصل رجل الاعمال الفلسطيني بجون سنونو رئيس موظفي البيت الأبيض وأبغله أنه سيبعث له الرسالة فقال سنونو :
" حسنا ولكن لا أريد أن يعرف أحد أن الرسالة أُبلغت ؟ " ، ووصلت الرسالة إلى واشنطن ولكن لم يصدر رد عليها .
* * *
في يوم الأحد ذاك عقدت لجنة وزارة الدفاع الإسرائيلية اجتماعا سريا بالقدس . وكان شامير معكر المزاج . ذلك أن " العلاقة الخاصة " بين بلاده وواشنطن بلغت أدنى مستوى لها . وقال شامير لأحد زملائه : " لقد اتصل بوش بالتلفون بجميع حلفائه وبكل زعيم في المنطقة فيما عدا زعماء ليبيا والعراق وإيران ومنظمة التحرير … واسرائيل " .
كان موقف إدارة بوش مصدر قلق للزعماء الاسرائيليين . إذ صار من الواضح لهم أن الاميركيين يريدون استبعاد اسرائيل واجبارها على التزام الهدوئ لكي لا تهدد الحلف العربي المناهض للعراق الذي كان يجري إنشاؤه . وضربت واشنطن عرض الحائط بجميع عروض القدس للتعاون مع الأميركيين وخصوصا في مجال المخابرات .
وخيم على الجلسة السرية جو كئيب . وقال موشي ارينز وزير الدفاع : " علينا أن نحتفظ بحقنا في التدخل إذا تغير الوضع الجغرافي الاستراتيجي في الشرق الأوسط تغيرا جذريا أو إذا تعرض الأردن للغزو " .
كان بين الحاضرين الجنرال دان شومرون الذي قاد بنجاح الغارة على انتيبي ورؤساء دوائر المخابرات . ولم يكن بينهم من يعتقد بأن السعودية ستتعرض للغزو . وقال احدهم : " إن حجم ردود الفعل الدولية تجعل وقوعه أمرا غير محتمل " . لكن من الناحية الأخرى اعتبر قيام العراق بحشد قواته على حدود الأردن امرا محتملا جدا . إذ كانت بعض الصواريخ العراقية في طريقها إلى حدود الاردن ويمكن لها أن تصل القدس أو تل أبيب في غضون أربع دقائق . وقال شامير : " علينا أن نزيد من نشاط مخابراتنا في جمع المعلومات . وينبغي أن نحصل على معلومات من أعلى المستويات لمعرفة ما يحدث عندما يحدث لا بعد ذلك بيوم " .
وكان المقصود بالاستهزاء رؤساء دوائر المخابرات . فمنذ الثاني من أغسطس كثر الكلام على تقصير المخابرات الإسرائيلية وخصوصا في الصحافة . ولهذا أمعن الحاضرون في تحليل حركات صدام حسين ـ وتمخض تحليلهم عن تشابه عجيب بين ما يحدث وما حدث في عام 1980 .
ففي عام 1980 وعشية الهجوم الإيراني على جزيرة الفاو ـ وهو الهجوم الذي مثل بداية الحرب العراقية الإيرانية ـ ذهب صدام حسين لتفقد قواته التي كانت في جبهة بعيدة وذلك لإحداث انطباع بأن الهجوم سيقع على منطقة مختلفة . وبعد ذلك بعشر سنوات قام بدعوة الملحقين العسكريين الأجانب في بغداد إلى الحدود مع الكويت لمشاهدة فرقتيه المرابطتين هناك . وبهذا حول العراقيون الأنظار عن الهدف بطريقة رائعة . فمن كان يصدق بأن بلدا يدعو خبراء أجانب لمشاهدة قواته وهي تتأهب للغزو ؟ وفور عودة الملحقين العسكريين إلى بغداد وبينما كانت السفارات الغربية والعربية تبرق إلى عواصمها مطمئنة وداعية إلى التفاؤل ، أصدر صدام أوامره إلى قواته الرئيسية بالزحف على الكويت .
شيء واحد أصبح واضحا وهو انه يفتقر بشكل مؤلم إلى قمر صناعي عسكري قادر على رصد حركات القوات المعادية عن بعد . فكان لا بد من اللجوء إلى الأميركيين من أجل مساعدتهم فورا في تحقيق ذلك .
وبعد هذا الاجتماع عقد ديفد ليفي وزير الخارجية جلسة مغلقة مع شامير وموشي أرينز . وكان ليفي سيغادر البلاد إلى واشنطن في اليوم التالي وعليه فقد كان ذلك هو الوقت المناسب لوضع تفاصيل الموضوعات التي سيجري بحثها بصورتها النهائية . وجاءت الرحلة في أوانها تماما لأنها تتيح الفرصة لجس النبض بالنسبة للنوايا الأميركية تجاه أزمة الخليج . ولكن بعد بضع ساعات استولى الفزع على شامير عندما علم بأن جيمس بيكر ـ وزير الخارجية الأميركية ـ اجل ليفي شهرا .
* * *
في وقت متأخر من بعد الظهر هبطت الطوافة التي عاد بها بوش من كامب ديفد على العشب أمام البيت الأبيض . ونزل منها وهو يقرأ عبارة على قصاصة من الورق ناوله إياها ريتشارد هاس الذي كان إلى جانبه ، وتقول : " إن اوزال على التلفون " ، وأخذ بعض الصحفيين الذين كانوا بالقرب من الطائرة يسألونه . فتقدم إليهم بشيء من العصبية وقال: " إن احتلال الكويت لن يدوم ".
وبالرغم من أن الذي كان ينتظر التحدث معه حليف ذو شأن فإنه قضى عشرين دقيقة وهو يرد على أسئلة الصحفيين . وعندما قال بوش " لقد ظفرنا بدعم العالم العربي " ، وجه إليه أحد الصحفيين سؤالا أخرجه عن طوره . وكان سؤاله : " كيف تقول ذلك وكل صحيفة تحمل صورة لصدام حسين مع ملك الأردن على صفحتها الأولى ؟ " فجاء رد بوش فظا . قال : " أستطيع القراءة . فما هو سؤالك ؟ " .
وعاد بوش إلى المكتب البيضاوي حيث كانت بانتظاره رسائل تأييد من جميع أنحاء البلاد . وكان بعضها في غاية الايجاز مثل " عليك به " و " " أطح به " . علق أحد مساعديه عليها بقوله : " لقد أخذ ينفد صبر البلاد " .
وقبل ذلك بقليل غادر تشيني وزير الدفاع البلاد إلى السعودية ومصر . واعتبر اجتماعه مع الملك فهد حاسما . وقال أحد موظفي البيت الأبيض في ذلك :
" إن القضية كما نطرحها أمام السعودي محددة تماما " . نقول له : اسمع ، أمامك شخص كذب عليك قبل إقدامه على ما فعله بخمسة أيام . وليس هناك الآن ما يدعوك إلى تصديقه . فأنت أدرى بالمثل القائل : " لا يلدغ الشخص من جُحر مرتين " .
ولمسؤول أميركي كبير تصريح غير رسمي يلقي أضواء على الاهداف الأميركية يقول : " إن احتلال الكويت لا يشكل في حد ذاته تهديدا للمصالح الأميركية . فالتهديد الحقيقي يكمن في القوة التي يحصل عليها العراق عندما يضع يده على 20 % من احتياطي العالم من النفط ويسيطر على منظمة الأوبيك ويبسط هيمنته على الشرق الأوسط ، ويهدد إسرائيل ويسعى إلى الحصول على القنبلة الذرية ".
بحلول المساء كان بوش قد ضرب المثل في النشاط : ففي غضون أربعة أيام أجرى ثلاثا وعشرين مكالمة تلفونية مع أثني عشر من زعماء العالم ، وأحيانا بمعدل مكالمة كل ساعتين . والآن وقبل أن يعود إلى جناحه الخاص تحدث بالتلفون مع كولن باول وعهد إليه بالبدء بتجميع كل القوات التي يمكن إرسالها إلى السعودية . وبعد ذلك بقليل عقد اجتماعا أخيرا مع جيمس بيكر وبرنت سكوكروفت لبحث العقبة الأخيرة المتبقية وهي رد فعل الاتحاد السوفييتي .
كان بوش قد اعتزم اصدار الاشارة النهائية لانطلاق القوات مساء الاثنين بعد اجتماع تشيني بالملك فهد ، بحيث تغادر طلائعها صباح الثلاثاء ، لكنه آثر الانتظار إلى يوم الاربعاء ليعلن ذلك.
اتفق الثلاثة على أن مواجهة الاتحاد السوفييتي بالأمر الواقع سيكون كارثة . فإذا انتقد غورباتشوف نشر القوات علانية فان جميع الجهود التي تبذل لإقناع الأمم المتحدة بالموافقة على العقوبات ستتعرض للفشل . وكان التصويت سيجري في الامم المتحدة بعد ظهر اليوم التالي . فاقترح سكوكروفت الاستفادة من " الوقت القصير ولكن الكافي " لطمأنة موسكو وإطلاعها على النوايا الأميركية . وقال سكوكروفت : " يمكننا استخدام دقة الوضع لتقوية العلاقات الأميركية السوفيتية بشكل أسرع " . وتقرر أن يستغل بيكر الفرق في التوقيت فيتصل بشيفارنادزه من موسكو في وقت متأخر من ذلك المساء .
* * *
وبحكم كون باول وبيكر وسكوكروفت دائما في الواجهة خلال إدارة الازمة فقد شكل ثلاثتهم في واقع الامر وزارة حربية . على أنهم كانوا ذوي طباع مختلفة .
كان باول ـ كما يقول احد أصدقائه بمثل " الحلم الحقيقي رجال الاعمال " ، والتجسيد الحي للحلم الأميركي . فهو ابن مهاجر من جامايكا ونشأ في هارلم وجنوب البرونكس ( أي المنطقة بين هارلم ولونغ آبلند ) . ولم يكن طالبا نجيبا . ففي المدرسة الابتدائية وضع في قسم التلاميذ " البلداء " على ان هذا كله تغير في الجيش . فقد برز في حرب فيتنام ونال احد عشر ميدالية . ولفت بتشدده في أمر " التهديد السوفييتي " نظر رجال ريغن . فدخل البيت الأبيض ولم يجد صعوبة في الانتقال إلى عهد بوش . وعندما عين جنرالا اربع نجوم ورئيسا لهيئة الأركان المشتركة أكد بشيء من التحدي : " لقد شققت طريقي في سلم الجيش من دون أن ألعب البريدج والغولف والتنس " .
وكان جيمس بيكر ـ الثالث الذي يحمل هذا الاسم كما يحلو له أن يقول ـ قد ورث كأعز أصدقائه بوش ثروة كبيرة . ودرس بيكر بجامعة برنستون بينما درس بوش بجامعة بيل وقد أتاحت لبيكر ثروة أسرته التي تكونت من ممارسة المحاماة في هيوستن ان يشق طريقه بنجاح في ميدان الاعمال الحرة والسياسة . وإذ تولى رئاسة هيئة الموظفين بالبيت الابيض في عهد ريغن ثم وزارة المال فقد كان رفيقا دائما لبوش في حفلات العشاء ، وعطل نهاية الأسبوع ، ورحلات صيد السمك . وبالرغم من أنه كان مثل بوش متحفظا في كلامه، فانه كان في أكثر الاحيان اكثر جزما وينفعل على نحو غير متوقع .
أما سكوكروفت الذي بلغ الخامسة والستين من العمر فهو وسط بين بوش وبيكر . كان حاد الذكاء يغلب عليه الصمت . وسبق له أن كان جنرالا في سلاح الجو ، وعُرف بـ " الجندي المفكر " وكان شديد الولاء لبوش . وشهد في عهود مختلف الرؤساء ما يحدث من تنافس بين رئيس مجلس الأمن القومي ـ وهو منصبه الحالي ـ وبين وزير الخارجية ، ورأى كيف كان وزير الخارجية يخرج في الغالب منتصرا . وربما كان هذا ما يدفعه إلى عدم التعالي على بيكر المتعطش اكثر منه إلى اثارة اهتمام وسائل الاعلام به . ولكنه ـ أي سكوكروفت ـ صاحب نفوذ كبير ودهاء ربما ورثه عن مرشده ورئيسه السابق هنري كيسنجر . ومنذ بداية الأزمة لم يفارق الرئيس بوش . وكان بعد له بياناته وخطبه ، ويحلل تقارير المخابرات بالتفصيل ، ويوازن بين منافع القرار ومضاره .
* * *
في السادس من أغسطس كان شيفارنادزه يقضي عطلة تمتد بضعة أيام في بيته الصيفي في القرم . وكان وحده فيه يتمتع بالراحة عندما رن التلفون وعلى طرفه الآخر زميل له في موسكو أبلغه أن وزير الخارجية الأميركية يريد أن يتحدث معه .
قال بيكر بصوت ينم عن سروره : " شيف ، كيف تجد عطلتك ؟ هل الجو جميل ؟ " لكن لم يلبث ان غير لهجته وقال : " سوف نرسل قواتنا إلى الخليج " وأضاف على الفور : " وذلك بطلب من السعودية " . ومضى بعد ذلك يتحدث على آخر تقارير المخابرات حول الحشد المتواصل للقوات العراقية في الكويت وعلى الحدود السعودية حيث احتشد اكثر من مئة ألف جندي . وأضاف : " نؤكد لكم اننا لا نحاول الاستفادة من الوضع لنزيد من نفوذنا في المنطقة " . فقال شيفارنادزه : " ماذا تقصد بهذا ؟ هل تريد استشارتنا أم إبلاغنا ؟ " ، وكان صوت شيفارنادزه يتصف بالبرود . فقال بيكر محرجا : " إننا نعلمكم لأنني لا أعتقد أنه شيء يمكن أن نقوم به معا . لكن هل تريدون أن تفكروا في الأمر ؟ لست مخولا باقتراح مشاركتكم لنا. فهل تتعاونون بإرسال قوات بحرية أو برية ؟ ".
كان بيكر قد طرح هذه الفكرة أمام السعوديين في اليوم السابق فلم يعترضوا على التواجد السوفييتي . فلم يقل شيفارنادزه شيئا ـ وعندئذ طرح بيكر سؤاله بطريقة أخرى : " لماذا لا نعمل في إطار اللجنة العسكرية بالأمم المحتدة ؟ " وكان السوفييت يحاولون منذ سنوات ايقاظ تلك اللجنة من سباتها .
قام بيكر على الفور بإبلاغ مضمون الحديث لبوش وأظهر حماسة كبيرة لفكرة إشراك السوفييت في أزمة الخليج . فأعرب بوش عن اهتمامه واتصل على الفور بكولن باول الذي لم يكن لديه اعتراض على المبادرة .
فعاد بيكر إلى الاتصال بشيفارنادزه . قال : " لا يرى الرئيس بوش عقبة أمام تواجد بحري أو بري سوفييتي في تلك المنطقة . فقال شيفارنادزه بمزيد من التحفظ : " حسنا . إذا كان الرئيس بوش مهتما فعلا بالأمر فسوف ابحثه مع الرئيس غورباتشوف " .
كانت هذا تقدم كبير جدا . لأن هناك أولا البلاغ المشترك الذي سنصدره في موسكو والذي يتخلى فيه السوفييت عن أحد حلفائهم ويدينونه . نحن الآن نقترح حليهم أن يشاركوا سياسيا وعسكريا في الخليج " .
لكن لم تكد تتسرب أخبار هذا الاقتراح إلى خارج الحلقة الضيقة التي تضم زملاء بيكر المقربين حتى واجهت وزارة الخارجية عاصفة أشبه بالثورة . فمنذ عشرات السنين كان هدف السياسة الأميركية إبعاد الاتحاد السوفييتي عن الشرق الأوسط . فجاءت مبادرة بيكر خروجا على هذه العقيدة . فانهالت على مكتبه المذكرات التي يشيع فيها القلق أو الغضب من مختلف دوائر وزارة الخارجية . ووجد موظفوها حليفا غير متوقع وهو غورباتشوف . الذي لم يظهر امتنانه للاقتراح . فالمصاعب الداخلية التي كان عليه أن يواجهها والذكرى المرة لغزو افغانستان شجعت زعماء الكرملين على اتباع سياسة الحذر والترقب .
قال بيكر لشيفارنادزه بعد بضعة أيام : " هذا العرض رمز لحسن النية " . فقال هذا باقتضاب : " شكرا لكم . لقد أدركنا ذلك " .
* * *
قبيل ظهر اليوم ذاته عاد عرفات إلى القاهرة حيث انضم إليه أبو إياد الرجل الثاني في منظمة التحرير ، واستقبلهما مبارك . فأطلعه عرفات على ما دار بينه وبين صدام خلال مقابلتهما في اليوم السابق . قال : " إنه فعلا مستعد للتفاوض " . وأضاف أنه يخشى اكثر من أي وقت مضى حدوث مواجهة عسكرية . ونبه أبو إياد إلى امكان تدخل اسرائيل . وبدا ان مبارك كان يشعر بعداء متزايد للعراق وأنه يعارض القيام بأية تسوية . أما الذي أدى إلى اتخاذه هذا الموقف الجديد المتصلب فهو الحملة السياسية والاعلامية العنيفة في الولايات المتحدة . فاعتزم عرفات وأبو اياد أن يذهبا إلى السعودية وهي البلد الوحيد الذي كان لا يزال قادرا على التفاوض معه حول التسوية.
* * *
في جدة كان ريتشارد تشيني يضع اللمسات الاخيرة على الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع الملك فهد . والواقع أنه كان قد أصبح مفاوضا أكثر منه رسولا في الازمة القائمة . وكان يمثل الخيار الثاني لدى بوش للحلول في منصب وزير الخارجية الذي يعتبر من المناصب الرئيسية . واقترح ترشيحه وأيده برنت سكوكروفت . وكان تشيني يعاني من مرض في القلب . وعندما اجتمع به سكوكروفت لبحث امكان ترشيحه كان السؤال الذي طرحه عليه بلا مجاملة : " ديك كيف صحتك ؟ " .
كان قد جرى التمهيد إلى حد كبير لمحادثات بوش التلفونية مع الملك بحضور الجنرال شوارزكوف وروبرت غيتس ، وأخو الملك ووزير الدفاع الأمير سلطان الذي كان قد قطع رحلة استجمام في مراكش ؛ وعبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ؛ ونائب رئيس الوزراء ورئيس الحرس من البدو . وكان عبد الله طوال الوقت اكثر شكا في الاميركيين من فهد . وعليه فقد كان هو الذي ينبغي اقناعه . لكنه درس بعناية تقارير المخابرات الاميركية السرية والصور الفوتوغرافية التي التقطتها الاقمار الصناعية والتي تشير بالتفصيل إلى الحشود العراقية في الكويت وعلى الحدود السعودية وتحدث مطولا مع شوارزكوف وتشيني عن المواقع التي يمكن تمركز القوات الاميركية عليها . وقال له تشيني : " هذا كل ما نستطيع تقديمه لكم " . فقال فهد أخيرا :
" حسنا ، سأقبل ذلك كله " .
وكان السعوديون قد اشترطوا مسبقا وقبل أن يعربوا عن موافقتهم النهائية . أنه " مما لا يقبل الجدل أنه لن يجري إنشاء قواعد عسكرية دائمة على أرضنا " . وكان الأميركيون قد توقعوا هذا فاقترحوا بروتوكولا سريا : انسحاب القوات الاميركية من الاراضي السعودية حالما تسمح الاحداث بذلك ولكن اقامة قواعد دائمة ومساكن للقوات الاميركية والقوات المتعددة الجنسيات في إمارة البحرين وداخل الكويت .
لقد عوّل الاميركيون على عدم رضى الزعماء السعوديين . إذ كانت هناك اولا مشكلة الملك فهد الذي كان يتزايد عجزه عن الاقدام على أي عمل . ويقول احد المقربين منه والمطلعون على الامور : " لا تكاد تظهر المشكلة حتى يهرب الملك منها " . واخذ يطيل اعتكافه في قصره ويتجنب مستشاره ورجال اسرته . ثم ان الزعماء السعوديين كانوا يدركون مواطن ضعفهم : إذ كانوا قد اشتروا خلال السنوات القليلة الماضية ما قيمته 150 بليون دولار من الاسلحة المتطورة ومع هذا فقد كانوا يعترفون بأنهم لا يستطيعون صد عدوان جيش قوي كجيش العراق عليهم . كما أن السعودية كانت تستخدم دخلها الهائل البالغ خمسين بليون دولار في السنة في محاولة عقد التحالفات الاقليمية وتحييد اولئك الذين قد يصبحوا أعداء لهم . على أن أزمة الخليج كشفت عن نواحي قصور هذه الاستراتيجية .
* * *
عندما افتتحت المحادثات في جدة بين الاميركيين والسعوديين كان صدام حسين يستقبل جوزف ولسون القائم بالاعمال الاميركي في جدة . وبدا عليه الارتياح وهو يحيي الدبلوماسي الاميركي وبادره بقوله : " ما هي الاخبار السياسية والدبلوماسية ؟ " . فالتفت ولسون لوزير الاعلام العراقي الذي حضر المقابلة وقال : " لدى وزيرك من الاخبار التي يتلقاها من محطة سي أن أن(CNN ) ما يفوق ما عندي " . فقال صدام :
" طلبت منك ان تدرس التطورات التي تحدث بعد مقابلتي لسفيرتكم . فقد تلت ذلك مفاوضاتنا الفاشلة مع حكومة الكويت السابقة . لكن ما حدث قد حدث " . فقال ولسن : " لقد أخبرني وزيركم من قبل " .
* * *
واصل صدام كلامه للدبلوماسي الاميركي قائلا :
" إني مطلع على تفاصيل الموقف الاميركي . نحن نعلم جيدا انه حين يحدث أي شيء في العالم العربي ، أوروبا ، أو في أميركا الاتينية يكون للولايات المتحدة موقفها دائما . ولا يفاجئنا ان يدين الاميركيون عملا من هذا النوع الخاصة أنهم ليسوا طرفا فيه . ولكن على الولايات المتحدة ان تحرص على أن لا تتبع النصائح السيئة ، إذ قد تجد نفسها في وضع محرج .
" إنني متأكد من أنكم اطلعتم على الرسائل التي وجهناها إلى ايران خلال الحرب ، رسائل تقيم الوضع في الحاضر والمستقبل . وبما ان هذه الرسائل كانت في غاية الصراحة ، اعتقد الإيرانيون أنها لعبة تكتيكية من طرفنا . ولكننا كنا نقول لهم ما نعتقده لأننا كنا نريد السلام ولأن الحرب لا تفرحنا . ولكن تعرفون النتائج : فلو أخذ الإيرانيون بالاعتبار ما كنا نقوله لهم لما نشبت الحرب .
" أريد أن أتحدث عن العلاقات بين العراق والولايات المتحدة في ضوء التطورات وعما سيحدث إذا ارتكبت الولايات المتحدة أي خطأ . وفي البدء سأتناول ثلاث نقاط ذات صلة بالوضع الراهن:
"كانت الكويت دولة بلا حدود حقيقية. وقبل عام 1961 لم تكن دولة . فما الذي حصل في عام 1961 ؟
"عندما عيَّن عبد الكريم قاسم حاكماً على الكويت، تابعاً لمحافظة البصرة، كان العراقيون يعلمون، وكذلك عبد الكريم قاسم نفسه، أن الكويت تشكل جزءا من العراق . كانت الكويت اذن حتى ذلك الحين دولة بدون حدود، ولا يمكننا بالتالي أن نحكم على دخول القوات العراقية في إطار العلاقات بين دول العالم العربي.
"وأنتم تعلمون أنه كانت لنا منذ 1975 علاقات ممتازة مع السعودية، وأن هذه العلاقات كانت تتطور بصورة جيدة قبل الثاني من آب . فحتى تاريخ الثاني من آب كانت تسود فيما بيننا علاقات ثقة وتعاون فعلية. وأيا كانت السياسة الأميركية فاننا لم نر في علاقتنا الجيدة بالسعودية ما يضر بالمصالح الامريكية . واذا صح هذا فإن العلاقة الحسنة بين العراق والسعودية لم تضر الولايات المتحدة وليس هذا فحسب ، بل انها كانت عامل استقرار في المنطقة . اذن فأي تدخل في العلاقات بين العراق والسعودية لا يمكن إلا أن يزعزع الاستقرار في المنطقة وأن يلحق الضرر بالمصالح الأمريكية .
" إننا لا نفهم ما تقصدونه عندما تصرحون بأنكم تتخوفون من نوايا العراق تجاه السعودية وأنه بعد الكويت سيجيء دور السعودية . هناك شيء آخر لا نفهمه أيضا : فإذا كنتم تستبقون الامور وتدفعون بالسعودية إلى عمل ما ضد العراق ، فانكم تجبروننا على الرد وبذلك يكون عملكم من قبيل الاستفزاز .
" وكما تعلمون فاننا أول من اقترح عقد معاهدة أمنية مع السعودية تقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل من البلدين وعدم اللجوء إلى القوة , ووقعنا الاتفاق . واقترحنا الاتفاق ذاته مع الكويت التي رفضته ربما بناء على نصيحة دولة أجنبية قد تكون بريطانيا .
" وتعلمون أيضا ان الاتفاق أزعج بعض الاوساط الغربية التي أخذت تسخر منه مقارنة إياه بالمعاهدات بين انجلترا وفرنسا ( كمعاهدة سايكس ـ بيكو التي نصت على اقتسامهما للشرق الاوسط ) . ونحمد الله على أن الكويت لم توقعه .
" كنت سعيدا جدا عندما قررنا دعم الجماعة الثورية في الكويت لأنه ليس هناك اتفاق بيننا وبينها . فلو كان هناك مثل هذا الاتفاق لما استطعنا ذلك .
" لقد ساعدتنا السعودية ودعمتنا خلال الحرب مع إيران . وبادرت إلى تمكيننا من استخدام خط أنابيب ( لتصدير النفط عبرها ) . بل إنهم قدموا لنا مساعدات مالية لا قروضا .
" فإذا كنتم قلقين فعلا على السعودية فإنه لا أساس لقلقكم . أما إذا كتنم تتظاهرون بذلك لإثارة قلق السعوديين فذلك شيء آخر . وسنقول الشيء ذاته لإخواننا السعوديين ، ونحن على استعداد لتقديم الضمانات التي يريدونها لإزالة قلقهم . ونحن فوق ذلك نشعر بأن من واجبنا إذا كان هناك خطر خارجي أن نحمي السعودية . أما علاقتنا بالعالم العربي فقد نتفق اليوم ونختلف في اليوم التالي . وحتى الآن لم تواجهنا مشكلة في ذلك .
" والنقطة الثالثة التي أريد أن اتحدث عنها هي الشائعات التي تقول بأن صدام حسين تعهد لبعض الدول العربية بأن لا يستخدم القوة ضد الكويت مهما كانت الظروف . كما علمنا أيضا بطريقة أو بأخرى أن بعض المسؤولين العرب أبلغوا شيئا كهذا للأميركيين . وأود أن اؤكد هنا انه ينبغي على الأميركيين أن لا يأخذوا بهذا . ذلك أني لم اتعهد بذلك لأي عربي . وما حدث هو أن بعض الزعماء العرب تحدثوا معي عن حشد القوات على الحدود الكويتية وقالوا إن القلق والخوف استوليا على الكويتيين . فقلت لهم إنني وعدت أن لا أقوم بأي عمل عسكري قبل الاجتماع المتفق عليه بجدة . هذا هو ما حدث . إذ لم أقم بأي عمل عسكري قبل الاجتماع . وكنا ننتظر عودة نائب الرئيس ( العراقي ) لاتخاذ قرار .
" هناك من يتحدث عن السرعة التي تمت بها العملية ، ويقصدون بذلك أن النية كانت مبيتة للغزو قبل الاجتماع . لقد خطر ببالنا قبل الاجتماع أن نقوم بذلك بسبب الحركة الوطنية في الكويت لكنه لم يكن الخيار الأول أمامنا . كنا نبذل المزيد من الجهد للتأكيد على حقوقنا من خلال المفاوضات . فنحن عرب ، وكان من الطبيعي أن تكون لنا علاقات مع المعارضة الكويتية كعلاقات الكويتيين بالمعارضة العراقية .
" عندما باتت مصالحنا الاساسية مهددة وبعد أن استهلكت جميع السبل اضطررنا إلى اللجوء إلى القوة . والسؤال الذي يطرح الآن على الرئيس والقادة الأميركيين هو التالي : ما الذي يتهدد المصالح الأميركية في الكويت أو في غير الكويت ؟ .
" إنكم تعلمون أنكم كنتم تشترون نفط العراق منذ توليت الحكم . وبالرغم من أن علاقاتنا كان في تلك الاثناء مقطوعة ، وأنكم صرتم تشترون المزيد منه بعد استئناف العلاقات عام 1984 . وكنتم حين قررتم مقاطعة النفط العراقي تشترون ثلث نفطنا . وقراركم هذا قرار سياسي لا فني . إذ نعلم أن ما يخدم مصالحكم هو التجارة واستمرار حصولكم على النفط . إذاً ما الذي يخيفكم ؟ ما الذي يجعلكم تبحثون الخيارات العسكرية التي ستنتهي حتما بالفشل .
" أنتم دولة كبرى ونحن نعلم أن باستطاعتكم أن تلحقوا بنا الضرر كما قلت سابقا لسفيرتكم . ولكن إذا ما حصل ذلك ستخسرون كل المنطقة ولن تتمكنوا من تركيعنا حتى وإن استخدمتم كل ما تملكون من أسلحة . يمكنكم أن تدمروا مراكز أبحاثنا التكنولوجية واقتصادنا ونفطنا . ولكن بقدر ما تدمرون تصبح الأشياء صعبة بالنسبة لكم . ثم أننا لن نتردد في ضرب مصالحكم في المنطقة كما هجمنا على الكويت عندما تآمر هذا الأخير ضدنا . لا تضعونا في مثل هذا الموقف . فعندما نرى حياتنا مهددة نهدد الآخرين . إننا نعرف انكم قوة عظمى قادرة على إلحاق الأذى والدمار ، ولكن لا أحد غير الله يستطيع تدمير الإنسان .
" لماذا تريدون ان تكونوا أعداء لنا ؟ لقد ارتكبتم ما يكفي من أخطاء بإضعاف حلفائكم في المنطقة الذين فقدوا أي اعتبار بنظر شعوبهم . وفي رأينا أنكم تحسنون رعاية مصالحكم عبر نظام وطني واقعي لا عبر السعوديين . إنكم تتحدثون عن العراق المعتدي . فإذا كان هو المعتدي في حربه ضد إيران فلماذا حافظتم على علاقاتكم معه ؟ إنكم تتحدثون عن تصريح الثاني من إبريل . إننا لم نصدر مثل ذلك التصريح قبل وخلال وبعد الحرب مع إيران .
" فما الذي جعلني إذن أصدر ذلك التصريح ؟ أصدرته لأن بعض الأوساط الغربية والأميركية كانت تحث اسرائيل على مهاجمتنا وذلك لوضع حد للعدوان . إننا نؤمن بأنه خدم السلام . كانت اسرائيل ستهاجمنا لو لزمنا الصمت ، وكنا بالطبع سنرد على الهجوم . وتذكرون أننا خلال الحرب مع إيران تعرضنا للقصف المتواصل ، وأننا عندما حصلنا على الصواريخ لم نبدأ باستخدامها بل بالتهديد بذلك . فلو أن إيران أخذت بنصائحنا لما استخدمناها . ونحمد الله على أن إسرائيل استمعت إلينا . فهل خدم ذلك قضية السلام ؟ يمكن للعراق أن يصمد ضد الصواريخ أكثر من إسرائيل .
" ,أخيرا فانه إذا كان الرئيس الاميركي يريد مواصلة اتباع سياسته في المنطقة والحفاظ على بمصالحه ، اللهم إلا إذا كان وراء تصعيد التوتر غرض أخر . وعلى أي حال فإننا نسعى إلى الاستقرار والسلام ولن نذعن لأحد . إننا نكره المجاعة والجوع . وقد سبق لشعبنا أن عانى من الجوع آلاف السنين . ولن نعود به إلى ذلك . إننا نتطلع بشرف إلى مستقبل إنساني يحفل ببناء يحفل ببناء وتطوير علاقات طيبة مع الولايات المتحدة ، هذا إذا أرادت ذلك . تلك هي رسالتي الجديدة إلى الرئيس بوش " .
* * *
واخيرا استطاع ولسون أن يجيب فقال :
" شكرا يا سيادة الرئيس . سأنقل ما قلتموه إلى حكومتي ، وسأبلغ رسالتكم فورا بالتلفون كما أني سأرسلها مسجلة على الورق . وكما قلتم بحق فان الوضع بهدد لا العلاقات الأميركية العراقية فحسب ، بل الاستقرار في المنطقة والعالم " فسأله الرئيس العراقي : " ولماذ يهدد العالم بالخطر؟ " فأجاب : " ما أعرفه هو أن القلق والاضطراب يسودان الأسواق العالمية " . فسارع الرئيس إلى القول :
" كان ذلك خطأ منكم . قبلنا بخمسة وعشرين دولار للبرميل ، ولولا مقاطعتكم لوصل سعر البرميل إلى 21 دولارا . وعندما تقاطعون خمسة ملايين برميل مرة واحدة فان ذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار . ونعتقد بأن الذي سيستفيدون من ذلك هم تجار النفط لا الشعب الأميركي " . قال ولسون :
" أشعر أنني ضربت على وتر حساس . فالحقيقة هي أنني أردت أن أقول بأنه يبدو لي في هذه الايام الصعبة أنه من المهم أن نواصل الحوار بيننا لكي نتلافى الأخطاء. فبهذه الطريقة وحدها نستطيع إزالة التوتر وبرودة العواطف . ولهذا فانني أرحب بهذه المناسبة لنقل الرسالة ؛ لكن أود تسجيل ملاحظتين قبل أن اعود إلى ما تفضلتم به ـ وسوف أحمل اليكم والى وزرائكم جواب الرئيس بوش . أولا ذكرتم في القسم الأول من رسالتكم أن الكويت جزء من العراق " .
فقال الرئيس :
" هذا هو تاريخنا . وعندما نقول ذلك فإننا نقوله لنؤكد للجميع بأن الكويت يجب أن تأخذه بعين الاعتبار لا أن تحتال عليه . هذا هو جوهر العلاقة بين العراق والكويت ، ويختلف الأمر بالنسبة لمصر أو السعودية " . فقال ولسون : " يهمني أن أفهم طبيعة العلاقة " . وشرح صدام ذلك فقال:
" إن الذي يحدد هذه العلاقة شعبا البلدين لا أنا ولا الأميركيون أو السوفييت وغيرهم . وينبغي أن تقوم هذه العلاقات على الأخوة والاحترام المتبادل " .
فسأله ولسون : " وهل كان هذا ينقض العلاقة بين العراق والكويت ؟ " . فأجابه صدام بقوله : " أجل وخصوصا في الشهر الماضي . لقد ركضت وراء جابر في محاولة مني لتحديد الحدود فقال : دع الآخرين يفعلون ذلك ؟ لدينا ما يثبت قولنا . ولهذا استغربنا قوله ، ووجدنا بعد ذلك أنه كان يتآمر علينا " .
قال ولسون : " اشكركم . وسأنقل الآن إلى ملاحظتي الثاني . تحدثت عن علاقاتكم الأخوية مع السعودية وذكرتم اتفاق عدم الاعتداء عليها . أود أن أبلغكم قلق حكومتي حول نواياكم الحالية . وأشعر أنكم فعلتم ذلك بوجه عام ولكن اسمحوا لي . . . " وهنا قاطعه الرئيس العراقي بقوله :
" وما الذي يبدد قلقكم ؟ " فقال ولسون : " لا ادري . وسوف أسأل رئيسنا . أعلم أنك شخص صريح ومستقيم ، ولكن أرجو أن نتفق على أنه نظرا للأحوال السائدة الآن حيث لم يحصل أي عمل عسكري من قبل الولايات المتحدة أو السعودية فانك تتعهد بأنك لا تنوي اتخاذ أي عمل عسكري ضد السعودية " . فكان جواب صدام :
" يمكنكم أن تبلغوا تعهدي إلى السعوديين والى كل العالم . فنحن لا نعتدي على من لا يعتدي علينا ، ولا نؤذي من لا يؤذينا . ومن يسعى إلى صداقتنا يجدنا أشد تحمسا لمصادقته . وبالنسبة للسعودية فان الفكرة لم تخطر ببالي . فصداقتنا قوية . وإذا كنت تعرف شيئا لا نعرفه فأود أن تطلعني عليه . فمن الطبيعي ومما لا يزعجنا أن يستقبل الملك فهد حاكم الكويت السابق الشيخ جابر . ولن يساورنا القلق إلا إذا سمح له بالعمل ضد العراق من بلاده . وبالمناسبة أبلغ تحياتي للرئيس بوش وأطلب منه أن يسلّم بأن أسرة جابر ومن حوله قد انتهوا وأصبحوا جزءا من التاريخ.
" من الأمور المشروعة أن يهتم كل شخص بمصالحه الخاصة . ونود أن نعرف تماما ما هي مصالحكم المشروعة لكي نضمن لكم سلامتها . وأود أن تعلموا أن استقبالي لكم ليس حركة تكتيكية . وبرهنت على ذلك باستقبالي لكم بعد المقاطعة . ولست أسعى إلى إلغائها . ولا أسعى الآن حتى إلى موافقة الولايات المتحدة على ما فعلناه .
" فالذي أود معرفته هو المصالح المشروعة للولايات المتحدة . كما أود أن أنصحها بان لا تقدم على خطوات جريئة لا تستطيع التراجع عنها " . فقال ولسون :
" سأعلم حكومتي بذلك . لقد أتيت إلى هنا وفي ذهني أفكار ثلاث تقلق حكومتي . أولا ، طبيعة الإجتياح . وتعرفون تماما موقف حكومتي من ذلك . ثانيا ، نواياكم مستقبلا تجاه السعودية وهذا ما أجبتم عليه . وأخيرا ، أمن الرعايا الأميركيين وخصوصا السماح لمواطنين الأميركيين بالرحيل . وكما تعلمون فإن الأميركيين حساسون جدا فيما يختص بفقد حرية التنقل . وهذا ينطبق أيضا على الأميركيين في الكويت حتى لو سلمنا بحدوث الانسحاب ( وربما كان يشير بذلك إلى الانسحاب الجزئي الزائف الذي أعلن عنه في أعقاب الغزو ) .
فسأله صدام :
" كيف يمكنكم الإدعاء بأنه لم يحصل انسحاب ، ثم الحديث عن شيء مختلف ؟ " فقال ولسون :
" شاهدت ثلاث قوافل تغادر البصرة وأعلمت واشنطن بالأمر ". قال صدام :
" لقد استغرق دخول قواتنا إلى الكويت ثلاثة أيام ولا يمكنها أن تنسحب في يوم واحد . ولا بد لهذا الانسحاب أن يستند إلى اتفاق دولي ، ولن نسمح بوقوع الكويت في أيدي قوة اخرى . وإذا تزايدت التهديدات ضد الكويت فاننا سنرسل افواجا أخرى . وطبيعة هذه التعزيزات مرتبطة بطبيعة التهديدات . وعندما يزول التهديد تنسحب قواتنا . نحن لا نريد أن تتحول الكويت إلى لبنان آخر . ولا اعتقد أنه من مصلحة أحد أن ينسحب الجيش العراقي بسرعة تاركا الكويت مسرحا للقوات المتناحرة . لقد أخذت الحكومة المؤقتة بنصيحتنا لها بتشكيل ميليشيات منفصلة . وكنا نصحناها أيضا بأن تصبح مكتفية ذاتيا وأن تعتمد على الجيش الشعبي . أما بالنسبة للأميركيين في الكويت والعراق فإن السفر محظور على العراقيين والأجانب في كلا البلدين . ومصادركم على علم بأن جيشنا عامل الأجانب بطريقة رتيبة . وقد سمحت حكومة الكويت في بلاغها بالسفر إلى العراق إذا توافرت السلامة " . فسأله ولسون :
" هل لي أن أطلب منكم مباشرة أن تعلموني متى ستسمحون للرعايا الأميركيين المقيمين والزوار منهم بمغادرة البلاد ؟ " . فسأله صدام :
" هل تسأل عما إذا كان سيسمح لجميع الأجانب بذلك ؟ " فقال ولسون : " لا أسمح لنفسي بالكلام نيابة عن الآخرين " . فقال الرئيس : " اردت أن أوضح أن هذا التقييد لا ينطبق على الأميركيين وحدهم . وسوف نبلغكم عن ذلك في حينه " . فسأله ولسون : " أرجو أن تسمحوا لي بأن أطلب منكم دراسة هذه المسألة بأسرع ما يمكن لأنها قضية عاطفية جدا وحسّاسة بالنسبة لحكومتنا وشعبنا " . فقال الرئيس : " نفهم ذلك ؛ ونفهم أيضا جانبه الإنساني " .
وواصل ولسون كلامه فقال : " أخيرا أود أن أضيف شيئين . لقد أشرتم إلى حسن تصرف القوات العراقية وهذا ما أكده لي وزيركم ونائبه ، وأعتقد أنه شيء منتظر . لكن أود لفت انتباهكم إلى أمر مهم وهو أن الجنود العراقيين اقتحموا في الليلة الفائتة بيت المستشار بالسفارة الأميركية في الكويت . وهذا يناقض السياسة التي شرحتموها . وأضيف إلى ذلك أن ما فعلوه هو انتهاك للحصانة الدبلوماسية . وما كنت لأذكر هذا لولا أنكم أثرتم هذه المسألة " . فقال صدام :
" اجتمعت بالأمس مع بعض ضباطنا وحدثوني عن بعض الآسيويين والسعوديين وغيرهم ممن يخلّون بالأمن . وعلى أي حال فإذا كان الجيش العراقي قد فعل فإننا سنعترف به ، وسنؤكد لكم أنه عمل خاطئ وأننا سنقوم بمعاقبتهم . فهذا التصرف يتعارض مع سياستنا " . فقال ولسون :
" نقطة أخيرة . في هذه الأيام الصعبة وخصوصا بالنسبة لسلامة المواطنين الأميركيين . .. " وهنا قاطعه صدام قائلا : " هل تعتزمون مهاجمتنا ؟ أمن أجل هذا تريدون ترحيل مواطنيكم ؟ " فأجاب ولسون : " كلا . ولكن من واجبي أن اوفر لهم حرية اتخاذ قرار بذلك . فأنا شخصيا سأبقى ، وأحب الحياة هنا. وأود أن أضيف أنه خلال الأزمة كانت أبوابها تظل مفتوحة لي ولزملائي من الساعة الثامنة صباحا إلى الخامسة مساء . كما اني اعبر لكم عن تقديري لرغبتكم في مقابلتي وعن رغبتي في الاطمئنان على مصير مواطنينا في الكويت " . فقال صدام : " كن مطمئنا " .
وعندئذ قال ولسون : " أود أؤكد لكم إخلاصي لمهنتي . فالحوار عصب حياة الدبلوماسيين وحال السياسة " . فقال صدام : " من الطبيعي أن تطمئنني إلى حسن نوايا زملائكم ؛ لكن عليك أن تتعهد لي بنقل رسالتي إلى الرئيس بوش " . فقال ولسون : " حدث أخيرا أن التقيت في أفريقيا بأحد ارؤساء الإفريقيين فطلبت منه أن يعود إلى وقائع اجتماعنا . ولو عدت إلى محادثاتي معكم لوجدت أنني شكرتك كثيرا " .
في العاشرة مساء بجدة ، اتصل ريتشادر تشيني بالبيت الأبيض عبر الخطوط الخاصة بفندقه . وكانت الساعة الثالثة بعد الظهر في واشنطن . فأطلع الوزير رئيسه على الضوء الأخضر السعودي الذي اقترن بشرط وهو أن على الولايات المتحدة إرجاء الاعلان عن ذلك حتى وصول طلائع القوات . ثم اتصل تشيني بكولن باول . وفي الرابعة بعد الظهر أصدر الرئيس الأمر النهائي بانتشار القوات الأميركية . وفي حديثه مع باول أسند إلى هذه القوات أهدافا ثلاثة وهي :
ردع العراق عن أي اعتداء ، والدفاع عن العربية السعودية ودعم قدرات شبه الجزيرة العربية . وتلقى كبار الضباط تعليمات بأن يظلوا مستعدين لمهام أخرى ، ولكن لم يتطرق إلى ذكر شيء حول هجوم محتمل يهدف إلى إرغام العراق على الانسحاب من الكويت .
وبعد ساعة أقلع سرب من المقاتلات من طراز ف 15 باتجاه السعودية . وبذلك بدأت عملية درع الصحراء وفي ديسمبر 1989 استغرق اتخاذ قرار من قبل بوش لغزو بنما تسع عشرة ساعة . واستغرق اتخاذ فرار بالرد على غزو الكويت 115 ساعة .
* * *
توقفت مارغريت تاتشر في طريق عودتها من كولورادو بواشنطن . فاستقبلها بوش الذي كان قد اجتمع قبل ذلك بقليل مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مانفرد وورز. وفي تلك الأثناء وصلت نتائج التصويت في مجلس الأمن على القرار 661 الذي نال ثلاثة عشر صوتا وامتنع اثنان عن التصويت وهما كوبا واليمن . وقد حبذ القرار مقاطعة العراق تجاريا وماليا وعسكريا.
بعد ذلك بقليل أبحرت حاملة الطائرات سراتوغا والبارجة وسكونسن إلى الخليخ . وأخذت الولايات المتحدة ترسل الإمدادات لدعم وجودهم البحري في المنطقة تمهيدا لحصار عسكري يهدف إلى دعم قرار الأمم المتحدة . وسأل بوش تاتشر كثيرا عن سير الحرب بجزر فولكلند والصعوبات التي كان عليها مواجهتها .
وفي اليوم ذاته تلقى البيت الأبيض أول برقية مختصرة عن المحادثات بين صدام والقائم بالاعمال الأميركي ببغداد وذلك قبل أن يتلقى النص كاملا . وعندما تم فك رموزه لم يثر الكثير من الحماسة . صحيح أن صدام صرح بأنه لم تكن لديه أية نية لغزو السعودية ، لكن الشك كان يكتنف تصريحه . وقال أحد مساعدي بوش : " من الصعب تصديق شيء مما يقوله . فما أكثر الضمانات التي قدمها قبل غزوه للكويت ".
* * *
كان مجلس الأمن مجتمعا للموافقة على القرار (661 ) الذي يفرض عقوبات على العراق . لكن حدث ما ولد الانطباع بأنه في حين أن البيت الأبيض يرفض ما قاله ولسون عن صدام حسين فإنه مستعد لاتخاذ موقف أكثر اعتدالا منه . ذلك أنه عندما لاحظ السفير توماس بيكرنغ علامات الاكتئاب بادية على وجه السفير الأردني عبد الله صلاح ذهب إليه وقال : " تشجع ، وقل لعمان أن تتصل ببغداد وتحصل منها على جواب . إذ لم ينقطع الأمل بعد " . ثم أملى عليه خمس نقاط (ليرسلها إلى بغداد ) .
1 ـ يجب أن يكون هناك انسحاب معلن وبيان يشتمل على جدول زمني يقول مثلا : في يوم الأربعاء سنفعل كذا . لكن لا ضرورة للقيام بهذا ( الانسحاب ) في يوم وليلة .
2ـ لا ضرورة للقلق حول عودة الأمير وأسرته . إذ يمكن الاهتمام بذلك فيما بعد .
3 ـ إننا نعتقد بأن موقفكم من القضايا المعلقة بينكم وبين الكويت جدير بالاهتمام . وفي حين أننا لا نناصر فريقا على آخر فاننا سنقوم بما هو ضروري للقيام بما يتطلبه الموقف من توسط وغيره.
4 ـ إننا نعترف بحاجتكم إلى منفذ على الخليج ، ونتعاطف مع قضية وصولكم إلى جزيرتي وربة وبوبيان .
5 ـ نقترح الدعوة علنا إلى استفتاء يتيح للمواطنين الكويتيين أن يقرروا مصيرهم .
وفي تلك الليلة بعث السفير الأردني الرسالة . وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي أيقظه زيد بن شاكر وزير البلاط وقال له : " لكن هل الرسالة من صنع بيكرنغ أن هي بالون اختبار من الإدارة ؟ ".
فاتصل عبد الله صلاح ببيكرنغ لمعرفة ما إذا كانت تلك هي مقترحات الإدارة . فأجاب بيكرنغ : " لا اعرف تماما غير أني على يقين من انها أقرب ما تكون إلى التعبير عن موقف الادارة " .
وعلى الأثر اتصل بيكرنغ ببيكر وزير الخارجية الذي قال بأنه سيعود إلى الاتصال به . واتصل بالفعل بعد خمس دقائق وقال : " يمكننا تحما هذا : وعلى الاثر قام بيكرنغ بتبليغ ذلك إلى السفير الأردني . وكان من المنتظر أن يجري على الفور نقل الرسالة إلى بغداد . لكن ليس هناك ما يؤكد نقلها .