((
إنها البداية فقط ))
كان مؤتمر جدة حدثا مضطربا مأساويا أدى إلى الحرب لأنه لم يكن بمقدور أحد أن يتجنبها . كما أنه لم يكن لدى أحد رغبة في ذلك .
واجتمع الوفدان في غرفة بمركز المؤتمرات الحديث في العاصمة السعودية في الساعة السادسة من مساء 31 تموز .
وضم الوفد الكويتي الشيخ سعد ولي العهد ورئيس الوزراء ووزير العدل الذي كان قد أظهر حكمة وبعد نظر في خطابه في اجتماع مجلس الوزراء قبل ذلك بثلاثة عشر يوما .
وضم الوفد العراقي بالاضافة إلى عزت ابراهيم ـ نائب رئيس مجلس قيادة الثورة والرجل الثاني في حزب البعث ـ سعدون حمادي رئيس الوزراء ، وعلي حسن المجيد ابن عم صدام حسين الذي سوف يُعين بعد ذلك بأسابيع قليلة حاكما للكويت .
وبقي الكويتيون والعراقيون في جدة حتى اليوم التالي أي الأول من أغسطس ، لكن المفاوضات الحقيقية لم تدم على أكثر تقدير أكثر من ساعة ونصف من السادسة إلى السابعة والنصف من مساء اليوم الأول ورفعت الجلسة بعد ذلك وذهب المشاركون إلى الجامع للصلاة .
وحيا الأمير عبد الله ولي العهد السعودي الوفدين لكن لم يكد يبدأ الاجتماع حتى غادر القاعة .
* * *
بدأ العراقيون بالكلام فتلا عزت ابراهيم بياناً مُعدا كرر فيه الاتهامات العراقية للكويت واحدا تلو الآخر . لكن بيانه خلا من أي اتهام محدد . وقرأه ببطء وعناية شديدة وبدون أن يزيد عليه كلمة واحدة . وجاءت لغته غريبة تتخللها التعابير الدينية . وقال أحد الكويتيين ممن حضروا الاجتماع : " لقد ولد لدينا شعورا غريبا . ان عليه مسحة من التزمت بدا معها وكأنه موعظة في أحد الجوامع. " 
أحدثت هذه المقدمة في البداية ارتباطا لدى الكويتيين . لكن ما لبث الشيخ سعد ولي العهد أن أخذ يفند بهدوء المظالم العراقية واحدة بعد أخرى . وبالرغم من أن الجو لم يكن قد توتر كثيراً فان احتمال فشل المؤتمر بدا واضحا للجانبين .
قال سعدون حمادي : " إن هذا الاجتماع الذي علقنا عليه الآمال الكبيرة تكشف عن خيبة أمل شديدة . لقد اعتبرناه فرصتنا الأخيرة ، وتوقعنا أن يحمل لنا الكويتيون مشروع حل . كنا على اتصال بهم وشرحنا لهم كل شيء بوضوح . ولكن لم يكن لديهم أي شيء ملموس يعرضونه . ولم يخرج ما كان لديهم من حجج يدافعون بها عن أنفسهم وادعاءات ببطلان اتهاماتنا لهم " .
وقال الشيخ سعد ولي العهد الكويتي : " دار النقاش حول البترول . وقال العراقيون أيضا بأن الكويتيين بدأوا بوضع قوات من الشرطة داخل الأراضي العراقية، وأن الكويت قد غيرت سياستها وأن سياستها الجديدة تعرض مستقبل الامارة للخطر وردت على جميع الملاحظات والأسئلة بطريقة مباشرة " .
في إحدى مراحل الاجتماع انتقل المفاوضان الرئيسان إلى غرفة جانبية وتحدثا لمدة 10 دقائق . ثم سأل عزت ابراهيم ، رئيس الوفد العراقي الامير سعد : " ما رأيكم بدعوة أعضاء الوفدين كي يسمعوا ما عندكم ؟ " فوافق رئيس الوفد الكويتي . وقد بدا الجو غير العدائي السائد متناقضا مع خطورة المواضيع المطروحة .
بدأ الجو بالتوتر عند طرح الأمور المالية . وبالرغم من نفي الفريقين ، فإن الأمور المالية كانت موضع نقاش حاد طويل .
طلب عزت ابراهيم مبلغ 10 مليارات دولار ، وعلى شكل قرض إن استحال تقديمها كهبة . وبعد أخذ ورد وافق ولي العهد على تقديم قرض بمبلغ تسعة بلايين دولار . وأحسّ العراقيون بأن المقصود من إنقاص المبلغ ملياراً واحدا هو محاولة مقصودة لإذلالهم ، فأجابه عزت ابراهيم بقوله : " لا لست مخولا من قبل الرئيس صدام حسين بقبول أقل من 10 بلايين دولار " .
وبعد رفع الجلسة في السابعة والنصف وتأدية الصلاة ، عاد الوفد الكويتي إلى الفندق بانتظار حفل العشاء الذي يقيمه الملك فهد .
يقول عبد الله بشارة أمين سر مجلس التعاون الخليجي الذي حضر المناقشات : " اقترحنا على ولي العهد السعودي تقديم اقتراح يتفق بموجبه الطرفان على النقاط الاربع التالية : وقف جميع الدعايات العدائية في وسائل الاعلام وخاصة العراقية ؛ وانسحاب القوات المرابطة على الحدود بين البلدين ، ثم ، وهذا هو الأهم سياسيا ، اعتماد إجراءات كفيلة بزرع الثقة المتبادلة بين البلدين بواسطة الحوار والزيارات … الخ ، وأخيرا التوصل إلى اتفاق حول الاجتماع المقبل " .
وهكذا تقرر مواصلة المفاوضات في بغداد ، الأمر الذي رسّخ اعتقاد الكويتيين بأن العراقيين لن ينفذوا أيا من تهديداتهم . والواقع أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار خطورة الوضع والقلق الدولي المتزايد وجدنا أن النقاط الأربع التي وافق الوفد الكويتي لا تخلو من مسحة خيالية .
وكانت ردود فعل أسواق النفط العالمية على الحشود العراقية على الحدود الكويتية قد بدأت تظهر . ففي ذلك اليوم الذي كان الوفدان يستعدان فيه لمغادرة القصر الملكي السعودي حيث كان الملك فهد في انتظارهم ، ارتفع سعر برميل النفط 45 سنتا وبلغ سعر نفط برنت حوالي عشرين دولاراً.
بدأ تقديم العشاء في التاسعة والنصف . وحضر الملك فهد ومعه الملك حسين الذي كان قد وصل قبل بضع ساعات . وجلس الملك وعلى يمينه ولي العهد الكويتي وعلى شماله عزت ابراهيم . وأحيط الملك فهد قبل جلوسه إلى المائدة علما بمجرى المفاوضات وخصوصا برفض الكويتيين رفع مبلغ القرض من تسعة إلى عشرة بلايين دولار . وساد المكان جو ثقيل حاول الملك فهد جهده أن يخفف من وطأته بالحديث عن مباهج تربية الخيول الأصيلة وتوالدها . لكن تبادل الحديث انقطع . وظل الملك يتحدث وكأنه يتحدث مع نفسه ـ إذ لاذ العراقيون بالصمت وخيم على الكويتيين جو من الكآبة وتشتت الفكر ـ وكان الفريقان يحاولان إخفاء شعورهما بخيبة الأمل بالرغم من أن أحد المفاوضين الكويتيين ادعى فيما بعد بأن العراقيين كانوا في قرارة نفوسهم مسرورين ـ قال : " كانوا على وشك الانتهاء من اجتماع انتهى إلى الجمود . وهذا بالضبط ما كانوا يريدونه " .
وقبيل انتهاء المأدبة التفت الملك فهد إلى ضيوفه وعلى شفتيه ابتسامة عريضة وأعلن أن السعودية ستدفع البليون دولار المختلف عليه ـ " كهدية من بلادي للعراق وبدون أية شروط " .
فشكره العراقيون بحرارة . وبعد قليل انسحب إلى داخل القصر . ولا بد أنه ظن أن مبادرته كافية لتنفيس الاحتقان لدى الوفدين . وكان هذا أيضا تقدير الملك حسين الذي نهض أيضا وترك الكويتيين والعراقيين وحدهم .
فقال الشيخ سعد لعزت ابراهيم : " قبل أن نضع التفاصيل المتعلقة بالقرض علينا أن نطرح للبحث مسألة أخرى . علينا أن نرسم بالضبط الحدود بين البلدين ـ ويمكننا أن نقوم بذلك الآن وفي هذا الاجتماع . ومن ثم يكون المبلغ بين أيديكم " . فاستولى الغضب على عزت ابراهيم واتهم الكويتيين بسوء النية وسأل ولي العهد الكويتي : " لماذا لم تطرحوا مسألة الحدود في بداية الاجتماع ؟ " .
وجاء جواب ولي العهد الكويتي غريبا . قال : " لم تكن لدينا أوامر من الأمير بمعالجة هذه القضية عند بدء الاجتماع " .

فاشتدت حدة النقاش وقال ولي العهد الكويتي بأن الكويت تلقت تأكيدات من الحكومة البريطانية بأن العراق لن يهاجم . ولا ريب في أن عبارته هذه كانت مؤسفة واستفزازية ـ وقال له عزت ابراهيم : " إننا نعرف تماما كيف نحصل على المال الذي نحتاج إليه منكم ومن السعوديين ". 
وعندما قال هذا كان هو وسعد يقفان أحدهما قبالة الآخر وهو يصيح غاضبا . فأجابه سعد : " لا تهددنا . فالكويت لها أصدقاء أقوياء جداً ( ومن المؤكد أنه كان يقصد الولايات المتحدة وبريطانيا ) . ولدينا حلفاء أيضا . وسوف تضطرون إلى تسديد ما عليكم من ديون لنا " .
كانت هذه التهديدات آخر ما صدر عن الطرفين . وافترق الوفدان بدون أن يتبادلا التحيات الرسمية وعادا إلى فندقيهما . وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل والملك فهد غارق في النوم .
وفي العاشرة من صباح الأول من أغسطس وبينما كان سعدون حمادي في غرفته بالفندق تلقى مكالمة هاتفية من وزير خارجية الكويت الذي اقترح إصدار بيان مشترك ، وذكر النقاط التي يرى أن يشتمل عليها . وأصغى حمادي باهتمام . وفوجئ بعبارة وردت فيها وتشير إلى " إحراز تقدم " فقال بأن عليه أن يتصل برئيس وفده . 
وذهب سعدون إلى غرفة عزت ابراهيم وأبلغه الاقتراح الكويتي . فقال عزت ابراهيم : " هذا ليس صحيحا . لم نستطع تسوية شيء . لا نستطيع أن نفعل ذلك " . 
واتصل حمادي بالوزير الكويتي وأبلغه بأن لكل وفد أن يصدر بيانه ويصرح للصحافة بما يشاء . 
وغادر الوفد الكويتي جدة في الساعة الرابعة بعد الظهر . وحال وصوله إلى الكويت توجه ولي العهد إلى مكتب الأمير بقصر بيان الذي شيد عام 1986 ليكون مقراً للمؤتمرات . وكان خلال رحلة العودة يبدو قلقا وقال لاعضاء الوفد : " إنني أرى في الافق شبح الكارثة " . 
* * *
في صباح الأول من أغسطس أيضا كان الشاذلي القليبي في القاهرة . وكان قد وصل إليها قبل ذلك بيومين للمشاركة في مؤتمر إسلامي يهدف إلى العودة إلى وحدة الصف العربي . وعندما أفاق في صباح ذلك اليوم قرأ في أخبار الصباح أن قمة جدة لم تسفر عن أي اتفاق . وكان قبل ذلك على يقين بأن الاجتماع سيسفر عن التوصل إلى اتفاق . فأقلقته الأخبار الواردة من السعودية . فرفع سماعة التلفون واتصل بالشيخ صباح وزير الخارجية الكويتية . فهدأ الشيخ صباح مخاوفه وقال له بأن اجتماع جدة لم يكن سوى اجتماع بروتوكولي وأنه سيكون هناك في الرابع من أغسطس اجتماع آخر ببغداد حيث ـ كما أضاف ـ سيجري التوصل إلى حل . وأعاد القليبي السماعة إلى مكانها وهو يشعر بتفاهة ما سمعه . فأجرى مكالمة ثانية مع الأمير عبد الله بالسعودية ، وسأله عما جرى في اليوم السابق . وجاء الجواب صريحا : " كان أصدقاؤنا العراقيون كالكويتيين في غاية التشدد . وما هذا سوى البداية . فلننتظر ما سيجري في بغداد " .
* * *
وغادر العراقيون السعودية بدون حتى وداع مضيفهم . تركوا جدة قبل الظهر . وبعد أن توقفوا قليلا في المدينة المنورة ( لأن سعدون حمادي كان شيعيا تقيا ) واصلوا رحلتهم ، فوصلوا بغداد في الرابعة بعد الظهر . وتوجه عزت ابراهيم على الفور للاجتماع بصدام حسين الذي كان ينتظره بفارغ الصبر وأطلعه على أسباب فشل الاجتماع بالتفصيل . فاستدعى صدام حسين أعضاء مجلس قيادة الثورة . وقبل مرور نصف ساعة كان قد اتخذ قرار غزو الكويت في تلك الليلة .
* * *
وفي اليوم ذاته ارتفع سعر البترول 60 سنتا ولم يسمع في العبدلي نقطة الحدود الوحيدة بين البلدين والتي تبعد 45 ميلا عن الكويت عن وقوع حوادث . وواصلت السيارات مرورها بشكل عادي .
* * *
وفي اسرائيل شاعت قصة مسلية عن خبير خطوط طلب منه أن يفحص خط صدام حسين لكن بدون أن يعرف أنه خطه . فقال بعد فحصه : " إن كاتب هذا بحاجة إلى مساعدة طبية نفسانية " . وحتى هذا الوقت لم يبد القلق على الاسرائيليين ولم يبدأوا بالتعبئة . ففي ذلك اليوم ذاته تزوج الميجر جنرال أمنون شاهاك رئيس المخابرات العسكرية . وفي حفل الاستقبال الذي أقيم سأله الصحفيون عما إذا كانت البلاد معرضة للغزو العراقي . فاعتبر السؤال مسليا وأجاب بالنفي . وبعد ذلك ببضع ساعات ذهب لقضاء شهر العسل .
* * *
وصل جيمس بيكر إلى اركوتسك ( في قلب سيبريا ) الساعة السابعة مساء ( حسب التوقيت المحلي ) لإجراء محادثات مع نظيره السوفييتي ادوارد شيفارنادزه . ولم يخطر ببال أي منهما أن هذه المدينة اللطيفة ذات الشوارع العريضة والأبنية الداكنة ستشهد أول اختبار حقيقي للعلاقة الأميركية السوفييتية الجديدة .
فقد صرح جورج بوش وميخائيل غورباتشوف في كثرة من المناسبات أن " عهدا جديدا قد بدأ " . ولم يخطر ببالهما أنها ستبدأ بهذه الطريقة المأساوية . وكانت أخبار ما يجري في الخليج تصل إلى بيكر على خط خاص يصله بواشنطن . فأخذ يشعر بأن الأمور تتخذ منحى خطيراً . 
التقى بيكر بشيفارنادزه على عشاء خاص . ومنذ أصبح شيفارنادزه ذو الشعر الأبيض والابتسامة العريضة وزيراً للخارجية قبل ذلك بخمس سنوات أثبت أنه مفاوض رائع . هذا بالرغم من أنه لم يجر إعداده لهذا المنصب . إذ سبق له أن كان ضابطا في المخابرات الروسية (KGB ) ووزيرا للداخلية وزعيم جمهورية جورجيا حيث حكم بطريقة قمعية . وجلس الاثنان في المقعد الخلفي لسيارة زيل التي اخترقت شوارع اركوتسك والإعلام الأميركية ترفرف في وجه الرياح الباردة .
أخذت الاحداث تتوالي بسرعة ، وبدأت الولايات المتحدة تنفض عن نفسها غبار الخمول وتولي تطور الاحداث اهتماما شديداً . وعقد اجتماع في وزارة الخارجية لمديري مختلف الوكالات المعنية ففشل مؤتمر جدة وحجم الحشود العراقية على الحدود أقنع المسؤولين الأميركيين بان هدف صدام ليس مجرد الضغط على الكويت . وتلقى المجتمعون معلومات من وكالة المخابرات المركزية مفادها أن غزو الكويت صار وشيك الوقوع .
وفي البنتاغون عقد الجنرال كولن باول رئيس الأركان اجتماعا مغلقا مع كبار العسكريين في غرفة مجاورة لمقر القيادة العسكرية . وكانت الغرفة هي غرفة المؤتمرات المعروفة باسم ( المصفحة ) هي صومعة نظام الدفاع الأميركي المحصنة ضد أي محاولة للتنصت . 
حتى 30 تموز لم يكن البنتاغون يعتبر الغزو العراقي أمرا محتمل الوقوع . فقد ذهب المحللون بأن العراق يفتقر إلى أربع أمور أساسية وهي : نظام للاتصالات ، ومدفعية ، وذخيرة ووسائل لوجستية ضرورية لدعم الهجوم . وبالرغم من توافر هذه العناصر في الأول من أغسطس فإنه لم يتنبأ أحد بالغزو . والواقع أن أحد الحاضرين ـ وهو الجنرال نورامان شوارز كوف ـ عاد إلى مقره في فلوريدا .
وفي تلك الأثناء دعا مضر بدران رئيس الوزراء الأردني إلى عقد جلسة مغلقة للبرلمان وسبق لمضر أن رافق الملك حسين في رحلاته إلى العواصم العربية للوساطة . وكان قبل ذلك بيومين قد زار بغداد والكويت بالتعويض عن خفض أسعار البترول . وهو لا يريد الغاء ديونه فقط . إنه يصر على تجاوز الكويت والإمارات الحد في الانتاج عملا أسوأ من الحرب مع إيران " . 
وواصل عرضه لمواقف العراقيين لمدة ثلاث ساعات . وقال أحد الحاضرين فيما بعد : " كان من الواضح أنه يعرف بأن الغزو سيقع في الساعات القليلة المقبلة وأنه أراد أن يهيئنا لذلك " .
ومن المصادفات الغربية أن المخابرات العسكرية الإسرائيلية علمت بأن الغزو وشيك الوقوع من مصادر أردنية بعد ظهر اليوم ذاته . وعملا بالاتفاقات القائمة منذ عدة سنوات قامت في الحال باخطار المركز المحلي لوكالة المخابرات المركزية الأميركية . 

كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف مساء في واشنطن عندما خرج ريتشارد هاس المدير الأعلى لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي من الاجماع بوزارة الخارجية وعاد إلى البيت الأبيض للاجتماع مع رئيسه الجنرال برنت سكوكورفت . وهناك قدم تقريرا مفصلا عن مختلف بيانات ووجهات نظر الذي حضروا الاجتماع . وتبين شيء واحد وهو أنه ليس هناك إجماع على أن العراق هو مجرد عرض للعضلات لإجبار الكويت على تقديم تنازلات في المفاوضات .
وبعد نصف ساعة غادر سكوكروفت وهاس مكاتب مجلس الأمن القومي بالدور الأرضي وصعدا للاجتماع ببوش في مسكنه بالدور الأول من المبنى الرئيسي . وبينما كان ثلاثتهم يناقشون نتائج الاجتماع ودلالاته رن جرس التلفون وعندما رفع سكوكروفت السماعة سمع صوت روبرت كيميت سكوكروفت أنه تلقى معلومات لم تتأكد بعد عن وقوع أول إطلاق نار بالكويت .
كان كيميت قد اتصل قبل ذلك بوقت قصير ببيكر في اركوتسك حيث كانت الساعة تشير إلى السابعة من صباح الثاني من أغسطس . وبما أن خط التلفون لم يكن مأموناً بسبب امكان التنصت إليه كان عليه أن ينقل معلومات محدودة بعبارة غامضة . لكن بيكر فهم فحوى الرسالة : جميع الدلائل تشير إلى أن الغزو أصبح وشيكا .
وبعد ذلك بنصف ساعة إجتمع بشيفارنادزه للمرة الثانية وأبلغه ما سمعه من واشنطن . قال بيكر : " إن مخابراتنا تقول بأن القوات العراقية المحتشدة على الحدود الكويتية تتلقى الامدادات باستمرار . ومن المتوقع وقوع الغزو . نأمل كبح جماح العراقيين " .
كان وزير الخارجية صديقا لجورج بوش . وكان كلاهما نموذجا صادقا للمجتمع الراقي في الساحل الشرقي وله القدرة على التعبير عن الوقائع الدرامية باسلوب لا أثر فيه للانفعال . وتحدث بيكر عن الأمر مع شيفارنادزه الذي صار يكن له الاحترام بكلمات محسوبة كما لو كان يتحدث إلى زميل له من أيام الدراسة ببرنستون . 
واستمع شيفارنادزه إلى بيكر بمزيج من عدم التصديق والاحراج . وأجابه بأن الزعماء السوفييت يعرفون صدام حسين منذ زمن طويل وأضاف وهو يبتسم : " إنه يتعامل معنا . وأنا أثق فيه . ولا أعتقد أنه يعتزم غزو الكويت " .
وفي أعقاب ذلك مباشرة عقدا مؤتمرا صحفيا وهما لا يعرفان أن غزو الكويت قد وقع بالفعل .
كانت الساعة تشير إلى التاسعة عندما تلقى الرئيس بوش وزميلاه معلومات اكثر تفصيلا من دوائر المخابرات تؤكد أبعاد الغزو . إذ لم يكتف صدام باحتلال الحدود بل تجاوز إلى اجتياح البلاد .
* * *
في مدينة الكويت استيقظ ولي العهد في الساعة الواحدة والنصف صباحا ( العاشرة والنصف مساء بتوقيت غرينتش ، والسادسة والنصف مساء بواشنطن ) عندما تلقى مكالمة مقلقة من وزير الدفاع الذي كان يتكلم من مركز القيادة العسكرية يقول فيها بأن صدام يريد الاستيلاء على آبار النفط القريبة من الحدود وربما أيضا على جزيرتي بوبيان ووربة عند مدخل الخليج اللتين كان يطمح إلى الحصول عليهما منذ سنوات .
اتصل ولي العهد سعد على الفور بعدد من افراد الاسرة الحاكمة . وكان الذهول قد سيطر عليهم جميعا . وازدادت حدته عندما أخذت الأنباء ترد بالتدريج عن تحرك مئات الدبابات الثقيلة السوفييتية الصنع من طراز ت 62 إلى الكويت . وكانت على بعد 35 ميلا من العاصمة ترافقها شاحنات تحمل مئات الجنود والعربات المساندة المليئة بالبترول والماء .
* * *
أذاع راديو بغداد بيانا أعلن فيه أن " جماعة كانت تحاول قلب الحكومة الكويتية " . وقبل مضي وقت طويل أصدر مجلس قيادة الثورة بيانا يقول إن المحاولة نجحت وإن " الثوار الشباب يطلبون المساعدة من العراق . وردا على نداء الحكومة المؤقتة الجديدة في الكويت قرر العراق تلبية طلبهم للمساعدة " . وأضاف البيان بشكل محدد : " لقد دعا العراق إلى منع كل إمكان للتدخل الأجنبي في شؤون الكويت وفي مصير الثورة " . وأدانت إذاعة بغداد آل الصباح وقالت " إنهم خونة وعملاء للصهيونية ".
وتم بسرعة تحييد القاعدتين الجويتين الرئيسيتين في الكويت . فاحتلت وحدات المظليين قاعدة أحمد الجابر قرب المطار بدون أية مقاومة .
وقصفت قاعدة علي السالم قرب الحدود السعودية قصفا ثقيلا قبل نزول المروحيات المحملة بالجنود .
وبعد الغزو مباشرة هبطت طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية وهي في رحلتها رقم 149 إلى كوالا لامبور في مطار الكويت الذي يبعد ثمانية أميال عن العاصمة . وكانت الطائرة من طراز بوينغ 747 وعلى متنها 367 راكبا وطاقم يتألف من ثمانية عشر شخصا . وبعد هبوطها على المدرج في الساعة الثانية صباحا ببضع دقائق أخذت الطائرات العراقية تقصف المطار بينما كان طابور مدرع يتجه إليه . فوقع المسافرون في الفخ وصار من الممكن تحويلهم إلى رهائن . 
ولم يبد الجيش الكويتي المؤلف من 25000 جندي سوى مقاومة ضئيلة لآلة الحرب العراقية .
* * *
في الرابعة صباحا تبين لولي العهد وباقي أسرة آل الصباح أنه لا أمل في وقف الحرب . وكانوا على اتصال دائم بواسطة التلفون بالسفارة الأميركية . وعندما عُلم بأن طلائع القوات أصبحت على بعد بضعة أميال من العاصمة قرر الأمير وأقرب أفراد أسرته إليه مغادرة قصر دسمان المسوّر حيث كان يعيش عدد من أفراد الأسرة الحاكمة . وأخذ أفراد الحرس الأميري مواقعهم حول القصر . لكن لم يكن لدى أي منهم أمل في الدفاع بشكل فعال ضد النيران العراقية . وأخذ الخوف يحل محل الذعر . وصارت تتلو الأوامر أوامر مضادة : فهل كان عليهم مغادرة القصر في الحال أو الانتظار ؟ وهل كان عليهم الاتصال بإحدى القاعدتين الجويتين العسكرية لإعداد طائرة ؟ وكان الأمير قد فقد ثقته بالقوات الجوية ، فقال بأنه يحتمل أن يكون العراقيون قد حيدوها.
ربما كان آل الصباح عندئذ يعيشون في غرف القصر التي تتلألأ أضواؤها اللحظات الأخيرة من عهد امارة دامت قرنين ونصف قرن من الزمن . فبفضل الذهب الأسود والدخل القومي الذي لا يقل عن عشرين بليون من الدولارات كانت الكويت قد أصبحت أغنى دولة في العالم . لكن النفط الذي عاد عليها بالثروة طيلة سنوات أصبح سبب سقوطها . ففي حين أن الجميع كانوا يحسدونها ، فإن المسؤولين فيها فقدوا القدرة على الرؤية ، والرغبة في التوصل إلى حلول وسط . ولم يدركوا أنهم كانوا فريسة سهلة تنتظر من ينقض عليها . وكان صدام حسين بالمرصاد .
وأرعب صوت القذائف من في القصر . وأخذ تبادل نيران الأسلحة الأتوماتيكية يقترب . ولاحت أعمدة الدخان المتصاعدة . وتعرضت المباني والمستودعات لإصابات مباشرة . ولم يعد لدى آل الصباح أدنى شك فيما يحدث : لقد كان قصر دسمان أحد الأهداف وربما الهدف الأول الذي حدده صدام لقواته . إذ كان يدرك أن الاستيلاء على الكويت لن يتم بدون إزالة المسؤولين عن امارة تافهة .
وانهمك الخدم في تحميل عدد من السيارات المتوقفة عند مدخل القصر . وفي الساعة 45: 4 صباحا انطلق آل الصباح ربما لآخر مرة مسرعين بسيارات الليموزين عبر الحدائق الرائعة المحيطة بالقصر . وشق الموكب طريقه عبر الشوارع المهجورة إلا من بعض الوحدات المدرعة المتجهة إلى جبهة القتال الزاحفة عليهم .
كانت جميع التفصيلات قد وضعت وأجريت آخر مكالمة تلفونية قبل الانطلاق مباشرة . فتوقفت السيارات أمام باب السفارة الأميركية حيث كان السفير بانتظارهم فحيا الأمير وحاشيته . وكانت بانتظارهم على بعد خطوات مروحية أميركية متأهبة للانطلاق . ولما لم يكن فيها متسع للجميع فقد استقلها الأمير وولي العهد وعدد من افراد الحاشية ، وتوجه الأخرون بالسيارات جنوبا إلى السعودية . وكانت الحدود على بعد 30 ميلا فقط والطرق إليها لا تزال آمنة . وعندما أقلعت الطائرة بالأمير الذي كان قد أضناه ما مرّ به ويشعر بالانهاك ، ألصق وجهه بزجاج إحدى النوافذ وأخذ يراقب طوابير الجنود العراقيين وهي تدخل ضواحي عاصمته .
وبسبب الفارق في التوقيت فإن اليابان كانت أول دولة صناعية ومالية كبرى تعرف تفاصيل الاجتياح . فبينما كانت الولايات المتحدة تستعد للنوم وأوروبا غارقة فيه ، أخذت اليابان تتابع الأحداث ساعة فساعة . فبالنسبة لليابان التي تستورد 80 % من حاجاتها النفطية من الخليج بسبب عدم توافر المواد الخام فيها ، اعتبرت ما يجري من أحداث مأساوية أمرا في غاية الخطورة . وفي الاسواق حيث تجري عمليات بيع النفط وشراؤه ارتفقت أسعاره كثيرا ، وسرت آثار ذلك إلى الاسواق المالية في الشرق الاقصى كما تسري النار في الهشيم . ولم يلبث ذلك أن انعكس في الثاني من أغسطس على العالم كله . 
كان الملك حسين نائما في قصره وسط عمان رن الهاتف الموضوع إلى جانب سريره . فنظر إلى المنبه وهو شبه نائم فوجده يشير إلى السادسة صباحا . وكان وزراؤه والمقربون إليه قد تلقوا منذ زمن طويل تعليمات صارمة بأن لا يزعجوه أو يوقظوه بالتلفون إلا في حالات الطوارئ .
كان صوت المتحدث على الطرف الآخر يطغى عليه الانفعال إلى حد أن الملك لم يعرف للوهلة الأولى صاحبه الذي كان يصرخ : " هل سمعت ؟ هل سمعت ؟ " فأدرك الملك حسين أن المتحدث هو الملك فهد . وكان هذا يتحدث إليه من جدة فأضاف : " لقد غزوا الكويت ولا يبعد الكويتيون سوى بضعة أميال عن العاصمة . عليك أن تتصل بصدام حسين وأن تطلب منه أن ينسحب إلى منطقة الحدود المتنازع عليها " .
حاول الملك حسين تهدئة الملك فهد الذي قد حاول جاهداً الاتصال بصدام حسين . فوعد الملك بالتدخل في الحال . 
* * *
عندما نشبت الحرب كان الشاذلي القليبي غارقا في النوم بالقاهرة فلم يستطع حتى ان يسمع جرس التلفون عندما بدأ يدق في جناحه حوالي الساعة الرابعة والنصف صباحا . وحدث عندئذ بالضبط أن عاد مساعده شوقي المرزوق من حفلة فوجد التلفون يرن أيضا في غرفته . وكان المتحدث عبد الرحمن العوضي وزير الصحة الكويتي الذي قال : " أحاول الاتصال بالقليبي ولكنه لا يجيب. أرجو أن توقظه " . فسأله المرزوق : " وهل الأمر خطير؟ فقال العوضي : " اجل وخطير جداً " .
وعندئذ أسرع المرزوق إلى جناح القليبي وأيقظه ووصله بالعوضي . فأبلغه هذا خير الغزو . فقاطعه القليبي : " لا بد أن يكون ذلك للاستيلاء على المناطق الحدودية فقط " فقال العوضي : " لقد اجتاح الكويت بأسرها . ونحن بحاجة إلى عقد اجتماع في الحال لوزراء خارجية الدول الأعضاء بالجامعة العربية " . 
ووضع القليبي السماعة والتفت إلى المرزوق وقال : " إنه يبالغ، إنه يحاول إخافتنا . " فعلق المرزوق على ذلك بقوله إنه يصدق العوضي . على أنهما عندما فتحا الراديو بعد ذلك لم يسمعا شيئا عن الموضوع .
وحوالي السادسة والنصف صباحا استطاع القليبي أخيرا أن يتصل بالأمير فيصل وزير الخارجية السعودية . فقال الأمير : " يا لها من كارثة . انهم يستولون على البلاد ، ولا ريب على البلاد برمتها " . وعندئذ صدق القليبي خبر وقوع الكارثة . فاتصل تلفونيا بمروان القاسم وزير الخارجية الأردنية الذي كان قد غادر القاهرة في الليلة السابقة ، وطلب منه إبلاغ الخبر للملك حسين . وعندئذ قرر مروان القاسم أن يخالف القواعد ويتصل بالقصر بالتلفون بالرغم من عدم وثوقه من الطريقة التي سيُستقبل بها اتصاله . ففوجئ بأن لدى الملك علم بذلك .
وفي السادسة والنصف حاول الملك الاتصال ببغداد . وكانت لديه عدة أرقام توصله عادة بصدام حسين . فطلبها كلها ولكنه لم يوفق في الاتصال به . ولم يستطع الاتصال إلا بطارق عزيز وزير الخارجية .
* * *
لم يعلم صدام شيئا عن محاولات الملك الاتصال به . فقد كان مرابطا في الحصن المنيع الذي بناه قرب بغداد . وكان يتوسط أعضاء مجلس قيادة الثورة وكبار ضباط الجيش وهو يتابع تقدم قواته داخل الكويت . وبحلول الساعة السادسة والنصف كان الغزو قد نجح ، وسيطرة قواته فعليا على البلاد بأسرها ، وبدأت بالقضاء على جيوب المقاومة في العاصمة . ولم يستطع صدام أن يخفي سروره وهو يستمع إلى ما تورده الاذاعات عن أخبار الجبهة . فالدولة التي استولى عليها كانت صندوقا بداخله كنوز خيالية . هذا بالإضافة إلى أنها كانت في نظره جزءا لا يتجزأ من الاراضي العراقية . لكن يرجح أنه لم يدرك أنه بإصلاحه الخطأ الذي اقترفته الدول الاستعمارية كان يتحدى باقي العالم .
* * *
في واشنطن كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف من مساء الأول من أغسطس . وفي حوال التاسعة من ذلك المساء توجه ريتشارد هاس وبرنت سكوكروفت مباشرة بعد اجتماعهما بجورج بوش إلى قاعة المؤتمرات في الدول الأرضي . كانت تحيط بها عدة غرف على جدرانها خرائط ضخمة لمختلف المناطق قي العالم . وكانت المعلومات التي ترد إلى البيت الأبيض كل صباح من دوائر المخابرات تنقل على تلك الخرائط . وكانت القاعة مجهزة بالكمبيوترات الاكثر تطورا والتي تمكن من في القاعة من الاتصال فورا بأي بقعة على وجه الأرض .
وأقيم في الحال فيديو للاتصالات بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع ( البنتاغون ) ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية ومقر رؤساء الاركان .
وكان المشاركون في الاجتماع إلى جانب سكوكروفت وهاس ، جون روبسون وكيل وزير المالية ، وروبرت كيميت نيابة عن جيمس بيكر ، ووليم وبستر مدير وكالة المخابرات المركزية ، ونائبه ديك كير ، والأميرال ديف جيرميه نائب رئيس الأركان ، وبول ولوفثر وكيل وزير الدفاع .
كان باستطاعة هؤلاء جميعا وكل منهم في مكتبه أن يتحدثوا وأن يتبادلوا ويقارنوا المعلومات بواسطة فيديو الاتصال . وسرعان ما أكدوا من وقوع الغزو ونطاقه . وقام برنت سكوكروفت بتنسيق مختلف الآراء والمعلومات مما أسبغ على الاجتماع ما يتميز به من وكان سكوكروفت يغادر القاعة بانتظام للاتصال بجورج بوش الذي كان قد بقي في مسكنه . وفي الساعة الحادية عشرة اتصل به للمرة الأخيرة قبل أن يذهب للنوم .
اتفق المشاركون على اتخاذ عدة إجراءات منها عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي في الثامنة من صباح اليوم التالي . وتقرر تجميد جميع الأرصدة العراقية والكويتية قبل أن يضع الغزاة أيديهم عليها . ولكن تنفيذ القرار كان يستدعي عملية تنسيق فورية على نطاق العالم كله .
وكانت السلطات الكويتية قد جرت منذ عدة سنوات على تخصيص 10 % من دخول النفط من أجل قضيتين : إحداهما ويا لسخرية القدر وقدرها 2 % لتقديم قروض للعراق خلال الحرب مع إيران ، أما الـ 8 % الباقية فكانت تحول إلى " صندوق الاجيال المقبلة " الذي يديره مكتب الاستثمارات الكويتية ، وهو شركة قابضة عملاقة مركزها لندن .
وحسب التقديرات كانت القيمة الكلية للاستثمارات التي يديرها مكتب الاستثمارات تبلغ مئة إلى مئة وعشرين بليون دولار . وكان نصيب الولايات المتحدة 10 % من جميع تلك الاستثمارات . إذ كانت الكويت قد استثمرت بين 25 و 30 بليون دولار في أميركا في الأسهم وسندات الخزينة والعقارات . وكانت الكويت المستثمر الأكبر في اسبانيا حيث كان الكويتيون أعضاء في مجالس عدد من الشركات الكبرى وفي بعض الميادين الحساسة كالصحافة والدفاع والمركبات الهيدروـ كربونية . ولعب مكتب لندن للاستثمارات دورا حيويا في الحياة الاقتصادية ومجال الأعمال ببريطانيا . فقد كان بحيازته عدد كبير من الأسهم وخاصة أسهم شبكات البنوك والفنادق . ومضى وقت كان بحيازته 22 % من أسهم شركة " بريتش بتروليوم " فاضطر إلى تخفيضها إلى 9 , 9 % بسبب غضب الحكومة البريطانية وموقفها العدائي . وفي ألمانيا كان مكتب الاستثمارات مساهما في كثرة من الشركات الكبرى مثل دملر ـ بنز وهوست . وكانت الكويت أيضا أكبر مستثمر أجنبي في اليابان وذلك في سندات الخزينة والاسواق المالية . ويمكن القول بأن المكتب تمكن هو وفروعه من اختراق الأقطار الرأسمالية الرئيسة بما فيها جنوب افريقيا في غضون بضع ساعات غير صدام ميزان القوى . فباستيلائه على آبار النفط الكويتية صار يسيطر على أكثر من خمس ما ينتجه العالم من النفط . وعلاوة على ذلك كانت الاستثمارات الكويتية كفيلة بتزويد صدام بموارد مالية ضخمة لطموحاته العسكرية ، وبوسائل إضافية لممارسة الضغط على الاقتصاد في الغرب .
* * *
ولمواجهة هذا الخطر تحرك المسؤولون الأميركيون بسرعة . فجرى ايقاظ عدد من المسؤولين الذين يعيشون في واشنطن وضواحيها في منتصف الليل واستدعوا إلى البيتالأبيض. وكان جميعهم من المحامين الذين يعملون في وزارة العدل . ولم يكن أحد مهم يعلم تماما وهو يتقدم نحو ضباط الأمن على باب البيت لماذا استدعي . وفي غضون دقائق عرفوا أن المطلوب منهم هو القيام بأقصى سرعة ممكنة بإعداد وثيقة قانونية يوقعها الرئيس وتجيز تجميد جميع الأرصدة العراقية والكويتية على أراضي الولايات المتحدة . وكانت هذه خطوة معادية لبغداد تهدف إلى حماية مصالح الحكومة الكويتية التي أصبحت الآن في المنفى .
وبينما كان المحامون منكبين على عملهم أخذ روبسون وكيل وزير المالية يتصل بالتلفون بحكام البنوك المركزية في العواصم الأوروبية والآسيوية . وعلم غالبيتهم بالغزو عندما فاجأهم روبسون بالاتصال بهم في مثل ذلك الوقت المبكر من صباح اليوم . روبسون يطلب منهم اتخاذ إجراءات مماثلة بأسرع ما يمكن لتجميد جميع الأرصدة قبل أن تأخذ بغداد بزمام المبادرة عبر الوسطاء الذين يهيمنون على الكويت .
وأوقظ جورج بوش في الساعة 45 : 4 صباحا بعد أن تم إعداد الوثيقة . فوقعها وبذلك أصبحت الأرصدة مجمدة بالفعل . وقام مكتب الصحافة بالبيتالأبيضبصياغة بيان يعلن ذلك .
وبينما كان بوش يوقع الوثائق التفت إلى الجنرال برنت سكوكروفت رئيس مجلس الأمن الذي جمع الحضور وقال : " تأكد من قيام وزارة الخارجية بالاتصال بالدول العربية لضمان قيامها بإدانة غزو العراق للكويت " فقال سكوكروفت بانه سيقوم بذلك على الفور . 
* * *
اتسع الوقت خلال الجلسة التي عقدت في غرفة المؤتمرات واستغرقت الليل كله لاتخاذ قرار بشأن خطوة أخرى . إذ كان وقت الدهشة ـ لانه لم يكن أحد يعتقد بأن صدام حسين سوف ينفذ تهديداته ـ قد مضى ، وأخذ الحاضرون في الغرفة والمتصلون بها بالفيديو يضعون أسس الرد.
ولم يكن الخيار العسكري قد طرح للمناقشة . لكن الخيارات الدبلوماسية كانت أوضح . فجرى الاتصال بالأمير وزملائه الذين لجأوا إلى السعودية بمجرد وصولهم إلى جدة . وعمل المسؤولون الأميركيون معهم على دعوة مجلس الأمن الدولي لجلسة طارئة . 
وشهد مقر الأمم المتحدة بمنهاتن نشاطا غير عادي لم يعهد في مثل تلك الساعة المبكرة . فأخذت السيارات تفد تباعا وهي تحمل السفراء والوفود . وفي الساعة الرابعة صباحا اتخذ أول قرار بشأن الأزمة العراقية وهو القرار رقم 660 الذي دعا العراق إلى الانسحاب من الكويت بلا شروط ، وإلى اعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الغزو. ولم يمتنع عن التصويت سوى اليمن ، في حين أن الصين وحتى كوبا صوتتا إلى جانب الاتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا . ورد سفير العراق إلى الأمم المتحدة بأن حكومته استجابت لنداء من " الثوار الكويتيين الشبان " من أجل المساعدة .
ودعا القرار العراق والكويت إلى " البدء في الحال بإجراء مفاوضات مكثفة لحل خلافاتهما " . ورحب بأية جهود أخرى تبذل في هذا السبيل وخصوصا من قبل جامعة الدول العربية .
* * *
في واشنطن لم يكن أمام سكوكروفت وهاس وغيرهم ممن شارك في الاجتماع الماراثوني الذي استمر من التاسعة مساء إلى الخامسة صباحا سوى ثلاث ساعات للعودة إلى بيوتهم والاستحمام وتغيير ملابسهم . فقد كان عليهم حضور اجتماع مجلس الأمن القومي مع بوش في الثامنة من صباح اليوم التالي .
* * *
وفي اركوتسك وعند تمام العاشرة والنصف صباحا ( أي التاسعة والنصف من مساء اليوم الفائت في واشنطن ) توجه وزيرا الخارجية الأميركي والسوفييتي بعد مؤتمرهما الصحفي إلى المطار ، ليعود السوفييتي إلى موسكو وليتابع نظيره الأميركي رحلته إلى اولان باتور عاصمة منغوليا . أما دنيس روس زميل بيكر فقد رافق شيفارنادزة إلى موسكو.
وتلقى بيكر خلال رحلته اتصالا من واشنطن عبر الخط الخاص وجرى إبلاغه أخبار الغزو بالتفصيل . وفيما كانت طائرته لا تزال في طريقها إلى منغوليا ، وهي دولة حدودية يبلغ عدد سكانها مليونين وتفصل بين الاتحاد السوفييت والصين بعيدا عن الجنون والذعر اللذين على باقي العالم ـ ذهب إلى مؤخرة الطائرة حيث كان يجلس الصحفيون وأخبرهم عما حدث .
وبعد ذلك بساعة هبطت طائرة شيفارنادزة في موسكو . وكان لا يزال يجهل ما حدث . فلم يكد يخرج من الطائرة حتى اندفع نحوه صحفي يعمل بوكالة تاس وسأله : 
" ما تعليقك على الغزو ؟ " . وفوجئ وقال : " أي غزو ؟ " . فقال الصحفي " غزو العراق للكويت " .
وارتبك شيفارنادزه ورفض الإجابة على الأسئلة بقوله : " لم تصلني الأخبار ، وأنا ذاهب للتشاور مع المستشارين " ثم التفت فجأة إلى زميله سيرجي تراسنكو وقال بغضب : " جد في الحال ما يحدث " . 
أما روس فتوجه مباشرة إلى سفارة الولايات المتحدة واتصل ببيكر واقترح إصدار بيان مشترك سوفييتي ـ أميركي ، لا يدين الغزو فقط بل يدعو إلى عمل مشترك ضد العراق . ووافق بيكر ، واتصل بجورج بوش للحصول على موافقته . فرأى الرئيس أن الفكرة ثاقبة وأعطاه الضوء الأخضر . ثم اتصل بيكر بروس في موسكو وقال : " حضر نص البيان ولكن احرص على أن يكون جيدا " .
واتفق على أن يختصر بيكر زيارته لمنغوليا وأن يتوجه إلى موسكو لاعلان البيان المشترط مع شيفارنادزه . وعهد إلى روس بالتفاوض مع السوفييت حول ذلك . فتحدث روس مع تراسنكو وقال له بأن مثل ذلك البيان سوف يقنع الدول العربية الأخرى بعدم الوقوف إلى جانب العرق ، ويحبط آمال صدام في استغلال التنافس بين الدول العظمى كما كان الحال في الماضي . وتردد تراسنكو في البداية ولكنه بعد أن استشار شيفارنادزة سيأتي إلى موسكو خصيصا لقراءته " . 
كان أبو اياد، الرجل الثاني في منظمة التحرير والمسؤول خصوصاً عن شؤون الأمن والمخابرات، نائماً في الفيلا التي يسكن بها في ضواحي تونس. وكانت زوجته التي تعيش عادة في الكويتن قد وصلت قبل وقت قصير . وأيقظتهما مكالمة تلفونية من أفراد أسرتهما في العاصمة الكويتية. وعلما منهم بأن القتال كان يجري غير بعيد من بيتهم . وقت متأخر من الليل في بيته بمنطقة صامد. وكان عرفات على علم بما يجري . إذ كان أفراد أسرته الذين يعيشون في الكويت قد زودوه بأخبار الغزو. فقررا زيارة عدد من العواصم العربية في اليوم التالي .