( الذئب والحمل )
مضت الأسابيع الأولى التي تلت 30 مايو في هدوء يدعو إلى الاستغراب . فبدا وكأن العواطف والمناورات قد فقدت زخمها .
ففي أواسط شهر حزيران قام أوروبي له مقام رفيع بزيارة لواسنطن أتيح له خلالها أن يتحدث عن المسألة العراقية مع عدد من الأميركيين . وقال فيما بعد " إنه يكن هناك عندئذ من يعتبر العراق مصدرا للتهديد ، وان الجميع كانوا ينظرون إليه بوصفه بالدرجة الأولى سوقا للمنتوجات الأميركية وواحداً من الأقطار القليلة التي تفضل التكنولوجيا الأميركية على منافستها اليابانية ".
وفي نهاية حزيران قام سعدون حمادي نائب رئيس الوزراء العراقي بجولة في بلدان الخليج . وكان حمادي انيق المظهر مهذبا وشيعيا ورعا، واقتصاديا درس في الجامعة الأميركية ببيروت ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة وسكنسن . وقام بزيارته لبلدان الخليج قبل شهر واحد من اجتماع الأوبيك الهام الذي استهدف اقناع زعماء الخليج بالقبول بانتاج كميات اقل من النفط والتقيد بذلك من اجل رفع سعره إلى مستواه العالي السابق . وفي 25 حزيران وصل إلى الرياض حيث حث الملك فهد على تأييد موقف العراق وذلك لأن السعودية كانت في موقع يمكنها من العمل على تطبيق هذه الاستراتيجية .
وكان ابن سعود ، مؤسس المملكة العربية السعودية قد اعترف في عام 1930 أنه " فقير إلى حد لا يملك معه حجرا يركن رأسه إليه . وبعد ذلك بسنتين كان المورد الوحيد للمملكة التي أسسها بتوحيد القبائل البدوية هي رسوم الحج . وكانت هذه تنخفض في بعض السنوات بشكل يجر الدولة إلى حافة الافلاس . ودفعته الحاجة الملحة إلى مناشدة شركات النفط الكبرى وأكثرها بريطانية لاستغلال نفط بلاده وقال لرجل أعمال بريطاني : " سوف أمنحهم كل الامتيازات التي يريدونها مقابل مليون دولار . " وبالرغم من أن هذا المبلغ كان قليلا لدرجة لا تصدق فإن مناشدته لم تجتذب أحداً . فقد كان البترول متوافراً بكميات كبيرة وخصوصا من شركة النفط العراقية ، مما دفع شركات النفط الكبرى إلى الاتفاق على شيء واحد وهو أنه لا بد من إبقاء نفط السعودية في الأرض إذا أريد تجنب زيادة الفائض من النفط . وعليه فإنه لم يكن في شبه الجزيرة العربية شيء سياسي أو اقتصادي يثير الاهتمام .
وفي غضون خمسين سنة دار الزمن دورته وأصبحت السعودية قطباً بتروليا يستطيع بموارده الضخمة انتاج من ثمانية إلى عشرة ملايين برميل في اليوم . ولم يعد من الممكن اتخاذ أي قرار بشأن السياسة البترولية بدون السعودية . على أن الملك فهد ليس بالشخص الذي يتخذ قرارات سريعة أو جذرية . فمملكته مليئة بأصحاب الثروات الخاصة التي تبلغ 150 بليون دولار كسبوها بسهولة وسرعة تنعكسان في السياسات السعودية الإقليمية التي يشوبها الحذر وأحيانا التردد .
والملك فهد كغالبية افراد الأسرة الملكية يعتبر الكويتيين شعبا متغطرسا ينتهز كل فرصة للادعاء بأنه أقدر على التكيف من جيرانه السعوديين وأكثر تأثرا بالحياة الحديثة . وفي حين أن السعوديين كانوا منذ انشاء بلادهم يعتبرونها مسجدا كبيرا ويتجهون بأنظارهم إلى مكة فإن الكويتيين ركزوا أنظارهم في الغرب . وعليه فإن علائم القلق في الكويت لم تكن تزعج الملك فهد ، لكنه كان يعلم أن تهديدات صدام حسين قد تسقط في النهاية جميع الملكيات في المنطقة .
استقبل الملك فهد المبعوث العراقي سعدون حمادي في قصره واجتمع به مدة طويلة واستمع إلى مطالبه بانتباه . وانفرجت شفتا الملك البدين ذي اللحية القصيرة والعينين المتعبتين ( كعيون غالبية أفراد أسرته الذين يعانون من مرض وراثي ) عن ابتسامة لطيفة وحبذ فكرة دعوة الأوبيك إلى اجتماع خاص لإرساء نظام ثابت بين الأقطار المنتجة للنفط . ولكنه أضاف على الفور وباللهجة الودية الهادئة ذاتها أنه لا حاجة للاستعجال . ويمكن لوزراء الدول النفطية بحث المسألة عندما يجتمعون في جنيف في الشهر التالي . وحتى ذلك الحين من الأفضل ترك الأمور على حالها .
وكان الملك بطيئا في كلامه وعمله إلى حد أن الوقت لديه قد يطول إلى ما لانهاية . أما العراقيون فكان الشيء الذي ينقصهم هو الوقت , وعليه فكان من الصعب عليهم قبول رد الملك.
وذكّر سعدون حمادي الملك والشيخ زايد بالبلايين العشرة التي طلبها صدام حسين . لكنهما تهربا من الدخول في صلب الموضوع . وعندما توقف في الكويت طلب الشيء ذاته من الأمير جابر فأجابه هذا بقوله : " لكن هذان غير معقول . فليس لدينا ذلك المبلغ من المال .
وكان حمّادي خلال النقاش يحمل صفحتين مطبوعتين على الآلة الكاتبة فيهما قائمة مفصلة بالأموال الكويتية المستثمرة في العالم والبالغة 100 بليون دولار . وعندما اطلع الأمير على ما فيها اقترح أن يدفع مبلغ خمسمائة مليون دولار ثلاث سنوات كصدقة على العراق ، وقال : " دعونا نتحدث أولا عن الحدود . وعندما نوقع الاتفاق نتحدث عن الأمور الأخرى " .
ولم يكد سعدون حمادي يصل إلى بغداد حتى بلغه أن وزير النفط في الكويت صرح بأن بلاده سوف تواصل إنتاج كمية النفط الاضافية حتى أكتوبر . وأدى هذا التصريح ورفض السعودية الدعوة إلى عقد اجتماع خاص للأوبيك إلى اقناع صدام حسين بأن هناك كما قال لأحد زملائه " محاولة لتركيع العراق " .
وفي 16 تموز وصل طارق عزيز وزير الخارجية العراقية إلى تونس للمشاركة في اجتماع القمة الذي دعت إليه جامعة الدول العربية . وطارق عزيز في الستين من عمره وله شاربان كثيفان ونظارتان سميكتان . وهو من المسيحيين القلائل الذين احتلوا مراكز عالية في الجهاز الحاكم . (واسمه الحقيقي يوحنا ) . وهو دمث الطباع ويستطيع تبليغ الرسائل العدائية بلباقة وتهذيب . وإذ كان سفير صدام الذي ينقل أفكاره إلى مختلف الجهات في العالم فقد مثل العراق أكثر المفاوضات دقة سواء في المحادثات مع الأقطار الأوروبية لإعادة جدولة الديون أو في الضغط من أجل الحصول على قروض أخرى لشراء الأسلحة . وكان في هذا كله يعبر عن أفكار صدام ورغباته بحماسة شديدة ومهارة ، وأحيانا بقسوة .
وكان الهدف من اجتماع القمة هو الحصول على تأييد الدول العربية لمنظمة التحرير . فبعد أن حمل عرفات منظمة التحرير على اتخاذ موقف أكثر اعتدالاً من إسرائيل ويقضي بالاعتراف بها والدخول في حوار مع الولايات المتحدة الأميركية ، اخذ يشعر مرة أخرى بالعُزلة . وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت المحادثات مع المنظمة رداً على هجوم قام به أبو العباس في 30 مايو على الشاطئ الإسرائيلي . وأبو العباس هذا هو الذي سبق له أن قام بنشاطات مشابهة عندما دبر في عام 1985 خطف السفينة الإيطالية " أكيل لورو " . ومع هذا فإنه ظل عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني . فأصرت الولايات المتحدة على أن يقوم عرفات بطرده وشجب هجومه ، ولكنه لم يفعل . 
ومما أغضب عرفات عدم حضور دول عربية كثيرة الاجتماع المقرر في ذلك اليوم لكن حضور طارق عزيز لم يكن مفاجئا . فرئيسه صدام كان قد لعب دوراً مهما في إقناع عرفات بتبني الاعتدال والدخول في محادثات مع الولايات المتحدة. وهاجم عرفات في خطابه بعض الدول التي لم تشارك في الاجتماع وخصوصا السعودية ومصر . وختم خطابه بقوله : 
" إن القضية خطيرة ولكن كثرة من الدول العربية لا تكترث لها . ترى ما الذي تفعله ؟ هل تقوم بتحديد أسعار البطاطا " .
قال عرفات هذا وخرج من القاعة وانتهى الاجتماع . فذهب طارق عزيز إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي وقال له : " لقد أحضرت معي مذكرة مهمة ينبغي توزيعها على الأعضاء . ولا بد من الاجتماع في صباح الغد " فوافقه القليبي والتقى وهو خارج بمروان القاسم ممثل الأردن فأخبره عن المذكرة وقال : 
" نحن مقتنعون بأن بعض الدول تتآمر بالفعل علينا . ولكن اود أن أقول لك بأن بلادي لن تركع وأن نساءنا لن يجبرن على التحول إلى حومات وأن اولادنا لن … يحرموا من الطعام " .
وصدم مروان القاسم ، وقال لعزيز : " حاذر أن تقع في الشرك الذي نصب لك " . ولم يقل عزيز شيئا وخرج .
وفي صباح 17 يوليو حضر طارق عزيز إلى مكتب أمانة الجامعة ومعه سفير العراق إلى تونس ، وقدم المذكرة للقليبي الدبلوماسي التونسي المتزن الذي يبدو كمفكر خجول . وجاءت المذكرة صدمة له لأنها كانت في حقيقتها اعلان حرب حقيقية على الكويت . فالشكوى فيها لم تقتصر على تجاوز الحد في انتاج النفط بل تجاوزت ذلك إلى اتهام الكويت بإقامة نقاط عسكرية على الأراضي العراقية وسرقة ما يساوي 4 و 2 بليون دولار من النفط الذي تستخرجه من حقل الرميلة العراقي . واتهمت المذكرة الكويت والإمارات العربية صراحة بأنهما ضالعان في " مؤامرة صهيونية استعمارية على الأمة العربية " .
وقرر القليبي أن يحاول التريث في توزيع المذكرة . وقال لعزيز بأنه في حاجة إلى 24 ساعة يجري خلالها مشاورات مع الكويت والسعودية قبل أن يقوم بتوزيعها . وأضاف أنه يرغب في أن يتحدث إلى صدام . فقال عزيز : " ليس باستطاعتك التحدث إليه الآن لأنه في طريقه إلى القاء خطاب سوف يشتمل على بعض التهديدات الموجودة في المذكرة . ولم يعلم بذلك إلا في وقت لاحق من ذلك اليوم . والواقع أن طارق عزيز لم يكن هناك للمفاوضة ، بل لتنفيذ أوامر صارمة من صدام . فانتهى الاجتماع .
وبعد أن خرج عزيز قام على الفور بإرسال نسخة من المذكرة للسفارة الكويتية بتونس . وبعد ذلك بساعة اتصل السفير الكويتي بالقليبي وسأله عما إذا كان سيوزع المذكرة . فاجابه القليبي بأنه ليس أمامه خيار آخر . وطلب من السفير أن يبلغ ذلك إلى وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح وأنه يود أن يتحدث مع أمير الكويت وولي العهد .
وعندما تسلم الشيخ صباح المذكرة أصابه ـ كما يقول شاهد عيان ـ ذهول شديد فالعراقيون يتهمونه بأنه عميل يتقاضى أموالا من الأميركيين . فقرر أن يلغي جميع مواعيده .
* * * 
منذ أواخر شهر مايو أخذ العاملون في أسواق هونغ كونغ وسنغافورة المالية يحسون بتحركات غير عادية . فمكتب الاستثمارات الكويتية بلندن وهو هيئة مقرها لندن وتدير استثمارات الكويت العالمية الضخمة كان قد أخذ يبيع بعض ممتلكاته الكبرى بلا سبب ظاهر . ولم تكد تمضي بضعه أيام على اجتماع تونس الذي ابتدأ في 19 يوليو بدأ المكتب عملية تصفية كاملة لاستثماراته الآسيوية وتحويلها إلى سيولة نقدية . وكان رجال الأعمال الكويتيون يتصرفون بسرعة وبكثير من الحكمة لكي لا تتسرب أخبار أعمالهم فتحدث ما يشبه الانهيار في الأسواق التي تحتل الأموال الكويتية فيها موقعا مهما .
* * *
وفي 17 يوليو وبينما كان طارق عزيز مجتمعا مع الشاذلي القليبي كان يجري الاحتفال بالعيد السنوي للثورة العراقية . واعتلى صدام حسين المنصة وحوله أعضاء مجلس قيادة الثورة بزيهم العسكري . وجرت العادة كلما ظهر الرئيس أمام الجمهور أن يضرب حصار شبه كامل على بغداد . لكن تدابير الأمن في ذلك اليوم كانت أشد من أي وقت مضى . قال صدام في خطابه الذي أذيع فيما بعد : 
" يعود الفضل إلى اسلحتنا الجديدة في أن الامبرياليين لن يستطيعوا بعد الآن شن هجوم عسكري علينا . ولهذا اختاروا شن حرب عصابات اقتصادية بمساعدة عملائهم من زعماء دول الخليج . فسياستهم التي ترمي إلى الابقاء على أسعار البترول المنخفضة خنجر مسموم مغروز في ظهر العراق " .
وفي ذلك اليوم نفسه بدأت طلائع القوات العسكرية العراقية بالتحرك باتجاه الحدود الكويتية . وفي وقت متأخر من بعد ظهر 18 تموز اجتمعت الوزارة وبدا التوتر على وجوه الوزراء وهم يخرجون من سيارات الليموزين والشمس تنحدر نحو المغيب . فالتهديد كان هناك ، ولا يبعد سوى بضعة أميال ، وتمثل في دبابات ت 62 التي كانت في طريقها إلى بلادهم . ولكن بالرغم من شعورهم بالخطر كان أكثرهم يفضل أن لا يصدق بأن وقت الانقاذ قد فات .
كان آخر من وصل هو الأمير جابر يرافقه ولي العهد ورئيس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح . وكان الأمير قد عاد لتوه من السعودية حيث عرض الملك وساطته . فتداول في الأمر مع رئيس وزرائه قبل الاجتماع . ورأى كل منهما أن العراق قد يهاجم الكويت لكنهما اعتقدا أن العملية ستنحصر في المنطقة الحدودية المتنازع عليها . وعليه فإنه لم يخطر ببالهما أن الكويت مجرد فاصلة على وجه الزوال .
كان الغرض من اجتماع الوزارة الاتفاق على صيغة الرد على مذكرة طارق عزيز التي اتهم فيها الكويت بسرقة ما قيمته 4 , 2 بليون دولار من النفط العراقي . لكن الكلمات التي ألقيت لم تكشف عن القلق والفوضى الكبيرين اللذين كان كل منهم يشعر بهما . كان أول المتكلمين هو الشيخ علي خليفة الصباح وزير النفط السابق ووزير المالية الحالي المغامر الذي يتصرف كرجال البنوك الغربيين ويتمتع بالاحترام في الأوساط المالية الدولية . قال : 
" أعتقد أن العراق يحاول إنقاذ اقتصاده ويحمل دول الخليج مسؤولية فشله . لكن ينبغي أن لا نخدع انفسنا . فالعراق لن يتغير حتى بعد اجتماع الأوبيك في جنيف . وسوف يتواصل التصعيد".
وهز عدد من الوزراء رؤوسهم علامة على موافقتهم على ما قاله . لكنه تقدم باقتراح أقل واقعية فاقترح أن يصدر الحل عن مجلس التعاون الخليجي ، وهو هيئة دفاعية تضم الكويت والإمارات العربية المتحدة وعُمان وقطر والبحرين والسعودية ـ أي جميع الدول التي وصفها العراق بأنها اعداء له . 
وأصر بعض الوزراء كالوزير المسؤول عن البرلمان والوزير المسؤول عن شؤون الوزارة على أن الغرض الوحيد للتهديدات العراقية هو " ابتزاز المال بل ابتزاز الكثير منه من الكويت ." حتى ان أحدهم أضاف يقول : " علينا أن نحتفظ بهدوئنا . " وذهب سليمان المطوع وزير التخطيط إلى حد القول بأن المذكرة " علامة ضعف من السهل الرد عليها " .
على أن هذه الآراء لا تمثل وجهة نظر الأغلبية الذين عبر عن رأيهم وزير الدفاع عندما قال : إنه لا يكفي أن نرفض اتهامات العراق بقولنا إن العراقيين حشدوا قواتهم على الحدود . فكان ما ينبغي معرفته ـ كما قال الأمير ـ هو مدى جدية التهديد العراقي . وقال الشيخ صباح الأحمد الصباح وزير الشؤون الخارجية الذي أذهلته مذكرة طارق عزيز وما جاء فيها من اتها مات " إن العراق قد يهاجم الكويت وإن الوضع على الحدود متفجر ، وإننا نجري محادثات مكثفة مع إخواننا في مجلس التعاون الخليجي " .
كلمة واحدة كانت على كل لسان : المفاوضة . كانت الأمل الأخير لتفادي الكارثة . لكنهم نسوا الاجتماعات الكثيرة بين مبعوثي العراق والكويت ورفض الكويتيين من حين إلى آخر ولكن بكل حزم مطالب العراقيين . وعلى أي حال فإن ولي العهد قال : 
" أعتقد أن العراقيين قد يقومون بعمل عسكري ولكن العملية سوف تنحصر في الحدود في منطقتي الرتقة وأم قصر " .
وعندما أشرف الاجتماع على نهايته كان الحاضرون قد شعروا بالاطمئنان ولم تُلفت نظرهم كثيراً أهم كلمات قيلت في الاجتماع وهي كلمات وزير الدفاع الذي قال : 
" ليست المذكرة العراقية سوى البداية . فالله وحده يعلم إلى أي حد سوف يذهبون . فمسألة أسعار النفط لا تخرج عن كونها حجة . فالواقع أن العراق هو الذئب ونحن الحمل " .
وعندما تحول المجتمعون إلى مناقشة الجوانب الاقتصادية اختلطت عليهم الأمور فهل كان عليهم أن يستجيبوا لطلب العراق عشرة بلايين دولار وإلغاء جميع الديون ؟ 
لم يتخذوا قرارا بشأن هذا الموضوع بالرغم من أن الوضع لم يكن يحتمل التأجيل . وعهد إلى الشيخ صباح الأحمد بالدعوة إلى اجتماع طارئ لمجلس التعاون الخليجي وذلك للدعوة إلى جامعة الدول العربية . لكن لم تتخذ أية إجراءات عسكرية . 
وفيما كان الاجتماع منعقداً تلقى الشاذلي القليبي في تونس رسالة تبلغه أن الحكومة الكويتية سترسل إليه طائرة سويسرية خاصة لتنقله إلى الكويت للاجتماع بزعمائها . وحال وصوله إلى الكويت دعي إلى القصر لمقابلة الأمير . وأبلغه الأمير أنه فوجئ تماما بمذكرة طارق عزيز التي كانت قد قدمت له بتونس قبل أيام . ثم قال : 
" ما هي المشكلة ؟ إن المذكرة قاسية ، ولا صحة لما ورد فيها . لقد قدمنا لصدام حسين الكثير من المال والنفط خلال الحرب مع إيران " .
وفيما بعد قال أحد رجال الأمير للقليبي بأن الكويت قدمت إلى العراق خلالها 17 بليون دولار وكانت تزوده ب 000 , 300 برميل من النفط يوميا . وقيل له أيضا إن هذه المعلومات لم تنشر من قبل خوفا من غضب إيران وخلق المشكلات . وعند نهاية الاجتماع قال الأمير للقليبي : " حاول أن تحل المشكلة . نحن على استعداد لحل المشكلة بطريق الحوار " .
وقرر القليبي أن يقوم بزيارة بغداد . لكن بينما كان يهم بمغادرة الفندق علم أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية في طريقه إلى العاصمة العراقية . فقرر أن يبقى في الكويت ثقة منه بأن الأمير سعود الفيصل سوف يتوقف في الكويت ويخبره بما جرى في اجتماعاته مع صدام حسين .
لكن الذي لم يُطلع الكويتيون القليبي عليه هو شيء آخر كانوا يفكرون فيه . فمن المرجح أنهم كانوا يعتقدون بأن الورقة الأخيرة في أيديهم هي دعم الولايات المتحدة لهم . ذلك انهم اولا لم ينسوا أن الأميركيين سمحوا لهم خلال الحرب العراقية الإيرانية أن يرفعوا الأعلام الأميركية على ناقلاتهم . وأن ذلك كان بمثابة دليل على وقوفها إلى جانبهم . وهناك وثيقة غريبة مؤرخة في 22 نوفمبر 1989 يدعي العراقيون أنهم عثروا عليها في وزارة الخارجية الكويتية في أعقاب استيلائهم على الكويت . لكن بيتر ايرنست الناطق باسم وكالة الاستخبارات المركزية ( السي آي إي ) أصدر في 30 تشرين أول 1990 تصريحا وصف فيه الوثيقة بأنها مزورة . لكنه اعترف في تصريحه بأن الشيخ الصباح نائب مدير أمن الدولة الكويتية قام في نوفمبر 1989 ـ كما تقول الوثيقة ـ بزيارة للقاضي وليم وبستر مدير الوكالة . على أن الحكومة العراقية واصلت القول بأن الوثيقة صحيحة . ومهما يكن من أمر صحتها فإنها وثيقة طريفة .
إن هذه الوثيقة عبارة عن مذكرة قيل إن فهد أحمد الفهد مدير أمن الدولة الكويتية أرسلها إلى وزير الداخلية وتقول الفقرة الخامسة منها : 
" إتفقنا مع الجانب الأميركي على أهمية الاستفادة من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في العراق لممارسة الضغط على الحكومة العراقية لرسم الحدود المشتركة . وقد أطلعتنا وكالة الاستخبارات المركزية على وجهة نظرها حول الوسائل المناسبة للضغط قائلة بأنه لا بد من إرساء التعاون بيننا على نطاق واسع بشرط أن يجري تنسيق النشاط على المستويات العليا " . 
ويشير مدير أمن الدولة أيضا أنه قام بزيارة لوانشطن استغرقت ستة أيام . ( 12 ـ 18 نوفمبر ) وعقد خلالها عدة اجتماعات سرية للغاية مع كبار المسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية الذين عبروا عن عدم رضاهم عن أداء الحرس الأميري المكلف بحماية الأمير . وكان الأمير قد تعرض لمحاولات لاغتياله . وتقول المذكرة بان الوكالة أيدت استعدادها لتدريب 123 شخصا تختارهم السلطات الكويتية لكي يقوموا بعد ذلك بحماية الأمير وولي العهد .
ترى هل تجاوز الكويتيون الحد لأنهم كانوا على يقين من أن واشنطن لن تتخلى عنهم ؟ كان زعماؤهم واثقين من الدعم الأميركي منذ زمن طويل وخصوصاً منذ عام 1987 أي منذ أواسط فترة الحرب العراقية الإيرانية عندما رفعت الأعلام الأميركية على ناقلاتهم لحماتيها .
وفي ذلك الوقت تماماً أعلن البرلمان العراقي قراره الذي اتخذ بالإجماع برئاسة صدام حسين مدى الحياة .
* * *
في 24 تموز وصلت أخبار إلى مقر وكالة الاستخبارات المركزية ( السي آي إي ) مفادها أن فرقتين عراقيتين غادرتا قواهما للتمركز على الحدود الكويتية .
وفي صباح ذلك اليوم وصل حسني مبارك إلى بغداد في مهمة وساطة . ولم يكن اختيار الجامعة العربية له الأفضل نظرا للشكوك المتبادلة بين صدام حسين وبينه . ومهما يكن من أمر فإن صدام حسين قال له : 
" لن استخدم القوة … لن استخدمها قبل استنفاد جميع الإمكانات عبر المفاوضات . لكن يا أخ مبارك لا تقل هذا للكويتيين لأنه لن يزيدهم إلا غروراً " .
وفي اعقاب هذا مباشرة غادر مبارك العراق إلى الكويت حيث أبلغ بعض ما سمعه إلى الأمير . قال له : " لا تقلق يا صاحب السمو فقد سمعت من صدام نفسه أنه لن يرسل قوات وأنه لا يعتزم مهاجمة الكويت ." وهكذا فإنه لم يضف إلى ذلك عبارة " قبل إستنفاد جميع الامكانات عبر المفاوضات " . ونقل مبارك العبارات المجتزأة ذاتها لواشنطن .
* * *
وفي 25 تموز استدعى صدام ابريل غلاسبي السفيرة الأميركية . ولما كانت قد أبلغت بموعد المقابلة قبل ذلك بساعة فقط فإنه لم يكن لديها الوقت الكافي لإبلاغ وزارة الخارجية بواشنطن والتزود بتعليماتها . وأدخلت السفيرة على الرئيس العراقي في الساعة الواحدة بعد الظهر . وبدا عليها التوتر وهي تهم بإجراء مقابلتها الخاصة الأولى معه . وجاء الحديث الذي جرى بينهما مفاجئا وحتى مزعجا . واستطاعت شبكة " إي بي سي " الحصول على تسجيل للحديث الذي يعتبر وثيقة كبرى بالنظر إلى ما يشتمل عليه من دلالات بعضها غير عفوي ولكن تستحق أن نوردها * 
حضر المقابلة طارق عزيز . واستهلها صدام بالترحيب بغلاسبي ودعاها إلى الجلوس قائلا : " لقد استدعيتك لإجراء حوار سياسي شامل معك ، وفيه رسالة موجهة إلى بوش " . قال صدام : 
" تعلمين انه لم يكن هناك علاقات بيننا وبين الولايات المتحدة إلى عام 1984 . كما أنك تعرفين الظروف والأسباب التي أدت إلى قطع العلاقات . على أن قرار استئناف العلاقات اتخذ عام 1980 أي خلال الشهرين اللذين سبقا حربنا مع إيران .
" وعندما بدأت الحرب ولتجنب أي سوء تفسير أجّلنا إقامة العلاقات على أمل أن تنتهي الحرب في الحال .
" فلما تبين أن الحرب ستطول ، وللتأكيد على أننا دولة غير منحازة ، كان من المهم أن نعيد إقامة علاقاتنا بالولايات المتحدة . وكان هذا في عام 1984 .
" ومن الطبيعي القول بأن الولايات المتحدة ليست كبريطانيا مثلا . ذات العلاقات التاريخية مع الشرق الأوسط ، بما فيه العراق . ثم إنه لم تكن هناك علاقات بين العراق والولايات المتحدة بين عامي 1967 و 1984 . ويمكن للمرء أن يستنتج أنه من الصعب على الولايات المتحدة أن تتوصل إلى تفاهم تام مع العراق حول كثرة من الأمور . على أنه عندما جرى استئناف العلاقات كنا نأمل في تفهم أفضل وفي تعاون أفضل لأننا أيضا لا نفهم خلفيات كثرة من القرارات الأميركية.
" وتعامل أحدنا مع الآخر خلال الحرب وعلى مستويات مختلفة أهمها مستوى وزيري الخارجية . وكنا نأمل في تفاهم مشترك أفضل وفي فرصة أكبر للتعاون وذلك لفائدة شعبينا وباقي الأمم العربية . لكن هذه العلاقات أصيبت بشروخ . ووقع الأسوأ منها في عام 1986 وبعد سنتين فقط من إرساء تلك العلاقات خلال ما يعرف " بإيران غيت " التي وقعت سنة احتلال إيران لشبه جزيرة الفاو . 
" ومن الطبيعي القول بأن قدم العلاقات وتعقد المصالح المتبادلة قد يمتصان الأخطاء . لكن عندما تكون المصالح محدودة والعلاقات حديثة العهد فإن التفاهم يصبح سطحيا وقد تؤدي الأخطاء إلى نتائج سلبية . وقد يحدث أحيانا أن يكون تأثير الخطأ اكثر خطورة من الخطأ ذاته .
" وبالرغم من ذلك فإننا قبلنا اعتذار الرئيس الأميركي عبر موفده عن " إيران غيت " وأزلنا جميع الشوائب . وينبغي علينا أن لا نستعيد الماضي إلا عندما لا تكون الأخطاء الماضية وليدة والصدفة.
" وتزايدت شكوكنا بعد تحرير الفاو . فقد أخذت وسائل الإعلام الأميركية تدس أنفها في سياسة بلادنا . ودفعتنا الشكوك إلى التساؤل عما إذ كانت نتيجة الحرب وتحريرنا لبلادنا قد أقلقا الولايات المتحدة .
" وكان من الواضح لنا أن تحريرنا لبلادنا لم يرُق لبعض الجهات في الولايات المتحدة . وليست أشير بهذا إلى الرئيس الأميركي نفسه بل إلى جهات معينة على صلة بدوائر الاستخبارات ووزارة الخارجية باستثناء وزير الخارجية . وبدأت بعض الجهات تعد دراسات بعنوان " من سيخلف صدام حسين ؟ " وأخذت تتصل بدول الخليج وتثير مخاوفها من العراق وتقنعها بعدم تقديم المساعدات الاقتصادية له . ولدينا شواهد على نشاطها هذا .
" لقد خرج العراق من الحرب وعليه دين قدره 40 مليار دولار . ولا يشمل هذا المبلغ المساعدات التي قدمتها الدول العربية . ومما يذكر أن بينها دول لا تعتبر المساعدات دينا مع أنها تعلم كما تعلمون أنتم أنه لولا العراق لما كانت لديها تلك المبالغ ، ولما كان مصير المنطقة على النحو الذي نراه .
"وبدأنا نواجه سياسة تخفيض أسعار النفط . ثم رأينا الولايات المتحدة التي تتحدث دائما عن الديمقراطية لا تعير وجهة نظر غيرها أي اهتمام . ثم بدأ الإعلام الرسمي الأميركي حملته على صدام حسين . واعتقدت الولايات المتحدة أن الوضع في العراق كالوضع في بولندا ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا . لقد أثارت هذه الحملة قلقنا ولكننا لم نبادر إلى الرد لأننا كنا نأمل أن تتاح الفرصة لصانعي القرار في أميركا للوقوف على الحقائق ومعرفة ما إذا كان للحملة الإعلامية أي تأثير شعب العراق . كنا نأمل في أن تبادر السلطات الأميركية إلى اتخاذ القرار الصحيح بشأن علاقاتها مع العراق . فالعلاقات الجيدة تساعد على تجاوز الخلافات .
" لكن عندما تقضي السياسة المرسومة بتخفيض سعر النفط بدون سبب تجاري معقول ، فإن ذلك يعني شن حرب أخرى على العراق . فالحرب العسكرية تقتل الناس بإسالة دمائهم ، والحرب الاقتصادية تدمر إنسانيتهم بحرمانهم من فرصة التمتع بمستوى حياتي لائق . وإننا كما تعلمون نزفنا انهاراً من الدم في الحرب التي دامت ثماني سنوات لكننا لم نفقد إنسانيتنا . وللعراقيين الحق في العيش بكرامة ولا نسمح لأحد بأن ينال من كرامتهم أو من حقهم في الاستمتاع بمستوى حياتي عال .
" لقد كانت الكويت والإمارات على رأس واضعي هذه السياسة التي استهدفت النيل من مكانة العراق وحرمان شعبها من المستويات الحياتية العالية . وأنتم تعلمون أن علاقاتنا مع الإمارات والكويت كانت قبل ذلك جيدة . وفوق هذا كله وبينما كنا غارقين في الحرب أخذت الكويت تتسع على حساب أرضنا ". 
* * *
وهنا أخذ صدام يشير بوضوح إلى الكويت بوصفها هدفه الرئيسي . قال : 
" قد تقولون بأن هذا مجرد دعاية . لكنني الفت نظركم إلى الوثيقة التي تحدد خط الدوريات العسكرية الذي يشكل الحدود التي صدقت عليها جامعة الدول العربية عام 1961 . لقد نصت الوثيقة على أنه لا يجوز اختراقها .
" اذهبي وشاهدي بنفسك ما يجري . سترين دوريات الحدود والمزارع والمنشآت النفطية الكويتية قائمة في أقرب نقطة من الحدود وذلك لإثبات أن تلك الأراضي كويتية .
" ومنذ عام 1961 والحكومة الكويتية مستقرة ، في حين أن الحكومة العراقية تعرضت لتعديات كثيرة . وحتى بعد عام 1968 (الذي استولي فيه البعث على الحكم ) وطيلة عش سنوات كنا غارقين في مشكلاتنا مثل مشكلة الأكراد في الشمال ومشكلة حرب أكتوبر وغيرهما . 
" إننا نعتقد أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تفهم أن الشعب الذي يعيش في رخاء وأمن اقتصادي يمكنه أن يتوصل إلى تفاهم معها حول المصالح المشتركة المشروعة لكن الشعب الجائع والمحروم اقتصاديا لا يستطيع ذلك .
" إننا لا نقبل تهديدا من أحد لأننا لا نهدد أحداً . ونقول بوضوح بأننا نأمل في أن لا تكثر الولايات المتحدة من الأوهام وأن تسعى إلى كسب الأصدقاء لا إلى زيادة أعدائها .
" لقد قرأت تصريحات أميركية عديدة عن أصدقائها في المنطقة . وبالطبع من حق الجميع ان يختاروا أصدقاءهم ولا اعتراض لدينا على ذلك . ولكنكم تعرفون جيداً انكم لستم الذين حميتم هؤلاء الاصدقاء خلال الحرب مع إيران . وأستطيع التأكيد لكم أنه لو اكتسح الإيرانيون المنطقة لما كان في استطاعة القوات الأميركية وقفهم إلا باستخدام الأسلحة النووية .
" ما اقوله لا يهدف إلى التقليل من شأنكم وانما انا آخذ بعين الاعتبار العوامل الجغرافية وطبيعة المجتمع الأميركي التي ترفض التضحية بأكثر من عشرة آلاف قتيل في المعركة الواحدة .
" تعلمون أن إيران قبلت بوقف اطلاق النار . ولكن لم يحصل ذلك بسبب قصف الولايات المتحدة لمنشأة نفطية إيرانية واحدة ، وانما حصل بعد تحرير الفاو . أهكذا يكافأ العراق لأنه ساهم في تامين استقرار المنطقة وقام بحمايتها من مدِّ لا مثيل له ؟ 
" ثم ماذا تعني أميركا عندما تقول الآن بأنها ستحمي أصدقاءها ؟ ليس لذلك معنى سوى التحامل على العراق .
" أقول لكم بوضوح إننا سوف نحصل على كل حق من الحقوق الواردة في المذكرة . وقد لا يحدث هذا الآن أو خلال شهر أو بعد سنة لكننا سنحصل عليها كلها . لسنا بالشعب الذي يتخلى عن حقوقه . فليس هناك حق تاريخي أو حاجة تبرر قيام الإمارات والكويت بحرماننا من حقوقنا . وإذا كانت هاتان الدولتان في حاجة إلى ذلك فنحن أحوج منهما إليه . 
" ينبغي أن يكون لدى الولايات المتحدة تفهم أفضل للوضع . وعليها أن تذكر اولئك الذين تريد أن تقيم معهم علاقات وأن تقول من هم أعداؤها . وعليها أن لا تعتبر أحدا عدوا لا لسبب إلا لأنه يختلف معها في الرأي حول النزاع العربي الإسرائيلي . 
" إننا نفهم بوضوح قول أميركا بأنها تريد تأمين تدفق سهل للنفط . ونفهم أميركا عندما تقول بأنها تسعى إلى صداقة دول المنطقة ، وترغب في تعزيز المصالح المشتركة . لكن ما لا نفهمه هو أن تقوم أميركا بتشجيع بعض الجهات على الحاق الضرر بمصالح العراق .
" إن الولايات المتحدة تريد أن تضمن تدفق النفط . هذا مفهوم . لكن ينبغي عليها أن لا تستخدم أساليب ثم تنكرها . إن ذلك من قبيل ليّ العضلات والضغط . فإذا استخدمتم الضغط فسوف نستخدم الضغط والقوة .
" إننا نعلم أنه باستطاعتكم إلحاق الضرر بنا حتى ولو لم نهددكم . لكن باستطاعتنا أيضا أن نلحق الضرر بكم ففي وسع كل شخص أن يسبب ضررا يتناسب مع قوته وحجمه . ليس باستطاعتنا أن نزحف على بلادكم لكن باستطاعة الأفراد من العرب الوصول إليكم .
* * * 
وهنا ضرب صدام حسين بالمجاملات الدبلوماسية عرض الحائط وأخذ يهدد الولايات المتحدة بموجة من الهجمات الارهابية . ولكي يجعل الأمور أكثر وضوحا قال : 
" في استطاعتكم المجيء إلى العراق ومعكم الصواريخ والطائرات لكن لا تدفعونا إلى الحد الذي لا نعود عنده نهتم بما يحدث . وعندما نشعر بأنكم تريدون جرح كرامتنا وحرمان العراق من فرصة تحقيق مستوى حياتي أفضل فإننا لن نأبه لشيء وسيكون خيارنا الموت . ولن نخاف عندئذ إذا أطلقتم مئة قذيفة مقابل كل قذيفة من قذائفنا . فالحياة بلا كرامة لا قيمة لها .
* * *
وكان هذا تهديداً للرئيس بوش بأن صدام حسين مستعد لمحاربة أميركا بالرغم من أنه كان يعلم أنه يرجح أن يخسر المعركة . وأضاف يقول : 
" ليس من المعقول أن يًطلب من الشعب العراقي نزف أنهار من الدم خلال الاعوام الثمانية الماضية ثم يُقال له : عليك الآن أن تقبل بعدوان الكويت والإمارات العربية والولايات المتحدة وإسرائيل . نحن لا نضع جميع هذه البلدان في سلة واحدة . ومما يؤذينا ويزعجنا أن تكون هناك خلافات بيننا وبين الكويت والإمارات . لكن ينبغي أن يكون الحل في الإطار العربي وعبر العلاقات الثنائية المباشرة . نحن لا نضع الولايات المتحدة أيضا في خانة الأعداء . نحن نضعها في الموقع الذي نريده لاصدقائنا ونبذل الجهد كي تكون في عداد أصدقائها . ولكن تصريحاتكم المتكررة في العام الماضي تظهر جليا ان أميركا لا تعتبرنا اصدقاء لها ، حسنا ، فهم أحرار فيما يفعلون .
" وعندما نبحث نحن عن الصداقة فإننا نطلب الشرف والحربة وحق الاختيار . وكما نريد التعامل مع غيرنا على مستوانا ، نتعامل مع الآخرين على مستواهم . نحن نأخذ مصالحنا ومصالح الآخرين بعين الاعتبار ونطلب من الغير مقابلتنا بالمثل . ماذا يعني استدعاء وزير الدفاع الصهيوني ، هذه الأيام ، إلى الولايات المتحدة الأميركية ؟ وما هو معنى التصريحات النارية لإسرائيل مؤخراً ؟ وماذا يعني تكاثر الحديث عن الحرب إلى درجة لا مثيل لها ؟ " .
* * *
يبدو واضحا أن الرئيس صدام كان لا يزال يعاني من صدمة ضرب مفاعل اوزيراك النووي . فلم يتردد عن الإفصاح عن مخاوفه من هجوم إسرائيلي وشيك وربما بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية وقال : 
" نحن لا نريد الحرب لأننا نعرف ما تعنيه . لكن لا تدفعونا إلى اعتبارها الحل الوحيد للعيش في كرامة وعلى مستوى حياتي لائق .
" نحن نعلم أن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك السلاح النووي . ولكننا مصممون على العيش بكرامة أو الموت حتى آخر فرد فينا. ولا نعتقد أنه يوجد شخص واحد في العالم لا يفهم ما أعنيه . نحن لا نطلب منكم حل مشاكلنا . لقد قلت إن المشاكل العربية تحل بين العرب وإنما المطلوب منكم عدم تشجيع أحد على فعل لا يقوى على تحمل عواقبه . ولا أعتقد بأن صداقة العراق تؤذي أحدا . وفي رأيي أن الرئيس بوش لم يقترف أخطاء مع العرب ، مع اعتقادي بخطأ تجميد الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية . ويبدو أنه اتخذ هذا القرار لتهدئة اللوبي الصهيوني أو أنه كان جزءا من استراتيجية ترمي إلى استيعاب الغضب الصهيوني قبل إعادة الحوار من جديد مع منظمة التحرير . وأتمنى ان يكون الاستنتاج الثاني هو الصائب . على أننا سنظل نعتبره قرارا خاطئا .ترى متى سيأتي الوقت الذي تمتدحون العرب فيه مرة واحدة مقابل كل ثلاثة تصريحات تصدرونها لإرضاء الصهيونية . ومتى ستسعى البشرية إلى حل أميركي يقيم التوازن بين حقوق مئتي مليون من البشر وبين حقوق ثلاثة ملايين يهودي .
" نحن ننشد الصداقة ولكننا لا نجري وراء أحد من أجلها , وكذلك فإننا نرفض العدوان المسلح أيا كان مصدره . وإذا جوبهنا بالعدوان فإننا سنقاوم . وهذا حقنا سواء أجاء العدوان من أميركا أم من الإمارات أو الكويت أو إسرائيل . لكنني لا أضع هذه الدول على مستوى واحد . فإسرائيل اغتصبت الأرض العربية بمساعدة الولايات المتحدة . ثم ان الكويت والإمارات لا تؤيدان إسرائيل , وعلى أي حال فإنهما تظلان عربيتين . لكن عندما تحاولان إضعاف العراق فإنهما انما تساعدان بذلك الأعداء وللعراق الحق عندئذ في الدفاع عن نفسه " .
* * *
وهنا ولكي يزيد من كلامه أعاد إلى الذاكرة حدثين سابقين من شأنهما أن يساعدا الولايات المتحدة على التفكير ، فقال : 
" التقيت في عام 1974 بإدريس ابن الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى البرازاني . وجلس عندئذ على الكنبة ذاتها التي تجلسين عليها الآن . جاء عندئذ ليطلب مني تأجيل تطبيق الحكم الذاتي في كردستان العراقية الذي اتفق عليه في 11 مارس 1970 . وكان جوابي له : " إننا مصممون على الوفاء بالتزاماتنا . وعليكم انتم أيضا أن تلتزموا بالاتفاق . " وعندما أحسستُ بأن لديه نوايا عدوانية قلت له : " بلغ تحياتي لأبيك وقل له بأن صدام حسين يقول ما يلي . " ثم أطلعته على ميزان القوى مدعما بالإحصائيات تماما كما فعلت مع الإيرانيين في رسائلي المفتوحة لهم خلال الحرب وختمت حديثي معه بتلخيص العواقب بجملة واحدة وهي " إذا حاربنا فإننا سننتصر " أتعرفين لماذا ؟ شرحت له جميع الأسباب بما فيها السبب السياسي . فالأكراد ( في عام 1974 ) كانوا يعلقون الآمال على خلافاتنا مع شاه إيران . وكان سبب النزاع مع إيران هو مطالبها في شط العرب . ولم نكن على استعداد للقيام بتنازلات . لكن لو أجبرنا على الاختيار بين 
نصف شط العرب وبين العراق كله فإننا نتنازل عن شط العرب للحفاظ على العراق كما نريده .
" ونحن نأمل أن لا تدفعوا الأحداث إلى الحد الذي نجد فيه أنفسنا مضطرين إلى تذكر الاختيار الذي اضطررنا له في علاقاتنا مع إيران . وبعد اجتماعنا مع ابن البرازاني تنازلنا عن نصف شط العرب ( بموجب اتفاق الجزائر عام 1975 ) . وتوفي البرازاني ودفن خارج العراق وخسر الحرب .
* * *
ثم توجه صدام بحديثه إلى السفيرة وقال : 
" نأمل في أن لا ندفع إلى هذا . فكل ما يقف في طريق علاقاتنا مع إيران هو شط العرب . فإذا كان علينا أن نختار بين شط العرب والعيش بكرامة فإننا سنفاوض معتمدين على الحكمة التي أظهرناها عام 1975 . وكما أن البرازاني أضاع الفرصة التاريخية فسوف يضيع الآخرون فرصتهم .
* * *
وختم صدام هذا السرد التاريخي بقوله بدون مجاملة : 
" وفيما يختص بالرئيس بوش آمل أن يقرأ هذا بنفسه وأن لا يترك في أيدي إحدى عصابات وزارة الخارجية التي استثني منها وزير الخارجية وكيلي لأنني أعرفه وتبادلت الرأي معه .
* * *
وأخيرا استطاعت غلاسبي أن تجيب فقالت : 
" أشكرك أيها السيد الرئيس ، إنه يسر أي دبلوماسي أن يجتمع بك ويتحدث معك . إنني أفهم رسالتك بوضوح . لقد درسنا التاريخ وعلمونا أن نقول : " الحرية أو الموت " .
" أعتقد انك تعلم جيداً أننا شعب كانت لنا تجربتنا مع المستعمرين .
" يا سيدي الرئيس ، ذكرت خلال هذا الاجتماع أشياء كثيرة لا أستطيع التعليق عليها نيابة عن حكومتي . لكن إذا سمحت فسوف أعلق على نقطتين . لقد تحدثت عن الصداقة ، وأعتقد أنه اتضح من الرسائل التي بعثها رئيسنا أنه بمناسبة اليوم الوطني يؤكد …
* * *
وهنا قاطعها الرئيس قائلا: " لقد كان لطيفا وظفرت كلماته بتقديرنا واحترمنا . " فقالت غلاسبي : " كما تعلمون فإنه طلب من الادارة الأميركية رفض اقتراح تطبيق العقوبات التجارية ." فقال صدام وهو يبتسم : " لم بعد في أميركا ما يمكننا شراؤه سوى القمح . فكلما أردنا شراء شيء آخر قالوا لنا إن بيعه محظور عليهم . وأخشى أن تقولوا لي يوما : " إنكم ستصنعون البارود من القمح " . وهنا سارعت غلاسبي إلى طمأنته بقولها : لدي تعليمات مباشرة من الرئيس الأميركي تقضي بالسعي إلى إقامة علاقات أفضل مع العراق . " وهنا تساءل صدام حسين : " لكن كيف ؟ ونحن أيضا راغبون في ذلك لكن الأمور تجري على نحو يناقض رغبتنا . " فأجابت غلاسبي بقولها : 
" كلما واصلنا المحادثات كلما قل احتمال حدوث ذلك . فمثلا أشرتم إلى قضية المقال الذي نشرته وكالة الإعلام الأميركية . لقد كان الأمر محزنا وقد م لكم اعتذار رسمي بشأنه " .
وهنا مال صدام نحوها بطريقة ساحرة وقال : " كان موقفكم كريما . ونحن عرب يكفينا أن يقول لنا أحدهم : ( آسف . لقد أخطأت) وتعود الأمور إلى مجاريها . لكن الحملة الإعلامية استمرت وحفلت بكثرة من القصص . ولو كانت هذه القصص صحيحة لما أغضبت أحدا . لكن ما نستخلصه من استمرارها هو أن هناك تصميم على ( إفساد علاقاتنا ) . ووافقت غلاسبي على ما قاله ومضت تقول : 
" لقد شاهدت بنفسي برنامج ديان سواير على قناة ( أي بي سي ) وما حدث فيه رديء ويفتقر إلى الموضوعية . إنه صورة حقيقية لما يحدث في الاعلام الأميركي حتى السياسين الأميركيين أنفسهم . تلك هي أساليب الإعلام الغربي . ويسرني انكم تضمّون صوتكم إلى أصوات الدبلوماسيين الذين يواجهون وسائل الإعلام بشجاعة . إن ظهوركم ولو لدقائق قليلة في وسائل الاعلام يساعد على فهم الشعب الأميركي للعراق ، ويعزز التفاهم المتبادل ولو كان الرئيس الأميركي يملك رقابة على الاعلام لكان عمله أسهل .
" إن الرئيس بوش يا سيدي لا يريد إقامة علاقات أفضل وأعمق معكم فحسب ، بل وإسهامكم في السلام والرخاء في الشرق الأوسط . والرئيس بوش رجل ذكي . ولن يقوم بإعلان حرب اقتصادية على العراق .
" ما تقوله صحيح . وأنت مصيب في قولك إننا لا نريد أسعارا أعلى للنفط . لكنني اطلب منك أن تنظر في إمكان عدم تقاضي أسعار باهظة للنفط " . 
فقال الرئيس صدام بلهجة ودية : 
" نحن لا نريد أسعارا عالية جدا . ودعيني أذكرك بأنني في عام 1974 أوحيت لطارق عزيز بفكرة المقال الذي كتبه منتقدا سياسة الابقاء على أسعار النفط المرتفعة . وكان أول مقال عربي يعبر عن ذلك الرأي " .
وتدخل طارق عزيز لأول مرة وقال : " إن سياستنا في منظمة الأوبيك تعارض في القفز المفاجئ للأسعار " . فقال الرئيس : 
" إن 25 دولار للبرميل ليس بالسعر المرتفع " . فقالت السفيرة : 
" لدينا كثرة من الأميركيين الذين يريدون سعرا أعلى لأنهم من المناطق التي تنتج النفط " . وكان 
هذا هو الضوء الأخضر الثاني الذي جعل صدام حسين يعتقد أن السفيرة ، ومن خلالها الرئيس بوش ، يوافقان على طلبه رفع الأسعار . فقال صدام : 
(( كان السعر في إحدى المراحل 12 دولارا للبرميل الواحد . وتخفيض الميزانية العراقية بمقدار 6 ـ 7 كارثة )) فأجابت السفيرة : 
(( أعتقد أنني أفهم هذا . لقد عشت هنا سنوات . وأنا معجبة بجهودكم الخارقة لبناء بلادكم . أعرف أنكم بحاجة إلى الاموال . إننا نفهم ذلك . ورأينا هو أنه ينبغي إتاحة الفرصة لكم لاعادة بناء بلادكم . لكن ليس لنا رأي في نزاعات العرب فيما بينهم مثل نزاعكم مع الكويت حول الحدود.
" لقد كنت في السفارة الأميركية بالكويت في أواخر الستينات . وكانت تعليماتي تقضي بعدم إبداء الرأي في هذه القضية التي لا شأن لنا فيها . لقد أصدر جيمس بيكر أمرا إلى الناطق الرسمي للتأكيد على ذلك . إننا نأمل في أن تحلوا القضية بالوسائل المناسبة عبر القليبي أو الرئيس مبارك . وكل ما نرجوه هو حلول سريعة لهذه القضايا " .
( وهذا ضوء أخضر آخر فيما يتعلق بالخلافات حول الحدود مع الكويت ) .
وأضافت غلاسبي : 
" هل لي ياسيادة الرئيس أن أتحدث عن صورة هذا كله في أذهاننا ؟ 
" في تقديري ـ بعد خمس وعشرين سنة من الخدمة في هذه المنطقة ـ أنه ينبغي أن تظفر أهدافكم بتأييد اخوانكم العرب . وأنا الآن أتحدث عن النفط . لكنك يا سيادة الرئيس خضت حربا مريرة مؤلمة . وأقول بصراحة إنني الآن لا أرى سوى قواتكم المحتشدة في الجنوب . وذلك في الاحوال العادية ليس من شأننا . لكن عندما يحدث هذا في إطار ما قلته في عيدكم الوطني ، وعندما نقرأ التفصيلات الواردة في رسالتين من الإمارات والكويت هي بعد التحليل الدقيق بمثابة عدوان عسكري على العراق ـ عندما نقرأ هذا لا بد وأن يساورنا القلق . ولهذا السبب تلقيت تعليمات تطلب مني أن أسألكم بروح من الصداقة لا بروح من المواجهة عن نواياكم .
" إنني في هذا لا أعدو وصف قلق حكومتي . ولا أعني أن الوضع سهل لكن قلقنا مجرد قلق " .
فقال الرئيس صدام : 
" نحن لا نطلب من الناس أن لا يشعروا بالقلق عندما يكون السلام على المحك . فذلك شعور إنساني نبيل نشعر جميعا به . ومن الطبيعي أنكم بوصفكم قوة كبرى أن تشعروا بذلك . لكن ما نطلبه هو أن لا تعبروا عن قلقكم على نحو يمكن أن يحمل المعتدي على الاعتقاد بأن عدوانه يظفر بالتأييد .
" نريد التوصل إلى حل يضمن لنا حقوقنا ولا يحرم الآخرين من حقوقهم . وفي الوقت ذاته نريد من الآخرين أن يعلموا أن لصبرنا حدودا فيما يتعلق بأعمالهم التي تضر بحليب أطفالنا ومعاشات الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن خلال الحرب ، ومعاشات اليتامى الذين فقدوا والديهم .
" نحن كدولة لنا الحق في الازدهار . لقد أضعنا فرصا كثيرة بسبب الحرب ، وعلى الآخرين أن يقدروا دورنا في حمايتهم . وحتى هذا العراقي ( وأشار صدام إلى المترجم ) يشعر بالمرارة كسائر العراقيين . لسنا معتدين ولا نقبل العدوان . لقد ارسلنا مبعوثين ورسائل مكتوبة . وفعلنا كل ما بوسعنا عمله فطلبنا من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد أن يعقد مؤتمر رباعية . لكن الملك اقترح اجتماعا لوزراء البترول . وقبلنا . وجرى الاجتماع في جدة كما تعلمين . وتوصل المجتمعون إلى قرارات لا تعبر عما اردناه . ومع ذلك قبلناها .
" وبعد الاجتماع بيومين فقط أصدر وزير النفط الكويتي تصريحا يناقض الاتفاق . وبحثنا المسألة خلال قمة بغداد . وأخبرت الملوك والرؤساء بأن بين اخواننا من يشنون علينا حربا اقتصادية وأن بعض الحروب لا تستخدم فيها الأسلحة وأننا نعتبر هذا النوع من الحرب عملا عسكريا موجها ضدنا . فإذا ضعفت قدرة جيشنا ، وإذا عادت إيران إلى الحرب فإنها قد تحقق الأهداف التي عجزت عن تحقيقها في الماضي . ثم إن ضعف قدراتنا الدفاعية قد يشجع إسرائيل على مهاجمتنا . قلت هذا أمام الملك والرؤساء العرب ولم أذكر اسمي الإمارات والكويت لأنهما كانا في ضيافتنا.
" وكنت قبل ذلك قد أرسلت مبعوثين لتذكيرهم بأن حربنا ضد إيران اشتملت على الدفاع عنهم . وعليه فإنه ينبغي عليهم أن لا يعتبروا الأموال التي قدموها لنا ديونا . لقد فعلنا أكثر مما كانت الولايات المتحدة ستفعله مع من يهاجم مصالحها . 
" وتحدثت عن هذه المسألة مع عدد من الدول العربية الأخرى وشرحت الوضع لأخي الملك فهد عدة مرات عبر المبعوثين والهاتف . وتحدثت مع أخي الملك حسين ومع الشيخ زايد بعد مؤتمر القمة . ورافقت الشيخ زايد إلى الطائرة عندما كان في الموصل ، فقال لي : " انتظر حتى أصل إلى بلادي " . لكن ما حدث بعد وصوله هو صدور تصريحات في غاية السوء لا عنه وانما عن وزير نفطه. 
" وبعد اتفاق جدة بلغنا أنهم يتحدثون عن الالتزام بالاتفاق لمدة شهرين فقط يقومون بعدها بتغيير سياستهم . والآن قولي لنا : ماذا كان سيفعل الرئيس الأميركي لو وجد نفسه في موقف كهذا . لقد ذكرت أنه كان من الصعب على أن اتحدث عن هذه القضايا علنا . لكن علينا أن نخبر الشعب العراقي الذي يواجه المصاعب الاقتصادية عن المسؤول عن ذلك ." 
وإزاء هذه الكلمات القاسية فضلت غلاسبي تغيير الموضوع فقالت : " لقد قضيت أربعة أيام في مصر . " فقال صدام : 
" الشعب المصري لطيف وطيب وعريق .ويفترض في دول النفط أن تساعده لكنهم لؤماء إلى حد لا يتصوره المرء . ومن المؤلم الاعتراف بذلك . والعرب يكرهون بعضهم بسبب جشعهم . " فقالت السفيرة : 
" إنك تساعدنا يا سيدي الرئيس لو شرحت لنا تقديرك للجهود التي بذلها إخوانك العرب وما حققته " . فقال الرئيس " 
" فيما يتعلق بهذا الموضوع اتفقنا مع الرئيس مبارك على قيام رئيس وزراء الكويت بالاجتماع مع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في السعودية لأن السعوديين بادروا إلى الاتصال بنا بفضل جهود الرئيس مبارك . وقد اتصل مبارك بي قبل قليل وأبلغني موافقة الكويتيين على الاقتراح . " فقالت السفيرة بارتياح " تهانينا ! " 
فواصل صدام كلامه قائلا : 
" سوف يعقد اجتماع بروتوكولي في السعودية ، ثم ينتقل المجتمعون إلى بغداد لإجراء مناقشات أعمق بين الكويت والعراق مباشرة . ونأمل في أن يتغلب بعد النظر والحرص على المصالح الحقيقية على جشع الكويتيين . " فسألته السفيرة : " هل لي أن أسألك متى تتوقع أن يصل الشيخ سعد إلى بغداد ؟ " فأجاب الرئيس : 
" أعتقد أنه سيصل يوم السبت أو الاثنين على أبعد تقدير ( 28 أو 30 ) تموز وقد أبلغت الأخ مبارك أن الاتفاق سيتم في بغداد يوم السبت أو الاحد . وأنت تعرفين أن زيارات مبارك كانت دائما تبشر بالخير " فقالت السفيرة " 
" هذه أخبار جيدة ، تهانينا " وهنا توقف صدام حسين عن اللعب بأوراقه وقال : 
" ابلغني أخي مبارك أنهم ( الكويتيين ) في خوف شديد . وقالوا إن القوات العسكرية على بعد عشرين كيلو مترا فقط من خط الجامعة العربية ( الحدود ) . فقلت للرئيس المصري إنه بغض النظر عمن هناك وسواء ، أكانوا من البوليس أم حرس الحدود أم الجيش ، وبغض النظر عن عددهم وعما يفعلونه يمكنك أن تطمئن الكويتيين وأن تعدهم بالنيابة عنا بأننا لن نفعل شيئا إلى أن نجتمع بهم . فإذا وجدنا عندما نجتمع بهم أن هناك أملا فلن يحدث شيئا . ولكن إذا تعذر التوصل إلى حل فسيكون من الطبيعي أن لا يقبل العراق بالموت حتى ولو كانت الحكمة فوق كل شيء وهذه أخبار جيدة " فقال طارق عزيز : هذا للصحافة وحدها ." 
على أن كل ما بقي في ذهن غلاسبي من المقابلة هو هذه الخاتمة المتفائلة ونسيت التهديدات والانذارات التي أطلقها صدام حسين خلال حديثه . واستأذنت السفيرة بعد أن طمأنت الرئيس العراقي مرة أخرى إلى أن رسالته ستصل إلى الشخص الموجهة إليه . قالت : 
" أعتزم الذهاب إلى الولايات المتحدة يوم الاثنين القادم ( 30 تموز ) . وآمل أن اجتمع مع الرئيس بوش في واشنطن خلال الاسبوع القادم . وقد خطر ببالي أن أؤجل سفري بسبب المصاعب التي تواجهنا . وعليه فإنني سأسافر يوم الاثنين ." 
وأخيرا تبادلت هي وصدام التحيات والتمنيات .
* * * 
أمضى الشاذلي القليبي 48 ساعة في الكويت بانتظار وصول وزير الخارجية السعودي لإبلاغه ما جرى في اجتماعاته ببغداد لكنه تركها وهو يشعر بالإحباط لأن الوزير لم يظهر . وعندما انتهت مقابلة غلاسبي للرئيس صدام توجه طارق عزيز بعد أن حضر المقابلة إلى فندق الرشيد لتناول الغداء مع القليبي الذي كان قد وصل إلى بغداد في ذلك اليوم . وفيما كان عزيز ينفث دخان سيجاره ويشرب كأسا من الويسكي واصل التصلب الذي أظهره في 17 تموز عندما سلمه المذكرة.
تحدث عزيز عن المؤامرات التي ضد العراق وقال بأن الولايات المتحدة ضالعة فيها . وقال : " إن عدالة موقف العراق شيء مؤكد " ، وأضاف بأن على الاسرة الحاكمة في الكويت أن ترحل وأنهم يسرقون النفط ويحاولون تدمير الشعب العراقي .
كان القليبي قد سمع حسني مبارك يقول للكويتيين والأميركيين بأن صدام حسين قال له لن يكون هناك عزو للكويت . فسأل القليبي طارق عزيز : " ماذا قال صدام حسين لمبارك ؟ " 
أجابه عزيز وهو ينفث دخان سيجاره : " لا أعرف ما الذي قاله له . لكن ما أعرفه هو أن كل شيء يعتمد على اجتماع جدة في 31 يوليو مع الكويتيين . فكل شيء يتوقف عليه . " 
وفي مساء ذلك اليوم توجه القليبي إلى الكويت لابلاغ الأمير .
في 26 تموز وهو اليوم الذي اكتشفت فيه المخابرات احتشاد أكثر من 000 ,30 جندي عراقي على حدود الكويت قام القليبي بإبلاغ أمير الكويت وولي العهد ووزير الخارجية الكويتيين ما جرى في اجتماعه ببغداد . فساور القلق الزعماء الكويتيين ولكنهم ظلوا مقتنعين بأن الغزو لن يقع . وذكر القليبي اجتماع القمة بجدة في 31 يوليو . فقيل له بأن السعوديين والمصريين سوف يعملون على انجاحه .
لكن ما لم يعرفه القليبي خلال وجوده في هذه الاجتماعات هو أن الأمير تلقى في اليوم ذاته رسالة هامة من الملك فهد يرحب هذا فيها بحضوره إلى جدة في 31 يوليو للمشاركة في مؤتمر جدة . وجاء فيها : 
" في الوقت الذي اتطلع فيه إلى هذا الاجتماع الأخوي أود أن أقول بأنني على يقين تام من أن حكمتكم وبعد نظركم سوف يحققان أهدافنا بمشيئة الله ويرسخان الحب والتفاهم بين الدولتين الشقيقتين ." 
ومن الواضح أن الملك قصد التأكيد للأمير على أهمية توصله في مؤتمر الكويت إلى اتفاق مع العراق . لكن الأمير كان قد قرر عدم حضور المؤتمر مما أغضب صدام حسين فيما بعد . ودون ملاحظة على رسالة الملك فهد إليه يطلب فيها من أخيه الشيخ سعد ولي العهد أن يمثله في ذلك المؤتمر . وورد في الملاحظة قوله : 
" ينبغي أن نحضر الاجتماع وفقا للشروط السابقة . ومن المهم أن لا ننسى مصالحنا ، وعليه فلا تأبه لما قد يقوله لك السعوديون والكويتيون عن الأخوة والحفاظ على التضامن العربي فلكل طرف مصالح عليه أن يرعاها . إن السعوديين يريدون إضعافنا واستغلال تنازلاتنا للعراقيين وذلك لكي نقدم لهم تنازلات في المنطقة المنزوعة السلاح . أما العراقيون فيريدون تعويض خسائر الحرب من مواردنا . ولن نستجيب لمطالب أي منهما … وذلك أيضا هو موقف أصدقائنا في مصر وواشنطن ولندن . ونتمنى لك حظا سعيدا ." 
وبعث الأمير برسالة إلى الملك فهد يشكره فيها على دعوته ويبلغه بأن أخاه سيمثله ويبدو فيها في غاية التفاؤل بقوله : 
" دعني اشكرك وأثني على مجهودك الأخوي وحكمتك وبعد نظرك . ونحن على يقين من اجتماعنا برعايتكم ودعمكم سوف يؤدي بمشيئة الله إلى النتائج المرجوة والى التخلص من المصاعب والى المتبادلة والحب للجميع . " 
وكانت الرسالتان والملاحظة لولي العهد مؤشرات هامة على أن قمة جدة لن تنجح .
* * * 
وفي 27 تموز ارسلت وكالة المخابرات المركزية الأبيض صورا جوية لحشود متزايدة من الرجال والتعاد . فبادرت واشنطن إلى تحذير الكويت ومصر والسعودية . لكن ردود هذه الدول على التحذير أجمعت على استبعاد فكرة الغزو وتحدثت عن " ابتزاز عراقي " للحصول على جزيرتين كويتيتين في الخليج وعلى حقل نفط متنازع عليه . وشاركتهم الرأي وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي .
وفي 18 يوليو أخذت تقارير وكالة الاستخبارات المركزية تبدو أكثر دقة وتنذر بالمزيد من الخطر . إذ ذكرت أن الرئيس العراقي أنشأ خطوط إمداد واسعة لقواته العسكرية المتمركزة على الحدود ، كما أشارت بوجه خاص إلى العدد الكبير من الشاحنات الذي يوفر الدعم اللوجستي . وكان وليم وبستر مدير الوكالة مقتنعا بأن مثل ذلك الدعم اللوجستي ضروري إذا كان الغرض من العملية مجرد الترهيب . 
وأخذت وكالة الاستخبارات تتلقى معلومات جديدة في كل ساعة تقريبا . وكان مصدر اكثر هذه المعلومات هو من وكالة الأمن القومي .
كانت هذه الوكالة التي تفوق وكالة الاستخبارات كثيرا في حجمها وميزانيتها أكبر وأحدث مركز للمعلومات في العالم . وهي تقوم في " فورت ميد " بالقرب من واشنطن وتتألف ، كالدماغ البشري ، من منطقتين : منطقة اليمين المسماة " كاريبون " ومنطقة اليسار " لودستون " . وكانت لديها أجهزة كومبيوتر ضخمة قادرة على استيعاب 200 مليون كلمة في الثانية أي ما يعادل 2500 من الكتب التي يحوي كل واحد منها 300 صفحة . وبفضل مراكز التنصت التابعة لها والموزعة في أرجاء العالم وأقمار تجسسها ، كانت قادرة على التقاط الأحاديث السرّية وعلى تحديد تحركات الفرق العسكرية ، مهما صغرت ، في كل نقطة من الأرض . وهي بفضل محلليها ورياضييها ومترجمي رموزها ، وكلهم من أفضل الجامعيين الأميركيين ، تستطيع حتى معرفة دقائق حديث يجري في غرفة مقفلة وذلك بقياس الكتروني لذبذبات زجاج النوافذ بواسطة أشعة غير مرئية . 
في 28 تموز نفسه ، قابل ياسر عرفات صدام حسين الذي طلب منه الذهاب إلى الكويت وقال له : " تحدث مع الأمير وأبلغه أنه إذا دفع عشرة مليارات دولار مقابل استثماره حقل الرميلة النفطي على الحدود ، فسوف اسحب بعض قواتي " .
ولم يقل حقل صدام حسين لعرفات بأنه لا يعتزم غزو الكويت .
* * *
وفي 29 تموز وصل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى الكويت . واضطر إلى انتظار ساعات طويلة قبل مقابلته الأمير . وما أن بدأ عرفات بعرض الاقتراح العراقي حتى قاطعه الأمير جابر بفظاظة : " لا أريد النقاش في هذا الموضوع . فخلال ثمانية وأربعين ساعة سأكون في طريقي إلى جدة لعقد قمة مع العراق ولنتكلم بدلا من ذلك عن الهجرة اليهودية السوفييتية إلى إسرائيل ". 
كان الاحتقار والجفاء يطغيان على لهجة الامير . وبالرغم من المهانة التي شعر بها عرفات فإنه لم يستطع أن يقول شيئا . فالكويت كانت الممّول الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية .
وعند نهاية الاجتماع حاول عرفات العودة إلى الاقتراح العراقي ولكن الامير قاطعه من جديد : " قلت لك بوضوح ، لا أريد الخوض في الموضوع " . 
"عليكم دفع مبلغ عشرة ملايين دولار . فالعراقيون خطرون . وأنت تعلم أنني أنا من الكويت وعشت فيها عدة سنوات . حاولوا أن تحلوا المشكلة . " فأجاب الأمير سعد : " أنا ذاهب إلى جدة . " فقال عرفات : 
" لا تذهب خالي الوفاض . اقترح حلاً . " فأتى الأمير بحركة تدل على الضجر وقال : " القرار الأخير للأسف ليس بأيدينا " . وكان من الواضح أنه في غاية القلق بسبب تطور الأحداث على ذلك النحو . فسأله عرفات : " هل أنتم مستعدون لمجابهة عسكرية " . فهز سعد رأسه وقال : 
" لا لسنا أقوياء كالعراق . ونحن لا ننوي القتال " . 
* * * 
وبحلول 30 تموز صار بمقدور وكالة الاستخبارات المركزية تكوين صورة تقديرية واضحة للحشود العراقية قرب الحدود الكويتية : 000 , 100 ( مئة ألف ) جندي عراقي بينهم قوات النخبة التابعة للحرس الجمهوري ، 300 دبابة و 300 مدفع ثقيل . وكانت واشنطن لا تزال تلتزم الصمت . 
ولم يقطع حبل الصمت إلا عندما دخل جون كيلي في اليوم التالي مبنى الكابيتول ليدلي بشهادته أمام لجنة الشرق الأوسط الفرعية التابعة لمجلس النواب . وبعد أن أدلى بها أجاب بهدوء على الأسئلة التي وجهت إليه وخصوصا أسئلة النائب لي هاملتون الذي قال : 
" ورد في الصحف تصريح لوزير الدفاع ريتشارد تشيني يقول فيه إن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن الكويت إذا هوجمت . فهل هذا هو ما صرح به ؟ هل يتفضل السيد كيلي بتوضيح هذا الأمر ؟ " فرد كيلي بقوله : 
" لا أعرف التصريح الذي تشير إليه . ولكنني واثق من موقف الحكومة من هذه القضية . ليست هناك معاهدة بيننا وبين دول الخليج . هذا واضح . ونحن ندعم استقلال وأمن جميع الدول الصديقة في المنطقة . ولنا قوات بحرية في المنطقة منذ عهد ادارة ترومان وذلك لأن استقرارها يخدم مصالحنا . ونحن ندعو إلى حل سلمي لجميع النزاعات ونعتقد بوجوب احترام سيادة كل دولة في الخليج " . فقال لي هاملتون : 
" وماذا سيكون موقفنا من استخدام القوات الأميركية إذا تجاوز العراق مثلا الحدود الكويتية ؟ فرد كيلي بقوله : 
" هذا سؤال افتراضي لا أستطيع التعرض له . واكتفي بالقول بأن هذا سيكون موضع اهتمامنا الشديد ولكني لا أستطيع الخوض في ميادين الافتراض " . فسأله لي هاملتون : 
" لكن إذا حدث شيء من هذا فهل يكون موقفنا صحيحا إذا قلنا بأنه لا توجد معاهدة أو التزام يوجب استخدام القوات الأميركية ؟ " فأجاب كيلي : 
" هذا صحيح تماما " .
وأذاعت محطة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) تصريحات كيلي وسُمعت في بغداد . وعليه ففي هذا الوقت الحرج وعندما السلم والحرب في الميزان أرسل كيلي إشارة إلى صدام يمكن اعتبارها تعهدا بعدم تدخل الولايات المتحدة .
ولا يوجد في تاريخ الدبلوماسية الأميركية الحديث سوى خطأ واحد في الحسابات مثل هذا وذلك عندما قال دين أتشيسون وزير الخارجية للكونجرس عام 1950 بأن " كوريا الجنوبية ليست في مجال الدفاع الأميركي . " وفي اعقاب ذلك قامت كرويا الشمالية بغزو كوريا الجنوبية .
وفي اليوم ذاته غادر ثلاثة من المسؤولين العراقيين بغداد إلى جدة للاجتماع بالوفد الكويتي ومواصلة المفاوضات . وكان هذا الاجتماع آخر خيط رفيع يربط العالم " بمنطق السلم " وكان هذا الخيط على وشك الانقطاع . وقبل موعد الاجتماع بثلاث ساعات فقط أعلن أمير الكويت بأنه لن يحضره وأن ولي العهد سوف يمثله فيه .
وكان لهذا النبأ وقع " الإهانة القاتلة " على صدام حسين ، وقرر هو الآخر عدم الذهاب إلى جدة وإرسال عزت إبراهيم الرجل الثاني في حزب البعث .