![]()
(
انكم تشنون حربا اقتصادية )
في 2 نيسان ، القى صدام حسين أمام قيادات جيشه خطاباً تم نقله ، بكامله ، على موجات الإذاعة العاملة . وقد كان حاسر الرأس ، يرتدي زياً كاكيا تزينه شارات رتبة الجنرالية . واستغرق خطابه أكثر من ساعة ، إلا أن بعض الجمل التي وردت فيه أذهلت العالم باسره . فبعد أن شرح ما توصل إليه العلماء والباحثون العراقيون في مجال انتاج الأسلحة الكيمائية اضاف : " والله ، إذا حاولت إسرائيل القيام بشيء ضد العراق سوف نعمل على جعل النار تلتهم نصفها … إن الذين يهددوننا بالقنبلة النووية سوف يبادون بالأسلحة الكيماوية ."
ووصلت هذه الكلمات إلى مكتب جون كيلي في اليوم نفسه . فقام سكرتير الدولة المساعد لشؤون الشرق الأوسط بقرائتها أكثر من مرة . وفي كل مرة كان يتملكه شعور بالذهول لقساوة لهجة الخطاب وعنفها . فما كان من هذا الرجل الذي أغدق الثناء على الرئيس العراقي قبل شهرين إلا أن انتقل في الحال إلى مكتب دنيس روس الواقع في أحد الطوابق العليا من بناء وزارة الخارجية . وكان روس يحتل منصب مدير مكتب التخطيط السياسي ومن أقرب المساعدين لوزير الخارجية جيمس بايكر .
رأى كيلي وجوب القيام برد فوري ومباشر يؤكد رفض الولايات المتحدة السماح بتهديدات من هذا النوع . وكان جون كيلي بتقلبه بين الصلابة واللين أشبه بالدكتور جيكل والمستر هايد بالنسبة للعراق .
وسرعان ما توصل روس وكيلي إلى خطة للعقوبات وذهبا إلى مكتب جيمس بيكر في الدور السابع . ولم ينتظرا في الغرفة الخارجية ذات الجدران المكسوة بالواح خشبية داكنة سوى بضع دقائق ، دخلا بعدها على جيمس بيكر وقالا له : " ينبغي علينا أن نرسل إشارة لا غموض فيها وخصوصا فيما يتعلق باتخاذ عدد من الاجراءات في الميدان الاقتصادي . " فما كان من بيكر الذي أزعجته لهجة صدام العدوانية إلا أن وافق على اقتراحهما الذي استهدف ثلاثة أمور بوجه خاص وهي رفض منح العراق قروضا من بنك التصدير والاستيراد ، والغاء " برنامج قروض المجتمع " وأخيرا اتخاذ إجراء لمنع النظام العراقي من استيراد " مواد يمكن استخدامها للأغراض العسكرية " .
وبينما كان الخبراء يعملون على اعداد الصيغة النهائية للخطة قام بوش بالتعبير عن رأيه في تهديدات صدام حسين وهو على متن طائرة البوينغ الرئاسية التابعة للقوات الجوية وذلك في طريقه إلى اتلانتا وانديانابوليس . على أن الكلمات التي استخدمها كانت مبهمة تعكس ارتباكه وعدم اعتباره العراق بين أولوياته . قال : " أعتقد أن تصريحات ( صدام ) سيئة جداً . وسوف أطلب في الحال وبإلحاح من العراق التخلي عن استخدام الأسلحة الكيمياوية لأنها لا تساعد الشرق الأوسط وأمن العراق واقول أكثر من ذلك إنه يؤدي إلى نتائج معاكسة ، واقترح صرف النظر عن كل ما قيل في استخدام الأسلحة الكيمائية أو البيولوجية " .
وفي 9 نيسان ، اجتمع دنيس روس وجون كيلي في مكتب جيمس بيكر ولحق بهما روبير كيميت سكرتير الدولة المساعد للشؤون السياسية والذي يعتبر في عداد الحلقة الضيقة من مساعدي الوزير . وكان بيكر قد حصل على موافقة بوش المسبقة . وبعد أن تم استعراض خطة العقوبات الاقتصادية بالتفصيل من جديد ، اقرت بشكلها النهائي ، ووقع الاختيار على كيميت للقيام بمهمة التفاوض الشاقة مع مختلف الوزارات والوكالات المعنية لتطبيقها على أن الحزم الذي بدا في الاجتماع سرعان ما تبخر ، وبقيت الخطة حبرا على ورق . أما أسباب الفشل فتكمن في مقاومة البيروقراطية الفدرالية وعدم المتابعة السياسية .
وصدر التحفظ الأول عن وزارة التجارة التي ذهبت إلى أن وقف تقديم القروض من بنك الاستيراد والتصدير سيعاقب رجال الاعمال الأميركيين . وعارض المسؤولون في الوزارة ذاتها الغاء برنامج قروض المجتمع لأنه برأيهم يضايق مزارعي القمح الأميركيين .
أما مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض والمكلف بمتابعة مسائل السياسة الخارجية فأكد دعمه لمبدأ العقوبات ولكنه رفض الإسراع في تطبيقها ودعا إلى التأني . وأيد روبرت غيت الرجل الثاني في المجلس والمساعد السابق لمدير وكالة الاستخبارات الأميركية فكرة التدرج في اتخاذ الاجراءات . وترأس روبرت كيميت فيما بعد اجتماعا عقد في الغرفة الخاصة باجتماعات مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض حضره وكلاء الجهات الحكومية الرئيسية . ولم يخدع الاجماع الذي بدا في الاجتماع أحداً لأن الخطة ظلت حبراً على ورق .
كان الرجل الوحيد القادر على التغلب على التحفظات وفرض آرائه هو جيمس بيكر . لكنه كان منصرفاً بوقته وأفكاره إلى توحيد ألمانيا ورحلاته لمقابلة نظيره السوفييتي ادوارد شيفارنادزه والتحضير معه لقمة بوش ـ غورباتشوف التي كانت ستعقد في مالطة في شهر مايو / أيار . وكما قال واحد من أقرب زملاء بيكر إليه " فان الرادار في واشنطن لم يلتقط بعد الصاروخ العراقي " .
وهكذا فإن صدام حسين لم يتلق أي إنذار رسمي . والواقع أن صدور عدد من الاشارات المشجعة الأميركية ساعد على زيادة غموض الموقف الأميركي .
وفي 12 نيسان أي بعد ستة أيام من الخطاب العنيف الذي ألقاه صدام وصل وفد يضم خمسة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة روبرت دول ممثل كانساس وزعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ وهو نفسه الذي فشل في التغلب على بوش في الانتخابات الأولية وذلك في سباقهما على الرئاسة .
وعليه فإنه كان على صدام حسين أن يخاطب رجلا يعتبره مهماً وصاحب نفوذ وتتفق آراؤه مع آراء بوش .
جرى الاجتماع في مدينة الموصل شمالي البلاد قرب الحدود السورية . وحضر صدام وهو يرتدي بزة رمادية أنيقة وربطة عنق قاتمة اللون . وجلس وسط غرفة صغيرة على كنبة مغطاة بالحرير الاخضر وأمامه طاولة زجاجية في حين توزعت المقاعد الباقية بشكل دائري حوله .
بدأ مترجم بقراءة رسالة جلبها الشيوخ وتقول : " إننا جئنا لأننا نؤمن بدور العراق الأساسي في الشرق الأوسط ، فإن سعيكم إلى الأسلحة الكيماوية والبيولوجية لا بد وان يعرض بلدكم لمخاطر جمة بدل تأمين الحماية له . إن مبادرات كهذه تهدد أيضا بلدانا أخرى وتثير اضطرابات خطيرة في الشرق الأوسط . ثم إن تصريحاتكم الأخيرة التي تهدد باستخدام السلاح الكيماوي ضد إسرائيل ، أحدثت دويا في العالم أجمع . . ومن الاجدي بالنسبة لكم وللسلام في الشرق الأوسط ان تعيدوا النظر في مثل هذه المشاريع الخطرة والتصريحات والمواقف التي تستفز الآخرين ."
استمع صدام إلى الرسالة بدون أي انفعال ظاهر . وعند الانتهاء من قراءتها هز رأسه والتفت إلى دول الذي كان يجلس على يمينه وقال بهدوء : " إنني أدرك أن هناك حملة واسعة علينا تشنها الولايات المتحدة وأوروبا . "
كان دول رجلا صلبا في الستين من عمره . قال : " إن بوش ليس مصدر هذه الحملة . وقد قال لنا البارحة إنه ضدها . " وأعاد دول إلى الذاكرة موقف الولايات المتحدة الذي أدان إسرائيل عام 1980 على أثر الهجوم الجوي الذي شنته على المفاعل النووي العراقي . هنا قاطعه صدام حسين وقال : " لقد أدنتموها ، ولكنني اطلعت على تقارير عديدة تفيد ان الولايات المتحدة كانت على معرفة مسبقة بالهجوم " .
وتدخل السيناتور الجمهوري لولاية وايومنغ ، آلان سمبسون وقال : " ان مشكلتكم ليست مع الحكومة أو الشعب الأميركي وإنما مع صحافتنا المتعجرفة التي يصعب إرضاؤها " .
وانتقل دول في حديثه إلى البرنامج المعادي للعراق الذي بثته إذاعة صوت أميركا في فبراير ، وقدم اعتذاره وبلغ صدام ان المسؤول عن البرنامج قد طرد من وظيفته . وختم حديثه بقوله : " اسمح لي أن أذكر أنه منذ 12 ساعة فقط أبلغني الرئيس بوش أن حكومته تأمل في تحسين العلاقات مع العراق وأنه سوف يعارض فرض عقوبات على العراق . وإذا لزم فإنه الأمر سوف يستخدم الفيتو ضد أي قرار مثل هذا ما لم يحدث أي عمل استفزازي " .
وهنا تدخلت السفيرة ابريل غلاسبي التي لزمت الصمت طوال الوقت وختمت الاجتماع بقولها : " إنني كسفيرة أستطيع أن أؤكد يا سيدي الرئيس أن هذه في الحقيقة هي سياسة الولايات المتحدة".
على أنه كانت هناك دوافع انتخابية وراء لهجة المصالحة التي سادت الاجتماع . فأعضاء الوفد كانوا يمثلون ولايات أميركية زراعية . فروبرت دول يمثل ولاية كنساس التي تصدّر كميات كبيرة من القمح إلى العراق . وعلى هذا الاساس تصدرت المصالح التجارية لائحة الاسباب الداعية للاعتدال الأميركي . فالولايات المتحدة الأميركية تبيع بغداد بما يقارب المليار دولار سنويا من القمح والدواجن والذرة . ومنذ 1983 تم تمويل غالبية المشتريات بواسطة قروض بلغت 5 مليارات دولار بضمانة الحكومة الأميركية .
ولخص ممثل كانساس الوضع بجملة واحدة فقال: " نحن نلبي حاجة العراق من الغذاء بأسعار مدعومة " .
ولم يكن لدى أحد رغبة في إفساد تبادل للمنافع من هذا النوع . وعندما استقبل بوش ، في البيت الأبيض ، الوفد العائد من العراق أصغى بعناية شديدة إلى آراء روبرت دول التي يسودها الاعتدال والتفاؤل وسمع منه كلاما عن صدام حسين يصفه بالقائد الذي يمكن للولايات المتحدة أن تؤثر عليه .
وحضر الاجتماع رئيس مجلس الأمن القومي الجنرال برنت سكوكروفت . وكان هذا العسكري الدقيق الملامح والطويل القامة قد تدرج في كواليس السلطة العليا منذ سنوات طويلة . فكانت بداية عمله في البيت الأبيض في عهد نيكسون كمساعد لهنري كيسنجر . وإذ كان هذا العسكري المحترف يميل دائما إلى وزن الأمور والمحافظة على اتزانه فإنه أيد موقف دول الداعي إلى اعتبار العراق وزعيمه دعامتين أساسيتين لاستقرار الشرق الأوسط .
وكمؤشر على هذا الاعتدال انتهز بوش فرص انتهاء شهر رمضان ووجه ( في 25 نيسان ) رسالة ودية لصدام حسين عبر فيها عن أمله " في أن تسهم الروابط بين الولايات المتحدة والعراق في السلام والاستقرار في الشرق الأوسط " .
وبعد وقت قصير أدلى جون كيلي بشهادة أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ استخدم فيها اسلوباً مختلفا تماما عن الأسلوب العنيف الذي استخدمه في 2 نيسان للرد على تهديدات صدام حسين . قال :
" لا تزال الادارة الأميركية تعارض فرض العقوبات التي توقع على المصدرين الأميركيين وتزيد العجز في الميزان التجاري سوءاً . ثم إنني لا أرى كيف يمكن للعقوبات أن تقوي امكان مماررسة نفوذ مهدئ على أعمال العراق " .
إن هذه الكلمات التي صدرت عن المسؤول عن الشرق الأوسط عكست الموقف الرسمي لوزارة الخارجية الذي يمكن تلخيصه بالعبارة التالية وهي أنه ليس مطروحا في الوقت الراهن اتخاذ إجراءات اكثر صلابة ضد العراق . وكان جيمس بيكر نفسه قد تحول إلى هذا الاتجاه . فبينما كان في موسكو التقى بالرئيس المصري الذي كان يقوم بزيارة رسمية ، وناقش معه تهديدات العراق . فأشار الرئيس المصري إلى أن التهدئة أفضل وسيلة لنزع فتيل حركات الزعيم العراقي الاستفزازية .
وفي بداية أيار وصلت إلى واشنطن اشارتان تنذران بالخطر . لكن لم يكن أحد من المسؤولين بوزارة الخارجية لأخذهما بعين الاعتبار .
وجاءت الأولى مفاجأة للبيت الأبيض . وكانت عبارة عن رسالة تلقاها من وكالة المخابرات المركزية تقول فيها إن بحوزتها معلومات عن " هجوم عراقي محتمل على الكويت " وكان البيت الأبيض قد تلقى إشارة إلى احتمال وقوع الهجوم ولكن على إسرائيل . وبالرغم مما أثارته معلومات الوكالة من تشاؤم شديد ، فقد بقي الموقف الرسمي كما هو .
وفي هذه الأثناء وصل وفد من الخبراء العسكريين والسياسيين الإسرائيلين إلى واشنطن . وكان في جعبته تحليل قاتم للوضع يقول بأن طبيعة النظام العراقي المعتدلة والإصلاحية الظاهرة ليست سوى ستار من الدخان . ويضيف بأن صدام حسين دأب منذ شهر فبراير على اتخاذ مواقف متصلبة : إذ طالب بانسحاب السفن الأميركية ، وحث العرب مرة أخرى على استخدام النفط كسلاح سياسي ؛ ولم يكتف بالتهديد بمهاجمة إسرائيل حليفة الولايات المتحدة ، بل تحدث عن احتمال استخدام الأسلحة الكيماوية . وختموا تحليلهم بقولهم إن إنهماكه في بناء آلته العسكرية على نطاق واسع دليل آخر على غرائزه العدوانية .
ومن الواضح أنه كانت لدى الوفد الإسرائيلي معلومات نقلوها في 15 نيسان للسفير الأميركي في إسرائيل وليم أ . براون وذلك على مائدة غداء في عيد الفصح . وكان بين الحضور شيمون بيريز زعيم حزب العمل والجنرال ايهود باراك نائب رئيس أركان القوات الإسرائيلية . وبينما كانوا يتحدثون عن تهديد صدام حسين بشن هجمات على إسرائيل بالأسلحة الكيماوية إذا هاجمت إسرائيل العراق قال باراك :
" إن صدام حسين يحاول خدام العالم . فخطته ليست الهجوم على إسرائيل .
عليكم أن تحولوا أنظاركم إلى ما هو جنوب العراق . فالحقيقة هي أن أنظاره مشدودة إليه " .
وواضح أن باراك كان يشير إلى الكويت والإمارات .
لم ينجح الإسرائيليون في جعل الآخرين يشاطرونهم قلقهم . فبعض الذين استمعوا إليهم فسروا التصريحات العراقية بأنها تعبير عن الخوف من غارة إسرائيلية جديدة على مصانع الأسلحة الكيماوية . وشدد البعض الآخر على رغبة صدام في تكريس زعامته للعالم العربي .
لقد غشي واشنطن عمى غريب . فقد اعتبر صدام حسين ضيق الأفق في نظرته إلى العالم . فلم يكن يعرف لغة أخرى غير العربية ، ولم يكن قد قام إلا بزيارة واحدة إلى الغرب . وكان ذلك في عام 1975 عندما ذهب إلى فرنسا لمفاوضة جاك شيراك رئيس الوزراء الفرنسي على شراء مفاعل نووي . ولم يكن يعرف شيئاً عن الولايات المتحدة . وحدث مرة خلال حديثه مع زائر غربي أنه فوجيء عندما علم من هذا الزائر ان الانتقاد البسيط للرئيس الأميركي لا يعد انتهاكاً خطيرا للقانون كما هو الحال في العراق حيث قد يعاقب بالإعدام .
لم يكن في واشنطن من يدرك أن ضيق أفق صدام حسين فيما يتعلق بنظرته إلى العالم هو الذي يجعله خطراً . فقد كان يتصرف مع العالم كما يتصرف في العراق ذاته متجاهلاً القواعد والقيود التي تحكم العلاقات الدولية .
وسبق أن كان لصدام مراقب رائع في واشنطن هو السفير نزار حمدون الذي امضى سنوات طويلة هناك . وكان حمدون دبلوماسياً محترما له صلات بكثرة من كبار المسؤولين الأميركيين . فبعد بداية الأزمة بشهر وصفته جريدة " وول ستريت جورنال " بأنه " افضل سفير اجنبي عرفته الولايات المتحدة . إلا أنه استدعى إلى بغداد في عام 1987 ليصبح نائباً لوزير الخارجية . ولم يكن لخلفه صلاته وحيويته .
ولا بد أنه اتضح لصدام حسين من تبادل الآراء مع المسؤولين مثل روبرت دول ومن مواقف واشنطن المتناقضة أن الزعامة الأميركية غير حازمة وتميل إلى تسوية الأمور ، الأمر الذي كانت له نتائج خطيرة .
وفي 21 أيار حصلت حادثة عملت على ازدياد شدة التوتر . ذلك أن أحد الإسرائيليين قتل سبعة من الفلسطينيين العزل . وبالرغم من أن الحكومة الإسرائيلية بادرت إلى إدانتها فإن القلاقل عمت الأراضي المحتلة . فالانتفاضة التي كانت تتربص بالإسرائيليين انفجرت بعنف لا مثيل له . ولم يكن من الممكن أن تقع هذه المأساة في وقت أسوأ من الوقت الذي وقعت فيه . فقد وقعت قبل اسبوع فقط من انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد لشجب تدفق اليهود السوفييت على إسرائيل بأعداد كبيرة . وفي اعقاب المجزرة استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد اقتراح قدمته منظمة التحرير الفلسطينية لهيئة الأمم المتحدة لإرسال مراقبين دوليين إلى الأراضي المحتلة . وأدى هذا إلى انفجار الغضب على أميركا في العالم العربي . وشهد الأردن مظاهرات دموية .
وفي 24 أيار بدا الملك حسين في حفل استقبال أُقيم في حدائق قصره الرائعة في غاية القلق بالرغم من انه طاف على المدعوين وشاركهم الحديث ورحب بكل فرد منهم . وكان يتصرف بإباء ولباقة وكأن ما يجري في المنطقة لا يستطيع النيل من حكمه . لكن هذا لم يخدع أحداً فخلال الحفل ذاته كشف هو نفسه عن مدى تأثره بالأحداث قال : " اعتزم أن أطالب في مؤتمر القمة القادم ببغداد بمساعدة مالية ليس لي فقط ، بل ولمنظمة التحرير . " وكان صدام قد قال له : " اترك الأمر لي . سوف أجبرهم على الدفع " .
* * *
وفي صباح 28 أيار التقي الملوك والرؤساء العرب الممثلون لاحدى وعشرين دولة وهم لا يعرفون ما خبّئ لهم . فما كانوا يعرفونه هو أنهم يجتمعون لشجب تدفق اليهود السوفييت وتأييد تهديد صدام حسين . فمنذ عهد جمال عبد الناصر لم يُظهر زعيم عربي بأنه قادر على نشر الرعب في الدولة اليهودية .
على أن الاجتماع أخذ منحى مقلقا عند نهاية جلسة الافتتاح عندما فاجأ صدام حسين الحضور باقتراح عقد جلسة مغلقة . وحاول الملك فهد معارضة الاقتراح لكنه لم ينجح فاضطر إلى القبول . وطلب صدام أن يقتصر الاجتماع المغلق على الرؤساء والملوك وحدهم دون أعضاء وفودهم لأنه ـ كما قال صدام ـ لا داعي لسماعهم ما سيقال .
وتحدث صدام بكلمات بليغة موزونة لكي يثبت حجته . وبالرغم من أن موضوع القمة كان هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل فقد أصبح من الواضح أن الموضوع الذي أخذ يتحدث عنه هو دول الخليج . قال :
" إنهم يستخرجون كميات هائلة من البترول مما يساعد على الابقاء على أسعارها المنخفضة . وكلما انخفض سعر البرميل دولاراً واحداً ، يخسر العراق بليون دولار في السنة . فأنتم في الواقع تشنون حربا اقتصادية على بلادي " .
وسيطر الذهول على الحاضرين . وكان أول من تصدى للدفاع الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات الذي كان يرتدي عباءة بيضاء موشاة بأسلاك الذهب ، لكنه لم يكن خطيبا موفقا . فأجابه صدام بقوله:
" إنني اشكر الإمارات العربية على موقفها الإيجابي منا . لكنني احذركم من إنني لم انس إطلاقا شحنات الأسلحة والاعتدة العسكرية التي شحنت من دبي إلى إيران خلال الحرب . وسوف يأتي يوم الحساب " .
كان مبارك في هذه الأثناء منحنيا بعض الشيء إلى الأمام يحدق في الطاولة أمامه وهو يشتعل غضبا وبدا القذافي وهو يجول بنظره بين الحضور وكأنه يشاهد شيئا مسليا في حين ان الملك فهد الذي سبق له ان انشأ علاقات ودية مع الرئيس العراقي كان يستمع بكثير من القلق . فقد ادرك على الفور أن ما يجري في المنطقة قد اصبح مصدر خطر كبير.
كان خطاب صدام خليطا مزعجا من المطالب العدوانية والاتهامات المحدودة والنوادر العربية ذات المغزى . وكان يستخدم الكلمات المفخمة والحركات . قال :
" ايها الاخوة دعوني ، أروي لكن اسطورة قديمة قد يعرفها البعض منكم . ذات يوم ، حلت كارثة بقرية صغيرة فطلب من القرويين ان يساهم كل واحد منهم بقدر معين لتعويض الخسائر . وكان يعيش في هذه القرية رجل فقير اتفق السكان على ألا يطلبوا منه المساهمة . ولكن الرجل الفقير ابى ذلك وقال لهم إن الإهانة سوف تلحق به ، وقدم لهم الشيء الوحيد الذي يملكه وهو وعاء من النحاس . والفقير في هذه القمة هو العراق . ولكننا لن نخل بواجباتنا . سوف نمنح الأردن 50 مليون دولار ومنظمة التحرير 25 مليونا . ونحن نريد من وراء ذلك ممارسة الضغط الاخلاقي والمعنوي على كل من تسول له نفسه عدم المشاركة . وانتم تعرفون التضحيات التي قدمناها سنوات في حين لا يحترم الآخرون الاتفاقات المعقودة .
وهنا توجه صدام حسين بحديثه إلى جابر الصباح أمير الكويت الجالس على بعد امتار منه ، وكان النفور يطغى على شعور الواحد منهما تجاه الآخر ، وقال :
" يقضي تقسيم اوبيك للحصص أن لا تتعدى حصة الكويت 5 , 1 مليون برميل يومياً . ولكنها تستخرج باستمرار 1 , 2 مليون برميل ونحن هم الذين يعانون من هذا . إننا نريد العودة إلى الوضع الاقتصادي الذي كان سائدا في عام 1980 قبل الحرب مع إيران . وفي الوقت الراهن نحن بحاجة ماسة إلى عشرة مليارات دولار بالإضافة إلى الغاء 30 مليار دولار من الديون التي منحتنا إياها الكويت والإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية أثناء الحرب . والحقيقة أيها الاخوة العرب ، أننا نعيش في فترة أخرى من النزاع … " ثم تغيرت نبرته وقال :
" إن الحرب لا تعني الدبابات والمدفعية والسفن فقط . فقد تأخذ أشكالاً أخرى أقل ظهورا وأكثر عدوانا مثل زيادة انتاج البترول واستخدام التخريب والضغوطات لاستعباد أمة " .
قيلت هذه الكلمات الأخيرة وسط صمت ثقيل خيم على الحضور ، فتدخل الملك حسين وقال : " ينبغي ألا يحصل شيء يضر باقتصاد العراق " .
ثم جاء دور من جرى اتهامهم وعلى رأسهم الملك فهد والشيخ جابر أمير الكويت . لكنهما قالا كلاما مبهما لا اثر فيه للتشجيع أو الوعد بالمساعدة . ومما اثار عجب الحضور هو هدوء الشيخ جابر وعدم مبالاته شبه التامة . بل ان موقفه وموقف وفده الذي انضم إليه بعد قليل كانا ينمان عما هو اقرب إلى الاحتقار لمركز العراق ومطالبه .
لقد تضاعف انتاج الأوبيك ثلاث منذ الحرب الإيرانية العراقية وفي كل مرة بضغط من الكويتيين الذين كانوا ينكرون أمام ممثلي العراق أي دور لهم في ذلك . وكان الكويتيون يحبون أن يصفوا بلادهم بسويسرا الشرق الأوسط متناسين بأن العراق كان يصف بلادهم بأنهم " دولة انشئت من بئر بترول . " ونسوا أيضا محاولة غزو بلادهم عام 1973 عندما اجتاحت العراق شمال الكويت قبل ان يجبروا على التراجع بضغط من العالم العربي . هذا في حين ان المسؤولين العراقيين ينفذون سياساتهم بالاشارة دائما إلى خمسة آلاف سنة من التاريخ المجيد الذي تحيط به هالة من الرومانطيقية .
على ان الكويتيين كانوا رجال اعمال مهرة يعيشون في الحاضر ويركزون اهتمامهم في استثماراتهم الهائلة في العالم . وكانوا يعتقدون بأن ذلك هو اقصى ما يمكن ان تبلغه تهديدات العراق ، وانه يتجاوزها لسبب واحد واضح وهو انه لم يسبق لدولة عربية ان اجتاحت أخرى . ويمكن تلخيص موقفهم بدقة بمثل تشتم منه رائحة الموت وهو " إن العالم الذي يفقد ذاكرته لا بد وان يصبح عالما بلا مستقبل " .
وفي اعقاب خطاب صدام حسين شهدت غرف القصر ودهاليزه مناقشات طويلة جعلت كل شخص من رؤساء الدول والوزراء والدبلوماسيين المستشارين يرى بوضوح شيئا واحدا وهو ان النظام العراقي وزعيمه يمران في فترة صعبة . لكن بعضهم فقط تنبأ بأن الحل الوحيد أمام صدام هو الاستيلاء على الكويت .