![]()
(( اترك سيارتك في الكاراج هذه الليلة ))
وصل جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركية وطارق عزيز وزير الخارجية العراقية إلى جنيف في المساء . وكان اجتماعهما سيبدأ في صباح اليوم التالي في فندق الانتركونتيننتال . وكانت وسائل المباشر الأول وربما الأخير على مستوى عال بين الولايات المتحدة والعراق منذ غزو الكويت في 2 أغسطس 1990 . وتنبأ غالبية الخبراء أن الاجتماع لن يكون للتفاوض بل لكي يطلع كل من الطرفين الطرف الآخر على موقفه الذي يتمسك به .
وعندما بدأ الاجتماع في صباح اليوم التالي بين الوزيرين اللذين كان كل منهما محاطا بالوفد المرافق له ، سُمح لرجال الصحافة بدخول القاعة لمشاهدة وتصوير ما يجري بجلسة الافتتاح . وبالرغم من أن الوزيرين انحنيا على الطاولة وتصافحا فإنهما لم يبتسما . وخرجت الصحافة من التصوير مقتنعة بصحة ما توقعته وهو أن الاجتماع سينتهي بالفشل .
لكن سرعان ما فوجئ الجميع بأن الاجتماع طال اكثر مما كان منتظرا . وساعة بعد ساعة أخذ يبدو كما لو أن بيكر وعزيز كانا بالفعل يحاولان التوصل إلى حل . وتوقفت المحادثات عدة مرات ولمدة ساعة للغداء ، لكنها استمرت . وأعلن خبير في شؤون الشرق الأوسط على شاشة التلفزيون البريطاني أنه علم من مصارد داخلية بأنه جرى إبرام صفقة تسؤوي إلى نهاية سلمية للأزمة .
وأخذ يتزاد تفاؤل الصحفيين الذين كانوا ينقلون وقائع الاجتماع . وكان الصحفيون مقتنعين بأن بيكر كان يتصل ببوش خلال فترات الراحة التي تخللت الاجتماع ، وأنه بالرغم من أن عزيز لم يكن يتصل بصدام فإن هذا كان قد زوده بطائفة من المقترحات . وانتهى الاجتماع بعد ست ساعات من المناقشات . وانتظر الصحفيون أن يخرج بيكر ويطلعهم على ما جرى في مؤتمره الصحفي .
على أن العبارات التي استهل بها بيكر بيانه بردت كل أمل في احتمال التوصل إلى حل سلمي . قال بيكر :
" سيداتي سادتي . قبل قليل بعثت للرئيس بوش تقريرا عن اجتماعنا اليوم . اخبرته أن الوزير عزيز وأنا أكملنا محادثات جدية مطولة في محاولة لايجاد حل سياسي لازمة الخليج . لقد أجتمعت مع الوزير عزيز اليوم ولكن كما سبق لنا أن بينا لا للتفاوض على ما جرى قبل قرار مجلس الأمن بل للاتصال المباشر معه مستمعا ومتحدثا . وهذا ما فعله كل منا . أما الرسالة التي نقلتها إليه من الرئيس بوش والشركاء فمفادها أنه ينبغي على العراق أن يستجيب لإرادة المجتمع الدولي وأن ينسحب سلميا من الكويت وإلا طرد منها بالقوة .
" ويؤسفني سيداتي سادتي أنني لم أسمع اليوم خلال الساعات الست ما يوحي بأي مرونة في مسألة التقيد بقرار مجلس الأمن الدولي " .
***
كانت الرسالة واضحة : لقد فشل الاجتماع .
وصرح بيكر بأن عزيز رفض قبول رسالة قدمها إليه لينقلها إلى صدام . ذلك أن عزيز أعادها إليه بعد قراءتها . وقال عزيز في مؤتمر صحفي عقده بعد ذلك إن " لهجة الرسالة ليست تلك التي ينبغي استخدامها في المراسلة بين رؤساء الدول " .
والآن وقد تعذر الاتصال بين رؤساء الدولتين اتضح لي سبب فشل الاجتماع ـ فطارق عزيز لم يحمل معه إلى جنيف أية مقترحات ـ لقد جاء لتحقيق هدف واحد وهو إقناع الولايات المتحدة بسحب توقيت الانسحاب في 15 يناير الذي وافقت عليه هيئة الامم ـ فلم يكن صدام من النوع الذي يقبل بالمواعيد النهائية المحددة . لقد كان يعتبرها نوعا من التهديد، كما أنه لم يبعث بعزيز إلى جنيف يظهر استعداد العراق لإجراء محادثات حول الحل السلمي بل للحديث عن التاريخ النهائي للانسحاب . وهذا ما لم يكن بيكر على استعداد لقبوله .
وكان في جناح عزيز خلال اجتماع هذا مع بيكر وزير خارجية الجزائر السيد أحمد الغزالي ، ومدير الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي . وخلال فترة الغداء التي أعقبت ثلاث ساعات من المحادثات دخل عزيز إلى جناحه وقال للغزالي والقدومي : " لن نحرز أي تقدم في هذه الحادثات . فهم يوفضون مناقشة موضوع التاريخ المحدد للانسحاب { 15 يناير } . كما أنهم ليسوا على استعداد لحذفه . ولن نفاوضهم حتى يفعلوا ذلك " .
***
كان صدام قد علم بان الكونجرس الأميركي صوت في اليوم السابق مؤيدا خطة الرئيس لا ستخدام عمل عسكري لتحرير الكويت . لكن الذي حيرّه هي الأخبار التي وردته من الولايات عن معارضة عدد كبير من الشيوخ والنواب الأميركيين ، الأمر الذي أوحى له بانقسام الرأي الأميركي حول الأزمة . وبذلك أظهر عجره عن فهم العقلية الأميركية : فحالما تنشب الحرب يقف الشعب الأميركي وراء الرئيس بلا معارضة أو بشيء قليل منها .
***
عندما وصل بيريز دي كويار إلى بغداد في وقت متاخر من مساء 11 يناير إلى بغداد علم بأن عليه أن ينتظر 48 ساعة قبل أن يتسنى له الاجتماع بصدام حسين . لكنه أجتمع مع طارق عزيز . وفي مساء 13 يناير استقبله صدام .
في أوئل فبراير 1991 نشرت الحكومة العراقية ما وصفته بأنه تسجيل لوقائع الاجتماع . ولم يشك أحد في صحة ما جاء فيه . كان دقيقا مثل تسجيل وقائع اجتماعات صدام مع غلاسبي ، سفيرة الولايات المتحدة وجو ولسون القائم بالأعمال . وقد حصلت على هذه التسجيلات خلال زيارتي لبغداد في في سبتمبر 1990 . ومن المهم أن نفهم ماذا حدث في تلك الليلة ـ قبل الموعد المحدد للانسحاب وهو 15 يناير .
استهل دي كويار الاجتماع بقوله لصدام :
" سيدي الرئيس . أود أن أقول بأنني قدمت إلى العراق بدون أن أكلف باي مهمة . فلم يعهد إليّ أحد بأي شيء من ذلك القبيل . ولم يكلفني مجلس الأمن أو الأمم المتحدة بالقيام بأي شيء . لكن ما شجعني على القيام بهذه الرحلة ليسوا رؤساء الدول والحكومات وحدهم بل والبابا ومواطنون عاديون طلبوا مني أن استخدم مركزي وخصوصا نفوذه الأدبي للعمل على إقرار السلام في المنطقة .
" وقد تقاجأ يا سيادة الرئيس إذ عملت أن بين الذين تمنوا لي النجاح في مهمتي رئيس الولايات المتحدة الذي اجتمعت وتحدثت معه أربع مرات يوم السبت الفائت . لكن أود أن أؤكد لك بأنني لا أحمل أية رسالة وأنني لست رسولا من قبل أحد . فأنا أمثل نفسي فحسب .
" قبل مجيئي إلى العراق بأسبوع اجتمعت مع الرئيس بوش لأبلغه أنني قررت الاجتماع معك . ذلك أنني أردت قبل مجيئي أن استمع إليه وأنه أتأكد من رغبته في التوصل إلى حل سلمي للأزمة . ولا أستطيع أن أقدم أي ضمانة بشأن ما يضمره . لكنه قال لي عندما علم باعتزامي الاجتماع معك إنه يشعر برغبة ملحة في التوصل إلى حل سلمي للأزمة .
" لقد قمت بعدد من المبادرات بينها مباردة مهمة وبناءة وهي قرارك بالافراج عن الاجانب ، فبذلك أزلت عقبة في طريق التخفيف من التوتر في المنطقة . على أن مبادرة 12 أغسطس { وذلك عندما صرح صدام حسين بأنه على استعداد للانسحاب من الكويت كجزء من حل عربي أوسع بما في ذلك النزاع الفلسطيني الإسرائيلي } لم تفهم تماما . لكنها تظهر بشكل أو بآخر في إطار قرارات مجلس الأمن التي أشارت بالتحديد إلى جامعة الدول العربية ومشاركتها في أي حل . فعلى ذلك الأساس يمكن عمل شيء . وكما سبق لي أن أخبرت وزير خارجيتكم فإنكم قد قمتم بعمل شيء . وأرى أنكم عملتم الكثير في سبيل القضية الفلسطينية وها أنتم قد وضعتم مصير الشعب الفلسطيني على جدول الأعمال .ونظرا لأني من أصل إسباني فإنني أشعر بأنني قريب من العالم العربي والشعب الفلسطيني " .
وقال دي كويار إنه خلال اجتماعه في جنيف مع وزراء خارجية دول السوق الأوروبية وهو في طريقه إلى بغداد قال له الوزراء بأنهم يريدون معالجة القضية الفلسطينية . ثم واصل كلامه لصدام فقال:
وحتى عندما رايت بوش يوم السبت اعترف بالحاجة الملحة معالجة أزمة فلسطين وقال إنه لم ينس البيان الذي ألقاه في الجمعية العامة في الأول من أكتوبر وإنه قد تسنح الفرص لجميع الدول لايجاد حل للمشكلة التي تفرق بين العرب والإسرائيليين .
على أن دي كويار بعد ذلك نقطة تنطوي على نقد فقال إنه لا يمكن حل أية قضية بما في ذلك قضية فلسطين إذا لم ينسحب صدام من الكويت . ثم قال :
" أعرف شجاعتكم وكرمكم . فقد تابعت أخبار الحرب العراقية الإيرانية والمبادرات التي قمتم بتقديمها لإنهاء الحرب . وآمل أن تتقدموا بالروح ذاتها بشيء يضع حدا للنزاع الحالي . ولعمل ذلك علينا بالطبع أن نجد طريقة للتقيد بقرارات الأمم المتحدة وخصوصا رقم 660 ورقم 675 … هناك شيء قاله بوش وسجلته على قصاصة ورق وهو : " إن الولايات المتحدة ستهاجم العراق أو قواته المسلحة إذا لم يتم الانسحاب من الكويت ولم تعد الأمور فيها إلى ما كانت عليه في الثاني من أغسطس . إن الولايات المتحدة لا ترغب في أن تبقي قواتها البرية في المنطقة ؛ وسوف تدعم المفاوضات بين الأطراف المعينة وسوف أقبل أي قرار تتخذه " .
وعندما أنهى دي كويار كلامه سأله صدام حسين : " هل تشرب قهوة سوداء {مرة} ؟ إن هذا النوع من القهوة لا يساعد على النوم خلال الليل " . فأجابه دي كويار :
" إني أسافر كثيرا . وأنا رجل متقدم في السن ، ولكنني قوي بالنسبة لسني . إن الرأس هو الذي يتحكم بكل شيء " .
***
ثم أخذ الزعيم العراقي يبسط آراءه فقال :
" أحببت أن تأتي لأنك تعاملت معنا في الماضي وتعرف طريقة تفكيرنا . وقد كنت أخشى أن تأتي من زاوية مختلفة لأنك آت في ظروف يدعو فيها الأقوياء إلى استخدام السلاح ضدنا بأسرع وقت ممكن . " ولهذا فانك إذا لم تقدم لهم ما يريدونه فقد يتخذون من زيارتك حجة لشن الحرب . وبينما كنت اصغي إليك تبين لي أنك أثرت عدة نقاط إيجابية . وأنا متفق معك على أنه بالنسبة لموضوع معقد على هذا النحو فانه لا ينتظر التوصل إلى الحلول في اجتماع واحد . إنه ينبغي مناقشة هذه الأمور بطريقة شاملة وبعمق " .
***
وقضى الزعيم العراقي ربع الساعة التالي في مناقشة الوضع الذي نشأ خلال الحرب العراقية الإيرانية . ثم انتقل إلى مسألة الكويت فقال :
***
" ما الذي أوصل الأمور منذ الثاني من أغسطس إلى الحد الذي وصلت إليه ؟ إنه التهديد الذي شعرنا به ؟ كانت الكويت قد أصبحت قاعدة في يد الولايات المتحدة للتآمر علينا … إننا لم نضم الكويت أو نوحد بينها وبين العراق في الحال بالرغم من أن حكام الكويت ـ كما تعلم ـ فروا في اليوم الأول ذاته … وافقنا على عقد مؤتمر قمة في السعودية تحضره الدول الخمس : العراق ، اليمن ، الأردن ، السعوودية ومصر . أردنا أن نناقش كل هذه التعقيدات مع العالم العربي لنحلها.
" وماذا حدث ؟ بدلا من أن يعقد مؤتمر القمة قامت السعودية ومصر بإلغائه ، واتفقتا مع الولايات المتحدة على نشر قواتها على أرض السعودية . هكذا أضعنا فرصة التوصل إلى حل عربي ، وواصل الأميركيون نشر القوات بدون قرار من مجلس الأمن .
" وبالرغم من أن قرار نشر القوات الأميركية في السعودية كان قد اتخذ فاننا تصرفنا على نحو بناء حيال قرار مجلس الأمن رقم 660 . صحيح أننا لم نعترف بالقرار إلا أننا تحركنا في إطاره . وهكذا فاننا أعلنا بوضوح أننا سنسحب قواتنا في الرابع من أغسطس . وبالفعل قمنا بسحب بعض قواتنا . وأعتقد أننا سحبنا لواء بكامله ، بالرغم من أن قواتنا المتواجدة هناك عندئذ لم تكن بحجمها الحالي . لكن عندما استمر التصعيد الأميركي ، واستمرت القوات الأميركية في الوصول بأعداد متزايدة ، أوقفنا سحب قوانتا . وكما قلت ، فاننا أعلنا الوحدة ، وأبلغنا الشعب ، والجيش في العراق أن الكويت اصبحت جزءا من بلادهم وأن عليهم أن يقاتلوا من أجلها حتى الموت . {وكان صدام يشير إلى إعلانه في الثامن من أغسطس أن العراق قامت بضم الكويت . } " .
***
ثم تناول صدام القضية الفلسطينية فانتقد الولايات المتحدة لمعارضتها عقد مؤتمر دولي لبحث المشكلة " وذلك لكي لا يكون عقده بمثابة انتصار سياسي لصدام حسين … ما الذي يقولونه الآن ؟ فلينسحب العراق من الكويت ثم نعقد مؤتمرا دوليا لمناقشة القضايا . وهذا وعد غير صادق إنه مجرد احتمال " .
وتبين من مجرى الحديث أن الزعيم العراقي لم يكن مستعدا للانسحاب من الكويت إلا في إطار حل أشمل . قال : " إن العراقيين لن يفروا من الموت . وسوف يحشر بوش يوما بعد يوم في الزاوية ؛ وسوف يضطر إلى اللجوء إلى السلاح لأن الذي يشغل نفسه في توفير متطلبات استخدام الأسلحة لا يمكن أن يركز على التفكير في إيجاد بدائل لذلك " .
وكان الجزء الأخير من محادثات الزعيمين في غاية الأهمية ، إذ قال الأمين العام دي كويار بكل وضوح : " إذا كنت قد فهمتك تماما فان موقفك من الكويت لا يمكن الرجوع عنه . وفي هذه الحالة لا يمكننا العمل بمبدأ الصفقة " . فقال صدام :
" لم أقل ذلك ـ لقد قلت ما قلته ـ إذا وجدت أن الأميركيين يسعون إلى ايجاد مخرج من الأزمة ، وأنهم يبحثون عن طريقة لا تعود عليهم بالخسارة ولكنها في الوقت ذاته لا تحقق لهم بالضرورة كل ما يريدون ، فانه من الممكن وضع مخطط لهذا الغرض ؛ ويمكن للعرب أن يبحثوا عن حل على أساسه " .
فشكر دي كويار الزعيم العراقي على ضيافته والوقت الذي خصصه له . وقال صدام " أتمنى لك النجاح " وقال دي كويار : " ينبغي علينا أن نفكر في إخواننا الفلسطينيين " . فاجاب صدام : " إنهم يذبحون يوميا الأطفال والنساء " .
***
عاد دي كويار إلى نيويورك قبيل ظهر 14 يناير بعد أن توقف في باريس لرؤية الرئيس ميتران . وخرج من اجتماعه مع ميتران مكتئبا . قال :
" من المؤسف أنني في نهاية رحلتي لا أجد سببا يدعو إلى التفاؤل . ولا يوجد كذلك سبب يجعلني أكثر أملا . أنا دبلوماسي ولكنني أيضا نزيه ومستقيم ، ولا أستطيع أن أخفي أنني لم احرز تقدما ببغداد " .
لم يكن بقي على الموعد النهائي 15 يناير سوى ست وثلاثين ساعة ؛ ويوافق ذلك منتصف الليل في واشنطن . وكان الفرنسيون يتحدثون عن آخر جهود للسلام . وأشار رولان دوما إلى أنه على استعداد للذهاب إلى بغداد .
ثم حل 15 يناير . وفي الساعات الأولى من صباحه اغتيل أبو أياد في تونس . وكان دوما لا يزال يفكر في السفر ولكنه قال بأنه لن يسافر حتى يتلقى رسالة من العراق تقول بأنه على استعداد للانسحاب من الكويت . وكان عرفات يبذل جهودا يائسة للاتصال بالزعماء العرب في محاولة منه لإحراز أي تقدم نحو السلام .
وحل الموعد في منتصف الليل والعراق لا يزال متشبثا بالكويت . ومن الواضح أن الزعيم العراقي كان ينتظر نشوب الحرب .
***
في صباح 16 يناير توجهت مبكرا إلى مكتبي . وكان يخامرني شعور بأن شيئا ما سيحدث . وفي الرابعة بعد الظهر دق جرس التلفون وكان المتحدث مصدري العسكري الأول الذي أثق به كل الثقة . قال : " يفضل أن تضع سيارتك في الكاراج هذه الليلة " . قال هذا وأقفل الخط . على أن رسالته كانت واضحة . كان سيقع الهجوم على العراق في تلك الليلة .
في الحادية عشرة والنصف ليلا بتوقيت لندن بدأت القنابل في السقوط على بغداد . وبذلك بدأت حرب الخليج.
الخاتمة
في الثاني عشرة والنصف من صباح 28 فبراير رن جرس التلفون الذي كان بجوار سريري وقيل لي أن أذهب في الحال إلى مكتبي لأن الرئيس بوش كان سيخاطب الشعب الأميركي في الثانية صباحا . وكانت تلك هي الليلة الرابعة على التوالي منذ أن بدأت الحرب البرية التي أهب فيها من الفراش وأحلق ذقني وارتدي ملابسي على عجل وأتجه إلى مكتبي . وعندما دخلت المكتب وجدت بعض الأخبار التي تشير إلى أن الرئيس الأميركي سيعلن نهاية الحرب . وفي الثانية صباحا أعلن وقف إطلاق النار المؤقت وأن الغارات الجوية على العراق توقفت وأن الحرب البرية ستتوقف عند منتصف الليل بتوقيت واشنطن والثامنة صباحا بتوقيت بغداد . وبهذا تكون الحرب قد استمرت ستة أسابيع وأربع ساعات بينما استمرت الأزمة ستة أشهر وستة وعشرين يوما .
سأترك للمحللين العسكريين أمر تقييم الحرب . وقد يمضي بعض الوقت قبل أن يتمكنوا من فك رموز الرسائل التي ارسلت إلى الصحافة في واشنطن والسعودية وإسرائيل والعراق ، ومعرفة تفاصيل ما حدث بالفعل . لكن هناك اشياء واضحة . لقد سحقت قدرات العراق العسكرية ، ودمرت بنياتها التحتية . وعليه فسوف يمر جيل من الزمن على الأقل لإعادة البناء . وكذلك فان القوات العراقية أنزلت خرابا خطيرا في الكويت . إذ دمرت أقسام من المدينة واشعلت النار في آبار النفط وعذب بعض المواطنين وقتل غيرهم . لكن ربما كان الأهم من هذا بكثير هو الطريقة التي هزت بها الحرب العالم العربي وقسمته على نفسه .
إن الأمة العربية سريعة العطب . وقد أحدثت كل أزمة شهدتها المنطقة تغيرات درامية فيها . فخلق إسرائيل في عام 1948 اعتبر هزيمة عربية كبرى . وفي السنوات الخمس التالية سقط زعماء ثلاث دول ، وهي مصر وسوريا والعراق . وخلال حرب السويس سمحت العراق التي كانت لا تزال تخضع للحكم الملكي لبريطانيا باستخدام مطاراتها لمهاجمة مصر بالطائرات المقاتلة . وبعد سنتين أطيح بالأسرة الحاكمة وأدى الانتصار المذهل لإسرائيل في حرب الأيام الستة إلى قيام منظمة التحرير بنشاط " إرهابي " واسع . وأدى الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى قيام حزب الله الذي تدعمه إيران . وبعد ذلك بخمس سنوات ابتدأت الانتفاضة في الأراضي المحتلة .
وشهدت السنوات الخمس والأربعون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 81 انقلابا في أربع عشرة دولة عربية نجح منها أربعة وعشرون . وكان القطران اللذان شهدا اكثرها هما العراق وسوريا . إذ شهد 32 محاولة نجح منها 14 . والأقطار العربية تخضع للحكم الملكي أو الجمهوري ، لكن لا يتمتع أي منها بحكم ديمقراطي . صحيح أن في بعضها " برلمانات " أو " جمعيات وطنية " أو " مجالس شعبية " ، لكن هذه ليست سوى مؤسسات هزيلة أنشئت لإضفاء هالة من الشرعية على النخب الحاكمة . وإن عجز الحكومات الغربية التي تحالفت في حرب الخليج عن الضغط على هذه الأقطار لتبني نظم ديمقراطية سوف يؤدي إلى تفاقم الأخطار التي نجمت عن الحرب . كما أن عجز الدول الغربية عن حل القضايا العربية الأساسية مثل النزاع العربي الإسرائيلي سوف يزيد من تلك الأخطار .
قام الخبراء بإعداد قائمة بأسماء الرابحين وأخرى بأسماء الخاسرين في العالم العربي . وتضم الأولى إيران ، وتركيا ، ومصر وسوريا والسعودية . وتضم الثانية الأردن واليمن ومنظمة التحرير الفلسطينية ويضيف الخبراء أن الأشخاص الرابحين هم الرئيس التركي أوزال ، والرئيس المصري مبارك ، والرئيس السوري حافظ الأسد . والخاسران في نظرهم هم الملك حسين وياسر عرفات . والحقيقة هي أن الذين وصفوا بالرابحين يواجهون معارضة علنية أو سرية في بلادهم ، في حين أن الملك حسين يتمتع بشعبية كبيرة ، وأن ياسر عرفات لا يزال المسيطر على المنظمة . وعليه فعلى المرء أن لا يفاجأ خلال السنوات القليلة القادمة إذا خسر أحد الرابحين وظل الخاسرون في أوج قوتهم وشعبيتهم .
لقد تحدث الرئيس بوش عن خلق نظام عالمي جديد . لكن هذا ليس بالأمر السهل . فقد فقدت أميركا الكثير من شعبيتها في بعض الأقطار العربية . وكذلك فإن العلاقات الأميركية السوفيتية قد أصبحت سريعة العطب بعد وقت غير طويل من انتهاء الحرب الباردة .
وأصابت حرب الخليج اندفاع الجماعة الأوروبية نحو مزيد من الوحدة السياسة والنقدية بأضرار بالغة . وعلينا أن لا ننسى أن الحرب أدت إلى انتفاضات في كثرة من الأقطار الآسيوية.
من الصعب أن يحاول المرء فيما تصفه الولايات المتحدة بالنصر الدرامي . لكن السلام في غاية التعقيد ، وخصوصا في الشرق الأوسط لقد تمت هزيمة العراق بسرعة . لكن ليس من السهل التوصل إلى سلام طويل الأمد .
انتهى *