![]()
(
وتمر الأيام
)
عندما صدر قرار الامم المتحدة رقم 678 في 29 نوفمبر 1990 صار من الواضح أن الحرب قد اصبحت خيارا جديا في ازمة الخليج . ولو ان الولايات المتحدة ودول التحالف الاخرى كانت تشعر بأن الحل التفاوضي لا يزال ممكنا ، ولو أن بعض الخبراء لم يكونوا يريدون حلا تفاوضيا لما اتخذ القرار . واعتقد كثرة من الزعماء السياسيين في العالم أن تحديد تاريخ لانسحاب صدام حسين من الكويت كان إشارة إلى أن الولايات المتحدة تخلت عن خطتها الاصلية التي ترمي إلى الانتظار حتى تبدأ العقوبات التي أقرتها هيئة الامم في التأثير على الشعب العراقي . واصبح من الواضح ان العقوبات تتطلب وقتا أطول من الوقت الذي تنبأ به المسؤولون في بادئ الأمر .
لكن الولايات المتحدة واجهت عددا من المشكلات الصعبة . فبانتظار تأثير العقوبات كان لا بد لها من أن تترك قواتها على الاراضي السعودية لمدة طويلة ، الأمر الذي سيؤثر على دعم مالي هام من اقطار كالسعودية والكويت واليابان .
وكانت هنالك أيضا مشكلة دينية . فكان رمضان سيبدأ في منتصف آذار الامر الذي يؤثر كثيرا على الاطراف العربية المشاركة في الحالف وخصوصا على السعودية ومصر وسوريا . وكان سيلي ذلك فيما بعد موسم الحج الذي يفد فيه كل سنة ملايين من المسلمين على الاراضي المقدسة . ولم يكن من المستبعد إذا بقيت القوات الاجنبية حتى ذلك الحين في السعودية أن يقوم الحجاج بثورة عليها .
وأخير كانت هنالك مشكلة الطقس. فبعد انقضاء شهر مارس تشتد الحرارة في منطقة الكويت والسعودية إلى حد لا يطاق . وكان يخشى أن يكون لذلك تأثير ضار على الاعتدة العسكرية الاميركية وعلى القوات التي لم تعتد حياة الصحراء . وهكذا فان الخبراء في الحكومة الاميركية قرروا انه لا مفر من ايجاد حل قبل منتصف آذار .
***
في 30 نوفمبر ـ أي بعد صدور قرر الامم المتحدة رقم 678 بيوم واحد ـ اعلن بوش بذكاء عن خطة سلام لإقناع العالم بان الحرب لم تكن حتمية ـ فاقترح ان يجتمع بوزير خارجية العراقية طارق عزيز وان يوفد وزير خارجيته بيكر للاجتماع بصدام حسين . ورحب العالم بالاقتراح بوصفه دليلا واضحا على ان الرئيس بوش كان لا يزال يسعى إلى حل دبلوماسي للازمة .
وصلت إلى تونس في وقت متأخر من بعد ظهر ذلك اليوم . وفي صباح اليوم التالي اجتمعت مع أبو إياد الرجل الثاني في منظمة التحرير . وقد عرفته منذ سنوات طويلة . وكان قد قضى شطرا من حياته في الكويت حيث كانت لا تزال تعيش أسرته بما فيها زوجته . وكان في أوائل السبعينات ، الرأس المدبر للعمليات " الارهابية " وهو الذي نظم الهجوم على الرياضيين الإسرائيليين في الالعاب الاولمبية بميونيخ عام 1972 . على انه اقتنع منذ أوائل الثمانينات بان الارهاب ليس أسلوبا لحل القضية الفلسطينية واتخذ موقفا اكثر اعتدالا . ولعب دورا اساسيا في حمل المنظمة على التخلي عن الارهاب ، والاعتراف بوجود اسرائيل ، وفتح حوار مع الولايات المتحدة . لقد كان يد عرفات اليمنى ومن الذين دفعوه إلى الاعتدال .
بدأ أبو إياد يخبرني عما حدث في مقر منظمة التحرير عندما علم المسؤولون فيها باقتراح بوش . بادر عرفات إلى عقد اجتماع بكبار قادتها الموجودين بتونس . وبعد نقاش استمر عدة ساعات كتبوا مذكرة سرية لصدام حسين نقلتها إليه السفارة السفارة العراقية بتونس . واشتملت المذكرة على ثلاث نقاط رئيسية : الأولى قبول اقتراح بوش الذي يحتمل ان يكون آخر فرصة للتوصل إلى حل سلمي للازمة . والثانية التخلص من جميع الرهائن الاجانب قبل لااجتماع بين طارق عزيز وبوش ، لان ذلك يسهل امكان التوصل إلى حل دبلوماسي . والثالثة الاستعداد للانسحاب من الكويت مع عدم نسيان الصفقة السرية مع الملك فهد التي تقضي باحتفاظه بمناطق الحدود المتنازع عليها منذ وقت طويل بين العراق والكويت .
وأخبرني أبو إياد أن عرفات كان في طريقه إلى عمان للاجتماع مع الملك حسين قبل الذهاب إلى بغداد لمقابلة صدام حسين . وأضاف أنه سيسافر في اليوم التالي إلى اليمن لمحاولة الحصول على تأييد زعمائها للخطة التي تقترحها المنظمة على صدام .
وسالته إذا كان سيجتمع مع الزعيم العراقي في العاصمة العراقية كما كان يفعل دائما ، ففاجاني بجوابه : " لن أذهب إلى بغداد مرة أخرى . ولن اجتمع بصدام حسين مرة أخرى " . فلما سألته عن سبب اتخاذه هذا القرار كشف النقاب عن خبر مثير .
في 16 نوفمبر اجتمع هو وعرفات مع صدام حسين . وفي ذلك الاجتماع حدث مشادة عنيفة بينه وبين الزعيم العراقي . قال له : " إنك لا تساعد القضية الفلسطينية كما تدعي . إنك تدمرها . إنك تقضي على آلاف الفلسطينيين في الكويت . إنك تدمر أسرتي . لقد فقد جميعهم وظائفهم ويتضورون جوعا " . وقال أبو إياد أيضا انه انتقد بشدة دعم صدام لنشاط أبو نضال الارهابي . وكان أبو نضال ـ وهو واحد من أخطر الارهابيين في العالم ـ قد انفصل عن المنظمة في أوائل السبعينات ؛ ثم ما لبث أن أنشأ منظمة خاصة به وهي فتح المجلس الثوري وحكم بالموت على أبو إياد . وكان أبو إيام يعلم انه منذ ان أنشأ ابو نضال منظمته تورط في اكثر من محاولة لاغتياله هو وغيره من زعماء منظمة التحرير . فأثارت كلمات ابو إياد غضب صدام حسين الذي طرده من مكتبه . كما أثارت غضب عرفات الذي تمكن مع هذا من إخراجه من العراق سالما .
كانت تلك آخر مرة قابلت فيها أبو إياد . ففي ليل الخامس عشر من يناير ـ أي قبل نشوب حرب الخليج بيومين ـ اغتيل في تونس هو وهايل عبد الحميد المعروف بأبي الهول . وكانت المنظمة قد اقترفت خطأ أمنيا ماساويا عندما سمحت للقاتل حمزة أبو زيد الذي تظاهر بالانشقاق عن أبو نضال بان يكون حارس أبو الهول . ومع أن التحقيق في الاغتيال لا يزال جاريا ، فان هناك ما يشير إلى أن منظمة أبو نضال هي التي دبرت العملية . لكن ليس من الواضح ما إذا كان الاغتيال قرارا مستقلا اتخذته المنظمة أم أنه قرار جهة أخرى .
***
في الرابع من ديسمبر اجتمع عرفات والملك حسين ونائب الرئيس اليمني لمدة أربع ساعات مع صدام حسين في بغداد للعمل على تنفيذ توصياتهم . وبعد ذلك بأربع وعشرين ساعة ـ أي في 6 ديسمبر ـ أعلن صدام الافراج الفوري عن جميع الرهائن الاجانب . لكن لما كان قد أعلن سابقا أنه سوف يسمح لهم جميعا بمغادرة البلاد في عيد الميلاد فقد شك البعض في البداية بصدقه . لكن وضح في الايام التالية ان جميع الرهائن قد أطلق سراحهم ، وبذلك حلت عقدة من عقد أزمة الخليج .
***
أما على الجبهة الدبلوماسية فلم يبد أثر للتقدم بالرغم من كثرة النشاط . فأولا وقبل كل شيء لم يظهر ما إذا كانت الولايات المتحدة والعراق قد اتفقتا على موعد ذهاب طارق عزيز إلى واشنطن وبيكر إلى بغداد . وتحمل الولايات المتحدة العراق مسؤولية ذلك . فقال الاميركيون انهم اقترحوا خمسة عشر من تاريخا وان صدام لم يقبل ايا منها . وكان صدام قد عرض الاجتماع ببيكر في الثاني عشر من يناير ولكن الولايات المتحدة اعتبرت التاريخ قريبا جدا من 15 يناير الذي حدد للانسحاب من الكويت . أما العراقيون فقد رأوا في ذلك إشارة إلى ان الولايات المتحدة لا تريد اجراء اية محادثات حقيقية معهم . وقالوا إنه لا تفرض التواريخ على أي قطر عربي ، بل ينبغي التفاوض عليها . وأضافوا أن الولايات المتحدة لا ترغب في المفاوضة حتى على تاريخ الاجتماع.
وعلمت من مصدر عراقي أن كل ما كان الأمر يستدعيه لإجراء محادثات بين طارق عزيز وبوش ، وبين بيكر وصدام هو أن يرفع بوش سماعة التفلون ويطلب صدام لمناقشة القضية معه. هكذا كان يفكر صدام . فمنذ بداية الازمة شعر الزعيم العراقي ان الطريق الوحيد للتوصل إلى حل تفاوضي للازمة هو اجراء محادثات مباشرة مع شخصين وهما الملك فهد والرئيس بوش.
وعلى أي حال فانه لم يجر التوصل إلى حل بشان اقتراح الرئيس بوش وأخيرا لم يتم الاتفاق إلا على اتصال اميركي عراقي واحد بين بيكر وعزيز في التاسع من يناير. لكن كان لا بد من التمهيد للاجتماع بنشاط دبلوماسي واسع .
***
في 12 ديسمبر أطلق الشاذلي بن جديد الرئيس الجزائري مبادرة سلام في اجتماع له مع صدام في بغداد . وكان تدخل الجزائر في العملية في نظر الذين يفهمون المفاوضات الشرق أوسطية ، أمرا على جانب كبير من الاهمية . فمنذ سنوات طويلة كانت الجزائر تلعب دورا ايجابيا في معالجة ازمات المنطقة . ولعل ابرز نشاطاتها في هذا الميدان ما قامت به في أواخر 1980 وأوائل 1981 عندما نجحت في وضع حد لماساة الرهائن في إيران . وبفضل الجزائر أطلق سراح الرهائن في اليوم الذي جرى فيه تنصيب رونالد ريغن رئيسا للولايات المتحدة وهو 20 يناير 1981 .
على ان جهود بن جديد لإجراء مفاوضات لم تلبث أن بلغت حائطا مسدودا . فالسعودية رفضت استقباله بحجة ان المفاوضات غير ممكنة قبل انسحاب صدام من الكويت . وأبلغت الولايات المتحدة الجزائر انه ينبغي ان لا يقوم بن جديد بزيارة واشنطن . إذ يكفي ان يتصل تلفونيا بالرئيس بوش .
***
في 18 ديسمبر ازدادت الامور تعقيدا . فالولايات المتحدة والعراق لم تكونا قد توصلتا إلى اتفاق على تاريخ الاجتماع بين طارق عزيز وبوش . وكان طارق عزيز قد بعث برسالة إلى الجماعة الأوروبية يقول فيها انه على استعداد للاجتماع بوزراء الخارجية الأوروبيين . لكن ما حدث في ذلك اليوم ان وزراء خارجية السوق الأوروبيية رفضوا الاجتماع به لأنهم لا يريدون ان يولدوا انطباعا بان هناك انشقاقا في الحلف المناهض للعراق .
وقدر لقرار وزراء الخارجية هذا أن تكون له نتائج هامة . ففي الايام التي سبقت 15 يناير المحدد للانسحاب شهد العالم فورة من النشاط الدبلوماسي . فقد غير وزراء خارجية الجماعة الأوروبية رأيهم وقرروا انه من المهم لهم أن يجتمعوا بعزيز . لكن عزيز رفض عدة مرات لأنه كان لا يزال غاضبا بسبب قرار 18 ديسمبر في بروكسل .
وبعد ذلك بيومين أي في 20 ديسمبر شهد الاتحاد السوفييتي حدثا دراميا أظهر ان الازمة التي كانت تواجه العالم ليست في الشرق الاوسط وحده بل وفي الاتحاد السوفييتي إذ استقال شيفارنادزه بعد أن اتهم ميخائيل غورباتشوف بالسير نحو الدكتاتورية . وجاءت استقالته خسارة لبيكر بوجه خاص ، لانه أنشأ مع شيفارنادزه أفضل علاقة نشأت بين وزير خارجية أميركي ونظيره في الاتحاد السوفييتي . كما ان استقالته كانت مؤشرا على ان بعض الزعماء المتصلبين في الاتحاد السوفييتي بدأوا يشككون في قرار غورباتشوف بالانضمام إلى الولايات المتحدة في الحلف المناهض للعراق ، لان العراق كان حليفا للاتحاد السوفييتي منذ زمن طويل واكبر مستورد للاسلحة السوفييتية .
***
ومرت الايام واحدا بعد الآخر إلى ان بدأ عام 1991 .
كان أول يناير يوم عطلة . لكن الثاني منه شهد موجة من المحاولات الدبلوماسية . فوزير خارجية لوكسمبرغ جاك بوه الذي كان قد أصبح في اليوم السابق رئيسا للجماعة الأوروبية دعا إلى اجتماع لوزراء خارجيتها يوم الجمعة في الرابع من يناير . وقال إنه يتوقع أن يوفده وزراء الخاريجة إلى بغداد لإجراء محادثات مع طارق عزيز .
وكان الملك حسين في طريقه إلى أوروبا لإجراء محادثات في لندن وروما وباريس وبون ولوكسمبرغ . ولم يكن قد توقف عن السعي إلى إيجاد حل دبلوماسي منذ قام بجهد خارق خلال السنوات الثماني والأربعين التي أعقبت الازمة . وقال أن الجزائر ويوغوسلافيا اللتين تمثلان دول عدم الانحياز لا تزالان تشاركان في عملية السلام .
وبينما كانت تبذل هذه الجهود كان الرئيس بوش يخبر الشعب الأميركي في مقابلة له مع الصحفي البريطاني ديفد فروست أن استعادة الكويت هي أكبر تحد أخلاقي منذ الحرب العالمية الثانية . وعندما سئل عما سيحدث إذا نشب القتال في الخليج قال إنه يأمل أن ينتهي في غضون بضعة أيام.
وفي اليوم التالي ـ 3 يناير ـ وبعد أن خاب أمل بوش في الاتفاق على تاريخي الاجتماعين في واشنطن وبغداد عرض على العراق فرصة أخيرة لإجراء محادثات بين بيكر وعزيز في السابع والثامن والتاسع من يناير . لكنه قال بأن الاجتماع لن يشتمل على مفاوضات أو تسوية أو إنقاذ لماء الوجه أو مكافآت على العدوان . ومن المؤكد أن مثل هذا البيان لم يكن من النوع الذي يوحي بان أجتماعهما سيحل الازمة .
وبعد يومين قبل العراقيون الاقتراح وقالوا بأن عزيز سيجتمع مع بيكر في جنيف في التاسع من يناير . وحيث انه لم يكن قد بقي سوى ستة أيام على التاريخ المحدد للانسحاب وهو 15 يناير فإنه كان من المنتظر أن يكون حدث جنيف حاسما .