1

المطلوب بناء عراق جديد

 

 

خيّمت على العراق حقبة مظلمة لفترة اربع وثلاثين عاماً، ذاق العراقيون فيها مختلف الوان العذاب، وخاضوا فيها اربعة حروب. كل واحدة كانت أفضع من الثانية. فابتداءً من الحرب مع ايران وانتهاءً بالحرب مع قوات التحالف ومروراً بحرب الكويت.

تلك هي ثلاث حروب خارجية، بالاضافة الى حرب مستمرة في الداخل ما بين الحكومة وقوات الأمن والمخابرات ومن سُمّوا بالفدائيين من جهة، وما بين عامة ابناء الشعب من جهة اخرى.

لقد انتهت هذه الحقبة الى غير رجعة، ولكن ستبقى آثارها المدمّرة لفترة طويلة من الزمن، خاصةً إذا عرفنا ان مهووس السلطة "صدّام حسين" لم يكن قد اوقف قطار الحضارة في العراق لمدة اربعة وثلاثين عاماً فحسب، وإنما كان يقود هذا القطار الى الوراء خلال هذه الفترة من الزمن.

وقد ترك العراق يباباً خراباً، لا بنية تحتيّة فيه سالمة، ولا تقدم مدني، والفقر يخيم على كل بيت، والثكل في كل عائلة، وعلى العراقيين ان يتخلّصوا من آثار ذلك، ويجاهدوا لتغيير الوضع، وبناء عراق جديد من نقطة الصفر.

 

2

الدمار الشامل

 

 

تحدّث الناس في جميع القارات لفترة طويلة من الزمن عن اسلحة العراق المسماة بالدمار الشامل. وتساءلوا هل ان الحكومة العراقية كانت تمتلك مثل هذه الاسلحة، او لم تكن؟ وما هي نوعيتها؟ وهل استطاع النظام البائد ان يخفي قسماً منها ام لا؟ 

إلا ان الحديث عن الاسلحة يجب أن يصبّ على النتائج، فليس امتلاك السلاح بحد ذاته جريمة، إنما الجريمة استخدام السلاح الذي يؤدي الى الدمار الشامل. ونحن نعتقد ان ما تركه صدّام حسين في العراق من الدمار الشامل أخطر من مجرد إمتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، فمع قطع النظر عن نوعية السلاح المستخدم في القتل، سواءً كانت أسلحة دمار شامل، أو مجرد سكاكين وخناجر وماشابه، فالنتيجه واحدة.. والمقابر الجماعية الموزعة في كل مكان، خاصة في جنوب العراق وفي شماله، تدل على ان الدمار الشامل قد وقع، سواءً عن طريق حبائل المشنقة، او الرصاص العادي، او استخدام الاسلحة الكيماوية، كما حدث في شمال العراق.. او اطلاق الصواريخ على المدنيين، او ضرب المدن بالطائرات المروحية، كما حدث للجنوب في عام 1991م.

إن عدد اربعة ملايين واربعمأة ألف من قتلى المقابر الجماعية، هذا العدد الهائل يكفي دليلاً على ان هذا النظام كان يستخدم الدمار الشامل، عن طريق إستعمال كل انواع الاسلحة التي كان يملكها، كما ويبيّن كم كان الظلام دامساً، وكم كان الظلم شاملاً، وكم كان العدوان شرساً على العراق.

وإذا كان من الممكن إعادة بناء ما يسمى بالبنى التحتية، من إقامة المصانع وفتح الشوارع وبناء البيوت، فانه لا يمكن اعادة الأرواح التي أُزهقت، خلال هذه الفترة، ولا يمكن تعويض الاولاد عن آبائهم، والامهات عن ازواجهن، ولذلك فإن لعنة التاريخ ستلاحق ليس فقط رأس النظام البائد، وإنما كلّ الذين تورطوا معه في ارتكاب تلك الجرائم، من الجندي الذي كان يطلق الرصاص على الابرياء، الى الوزير الذي كان عضواً في الحكومة، الى كل مسؤول، ومسؤولة من الجلاوزة، والمعذّبين.

 

3

نموذج يجب أن لا يتكرر

 

 

إن الحديث عن النظام البائد، وعن صدّام، وحقبته السوداء في العراق، والمقابر الجماعية، والحروب المتعددة، والظلم والعدوان والتعذيب وما اشبه، ليس مجرد حديث عن التاريخ، وإنما هو حديث عن نموذج يجب ان يتوقف ولا يتكرر في المستقبل، هو حديث عن الصفحة البيضاء التي يجب أن تكون للعراق غداً، بعد الصفحات السود التي سطرها ذلك النظام الاسود في ارض الرافدين الخضراء.

هذا يعني إن الحديث عن كل ما جرى للعراق وللعراقيين، هو لغايتين نبيلتين:

الأولى ـ ان نكشف عن النتائج السيئة للديكتاتورية، والمصير الاسود لمن يعاون، أو ويساعد، او يسكت على الظالمين، حتى لا يتكرر ذلك في العراق او في غير العراق .

الثانية ـ ان يجاهد العراقيون حتى يكون الوضع بعد سقوط النظام وانتهاء الحقبة السوداء، مناقضاً لما كان عليه الأمر في السابق.

فأمام كل بيت تهدّم بالظلم لا بد ان نبني داراً للعدل، وإلى جنب كل عائلة اُثكلت بمقتل عزيزها، لا بدّ من اِنصاف العوائل المظلومة والمضطهدة الاخرى، وان نجعل التعمير بديلاً للهدم، والانصاف بديلاً للظلم، وان يتعاون الجميع في ذلك، وأن يكون النظام السياسي تعددياً، يأخذ بعين الإعتبار تركيبة الشعب العراقي، وان لا يسمح احد من الناس ان يأتي طاغوت آخر، بشكل آخر، يهلك الحرث والنسل، وليدور دولاب الظلم من جديد على هذا الشعب.   

  

4

من لا يخاف الله يرتكب الجرائم

 

 

هل يمكن أن يتكرر صدّام حسين في مكان آخر، وفي زمان آخر، وفي شخصٍ آخر؟

الجواب مع الأسف هو بالايجاب، ومعنى ذلك ان الظروف حينما تكون مهيئة، وحينما يغيب الناس عن الساحة، أو يسكتون على الظلم في بدايته، فلربّما يستشري ويتفاقم، ويزداد الظالم جرأة، ويتكرر امثال صدّام هنا و هناك.

واذا سئلنا عن السبب الرئيسي لظهور الطاغوت و استفعال أمره؟ فإن الجواب يكون: عدم الايمان بالله، وعدم الخوف منه. يقول القرآن الكريم: «و قال موسى إنّي عذتُ بربي وربكم من كل متكّبر لا يؤمن بيوم الحساب«

إن كل انسان مرشح لكي يكون طاغوتاً، لأن هوى النفس موجودة في كل شخص، وابليس لم يمت بعد، فإذا وُجدت الأرضية المناسبة فإن من لا يخاف الله ولا يؤمن بيوم الحساب سوف يستجيب لأهواء نفسه, وينطلق يدمّر، ويخرّب، ويظلم العباد، ويهدم البلاد.

ان الخوف من الله عزوجل هو اكبر كابح للنفس الانسانية، لمنعها عن الاستجابة للأهواء، وإرتكاب المظالم.

يقول الشاعر:

 

الظلمُ من شيم النفوس فان تجد             ذا عفـةٍ فلعلّةٍ لا يظـلمُ

 

 

فمن لا يرى قدرة الله وعظمة جبروته، ولا يرى انه اقدر منه، وانه للظالم بالمرصاد، ولا يأخذ بالحسبان نهايته في احضان الموت، ولا يخشى المحاسبة يوم القيامة، ويجد من يتعاون معه ويسكت على جرائمه فهو بالطبع سيكون طاغوتا،ً سواءً على مستوى قرية، او على مستوى مدينة، او على مستوى العالم.

يبقى ان هنالك زعماء قد لا يخافون من الله، لكنهم يخافون من شعوبهم؛ أو يخافون من الدول الأخرى، ولكن صدّام لم يكن يخاف من الله، لأنه لم يكن يعتقد بالله ـ وإن تظاهر في فترات معينة بالدين، ورفع شعارات دينيّة ـ الا ان الجميع كان يعرف انه كان يستخدم ذلك وسيلة من وسائل التأثير على الاخرين، او كمفردة اعلامية في ماكينته الضخمة للدعايات، و كان لا يخاف من شعبه، لأنه ألغاه من ذاكرته.

لقد اعتقد ـ كما يقول احد المقربين اليه ـ بأن الآخرين لا يملكون حرية القرار ويخشون إما شعوبهم، وإما الدول الكبرى، وهو لم يكن يقبل بأي تأثيرٍ في قراراته، ومن ثم فإنه كان يستجيب لشهواته بلا وزاع من دين، ولا مانع من شعب، ولا كابح من ضمير.

يقول حامد الجبوري، الذي كان مدير ديوان صدّام حسين لفترة طويلة من الزمن، يقول عنه: »لعل اخطر ما فيه شعوره العميق انه يشكل فرصة لا يتكرر للعراق ولا للأمة العربية. فمن يقترب منه ويراقبه يستنتج أن الرجل مصاب بحالة مرضية من الإفراط في الثقة بالنفس، ذلك ان صدّام ينتمي الى مدرسة في التفكير قديمة، تركز على دور القائد الإستثنائي، ولا تعير اهتماماً للمؤسسات  الديمقراطية، وآراء الناس، طبعاً لم يكن صدّام يؤمن بصناديق الإقتراع ولا بالحكام الذين يأتون منها ويذهبون بقرار منها ايضاً. كان يعتبر حكام الأنظمة الديمقراطية ضعفاء، لا يمتلكون القدرة على القرار، لخوفهم من عنوان في صحيفة، او من احزاب أو نقابات.»

لقد اعتقد ان ما كان يفعل للعراق عظيم، و استثنائي، وبالتالي فإن دور العراقيين هو ان يدعموه بلا تحفّظ، لا ان يسألوه او يجادلوه.

وإذا كان رجل بهذه الصفات يحكم العراق، ويمتلك حزباً يأتمر بأمره وأجهزة قمع لا تتورع عن استخدام افضع الوسائل لإخضاع الناس، فإن النتيجة تكون دماراً شاملاً، وخراباً عاماً، كما حدث في العراق.

من هنا فإن اوّل ما يجب لحاظه في اي مسؤول، هو مدى ايمانه بالله، ومدى خوفه منه، ومدى ثقته بالناس، ومدى احترامه لتطلعاتهم، ولا يجوز التساهل في هذه القضية بالذات.

ولعل هنالك من يتحدث عن الفارق بين الاسلاميين والعلمانيين، لكن القضية الرئيسية هي قضية مقدار خوف المسؤول من ربّه، ومقدار ثقته بشعبه، فمن لا يؤمن بيوم الحساب، ومن لا يثق بالناس، فإنه سيرتكب ما ارتكبه صدّام، وما ارتكبه جلاوزته.

  

5

الثالوث الأسود

 

 

الاعتماد على الثالوت الاسود: المخابرات، والاعلام، والقوة. هو ما فعله صدّام، وما يفعله كل مستبد وديكتاتور في العالم.

فماكينته الدعائية كانت كبيرة بعد ان انفصل عن الناس، وراح يراهن على القوة مستخدماً المخابرات ومن ثم الغى المبادئ والقيم.

 ولو اننّا صورنا النظام في صورة انسان، فإن ما فعله صدّام هو انه الغى دور العقل والدماغ، واعتمد على العضلات، واستخدم العينين والأذنين لمراقبة كل ما يجري. فأجهزة المخابرات كانت بمثابة عينيه واذنيه، والقبضة الحديدية كانت بمثابة عضلاته، امّا ما يرتبط بالعقل فكان ملغياً، وكل من يُلغي دور العقل يشعر دائماً انه على صواب.. وهذا ما يدفعه الى اتخاذ قرارت خطيرة، مثل الحرب التي تدمر البلاد وتقضي على العباد، بكل سهولة و يسر!

وبالطبع فإننا حينما نقول ان صدّام »ألغى دورالعقل« فلا نعني انه كان مجنوناً، وانه لا يحاسب على تصرفاته، إنما نعني انه جعل عقله في خدمة شهواته، كما يقول الامام علي: »كم من عقلٍ اسير تحت هوى أمير«، او يقول عليه السلام: »أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع«.

فالطمع في الأبهّة والجلال يجعل العقل اسيراً، فهو يميّز الخير من الشر، ويعرف الصلاح والفساد، اذ ما من إنسان الا وضميره يؤنبه على الجريمة، وعقله يُرشده الى الصواب، لكن الطمع يمنعه من ان يعمل بوحي ضميره، وان يطيع عقله. وهذا ما كان عليه الوضع في عهد صدّام. 

 

 

6

تصدير الخوف

 

 

الطاغوت حينما ﻻ يخاف من ربّه، فهو ليس بالضرورة يكون خالياً من الخوف، بل العكس تماماً، حيث يقول الحديث الشريف: »من خاف الله، أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله اخافه الله من كل شيء«

ان مَن يخاف مِن ربّه يخاف من مصدرٍ واحد، اما الذي لا يخاف من ربّه فهو يخاف من جميع الأشياء. تماماً كما يقول الله عزوجل عن المنافقين: »يحسبون كل صيحة عليهم«. وهكذا كان صدّام حسين. ألا ترى كيف اعدم كثيراً من المقربين اليه خوفاً منهم، وكيف انه كان يهتم بأمنه؟ هذا يعني انه كان خائفاً في اعماقه، وانه كان يشك في كل شيء ويخاف من كل احد.

ولقد ظهر خوفه هذا من طريقته في التعامل مع وضعه الشخصي، فقد كان مهتماً بأمنه بشكلٍ غير معقول، واهتمامه كان استثنائياً، كما يقول المقربون اليه.

 فهو يبني حساباته دائماً على الشك، فقد كان رجلاً يشك في الآخرين، وعلى الشك كان يُصدر احكاماً بالسجن أو الاعدام.

يقول مدير ديوانه حامد الجبوري: "سمعته يقول ذات مرة: »لديَّ قدرة على كشف الناس من عيونهم«، فهو حينما كان يعيّن شخصاً قريباً اليه، فلكي يراقبه. وقد قال لي ذات يوم في معرض شرحه اسباب اختياره لي: » الرفاق الذين تراودني بعض الشكوك بشأنهم، اقرّبهم مني لكي اقرأهم عن كثب«.

ويضيف الجبوري في مقابلة له مع جريدة الحياة: »جاء بعدي غانم عبد الجليل كمدير للديوان، وقد اعدمه صدّام في1979م وأيضاً عدنان الحمداني كان من المقربين جداً اليه، وقد اعدم في 1979م، وكان برزان قريباً اليه، وقد اُبعد الى خارج العراق لفترة من الزمن«.

وكان لدى صدّام «كما يقول الجبوري» اسلوب يقوم على إشعار من يعملون معه انه يعرف كل شيء عنهم، بما في ذلك نواياهم. كان يُشعرهم انهم تحت المراقبة وانه قادر على ان يكشف مبكراً أي اخلالٍ بالولاء له. واحياناً كان يُشعرهم ان لديه اوراقاً ضدهم كي يبالغوا في الولاء له، تعويضاً عن نقصٍ سابق.

ويضيف الجبوري: »اختارني لمكتبه كمدير وإذ به يسلّمني ورقة قال إنها تقرير، وطلب مني ان اذهب الى مكتبي لقراءتها، ثم اعطيه رأيي فيها.. ذهبت وقرأتها وذهلت، كان التقرير يقول: إن جهات داخل الجيش كلّفت حامد الجبوري إغتيال السيد النائب، في إطار اتفاق مع العميد شفيق الدراجي، وذلك بأن يسيطر الأول على المجلس الوطني، والثاني على القصر الجمهوري، وان للرجلين امتداداً داخل القوات المسلحة والحرس الجمهوري والإستخبارات

»وبعد ان قرأت التقرير ذهبت الى صدّام فقال لي: ماذا تستنتج؟

قلت له: »إنني اعتقد ان جـهات تسعى الـى التشـكيك بولائي واخلاصي، للإيقاع بي.. «

وفوجئت بقوله: "هذا صحيح".

»ثم بعد عملي معه، تولّدت لديَّ قناعة أن صدّام هو شخصياً كان وراء كتابة التقرير لكي يختبرني، ولكنه لم يكتفِ بذلك بل جاء الإختبار الثاني على يد برزان. كانت هناك سراديب في اسفل المجلس الوطني، قال لي برزان ذات يوم :لقد اعتقلنا شخصاً في هذا السرداب، اسمه "عدنان فيلي" وعلقناه بالمروحة هنا، لأنه كان يتحدث عن مشاركته معك في خطة ضد الرئيس، - انا بالطبع كنت اعرف "عدنان فيلي" لكن مرّت سنوات لم ألتقِ به-، ومع ذلك اتهمني به. كيف يمكنك ان تنسج مؤامرة مع رجل لم تلتقه منذ سنوات؟«

»ولأنه كان يخاف في داخله، فهو كان يريد الولاء الكامل، لم يكن يقبل بنصف ولاء. يريد من الجميع ان يذوبوا فيه، وفي المقابل بالطبع لم يكن يبخل عليهم بالمال العام، يُغدق على هذا وذاك بمقدار ما يشتري به الولاء، وإذا رضي عن شخصٍ فانه كان يغدقُ عليه المالَ والألقاب، اما اذا غضبَ عليه، فانه كان يمسحه بالأرض، ولذلك فانه لم يكن يُقيم علاقات دائمة ونهائية مع أحد، لقد كانت علاقاته دائماً تتغيّر وتتبدّل، فكُلُّ ذلك دليل على مدى خوفهِ وشكّهِ في كلّ شيء.«

هذا مايقول مدير مكتبه.. 

 

 

7

بطل من دون بطولة

 

 

عشق الذات، أمرٌ خطير يُصاب به أفراد في مراكز الحكم، كما يُصاب به افراد محكومون، وهو في كلتي الحالتين أمر خطير.

يقول حامد الجبوري أيضاً: »كان صدّام يعتبر نفسه شخصاً غير عادي، يعتقد ان دوره يجب ان يكون اكبر من حدود العراق، كان يعشق نفسه».

«قال لي ذات يوم وهو ينظر الى "دجلة": انه كان يتمنى لو كان الله خلقه وحيداً، اي ان يكون هنالك صدّام واحد، من دون عائلة، ولا أخ، ولا أخت، ولا ابن».

كان يريد ان يكون بطلاً غيرمرتبط بشيء، وهذا غرور غير عادي.. كان شديد الاعتداد بنفسه، وكان يعتبر نفسه صاحب دورٍ تاريخي، او صاحب رسالة علوية، ومن ثم فهو لم يكن يتردد في إزالة اي عقبة يمكن ان تعترض طريقه، وربما من هنا يمكن فهم ميله الى الإفراط في القسوة.«

ولأنه كان يرى نفسه عملاقاً ما بين أقزام، فإنه لم يكن يحترم حتى اقرب المقربين اليه. حتى نائبه طه يس رمضان، او طارق عزيز، لم يكن يحترمهم، لكنه كان يحميهم لأنهم ادواته، ولأن ولاءَهم كان كاملاً. احياناً كان يتعمّد مقاطعتهم ويعتذر، ثم يعود الى مقاطعتهم، كان يتعمّد تشتيت اذهانهم ليسيطر عليهم اكثر، فهم على كل حال كانوا صغاراً امامه. وهذا ما يفسر لماذا لم يكن صدّام يتشاور مع احد في اتخاذ القرارات، بل كان يبلغهم القرارت، لانه لم يكن أحد بمستواه في رأيه، ولذلك فانه كان مطلوباً من الآخرين ان ينفذوا القرار، وليس ان يشاركوا فيه.

لقد كان عند نفسه بطلاً، و لكنه في الواقع كان من دون بطولة، فكان برذوناً و هو يتظاهر انه حصان!

  

 

8

هواية قتل الناس

 

 

نتيجة عدم الخوف من الله، وبسبب الخوف من الآخرين، وعشق الذات، وتحقير الآخرين، والاعتداد بالنفس، وصمت الآخرين على قراراته.. نتيجة كل ذلك، فإن صدّام كان ينظر الى الناس كأعشاب في مزرعة، وكان يعتبر نفسه مالك تلك المزرعة، فهو يستفيد من الأعشاب النافعة له، ويقتلع كل عشب لا يراه كذلك، من جذوره.

كان يقول: »لدي قدرة على كشف الناس من عيونهم«.

فهو كان "عرّافاً"، و كان على مزاجه يقرأ في العيون مايريد أن يقرأ، والويل لأصحاب العيون التي لا توحي بالولاء الكامل، لأن صاحب المزرعة هذا لم يكن يملك لمعالجة من لا يواليه بشكلٍ مطلق غير دواء وحيد، هو دفعهم الى عالم الآخرة، ولم يكن يفوته ان يدفع بالأشقاء والأقارب والمساعدين الى ذلك العالم، لأنه كان يعتقد ان بعض الأعشاب في مزرعته سامة، وانه لا يكفي قطعها، بل يجب اقتلاعها من الجذور، كي لا تطل مرة ثانية في وجهه، ولذلك كان إذا غضب فان غضبه كان رهيباً، يحمل العواقب الوخيمة للشخص المغضوب عليه، ولأبيه، وامِّه، واخوته، واقاربه، وعماته، وخالاته، وجيرانه، ومن سلّم عليه، ومن رآه في الشارع.

وتلك سمة اخرى من سمات الطاغوت، فهو يهوى قتل الناس على الشك، و الشبهة، و الظن، و الإشاعة، و بلا حساب!