بسمه تعالى
مبادئ الرؤساء الأميركيين.. بدأت فصولها تحدد و ترسم مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت مطامع كل من الاتحاد السوفيتي وأميركا تبرز بشكل معلن في التوسع والسيطرة على العالم.. وحيث بدأت بذلك الأيام الأولى من تاريخ بدء الصراع السياسي بين القوتين المستكبرتين.. حينئذ بدأت أمريكا في ترسيخ مبادئها في الصراع والتي تعكس مبادئ الرؤساء على مسرح الأحداث التي شهدتها الساحة الدولية، ولكن مع اختلاف الجانب المتغير في هذه المبادئ على طول خط الصراع مع تبدل الرؤساء الأميركيين، إلا أن الجانب الثابت من هذه المبادئ احتفظ بالقاعدة التي تسير عليها رسم هذه المبادئ، إلا وهي قاعدة الحفاظ على المصالح وتوسيعها، والمصالح أو المطامع بعكس المبادئ تفرق و تبعد أطراف اللعبة قبل أن تقربها، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة ان نستنتج ان روح العداء هي خميرة العجينة التي تجسم في صورها وأشكالها المختلفة مع اختلاف الرؤساء مبادئ الرؤساء أو مبادئ السياسة الأميركية، وعلى هذا الأساس يمكن ان تسجل تسمية (مصالح الرؤساء) حضورا في ذهن القارئ قبل تسمية (مبادئ الرؤساء).
ان استقراء هذه المبادئ (المصالح) يظهر بشكل واضح الفشل الذي زامل هذه المبادئ من البداية في تحقق القسم الكبير من اغراضها، وكما يمكن تعداد عدد مرات الفشل مع تعداد عدد الرؤساء الأميركيين، كذلك يمكن تبيان نوع الفشل مع نوع الركائز السياسية التي استند عليها كل رئيس ضمن الظروف التي عاشرته.
وأخيرا.. وفي قمة الصراع بين عوامل الفشل و النجاح في مبادئ الرؤساء الأميركيين، التي ترسم الخط البياني للمد والجزر الذي يصيب السياسة الأميركية في العالم.. كانت المفاجأة.. وكانت الضربة.. التي اهتزت على أثرها ركائز السياسة الأميركية في الخاصرة الضعيفة للعالم.. في المنطقة الخليجية.. في قيام الجمهورية الإسلامية في إيران. وعلى صدى صيحات المستضعفين في الأرض، بدأت الانطلاقة لبداية جديدة من الصراع بين المنتصرين للحق والمنتصرين للباطل.
بدأ توجه الولايات المتحدة الأميركية في التوسع والسيطرة على العالم يتخذ أبعاده الثابتة والخطيرة بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة التطورات الكبيرة التي شهدتها الساحة الدولية، ولعل هذه التطورات فرضت على الولايات المتحدة أن تخرج من عزلتها السياسية التي بدت واضحة على نظرتها للقضايا الدولية في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
فبعد هذه الحرب شهدت الأوساط السياسية الأميركية مناقشات حادة حول السياسة الخارجية التي يجب أن تتبناها الإدارة الأميركية وتتعامل على ضوئها مع الأحداث العالمية. وفد كان الوسط السياسي الأميركي متوزعا على اتجاهين متضادين:ـ
الأول: ينادي بضرورة الابتعاد عن الحرب ورفض فكرة (الحرب لانهاء الحرب) ويدعو الولايات المتحدة لأن تمارس دورها في القيادة الدولية على أساس قانون دولي يتولى مهمة الحفاظ على الامن والاستقرار الدوليين.
والثاني: يرى أن الولايات المتحدة من أجل ان تمارس دورها في قيادة العالم لابد أن تنتهج خطا عسكريا مؤثرا على الأحداث العالمية، بالشكل الذي يؤهلها المواجهة أية مشكلة تهدد الأمن الأميركي وتقف بوجه المصالح الأميركية، اعتمادا على الامكانات الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة.
والملاحظ على الاتجاه الأول أنه يفرض على الولايات المتحدة أن تكون مسؤولة عن جميع الأزمات الدولية، وأن تنطلق من هذه المسؤولية لتتدخل في أية أزمة دولية، لاسيما تلك التي لها مساس بالمصالح الأميركية والتي تمسها بصورة تضمن بقاء القانون الدولي ساريا على الأحداث وبالتالي تبقى الولايات المتحدة هي قائدة العالم.
وبالرغم من كون هذا الاتجاه يرفض التدخل العسكري الأميركي إلا أن الأساس الذي رسمت عليه السياسة الأميركية تتطلب تطبيقاته (وبصورة غير مباشرة) ان تمارس الولايات المتحدة مهاما عسكرية في أجزاء مختلفة من العالم، اعتمادا على الأزمات التي تنشب في بقاعه. وهذا ما جعل دعاة الاتجاه الثاني يرفضون الاتجاه الأول على اعتبار ان اعتماده سيجعل الولايات المتحدة تستنفد حيويتها وتخمد قواها بالتدخل والانجرار في كل الصراعات التي تنشب في العالم كبيرها وصغيرها.
وقد تنبه بعض الساسة الأميركان إلى هذه الحقيقة فرفضوا الاتجاه الأول، ومنهم الرئيس الأميركي "ولسون" الذي كان من اصحابه ثم تحول بعد الحرب العالمية الأولى إلى اتجاه الدعوة إلى الحرب واستخدام القوة العسكرية. وجعلها الأساس الذي من خلاله يمكن الوصول إلى الأمن الجماعي.
لقد كان للتحولات الكبيرة التي شهدتها الساحة الدولية، أثر بالغ في تحديد معالم السياسة الأميركية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. أذ أصبحت في مواجهة التحديات السوفيتية التي تمتلك نفس الأطماع في السيطرة على العالم وبسط هيمنتها على بلدانه.
أمام هذا الواقع الجديد حددت السياسة الأميركية خطوطها العامة في التحرك الخارجي على شكلين رئيسيين:
الأول: مواجهة التوسع السوفيتي مباشرة. وحرمانه من امكانية السيطرة على مناطق العالم، وفرض هيمنتها عليه.
ووفق هذين الشكلين رسمت الولايات المتحدة سياستها الخارجية وتعاملت على ضوئهما مع الأحداث الدولية. وقد عززت هذين الأسلوبين بأساليب أخرى يمكن إعتبارها ثانوية او مكملة لهما، حيث انها تصب في النهاية في ذلك الاتجاه العام.
بعد أن اوشكت الحرب العالمية الثانية على الانتهاء. برزت بشكل أكبر مطامع كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية في التوسع والسيطرة على العالم. فالسوفيت كانوا يسعون لتعزيز هيمنتهم على شرق أوروبا، واحكام سيطرتهم السياسية والعسكرية عليها، وذلك من خلال وجود قواتهم في دولها، وربطها بتحالفات عسكرية. وفي مقابل رفض موسكو الانسحاب من أوروبا الشرقية فانها كانت تحاول ان تجعل النفوذ الشيوعي ممتدا داخل اوروبا الغربية.
هذا التوجه السوفيتي أثار مخاوف الدول الغربية فراحت تنظر بقلق إلى حدودها الشرقية، لاسيما وأنها خرجت من الحرب منهكة ضعيفة لا تقوى على مواجهة تحديات السوفيت، فلجأت إلى الولايات المتحدة، تستعين بها على الخصوم الجدد. ولقد وجدت واشنطن في هذا النداء الأوروبي فرصة ذهبية تخدم توجهات سياستها الخارجية في التوسع، وتعطيها مبررا لأن تمارس دورها في مواجهة السياسة السوفيتية وفي بسط نفوذها على مناطق جديدة من العالم.
من هذه النقطة بدأ الصراع السياسي بين القوتين المستكبرتين ومنها أيضا انطلقت الولايات المتحدة في رسم اساليب سياستها والتي تعاقب على إرساء اسسها رؤساء اميركا الذين تميزت سياساتهم بأنها حدت جانبا ثابتا لم يخرج عن الخط العام. وآخر متغير تتحدد معالمه على ضوء المتغيرات السياسية والضرورات التي تتطلبها اوضاع الساحة الدولية وظروف المجتمع الدولي. وسنحاول هنا الوقوف عند كل واحدة من هذه السياسات ابتداء من إدارة روزفلت باعتبارها الإدارة الأولى التي بدأت تخوض ميدان التجربة المباشر مع المعسكر السوفيتي.