طوى كارتر ملفاته بعد هزيمته الانتخابية تاركا في المكتب البيضاوي ملفات العودة إلى الاساليب القديمة الثابتة في السياسة الأميركية والمتمثلة في التوسع والتدخل العسكري في انحاء العالم المختلفة.
وعندما فتح ريغن هذه الملفات كان يرى أن كارتر رغم كونه وضع اميركا ثانية على طريقها العام في الاعتماد على القوة العسكرية، الا أن أساليبه لم تكن متكاملة ولم تكن متناسبة مع حجم الهزيمة الأميركية في العالم الإسلامي.
لأن قراءاته لأوضاع هذه المنطقة لم تكن دقيقة جدا، فتجاوزت بعض الصفحات المهمة من ملفات الشرق الإسلامي.
ويبدو ان صدمة كارتر كانت قوية في إيران لاسيما بعد فشله المخزي في عملية انقاذ الرهائن، فمالت دون امكانية معالجة الأمور بهدوء في حين أن منطقة ملتهبة كالشرق الإسلامي تحتاج إلى برودة اعصاب.
كما ان تداخل المؤثرات السياسية في المنطقة كانت تبدو بعين كارتر متشابكة فتعامل معها بتشنج.
ومن شأن هذا التشنج أن يجعل كارتر يتجاوز بعض الحقائق المهمة وتغيب عنه نقاط حساسة بالنسبة للسياسة الأميركية التي تفرض مصالحها أن يكون التعامل معها أكثر بكثير مما فعله كارتر.
والحقيقة ان اتهامات ريغن لسلفه كارتر لم تكن صائبة كل الصواب، فحتمية الانتصار الإسلامي في إيران وضخامته من شأنها أن تربك أي صانع قرار أميركي، وأن تضع الادارة الأميركية بكافة لجانها ودوائرها أمام حيرة كبيرة، تتداخل فيها الخطوط، فتأتي الأساليب مرتبكة غير فاعلة.
لقد رأى ريغن ان من الضروري تصعيد القوة العسكرية واعتبارها الأساس الذي يجب أن تقوم عليه السياسة الخارجية الأميركية.
أي ان مبدأ ريغن يتلخص بـ "العصا الغليظة" وسياسته في حقيقتها لا تمثل تحولا كبيرا عن نهج كارتر، فهي استمرار له، ولكن بتركيز أكبر على الجانب العسكري.
والجديد الذي يمكن ملاحظته على هذه السياسة في الشرق الإسلامي ينحصر في جانبين:
الأول ـ زيادة الدعم العسكري للانظمة الحليفة والتابعة للولايات المتحدة وزيادة الفاعلية العسكرية لقوات التدخل السريع، مع الاستمرار في البحث وانشاء القواعد العسكرية في المناطق الاستراتيجية.
ومن هنا نجد ان الميزانية العسكرية قد تزايدت أرقامها بشكل ملحوظ عما كانت عليه فترة حكم كارتر.
الثاني ـ ايجاد مراكز دائمة في المنطقة لها القابلية على التأثير في اوضاعها السياسية والعسكرية، ومن ورائها تتمكن الولايات المتحدة من ضمان سيطرتها السياسية على الشرق الإسلامي.
والحليف الأميركي الوحيد الذي يتناسب مع هذا الاسلوب هو الكيان الصهيوني.
وبالرغم من أن إسرائيل قد تحسن وضعها في المنطقة في ظل ادارة كارتر خصوصاً بعد اتفاقيات كامب ديفيد، الا ان ادارة ريغن تريد زيادة تحسين وضعها، لأن الأهمية التي تراها في إسرائيل تفوق الاهمية التي كانت تنظر بها ادارة كارتر لاسرائيل، فاسرائيل في نظر الادارة الجديدة تعتبر الحليف الأميركي الوحيد في المنطقة القادر على تحقيق الاهداف الأميركية فيها، لما تتمتع به من امكانيات وقدرات ذاتية، ولأهدافها الخاصة التي تلتقي مع المصالح الاميركية، وهذه النقطة لا تتوفر في غيرها من انظمة المنطقة التابعة لواشنطن.
ويرى مستشارو ريغن ان وضع إسرائيل في الشرق الإسلامي لا يشابهه وضع أي حليف آخر، لاسيما بعد سقوط الشاه، لأن إسرائيل غير مهددة مطلقا بسقوط نظام الحكم فيها أو تغير مصالحه بشكل جذري، وعلى هذا الأساس فان إسرائيل بالنسبة لأميركا مركز استراتيجي متعدد الأغراض لما يقدمه من خدمات للبيت الابيض.
وبتعبير آخر، ان اميركا تنظر إلى إسرائيل على انها "ذخر استراتيجي لا مثيل له يمنع السوفيت من التدخل العسكري المباشر في المنطقة".
لقد تعاملت ادارة ريغن مع المنطقة باسلوب جديدة بعض الشئ، فلقد استبعدت فكرة اعتماد الولايات المتحدة على عدة حلفاء، أي أن الدرس الذي استخلصته حكومة كارتر من هزيمة الشاه وانتصار الثورة الاسلامية، يختلف عن ادارة ريغن في فهمه، فالاخيرة تعتبر ان الشرط الرئيس لأن يكون الحليف حليفاد دائما لواشنطن ثبات نظامه السياسي وترابط مصالحه مع المصالح الأميركية ترابطا عضويا وهذا لا يتوفر الا في إسرائيل.
اما الاعتماد على عدة حلفاء فلا يمثل حلا لأزمة الوجود الاميركي، لأنه يهمل دور أحد الحلفاء (إسرائيل) عندما لا يعطيها الاهتمام المتميز من بين عدة حلفاء، أي ان ادارة ريغن تعتمد على إسرائيل كحليف دائم في حين تعتمد على الانظمة العربية التابعة كحلفاء لهم درجة اهتمام اقل من إسرائيل.
وهذا لا يعني ان دور الحلفاء قد تقلصت أهميته في ادارة ريغن، بل على العكس فقد ازداد عما كان عليه في ادارتي نكسون وكارتر، مقارنة بحجم الدعم العسكري الذي تقدمه لهم لكن الذي حدث ان ريغن اعتبر إسرائيل جزءاً من أميركا في الشرق الإسلامي، وهذا الاعتبار فريد من نوعه في المنطقة من حيث ترابط المصالح والدعم بين تل ابيب وواشنطن.
لقد حاولت الولايات المتحدة من وراء إسرائيل ان تغير المجريات السياسية في المنطقة.
فبعد حالة الركود التي وصلت إليها مسيرة السلام بين النظام المصري والكيان الصهيوني، ارادت الحكومة الأميركية ان تدفع بالسلام في خطوات جديدة، وان تجعله متعددا شاملا.
وما هذه المحاولة الا نقلة عريضة في الواقع السياسي العام للشرق الإسلامي. فبعد عقود طويلة من حالة حرب بين الانظمة العربية وبين اسرائيل، تصبح الحالة السائدة هي اللاحرب.
هذا التحول الكبير الذي أرادت واشنطن فرضه على المنطقة رافقه سعي حثيث من قبل إسرائيل للتحقيق مستلزماته وذلك من خلال المقدمات التي نفذتها في هذا الصدد، وأولها اجتياح ضخم للبنمان في حزيران 1982 تلاه مبادرات عربية جادة نحو السلام.
وإذا كان هذا التحول يمثل هدفا أساسيا لاسرائيل، فانه يعتبر أحد أهداف الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، فانهاء الحرب يعني بقاء إسرائيل قوية في المنطقة عسكريا وسياسيا، ويعني في نفس الوقت نقل امكانياتها وامكانيات الانظمة العربية الخاضعة لأميركا من جبهة التصادم فيما بينها، إلى جبهة أخرى أكثر خطورة على المصالح الأميركية وأكثر خطورة على تلك الكيانات.
هذه الجبهة تتمثل بمواجهة المخاطر الجديدة التي تشهدها المنطقة وأبرزها الزحف الإسلامي القادم من شرق الخليج.
يضاف إلى ذلك، ان الحالة الجديدة لأوضاع المنطقة ستضيف رقما ضخما للوجود الأميركي فيها، حيث سيصبح في مأمن من الخطر الشيوعي بعد أن أصبح الحلفاء ينظرون بملء أعينهم نحو (العدد الجديد).
ان مبادئ ريغن لن تدخل تجربة عملية حقيقية تكشف مدى نجاحها أو احباطها، ولا تكفي بعض المكاسب السياسية ان تكون دليلا على نجاحها، طالما ان مواقف عسكرية يمكن أن تشهدها ساحة العالم الإسلامي، وقد تنسحب آثارها على الصعيد السياسي وتغير كل شئ.
بعد هذا العرض لمبادئ الرؤساء الاميركان يمكن أن نسجل الملاحظات التالية:
1 ـ أن جميع المبادئ التي تبناها رؤساء اميركا كانت في معظم جوانبها ردة فعل لموقف حرج تتعرض له المصالح الاميركية، ثم حاولت من وراء هذه المبادئ خدمة اغراضها السياسية المستقبلية، ولم تأت على أساس انها نهج سياسي نابع من هدف مستقل، فمبدأ روزفلت في تشكيل القوة العسكرية من أجل اقامة نظام بوليسي عالمي، لم يدخل التطبيق العملي الا بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، وغزو ألمانيا لأوروبا.
وترومان لم يطلق مبدأه في دعم الدول الاوروبية عسكريا واقتصاديا الا بعد ان تعرضت لتهديد سوفيتي خطير في التوسع وادخال اوروبا إلى الدائرة الشيوعية خصوصاً بعد الاوضاع الملتهبة التي شهدتها اليونان، والخطر العسكري السوفيتي الذي هدد تركيا.
وآيزنهاور رسم سياسته بعد التطورات المهمة التي شهدتها منطقة الشرق الإسلامي والتي رافقتها محاولات من السوفيت في التقرب من انظمتها، ونكسون أطلق مبدأه بعد هزيمة السياسة الأميركية في فيتنام.
وكارتر حدد اساليبه بعد الخطر الكبير الذي تعرض له النفوذ الأميركي في الخليج والشرق الإسلامي عموما وريغن انتهج سياسة العصا الغليظة بعد أن رأى عدم جدوى أساليب كارتر.
2 ـ بعض هذه المبادئ لم تكن لتنسجم مع المنطقة الموجه نحوها المبدأ، فآيزنهاور مثلا أراد ادخال الانظمة العربية في أحلاف عسكرية، ولم يضع في حساباته الوضع العام لها والذي كان يرفض التكتلات العسكرية أي أنه أراد أن يغير السياسة العامة لتلك الانظمة بما ينسجم مع أساليب سياسته الخاصة، الا ان يرسم أساليبه على ضوء الوضع السياسي لمنطقة الشرق الإسلامي.
4 ـ كما ان هذه السياسة الأميركية اصطدمت نتيجة عدم أخذها بالاعتبار الأوضاع السياسية في المنطقة، اصطدمت بالعديد من المعوقات التي فرضتها تلك الأوضاع فالسياسة الأميركية أرادت أن تطبق أساليبها في منطقة الشرق الإسلامي كلها.
وهذا لا يتم في ظل الصراعات السياسية التي تحكم واقعها العام، والتي تعني في النهاية تجاوب بعض انظمة المنطقة مع سياسة واشنطن، في حين يقف العبض الآخر منها موقفا رافضا إذا لم يكن نتيجة عدم قناعته بفاعليتها، فانه يقف هذا الموقف بدافع عدائه من الأنظمة التي تبنتها مسبقا، ولقد كان عدم الاهتمام الأميركي بهذا الوضع سببا في فشل أساليبها السياسية بصورة عامة، لأنها وضعتها على أساس أن تتبناها جميع تلك الأنظمة لا بعضها، وهذا واضح في سياسة آيزنهاون فلقد حاول أن يفرض سياسته على الشرق الإسلامي، وعندما بدا واضحا انها لم تلق تجاوبا مع معظم أنظمته لا سيما تلك التي لها ثقل سياسي كمصر مثلا، لم يغير من تركيبة اساليبه، بل انّه على العكس من ذلك تماما، سعى لأن يطبق أكثرها حساسية ألا وهو التدخل العسكري، مع علمه ان التدخل لم يكن يمتلك مبررات التطبيق.
ولعل سعيه هذا انّما كان ليرد على الانتقادات الشديدة التي وجهت إليه والتي كانت تنادي بعدم صلاحية مبدئه.
وهذا يكشف لنا حقيقة مهمة ألا وهي ان المبادئ السياسية لرؤساء اميركا، تتأثر إلى حد كبير بدوافعهم الشخصية المتمثلة في الحفاظ على مواقعهم في البيت الأبيض، والذي يعزز هذه الحقيقة موقف جونسون وموقف كارتر من بعده.
فجونسون سار في طريق مسدود عندما كان يزج بالقدرات العسكرية الهائلة في فيتنام، مع ان هذه القدرات لم تكن لتغير من الوضع في فيتنام شيئا، ومع ذلك كان (يقامر) بنهجه هذا من أجل خدمة وضعه في السلطة.
وكارتر سعى إلى تطبيق أحد أساليب التدخل في الجمهورية الإسلامية في ايران، بعد أن تعرض وضعه في الحكم إلى انتقادات شديدة على اثر هزيمة اميركا في إيران والخليج.
ومن الطبيعي أن يؤثر هذا النهد لرؤساء اميركا على فاعلية السياسة الخارجية الأميركية، بعد ان تكون قد حوت على عاملي ضعف الأول يتمثل بعدم الاهتمام بالأوضاع السياسية لمنطقة الاهتمام الاميركي، والثاني تأشرها بالدوافع الشخصية لرؤساء الولايات المتحدة.
5 ـ الملاحظ على مبادئ الرؤساء الاميركان انها تسير على خط عام ألا وهو التدخل العسكري واعتماد القوة العسكرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وإذا كانت هناك فترات رئاسية تشهد فتورا في القوة العسكرية فانما هي حالات طارئة ومفروضة، لأنها جاءت بعد فشل عسكري كبير، لحقه فشل سياسي اميركي على الساحة الدولية.
6 ـ تأثرت هذه المبادئ إلى حد كبير بالخوف من التوسع السوفيتي أو الصيني، أي ان هذه المبادئ التي كانت تهدف بالدرجة الاولى إلى فرض السيطرة الأميركية على العالم، اصبحت في نفس الوقت أحد أساليب مواجهة التوسع الشيوعي، كما انها تأثرت بأهداف أخرى للسياسة الأميركية كاثبات المصداقية مثلا.
وكان لهذا التأثر نتائج سلبية على فاعليتها لأنها في هذه الحالة أصبحت ثانوية ولو لفترة محدودة أو لظرف مؤقت.
7 ـ ومن هذه الملاحظات يتبين ان السياسة الوحيدة التي حققت القسم الكبير من أغراضها ـ وليس كلها ـ هي سياسة ترومان، في حين فشلت غيرها من المبادئ والسياسات، فروزفلت عجز عن تحقيق القوة البوليسية والنظام العالمي، وآيزنهاور لم يتمكن من تطبيق سياسته في الشرق الإسلامي، ويمنع السوفيت من الوصول إليها، وكل من كنيدي وجونسون فشلا في اخضاع الهند الصينية للسيطرة الأميركية، ونكسون لم تستطع مبادئه أن تضمن بقاء الوجود الأميركي في الخيلج، وكارتر لم يقتنع خلفه بسياسته فحاول اضافة المزيد من الأساليب عليها لأنه لم يكن واثقا من كفاءتها في السيطرة على الشرق الإسلامي ومع ذلك فانها لم تدخل تجربة عملية.
واقتصرت سياسته على الصعيد الدولي بالعلاقات الدبلوماسية والتحركات السياسية، في حين ان "العصا الغليظة" التي يلوح بها لم يستخدمها بشكل مباشر، في المنطقة الإسلامية وان كان قد استخدمها في نيكاراغوا.