الحرية الفردية وآفاق التطوير

 

 

الإنسان جماع للعلاقات الاجتماعية وليس مجرد وعاء لخصائص موروثة، ولا "حزانة" أفعال منعكسة مشروطة. إن الذي يحدده في النهاية النسق المعطي تاريخياً للمجتمع، وهو نسق حي، قوامه فعل الإنسان أو نشاطه الاجتماعي وتفاعله. وسلوك الفرد تحفزه متطلبات شخصية واجتماعية عملية ووجدانية. والتكوين الذاتي للإنسان غير منفصل عن العلاقات الموضوعية بين الفرد وبيئته الطبيعية والاجتماعية. والعلاقة بين الفرد والمجتمع تتباين بتباين المرحلة التاريخية إذ لا يوجد فرد عام مجرد، كما لا يوجد فرد عام مجرد، كما لا يوجد شيء اسمه "مجتمع بالمعنى العام". والحرية الفردية، تتحقق من خلال إدراكنا للظروف الموضوعية وللعلاقة الخاصة التي تقوم بين الناس والتي ينمو وعينا بذواتنا في إطارها حتى لا تخضع للقضاء والقدر. وتحكم هذه العلاقة وتحددها معايير هي معايير السلوك والفكر، أو النقل: معايير الأخلاق والعمل والحق.

ومفهوم حرية الإنسان رهن بطبيعة الصورة الفلسفية للإنسان وعلاقته العضوية بالمجتمع، وهي الصورة التي تشفها ثقافة المجتمع. فإن فهم الإنسان في صورة فلسفية شاملة يختلف عن فهمه بيولوجياً أو سيكولوجياً أو اجتماعياً فقط. ففي سياق التحليل الفلسفي نعبر عن الإنسان، لا من حيث أنه فرد له وجود مادي محدد تميزه جملة من القسمات النفسية الاجتماعية المميزة، ولا باعتباره ذاتاً عامة موجودة خارج الزمان والمكان، وإنما الإنسان وجود اجتماعي قادر على الفعل والتفكير وفقاً لطبيعة خاصة به، أصيلة فيه، ووجوده في عصر تاريخي محدد، وله خبراته التي تثري وتغتني دائماً. ولهذا فإن الإنسان يتجلى وجوده الحق حين يبدع، فهذا هو كمال وجوده. ولهذا أيضاًَ كانت العودة إلى الإنسان أو العقل الحر المبدع هي دائماً وأبداً المعلم الرئيسي للنهضة. وهذا على عكس ما يوصينا به سكينر؛ إذ يرى الإنسان آلة ذات سلوك له قواعد للتشغيل والتحكم.

وشعار الحرية الفردية الذي نادت به النهضة لم يأت لفرد مجرد عام؛ بل لفرد اجتماعي، ومن ثم فإن مفهوم الحرية جزء متكامل مع تحولات أنه فرد له وجود مادي محدد تميزه جملة من القسمات النفسية الاجتماعية المميزة، ولا باعتباره ذاتاً عامة موجودة خارج الزمان والمكان، وإنما الإنسان وجود اجتماعي قادر على الفعل والتفكير وفقاً لطبيعة خاصة به، أصيلة فيه، ووجوده في عصر تاريخي محدد، وله خبراته التي تثري وتغتني دائماً. ولهذا فإن الإنسان يتجلى وجوده الحق حين يبدع، فهذا هو كمال وجوده. ولهذا أيضاً كانت العودة إلى الإنسان أو العقل الحر المبدع هي دائماً وأبداً المعلم الرئيسي للنهضة. وهذا على عكس ما يوصينا به سكينر؛ إذ يرى الإنسان آلة ذات سلوك له قواعد للتشغيل والتحكم.

وشعار الحرية الفردية الذي نادت به النهضة لم يأت لفرد مجرد عام؛ بل لفرد اجتماعي، ومن ثم فإن مفهوم الحرية جزء متكامل مع تحولات وتكوينات ورؤى اجتماعية، لا فردية، جديدة. واقترن بهذا مثلاً شعار "الرأي العام" الذي يعني رأي مجتمع أفراده أحرار في صياغة أفكارهم في تفاعل مشترك. وهي صياغة مشروطة بمناهج تحصيل مأمونة الزلل؛ قدر المستطاع. واقترن أيضاً بأن العالم البحّاثة، وهو فرد، له حرية البحث وإثبات الدليل والبرهان؛ وللعلماء الآخرين حرية التحقق وفق مناهج البحث المعتمدة. وهكذا فإن الحرية الفردية ليست عملاً فردياً متحللاً من المجتمع.

وتعنى الحرية الفردية، من بين ما تعني أيضاً، حق التعبير والاعتقاد والتفكير. ولكن كيف يمارس الفرد حقه في هذا الصدد دون توفر المعرفة والعلم، وحق المرء في أن يلتمس المعرفة بحرية من أي مصدر يرى أنه مرجع موثوق به، وبدون ذلك تنتفي الحرية الفردية وتتعطل ممارسة الحق. والحرية الفردية بهذا المعنى، وحسب سياقها الاجتماعي، تعني الالتزام بحرية الغير وحقه، وكأنه عهد وميثاق غير مكتوب، يؤكد حق كل امرئ في التعبير والاعتقاد والتفكير. وتعنى تنظيم هذه الحريات لكي تتكامل في تيار لما سبق في مراحل تطورية من إيمان بأن صاحب السلطان هو الحكيم العارف والمسؤول الأول والأوحد، ونفي لمقولة: "السيف أصدق إنباء من الكتب". إنها اعتراف بالأنا وبالآخر، أو اعتراف "بنحن" على قدم المساواة بين حاكم ومحكوم، وأن اختلفت وتباينت الأدوار. لم يعد المرء ذائباً في المجتمع بمعنى زال هويته ودوره المتميز ومسؤوليته، مثلما هو الحال في القبيلة ولا هو صفر على الشمال بغير حساب؛ بل إنه ترس دوار في آلة، له كيانه العقلي والوجداني، منتج مترابط في وحدة واحدة وحاجة متبادلة. ولم يكن رأي النهضة والتنوير في الحرية الفردية هو نهاية المطاف بل مرحلة انتقالية جديدة في سلسلة تطور المجتمعات. ولم يكن خيراً كله ولكنه بالنسبة لأوروبا أفضل من سابقة وأليق بطبيعة المجتمع الجديد. ثم إن سلبياته تقاس بالحركة المستقبلية للمجتمع في تطوره الارتقائي ولا تقاس برؤية خيالية عن عصر مضى.

ولكن قضية الحرية الفردية، وهي واحدة من قضايا العالم الثالث الأساسية، لم تحتل بعد مكانتها اللائقة بها في التطبيق العملي، وعلى الرغم من أن حسمها ضروري لضمان التقدم وبلوغ النهضة المرجوة غايتها. إذ إن الحرية الفردية شرط لمسيرة التغيير ومواجهة خطر التحدي من جانب فكر وافد معاد ومسلح بإمكانات التجهيل. لذا ثمة حاجة إلى تأكيد دور الفرد وحريته كعنصر مشارك إيجابي، بغير وصاية، في عملية التغيير الاجتماعي، وتأكيد أنه صاحب كلمة، لا باعتباره ذاتاً مفردة لها مصالح أنانية أو متمايزة ومتميزة؛ بل باعتباره عنصراً متكاملاً في نسيج اجتماعي، وصاحب مصالح مشتركة يرى ذاته في الآخرين ومعهم تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً. وبذلك يكون المقصود بالحرية الفردية هنا؛ حرية الإنسان من حيث هو كائن اجتماعي، لا فرد أناني، وعضو في مجتمع له تاريخه ومشكلاته وطموحاته المشروطة وله علاقاته بما تنطوي عليه من صراعات وتناقضات وتوافقات. والفرد الذي لا تكتمل ذاتيته وحريته إلا من خلال ذاتية وحرية المجتمع، والذي هو وجه لهذا المجمع، ووجوده المادي والأخلاقي والفكري الخ، رهن بهذا المجتمع، يؤثر فيه ويتأثر به، ذاتاً وموضوعاً في آن، يستكشف الظروف والشروط الموضوعية لنموه كذات في الصيغة التاريخية للمجتمع الذي نبت فيه؛ أي في خلال هذا التمثل تتأكد وحدته بالمجموع، وهي ليست وحدة رومانسية أو ميافيزيقية؛ بل وحدة عضوية تاريخية، ووحدة مصالح متكاملة لها بنيتها المستقلة المميزة ومسارها التطوري المشترك. إن الأمم الناهضة لن تقوى على أداء رسالتها إذا ما التزمت بالرؤية التي يسوقها إليها فلاسفة البراجماتية، وتقول إن المجتمع تجمع أفراد، ففي هذا عين الهلاك والاستسلام.

ومع هذا، نحن بحاجة إلى نظرة نقدية لتاريخ الفرد وعلاقته بالمجتمع تاريخاً وحاضراً. وحري ألا تكون هذه النظرة انطلاقاً من أفكار قبلية مسبقة، أو تصورات ميتافيزيقية أو رؤى خيالية تنزع إلى تطويع الواقع قسراً ولو على حساب الحاضر والمستقبل؛ أو الإغراق في إدانة الحاضر وكفى، دون أن نخطو خطوة إلى الأمام قانعين بالإدانة وتمجيد الماضي؛ يؤرقنا شعوره بالذنب لأننا لم نكن من بين أهله وفضله. بل أولى بنا أن تكون النظرة انطلاقاً من رؤية تاريخية لدور الفرد وعلاقته بالمجتمع وحركة التطور الارتقائي للمجتمعات وأثرها على تطور هذه العلاقة وإثرائها بمحتوى محدد دوماً، وانعكاس ذلك على أسلوب إدارة المجتمع. وأن ترتكز هذه النظرة على دراسة علمية مقارنة للأنظمة المختلفة على ضوء الحقائق والوقائع التاريخية والمشكلات والقوى الاجتماعية المتاحة فعلاً. والدراسة العلمية المقارنة لا تعني الاكتفاء بالمقارنة النظرية المجتزأة؛ بل الالتزام بأفضل ما يسرته مناهج البحوث الجامعة المتكاملة لنصل إلى صورة واضحة عن مجتمعنا كبنية في حركة مع التاريخ، صعوداً وهبوطاً وأسباب ذلك. وليس عيباً أن تبين لنا في صورة فاضحة مظاهر للطغيان أو لأنانية حكام وزعماء، أو تخاذل جماعات، وإنما العيب أن نخفي الحقيقة عن أنفسنا فنفقد الرؤية الصحيحة، ويهرب الواقع منا. والمعروف أننا لم نتناول بعد تاريخنا وفكرنا من منطلق هذا المنهج الجامع المتكامل. فلا نزال بحاجة إلى دارسة أفكارنا ومعتقداتنا منذ قديم الزمان دراسة تكشف عن طبية العلاقات المتبادلة بين الحضارات المختلفة، وكذلك بينها وبين البيئة المحلية.

وحرية الفرد ليست فقط وليدة حراك اجتماعي سياسي واقتصادي فحسب؛ بل هي أيضاً، مع هذا في وحدة واحدة، وليدة ثراء المعلومات والأفكار التي تتوفر لنا، ووليدة استيعاب منطق الحياة وقوانين حركة الطبيعة والإنسان والفكر والمجتمع؛ إذ بهذا نكون أحراراً، في حدود الطبيعة المفروضة، في رسم الإطار التاريخي لمستقبلنا؛ وبهذا نكون مستقلين فكرياً في حركتنا صوب المستقبل المنشود. ومن ثم نكون قادرين على التوسع في هذه الحرية برفع مستوى معارفنا عن الواقع من خلال نشاطنا الإبداعي، واستيعاب ماضينا وتراثنا. وأهم شروط ذلك: حرية تلقى المعلومات وتبادلها والوصول إليها، والتعبير عنها، والمبادرة بها دون قيد.

وليس خافياً أن العالم الثالث في جملته يعاني من مرض "كبت الحرية المعرفية" أو تحريفها وتشويهها. وأداة ذلك إرث من التسلط الاستبدادي السياسي والثقافي معاً، ناهيك عن وسائل الدعاية والرقابة والإعلام التي تدعم هذا التسلط. لقد عانت شعوب العالم الثالث من عهود طغيان واستبداد وعبودية الإقطاع والقبيلة أفضت جميعها إلى الحط من كرامة الإنسان، أو لنقل إنها تتناقض مع مضمون وشكل كرامة الإنسان وحريته اللتين يقتضيهما العصر والنهضة المأمولة على عكس ما ذهب إليه سكينر حين رسم معالم مجتمع القطيع، وهو ما يستهدفه القائمون على تطبيق فلسفته في مجال الدعاية والإعلام. ومن أسف أننا لم نحدد بعد من خلال نظرة نقدية أثر عهد الطغيان في الماضي على تراثنا وفكرنا ونظرتنا إلى الإنسان. ولم نقل لصناع المستقبل من جيل الشباب والتلاميذ: ماذا جرَّته علينا عصور الطغيان والاستبداد، حين نسأل: لماذا التخلف؟ كان أثرها مدمراً: قصفت الأقلام، وقتلت روح المبادرة والإبداع، وأورثت الجبن والسلبية. ثم نسأل: لماذا نعتمد على الفكر الوافد دون الإبداع المحلي؟ مأساة مفكر مثل طه حسين، لا تزال حدثاً قريب العهد ماثلاً في الأذهان. وتكرر مع الشيخ على عبد الرازق، ولا يزال قابلاً للتكرار، ومن قبله أحداث وأحداث على مدى التاريخ، منها ما كان إيذاناً بزوال أزهى عصور الحضارة الإسلامية، ويؤكد ذلك: مأساة الحلاج أو ابن حنبل وغيرهما؛ بل وقتل فكر كثيرين وكثيرين حتى بعد موتهم؛ إرضاءً لحضارة عشقت الحفظ دون التجديد، وآثرت النص على البحث والاستكشاف، وحصرت نفسها في إطار الاستظهار دون الإبداع.

وترك طغيان الماضي وبطش السلطان بصماتهما في النفوس. ولعلنا لو سألنا أي إنسان يصادفنا في الطريق عن رأيه في قضية تتعارض مع التراث، أو مع رأي صاحب السلطان. سوف تحكي نظراته، كما يحكي لك تردده وصمته آثار عصور التجهيل والقهر التي امتدت قروناً. ثم نسأل بعد ذلك: لماذا التطرف وعشق العمل في الظلام؟ ولماذا تسبق اليد الفكر واللسان، ويشيع العنف بين الناس؟ فإذا وجد الفكر الحر متنفساً له، ومساحة للعيش لكي يعبر عن ذاته في حرية تعرف معنى التسامح الحق، وإذا وجد معيناً خصباً متجدداً ومتبايناً من الأفكار تؤكد له تعايش المتناقضات، وتنوع مظاهر الحياة، وإذا شغلته قضايا عملية تقترن بهدف في الحياة سبغ عليها معنى وقيمة ويجد فيه ذاته، ثم غابت سطوة السلطان. هنا سيخف رويداً رويداً الموروث من سلوك القهر الاجتماعي. وشيئاً فشيئاً لن يكون للعنف مكاناً، وسوف تتراجع اليد لتكون الصدارة والأسبقية للعقل والحوار. ويعلو البناء.

ولو سألنا أنفسنا: ما هو شكل المجتمع المنشود الذي تتحقق فيه الحرية الفردية المتسقة مع حرية المجتمع وحركته، ويكفل نمو الفرد وتطوره؟ لن نجد اجابة محددة وواضحة؛ بل لا يزال السؤال معلقاً، رهناً باجتهادات فردية تتخذ الماضي معلماً ومرشداً؛ بل لا يزال السؤال معلقاً بشأن صورة الإنسان وما هي حدود الحرية المسموح بها؛ إن لم يكن السؤال في حقيقته، وكما تنتبئ الممارسات العملية في بعض البلدان: هل للفرد حق في الحرية أصلاً؟ .

ويستحيل وضع إجابة، هي في جوهرها ثورة اجتماعية، دون نظرة نقدية علمية تاريخية للمجتمع ومشكلات الفرد مع أنظمة الحكم، ودون تحول اجتماعي حقيقي لبناء مرحلة تطورية تكون فيها علاقة النسب أصيلة وشرعية بين الحرية الفردية وبين طبيعة هذه المرحلة:  ذلك لأن الحرية الفردية لا تُفرض اعتسافاً، وإلا أضحت شكلاً بغير مضمون. وإنما هي تولد وتشري وتغتني مع مرحلة تطورية بذاتها ونخطئ إذا زعمنا أنها موجودة دائماً وأبداً، وبنفس القدر على مدى التاريخ. ولهذا، فإن تأكيد حرية الفرد يعد في عصرنا ركيزة الإصلاح، وأول خطوة على طريق النهضة والمشاركة الحرة لضمان ولاية شعب واع، أمره بيده جميعاً دون الصفوة وحدها؛ ودور الإنسان الواعي صاحب الأهلية السياسية في توجيه ومراقبة النظام السياسي وتنظيم المجتمع. وبهذا أيضاً نؤكد الانتماء ونقضي على "التواكلية" التي تنخر في كياننا وتشل جهودنا.

وفي إطار حرية المجتمع، ومقترنة ومتسقة مع حرية الفرد، تجري عملية التنمية؛ تنمية الفرد والمجتمع علمياً وجدانياً. إذ لا حرية لإنسان فقير أمي، ولا حرية لأمة تعيش على الاستهلاك وتقتل القدرة على الإبداع، ومحرومة من قاعدة للبحث العلمي المستقل يفي باحتياجاتها، ويكفل لها حق الوصول إلى المعلومات. ولا حرية لأمة معزولة عن الحضارات. وإنما أمة قادرة على التفاعل؛ أخذاً وعطاءً، من موقع القوة التي تتأتى لها بفضل هذه الحريات جميعها. ومثل هذه الأزمة لن تحلها الإعانات والمنح والوصايا الأجنبية.

وشعار اللحاق بالدول المتقدمة، أو تعويض التخلف، لا بد له من مضمون اجتماعي يحفز الناس إلى المشاركة النشطة باعتبارهم أصحاب بلد؛ أي عناصر إيجابية واعية لها دور يحدده دستور ومؤسسات وضمانات، ويسانده ويدعمه تحول اجتماعي حقيقي. ومن هنا تكون الحرية الفردية دالة اجتماعية وضرورة وليست ترفاً، حيث الفرد تجسيد للمجتمع. لصالح من هذا الجهد المبذول؟ هل لصفوة تهيمن وتنظر إلى الناس من عليائها كأنهم روبوت أو بشر آليون أو قطيع تسخرهم لأغراضها الخاصة، ولا يقبض العامة غير الريح، وتقهرهم الصفوة بوسائل العلم والتكنولوجيا لكي تجردهم من إنسانيتهم بقوة غشوم، وأجهزة دعاية وغسيل مخ؟ لا يكفي القول بأن نصيب الفرد من الدخل القومي زاد، أو أن استهلاكه زاد من الطعام والكهرباء، زيادة هي إهدار للإمكانات، وليست تعبيراً عن إنما حضاري.

وإنما السؤال: ما هي نصيبه في تعزيز الإنتاج وتطويره؟ وما هو دوره الإيجابي والإبداعي؟ وما هو إسهامه في توجيه الأمور؟ وما هي مشاركته في عملية تنمية مرسومة ينتمي إليها وتعكس قيماً اجتماعية يؤمن بها الناس وتستجيب لتطلعاتهم ولاتنزعهم من تراثهم. وما هو حصاد نموه وارتقائه الحضاري أو العقلي والوجداني؟

الغزو الثقافي والتضليل الإعلام:

يؤمن فلاسفة الفكر الرسمي الأمريكي بأن الولايات المتحدة أمة صاحبة رسالة خالدة. ويبشرون بأن أمتهم قادرة بإمكاناتها أن تحقق رسالتها الخالدة وحلمها الأعظم، الذي تعبر عنه أسطورة حكاها جون فايسك فيلسوف التاريخ، عضو النادي الميتافيزيقي مهد البراجماتية؛ إذ رسم فايسك، أو رسمت الأسطورة على لسانه، حدود الولايات المتحدة الأمريكية. وتروي الأسطورة، التي استهل بها فايسك إحدى محاضراته، قصة حفل غداء في باريس ضم أربعة من المغتربين الأمريكيين. تحدث كل منهم عن مستقبل الولايات المتحدة وحدودها. إلى أن جاء دور المتحدث الرابع الذي لم يقنع بما رسمه سابقوه من حدود تسع الكرة الأرضية وكل شعوبها وبلدانها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛ ومن القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، وانبرى وقال: "لماذا نترك أنفسنا أسرى هذه الحدود الضيقة. إن الولايات المتحدة هي تلك التي يحددها الشفق القطبي شمالاً، والاعتزالين جنوباً، والعماء البدائي شرقاً، ويوم القيامة غرباً" .

ولم يكن جون فايسك ـ فيلسوف التاريخ ـ هو أول من عبر عن طموح الولايات المتحدة مجسداً في رسالتها الخالدة التوسعية. وإنما عبر عنها آخرون من رجال الدولة والزعماء السياسيين، مما يؤكد أنها جزء من ثقافة اجتماعية سائدة؛ وإن صيغت الرؤية في عبارات متباينة. ذلك أن فكرة: الأمريكيون هم شعب الله المختار، عبر عنها صراحة توماس جيفرسون في خطابه الرئاسي الأول عام 1810. وسبقه أيضاً جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة، إذ قال في خطاب رئاسته: إنه موكل بمهمة عهدها الله إلى الشعب الأمريكي، وذلك في عام 1789. ومن بعده قال جون آدمز الرئيس الأمريكي الثاني: إن استيطان أمريكا الشمالية تحقيق لمشيئة إلهية" . وقال تيودور روزفلت "أمركة العالم هي مصير وقدر أمتنا" .

وتساند هذه الرسالة رؤية فلسفية حددتها البراجماتية وعرضنا لها؛ منها الإيمان بأن الحياة، ثقافة واقتصاداً وسياسة، صراع دموي، وأن البقاء للأقوى. إن مبدأ التطور، حسب التأويل البراجماتي، يبرر التنافس بين الثقافات. وإن الحروب بين الحكومات والأديان والنظم الاجتماعية والأجناس البشرية والطبقات تقوم على أساس أن بقاء الأصلح؛ بمعنى الأقوى في نظرهم، هو قانون الطبيعة ـ وهي طبيعة "حمراء الظلف والناب". وإذا كان الإنسان قد خرج من الصراع وهو سيد الأنواع، فلماذا لا نتطلع إلى سلالة بشرية تكون سيدة السلالات؟ وإذا كانت الثقافة قد تطورت من خلال عملية مماثلة، فلماذا لا نتطلع إلى ثقافة هي سيدة الثقافات؟ وبقاء الثقافة وانتصارها على سواها رهن بعمل وجهد أصحابها .

بهذه الخلفية تقتحم الولايات المتحدة الساحة، وهي صاحبة "رسالة خالدة"؛ وهذا نهجها: "الصراع بكل الوسائل، دعاية وإعلاماً وحرباً باردة أو ساخنة في سبيل فرض ثقافة، هي الأقوى سلاحاً مضموناً، ومن ثم تصبح بحكم الأمر الواقع سيدة الثقافات. وإذا كان الحق هو ما ينفع، والخير هو المصلحة، إذن ما الخطأ في اتباع كل وسيلة ممكنة وصولاً إلى هذا الغرض؟ لنصوغ ثقافة هادفة نضع تصميمها ونفرضها بكل الوسائل على البشر. إنها معركة مقدسة من أجل رسالة خالدة هدفها تدجين الإنسان وتحقيق المصلحة. "إن التصميم المقصود للثقافة وما ينطوي عليه من سيطرة على السلوك البشري هما أمران ضروريان إذا أريد للجنس البشري أن يستمر في النمو والتطور" . ولكن إلى أين؟ يستطرد قائلاً: "ليس في التطور البيولوجي أو التطور الثقافي أية ضمانة بأننا نتحرك حتى نحو عالم أفضل؟ إن المطلوب هو قدر أكبر، وليس قدراً أقل، من السيطرة المقصودة. وهذا في حد ذاته مشكلة هامة في هندسة الثقافة" .

وهندسة الثقافية تعتمد على إنكار العقل والوعي، وترى أن ما نسمَّه عقلاً هو حاوية أفعال منعكسة. وإن بالإمكان تغيير العقل أو التلاعب به عن طريق تكوين أفعال منعكسة شرطية أخرى حسب الطلب. وهذا هو المقصود بإحداث التغييرات في الظروف البيئية، تتمثل بدورها في تغييرات السلوك. وبهذا المعنى نغير الاعتقادات. وإن التغييرات في التفضيلات والمدركات الحسية والاحتياجات والغايات والمواقف والآراء، وفي غيرها مما ينسب إلى العقل يمكن تحليلها بنفس الطريقة. إننا نغير الطريقة التي ينظر بها الشخص إلى شيء ما، وكذلك نعير ما يراه حينما ينظر، وذلك بتغيير الأحداث الطارئة؛ أي المنبهات التي يتلقاها الإنسان. ويمكن للمرء أن يغير اعتقاده إذا وجد في سلوك ما منغنماً يستهويه، ومظهراً يرضيه أو متعة يطرب لها حتى ولو وصل الأمر حدَّ الإفساد الأخلاقي؛ أو وجد فيه مصدراً لعقوبة وألم وضرر، ومن ثم يؤثر السلامة ويتحرر من العقاب. وخير الأمور أن يجري تغيير العقول خفية حتى لا نستشير الشخص المعنى ويسعى إلى الانتقام .

وعبر بطل (ڤالدن 2) عن هذا النهج حين قال: "إننا نلتزم نظاماً للسيطرة بحيث أن المسيطر عليهم يشعرون بأنهم أحرار على الرغم من أنهم يخضعون لقانون أشد صرامة من النظم القديمة. إذ عن طريق تصميم دقيق وحذر للثقافة نتحكم في نوازع السلوك، وليس في السلوك النهائي، أي نتحكم في الحوافز والرغبات والأماني. وها هنا تصبح مسألة الحرية غير ذات موضوع . ثم يتساءل "ماذا بقي لكي نفعله بعد ذلك؟ ما رأيك في تصميم الشخصيات؟ والتحكم في الأمزجة؟ هل يبدو ذلك الأمر خيالياً؟ ولكن بعض التقنيات متاحة، ويمكن إعداد كثير غيرها تجريبياً. إننا نستطيع أن نحل السلوك الفعّال ونصمم التجارب لاكتشاف كيف نغرس ما نريد في شبابنا . والإنسان ضعيف يمكن إخضاعه للسيطرة ويكون ضحية . وقد وفرت تكنولوجيا التحكم في السلوك سبل القوة والانتصار وتغيير العقول.

وأصبحت الولايات المتحدة، صاحبة الرسالة الخالدة، هي القوة الأولى في العالم. تملك الرسالة، وتملك معها ترسانة مهوَّلة من القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية والعلمية. تؤهلها لكي تكون صاحبة السيادة. وإذا كانت القوة تصنع الحق والخير، فهي إذن أهل لكي تكون صاحبة "الحق" وفاعلة "الخير"، وتيسرت لها القوة بفضل ما حققته في العقود الأخيرة من تطور جبار، فأضحت عملاق الاقتصاد العالمي. العالم كله سوق مفتوحة لها، أو هكذا ينبغي أن يكون. تطلعاتها الشرهة يضيق معها العالم على اتساعه. فقد شهد العالم عقب الحرب العالمية الثانية بداية طفرة كيفية جديدة في مجال الإنتاج المادي، وثورة في المعلومات وتخزينها وتوظيفها، وهي المرحلة التي اصطلح على تسميتها باسم: ثورة ما بعد عصر التصنيع. وتحققت خلال هذه العقود القليلة خطوات متلاحقة مذهلة في مجال الاكتشافات العلمية وتطبيقاتها الفورية. ومجال العقول الالكترونية. واقترن هذا بعملية ضخمة في تركيز المال والمعلومات والخبرة ومؤسسات البحث العلمي والإنتاج. ووراءه ومعه ثورة في أجهزة الاتصال والدعاية والإعلام.

وتركزت جميع هذه الإمكانات والطاقات في أيدي عدد قليل من الشركات المسماة "الشركات متعدية القوميات"، وهي: أساساً شركات أمريكية ضخمة عملاقة. ومثلما تقبض هذه الشركات على الكم الأساسي والأحداث من الإنتاج العالمي للسلع الاستراتيجية والتكنولوجية، تقبض كذلك على العلوم والمعارف والخبرات المتقدمة بفضل ما تملكه من مؤسسات بحوث تضم خيرة العلماء وأكفأهم؛ الذين تستنزفهم من كل بلدان العالم، وخاصة بلدان العالم الثالث. وتقبض أيضاً على السوق العالمية توجهها حيث تشاء وفق مصالحها. وتقبض بعد هذا على أخطر وأكبر أجهزة الدعاية والإعلام ودور النشر في العالم ووسائل الاتصال. وظهرت بذلك صناعة عالمية جديدة غير مرئية تعرف باسم: صناعة العقول أو صناعة الوعي، أو كما يقول سكينر: هندسة الثقافة وتغيير العقول وخلق الاعتقادات. وتخال الولايات المتحدة أن العالم بات ملك يمينها، بفضل كل هذه الإنجازات العلمية: تلعب بعقول بلايين البشر وتصوغ عقولهم، وتتحكم في سلوكهم، وتصنع أو تزيف لهم ثقافتهم. وتمثلت محاولات الهيمنة الأمريكية في محاور ثلاثة غير منظورة وهي: مجال صنع القرار، ومجال المعلومات، ومجال الإعلام والدعاية والتحكم في العقول وغرس عادات سلوكية وقيمية.

وإذا كانت الحرية بوجه عام ـ حرية الفرد والمجتمع ـ رهناً بكم ونوع المعلومات المتاحة، فإن احتكار المعلومات يعني قدرة على التحكم في حرية الفرد والمجتمع في اتخاذ قرار صحيح؛ بل يوهمه بأنه حر على الرغم من حرف اتجاهه إلى حيث تكون مصلحة القوة المسيطرة. ذلك لأن من يملك المعلومات يملك السيطرة على الناس. ويصدق هنا قول سيناتور فولبرايت، حيث قال: "إن عملية نقل المعلومات هي السلطة، واستئثار فئات معينة بحق الوصول إليها" أو التعامل معها يمثل نوعاً من السلطة خطراً وعنيداً" . معنى هذا أن الولايات المتحدة تقوم بدورها في احتكار المعلومات عن وعي وإصرار وترصد وفقاً لخطة تتسق مع فلسفتها. وفاء لمصالحها كدولة وأداة للشركات العملاقة.

وتقوم الشركات متعددة القوميات بالدور الرئيسي في نقل المنتجات الثقافية والكتب والأفلام والمواد التعليمية التي يتم الاتفاق عليها من خلال عمليات التسويق أو الاتفاقات والتسهيلات الثقافية والمنح والإعانات التي يخصص جزء كبير منها للبرامج الإعلامية المصدرة إلى الدول المستفيدة التي تفرض الأذواق الاجتماعية والثقافية الأجنبية. وترحب الدول بها لتملأ ساعات الإرسال التي تتجاوز 14 ساعة يومياً. هذا فضلاً عن منَح إنشاء كليات ومعاهد ومدارس خاصة بمصروفات باهظة لتخريج النخبة التي تتهيأ لتولي السلطة مستقبلاً بعد أن رضعت الفلسفة والرؤية والقيم الأمريكية وأسلوب الحياة ومعالجة الأمور وفق لنهج أو المزاج الأمريكي المصطنع .

وأكثر من هذا أن "الشركات متعددة القوميات" بما تمتلكه من مراكز ومعاهد ومؤسسات بحوث خاصة تضم جيوشاً من الباحثين في العلوم التطبيقية والنظرية تسيطر على المعلومات العلمية والسياسية والاقتصادية الخ، في مجالات مختلفة. وتوضع دراساتها موضع الاعتبار عند صنع قرارات الدولة الأمريكية؛ بل قد تعهد إليها الإدارة الأمريكية بمهمة وضع سيناريوهات للأحداث، وفقاً لاحتمالات متعددة يضعها المسؤولون في الاعتبار عند اتخاذ القرار. وتمتلك هذه الشركات بنوكاً هائلة لأحدث وأدق المعلومات لا تضارعها غير بنوك المال التي تمثل أعلى مراكز لتركز رأس المال الاحتكاري العالمي. وتتحكم في ما يصدر من معلومات إلى الخارج، وتوجهها وتصوغها على النحو الذي يحمي مصالحها في الداخل وفي الخارج، سواء للإبقاء على نظم حكم عملية، أو مهادنة، أو الإطاحة بنظم أخرى مناهضة، أو لحماية مصادر الثروات التي تهمها، أو اشعال حروب محلية، أو غير ذلك. وأصبحت بهذا أحد مصادر القوة التقليدية للولايات المتحدة كقوة عالمية أولى تتحكم في توجهات ومصائر الأمم عن بعد.

وبعد هذا تطالب الولايات المتحدة، في براءة "الحمل" وباسم المساواة، بعقد معاهدات تعطي حق تدفق المعلومات بحرية بينها وبين الدول الأطراف. وكما يقول المثل: من يملك يحكم ويتحكم. وطبيعي أن يأتي هذا العرض مغلّفاً بعبارات معسولة عن التعاون والإنسانية المشتركة، وسوف تختفي عبارات: مجتمع القطيع والإنسان الآلة، وحق سيطرة الأقوى، وأن الحق والخير هما المصلحة. سوف تختفي هذه الأنياب أو هذه العبارات وراء عبارات أخرى براقة، ويؤكد هذا حديث روبرت سارتون رئيس مجلس إدارة شركة R. C. A كبرى شركات الالكترونيات العالمية الأمريكية. إذ يعرض إنشاء سوق عالمية مفتوحة للمعلومات أمام كل إنسان وكل دولة مهما قل شأنها؟ ويقول في دعوته: "هذه السوق سوف تشجع على قيام حركة عالمية متزايدة للمعلومات تنشأ عنها فوائد ملموسة. إن توزيع المعرفة من خلال مثل هذا النظام سوف يوفر حافزاً للنمو والتوسع. إنه يستطيع أن يقدم للجمهور في أي بلد ألوان الترفيه المختلفة، وبرامج الثقافة والمعلومات المنتجة في الخارج كحدث يومي عادي" .

وهكذا تمخَّض العرض ليلد مشروع سيطرة. إن سوق المعلومات مفتوحة فقط للبرامج الثقافية التي تصوغ العقول وتقتحم الحدود دون رقيب معبرة عن مصالح أصحابها. إنها ليست معلومات عملية وثمار بحوث. ليست المعلومات المقصودة أو المعنية هي نتائج اكتشافات في مجالات الطب والفيزياء، وعلوم المستقبل: الاتصالات عبر الفضاء والهندسة الوراثية والعلوم النووية وغير ذلك مما يوصف بأنه أسرار أو مصادر قوة استراتيجية أو خبرة لازمة لتطوير الصناعة والإنتاج في البلدان النامية، وإنما هي دعوة مهذبة لكي نفتح الأبواب والنوافذ عن "رضى واختيار" للوافد الثقافي، وتهب رياح التغير عبر الأطلسي طليقة للرسالة الأمريكية الخالدة.

ولقد فتحت بلدان عديدة حدودها لبعثات بحوث أمريكية، أو مشتركة، قامت بعمليات مسح شاملة: الحضر والريف، تناولت بحوثاً اجتماعية ونفسية وطبيعية الخ. وتعود البعثات بمعلوماتها ونتائج بحوثها إلى بنوك المعلومات المملوكة للحكومة الأمريكية أو الشركات متعدية القوميات التي تمول مشروعات البحوث بسخاء. وعلاوة على فتح الحدود باسم التعاون المشترك، فإن السماء مفتوحة لأقمار التجسس والبحث العلمي للقيام بمهام مناظرة لإثراء رصيد بنوك المعلومات. أما المعلومات ذاتها فهي حبيسة البنوك، ملك صاحب المال والدولة، تخرج بقدر وحسب المصلحة، وليس لبلدان العالم الثالث عليها سلطان.

والهدف هو السيطرة على عقول الشعوب والتحكم في سلوكهم. والأداة تكنولوجيا السلوك في أحدث صورها، خاصة في ميدان الاتصالات والإعلام. هناك الآن الأقمار الصناعية لجمع المعلومات والبث المباشر لأجهزة الإذاعة والتليفزيون إلى جميع أنحاء العالم، وتخطي الحدود والحواجز. وهناك أشرطة الكاسيت والتليفزيون "الكابل"، وغيرها وغيرها مما يتيح لمن يملك صناعتها ويملك القدرة الإعلامية لإعداد البرامج المسجلة عليها إمكانات لا حدود لها لفرض أهدافه، سواء لخير البشرية أم للإضرار بها. أضف إلى هذا: احتكار الخبرات والمعلومات؛ بل ونظريات عن التعلم، جرى تصميمها خصيصاً لكي تعلم النشء كيف يعمل، لا كيف يفكر، كيف تخرّج المعاهد مهنيين لا كيف تخرّج. من بين ما تخرّج، علماء ومبدعين. والعالم الآن مفتوح بالفعل بحيث يمكن أن تصل كل البرامج الموجهة إلى المرء وهو في مخدعه. وما أقوى التأثير وأخطره حين تكون الشعوب "خاوية الوفاض" لا تملك غير ثقافة تنتسب إلى الماضي. وعاطلة من كل قدرة على الإبداع. ومن ثم يتلقى الناس "الرسالة الخالدة" في سلبية وانهزامية. إن غذاءهم الثقافي، وعلى مدى الساعات الطويلة كل يوم، يجري إعداده وبرمجته لهم هناك غرب المحيط الأطلسي وفقاً لأسس نظام الهندسة الثقافية الاجتماعية، لإعادة بناء طبيعة وسلوك الإنسان. فماذا عسانا أن ننتظر ثمرة لهذا كله؟ حقاً، يصدق هنا ري سكينر حين قال: "إن الإنسان ضحية". وها هنا تسقط السيادة القومية، وتتهاوى أركان الثقافة والتراث، وتتآكل رويداً رويداً العزيمة على البناء ومواجهة التحديات، وتسود السلبية ويضيع الغد المأمول. ولا بأس في ظل هذا كله من عبارات وصور تعزز مكان المثل الأعلى هناك عبر المحيط حيث مصدر الإلهام، وعبارات وصور تعزز الشعور بالدونية والنقص هنا. وتهفو القلوب، ويسبقها الخيال، من أجل الحج إلى مهد التقدم والرخاء طمعاً في سلع الاستهلاك دون أسرار الإرتقاء. ولن يكون غريباً حينئذ أن نرى علم الولايات المتحدة شائعاً منتشراً بين أيدي أطفالنا هنا وهناك. أليس هذا هو حالنا فعلاً؟

ومعروف أن الشركات متعدية القوميات تملك أكبر وأعتى وكالات الأنباء وشركات الإعلام والإعلان، علاوة على الأقمار الصناعية المخصصة للبث الإذاعي والتلفزيوني. وتملك شركات لإنتاج أفلام السينما والتليفزيون والفيديو وأشرطة الكاسيت ودور نشر عالمية، ومؤسسات صحفية كبرى ومؤسسات قياس الرأي العام، ومؤسسات "علمية" لإجراء تجارب لبحث أفضل سبل للتحكم في سلوك البشر على نحو ما نتحكم في سلوك فئران التجارب، ومؤسسات لدراسة السوق والتحكم في أمزجة البشر للإجبار على اختيار هذه السلعة دون تلك، وغرس قيم سلوكية، تتفق مع مصالح هذه الشركات في الترويج لسعلها. وجميعها وسائل تغرس سلبية التفكير تحت عنوان: "نحن نختار لك" و"نحن نفكر نيابة عنك"، و"هذا هو الأفضل". وتركز جميعها على قيم سلوكية استهلاكية ومتع حسية تعمى عن مصالح المجموع. وتعمل الشركات متعدية القوميات من خلال المؤسسات على تزييف وعي الشعوب وخلق مطالب واحتياجات وقيم استهلاكية تتجاوز طاقة وإمكانات شعوب العالم الثالث. وتعمق لدى أبنائها من خلال التنافس غير المتكافئ في المجالات الترفيهية مشاعر الإحباط وعدم الانتماء، وتزعزع مشاعر التعاطف والتضافر الجمعي بين أبناء المجتمع الواحد باسم العالمية؛ وتغرق الناس في تهاويم وتخييلات وطموحات نزوية وغريزية غير واقعية، وتدعم روح الفردية الأنانية. وقد أشار التقرير النهائي للجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال في المجتمع الحديث، والمعروفة باسم "لجنة ماكبرايد"، إلى أن الشركات متعدية القوميات تضع من بين مهامها الأساسية السيطرة الأيديولوجية والثقافية على العالم الثالث. وأضحت تسوق سلعاً استهلاكية ثقافية واجتماعية لا حصر لها. كما تسيطر على عدد كبير من وسائل الإعلام في دول العالم الثالث. وغير ذلك من جهود تهدف إلى توسيع التبعية الثقافية والأيديولوجية.

وتخاطب هذه السلع الثقافية، أو الثقافة المرسومة والمصنوعة خصيصاً، شعوباً فقيرة أضناها بؤس القرون، عاشتها في فقر فكري ووجداني وغذائي، فضلاً عن الاستبداد السياسي والنهب الاستعماري. وتتلقف العقول، بحالتها هذه، ما يطوح بها بعيداً بعيداً في آفاق خيال مريض يقتلعها من جذور الواقع والتاريخ، وتغدو هشة تعبث بها أضعف الرياح. تداعب الصور والكلمات رغبة كامنة في أعماق الناس من أجل تحقيق الذات، ولكن خطابها يأتي على المستوى الفردي الأناني الضيق، ثم تضلله وتعميه عن طريق مواجهة تحديات البناء والارتقاء بنفسه وبالمجتمع على السواء. الحرية هي أن تفعل ما بدا لك، والثراء أن تغتني وتملك الملايين دون أن تسأل من أين، هذا هو البطل. كذلك كان ولا يزال على أرض الولايات المتحدة، وكذلك هو في الأفلام والبرامج الموجهة، بطلاً ترسبت في وجدانه قيم أمريكية الطابع، مجدتها الفلسفة البراجماتية التي تقول: البقاء للأقوى، والثراء لا يعرف الأخلاق، والمصلحة هي الحكم، والإنسان آلة. وهي ذات القيم التي ثار ضدها الشباب في كل مكان داعياً إلى ثقافية مضادة.

وطبيعي أن مثل هذا المجتمع يسهل حكمه والسيطرة عليه، ويضيق بكل مشروعات التنمية التي تعتمد على العزم والتضحية، فضلاً عن افتقاره إلى المعرفة والخبرة والمال وحسم القرار كشروط لازمة للتنمية، وهي أمور يمسك بخيوطها صناع البرامج الثقافية المصدرة التي تزين له هذا الأمر دون ذاك. وتصدر أجهزة ومؤسسات الإعلام المملوكة للشركات المتعدية القوميات برامج تليفزيونية مصنعة خصيصاً، وإعلانات تحفز المتلقين على التصارع في لهفة، مدفوعين بنزوات حسية محرومة إلى محاكاة القيم المعروضة، والإطاحة بكل غال وثمين في مجتمعهم في سبيل إشباع نزوات مقيتة. وتصدر الشركات كل هذه البرامج مصحوبة بالسلع الاستهلاكية، أو الاستفزازية لبيعها بالديون. وتتراكم الديون، وتتزايد الضغوط، لإخضاع الشعوب المدينة الفقيرة.

ويفضي هذا إلى فتور الهمة، وضعف إرادة التغيير، وهذا هو الهدف المقصود، وهو هدف تخطط له أجهزة رسمية في الولايات المتحدة تعمل في تناسق مع الشركات العملاقة. مثال ذلك: أن الوكالة الأمريكية للاستعلامات تتولى مهمة كبح إرادة التغيير الاجتماعي في الأمم الأخرى من أجل حماية فرص الاستثمار للمشروعات الأمريكية، أو ما يسمى خداعاً "الحفاظ على العالم الحر". ونجد ذلك واضحاً في مذكرة رئيس الولايات المتحدة عام 1963، والتي تقول: "على الوكالة الأمريكية من خلال تأثيرها على الرأي العام في الأمم الأخرى". ويتمثل نشاط الوكالة في إقامة معارض وإذاعات مسموعة ومرئية وأفلام، وإصدار كتب ودوريات ونشرات. وتتبعها أيضاً أجهزة للتغلغل السياسي والثقافي، مثل: إذاعة صوت الحرية وإذاعة أوروبا الحرة. وغيرها. فضلا عن محاولاتها المستمرة لخلق علاقات وثيقة بالزعماء السياسيين والدينيين او محاولة النفاذ إليهم أو تسريب معلومات مغرضة أو خلق تيارات سياسية مصطنعة إلخ. وكذلك البنتاجون أو وزارة الدفاع الأمريكية لها أجهزة دعاية ثقافية وفكرية خاصة تعرف باسم "أجهزة توجيه العقول"، وهدفها تضليل الوعي الإنساني.

وتسيطر الإدارة الأميركية والشركات "متعدية القوميات" على حركات الأنباء في العالم وعلى مضمونها وتأويل هذا المضمون، وذلك من خلال وكالات الأنباء العالمية التي تمتلكها أو التي تعتمد عليها في نقل وتلقي الأنباء. ويكفي أن نشير إلى أن دول العالم الثالث تتلقى 80% من الأنباء العالمية من أربع وكالات أساسية كبرى مقرها لندن وباريس ونيويورك، وهي الوكالات الأولى والمملوكة لشركات متعدية القوميات وتقدم أنباء إخبارية وتحليلات سياسية تشكل أساساً لصناعة القرار أو التأثير على الرأي العام في دول العالم الثالث. هذا فضلاً عن تحيزها ضد دول العالم الثالث والذي يتمثل في الإغفال المتعمد لبعض أحداثه أو قصور دورها في التغطية الإعلامية، بل وتشويه وتحريف الأحداث أو إساءة تأويله. ويجري هذا كله في ظل إشاعة أن الغرب هو مصدر الثقة والصدق. وتعمد الوكالات المشار إليها إلى إغفال الايجابيات، أو إلى تقديم تحليلات وتفسيرات مغرضة وقد تثير البلبلة.

لقد أضحت صناعة الوعي، أو تصنيع العقل وصياغة ثقافات الشعوب، فناً دولياً أو تقنية تملك زمامها الولايات المتحدة، أو الشركات متعدية القوميات. ومن سخرية الاقدار أن تطالب هذه الشركات بإلحاح ـ بحقوق الإنسان في جميع البلدان، وتدعو إلى عقل حر، ولكن بمعنى: عقل متحرر من ثقافته القومية، وانتمائه القومي، وأهدافه القومية؛ أي نبتاً بغير جذور، وصفة بيضاء تملؤها هي بما تشاء من معلومات. وتتولى هذه محو ما فيها بداية، ثم تصب فيها ما تشاء من خلال برامجها. وأداتها في ذلك التليفزيون والسينما والكتب والصحف والأنباء والإعلانات الموجهة والمرسومة خصيصاً لهذا الغرض والعلاقات العامة و"الموضة"، وكذلك إنشاء جماعات سياسية ودينية واجتماعية؛ بل وخلق بدع دينية أو اتجاهات تحمل طابعاً دينياً لإثارة الشقاق والفتن، وتصدير قضايا ومذاهب فكرية تثير الخلاف، وتستنزف الجهد. ثم هناك برامجها وسياساتها الخاصة بمؤسسات ثقافة الطفل، وكلها لصوغ عقول الناشئة داخل البيت وفي الطريق، وفي المحال العامة وداخل المدرسة.

وهكذا يتحول الغزو الفكري أو التضليل الإعلامي إلى أداة للقهر والترويض وإخضاع الشعوب. ويصدق هنا وصف شيلر للاستعمار الإعلامي؛ إذ قال: إنه جهد منظم وواع تقوم به الولايات المتحدة من خلال تنظيماتها الاقتصادية والعسكرية والإعلامية من أجل الحفاظ على تفوقها الاقتصادي والسياسي والعسكري. وحيث أن الاقتصاد العالمي المعاصر يسعى إلى تعزيز سيطرته من خلال تحالف رأس المال العالمي وتحطيم الحواجز القومية وتوحيد السوق العالمية، فإن القضية في المجال الثقافي تصبح كيفية توظيف الإعلام والثقافة في مجتمعات العالم الثالث لخدمة هذه الأهداف، أي ترسيخ تبعيتها الاقتصادية بوضع إمكاناتها الثقافية والإعلامية في خدمة مصالح راس المال العالمي وأجهزته.

وترتضي النخبة الحاكمة في بلدان العالم الثالث هذا النهج في ترويض الشعوب، لأنه ضمان بقائها في السلطة، وأداتها هي أيضاً لتطويع الجماهير وتذليل قيادها. ولا بأس من تكثيف الجرعة والمبالغة في برامج الإفساد، والإغراق في الخيال كلما استشعرت نذير خطر واحتمال أن يكشف الشعب عن إرادة اجتماعية وجماعية للتغيير، أو كما يوصف الأمر أحياناً: "تهديد الاستقرار".

وتوظف "الشركات متعدية القوميات" نشاطها الإعلامي هذا لأغراض سياسية أيضاً تتمثل في شراء ذمم رجال الدول والنخبة، ولو من خلال العمولات الضخمة لصفقات تجارية حتى تبدو أمراً مشروعاً. ويفيد هذا أمرين، إذ تخلق منهم شريحة اجتماعية متميزة بحكم ثرائها الطارئ ومنعزلة عن المجتمع، ثم يمهدون السبيل أمام الشركات "متعدية القوميات" لإنجاز مهامها وأغراضها لخلخلة القيم وإشاعة الفساد والرشوة. وليس هذا بجديد، بل إنها قضية واضحة تنبهت لها، وحذرت منها مؤتمرات دول عدم الانحياز والدول الأفروآسيوية؛ إذ تحرص هذه الدعوة في مؤتمراتها على الاهتمام بموضوع الخلل في تدفق أو في ميزان المعلومات، خاصة بالنسبة للثقافة ومحاولات تشويه صورة الدول النامية. وتطالب هذه الدول بإقامة نظم اتصال خاصة بالعالم الثالث وتقديم العون لوكالات الأنباء في الدول غير المنحازة، وإقرار حق الحكومات في تقييد حرية بعض مصادر الأنباء وتدفق الأنباء عبر الحدود القومية، وإنشاء محكمة عليا تابعة لليونسكو لمراقبة سلوك وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم.

 

الاستقلال الثقافي ونداء العصر:

لنسأل أنفسنا بعد هذا الذي أسلفناه: ماذا فعلنا في سبيل الاستقلال الثقافي وقد نالت الشعوب العربية استقلالها السياسي منذ عقود؟

لقد تبدل العصر غير العصر، وأضحت رؤية السلف القريب والبعيد ذكرى موروثة قاصرة عن أن تفي بمتطلبات عصر جديد أو أن تكون منهجاً كافياً للاستقلال الثقافي، وتعبر عن رؤية اجتماعية فكرية تلائم عصراً مغايراً. عصراً نعيش الآن على هامشه؛ وإن بلغتنا أنباؤه واستهلكنا منتجاته. ونتعامل معه أو نتناوله بفكر السلف القديم. وهي مفارقة مخزية. لقد انتهى العصر الذي كانت فيه ثقافة الأمة حجاباً عازلاً لأهلها، وانتهى العصر الذي كان الحاكم المثقف المستنير هو الذي يتلقى على يد معلم أو حكيم حكمة الأقدمين وعبرة الدارسين، ويرى في ذلك عدة المستقبل، ولا حاجة إلى مزيد. ثقافة الحكم وثقافة الحياة "معلبة" في حكم وأقاويل جاهزة في خير زاد يعفيه مؤنة البحث والتجديد. وانتهى العصر الذي يعتمد على القوة التنفيذية وحدها للإنسان، وعلى صفوة من المجتمع تدبر أمور ومعاش الناس.

وقفت المجتمعات المتقدمة منذ أكثر من ثلاثة عقود على مشارف حضارة جديدة، هي حضارة عصر ما بعد التصنيع. وهذه حضارة لها شروطها ولها متطلباتها التي فرضتها، وخلقت أزمة لها مضمونها المتميز والتي يتعين حسمها ضماناً لاطراد تقدم هذه الحضارة إلى غايتها. هذا بالنسبة إلى أهلها. أما نحن فلا سبيل إلى تحقيق استقلال ثقافي ونهضة حقة إلا إذا استوعبنا ووعينا منطق هذه الحضارة، وعرفنا كيف نلبي نداء العصر. إنها التحدي. والنهضة المأمولة القائمة على استقلال ثقافي، هي جواب التحدي. إنها حضارة العلم والتكنولوجيا. حضارة عصر كوني ركيزته الإبداع أو العقل الخلاق. حضارة تعتمد على إطلاق الطاقات الإبداعية لكل الناس، وليس لصفوة دون المجموع؛ بل من كل حسب طاقته الإبداعية. إنها حضارة إنسان جديد، أو طبيعة إنسانية جديدة؛ وأزمة العصر بالنسبة لنا هي أزمة ولادة هذا الجديد، وانتزاع حقه في الوجود وإعلان شرعيته وتحققه في واقع الحياة.

إنها حضارة كونية لا قومية، وإن كان هذا لا يعني تجاوز أو إسقاط المحتوى القومي؛ بل بقاء مقوماته وأركانه والارتقاء معه وبعده إلى مرحلة جديدة يكون فيها مشروع الإنسانية مشروعاً كونياً شاملاً. القضايا المطروحة لم تعد قضايا قومية فقط؛ بل معها ـ وربما في مقدمتها ـ قضايا كونية شاملة تنصبُّ على حياة الإنسان في كل مناحي الأرض، وتعالت على فوارق العقيدة والجنس واللغة والأيديولوجيا. الخ. ويجري بحثها وحسمها في إطار حوار ثقافات عالمية يغذي بعضها بعضاً في تفاعل وتأثير متبادل لا فكاك منه. تهاوت، أو شفَّت الحواجز والحدود بين الثقافات، مما ضاعف من فرص الاحتكاك والتنافس بينها. والبحث العلمي أقرب إلى أن يكون مشروعاً كونياً، وتبدو في ظله الحواجز القومية كأنها إرث الماضي في طريقه إلى زوال. حدود العالم البحاثة، أو حدود البحث العلمي ليست هي حدود القومية بل حدود العالم مفتوحة له في كل أرجاء الأرض؛ إذ حيث يجد العالم الرعاية والحافز يكون جهده ونشاطه ليفيض بعد ذلك على العالم أجمع. ولم تعد النزعة الفردية على مستوى الدولة قادرة على الوصول وحدها إلى اكتشافات جديدة وحصر أي معرفة مكتسبة حديثاً داخل حدودها. إذ لو استمرت النزعة الفردية فإن هذا يعوق البحث العلمي الذي ينتعش عندما تنطلق الجهود في حرية، ويكون البحث العلمي جماعياً. ويؤكد هذا المؤتمرات الدورية على المستوى الدولي للعلماء في التخصصات المختلفة، وجهود علماء الدول من خلال المنظمات والهيئات الدولية مما يقوم شاهد صدق على أن ليس بإمكان أي دولة بمفردها الآن تطوير العلم داخل حدودها، دون مساعدة ودون مشاركة من المجتمع العلمي الدولي. أليس هذا هو الحال في بحوث الفضاء وبحوث الطب وعلوم الحياة والكيمياء وغيرها؟ وأليس هذا هو ما نشاهده في محاولات حشد الجهود لبحث ومعالجة قضايا كونية مثل الحفاظ على كوكب الأرض وحمايته؟ وهذه هي النتيجة الطبيعية والمنطقية بعد أن أصبح العلم والتكنولوجيا قوة إنتاجية غامرة، وقوة فعالة قادرة على إزالة الوجود أو تلويث وإفساد أجواء كوكب الأرض، مما يهدد حياة النوع الإنساني بما يشبه الموت البطيء. ومن أمثلة الطابع الكوني كذلك، والذي يمثل تحدياً آخر للعالم الثالث، ما تقتضيه حضارة ما بعد التصنيع من إيجاد نموذج إنساني جديد وتغيير طبيعة الإنسان وقدراته، وإدماج العلم والتكنولوجيا والإنسان، سلوكاً وعملاً وفراغاً ونشاطاً، وترفيها في وحدة واحدة.

ومثل هذا الإنسان لا يمكن أن يستمر أو يبقى، فضلاً عن أن يتطور، في إطار تكوينات ثقافية متحجرة، أو تشكيلات اجتماعية تقليدية عرفتها حضارة عصر الصناعة، ناهيك عن التشكيلات الاجتماعية لحضارات ما قبل الصناعة، والتي لا تزال راسخة بثقافاتها في العالم الثالث. وهو ما يعني ضرورة أحداث تغيير جذري في مجالات عديدة تشمل بنية المجتمع والسياسة والفكر والتعليم الخ، بما ييسر للإنسان دينامية التلاؤم والتسلح بإمكانات تؤهله لعصر جديد، أهم سماته كعصر كوني.. اختصار المسافات، حتى كادت أن تتلاشى، وتكثف الزمان؛ حيث يشهد العقد أحداث وتحولات واكتشافات كانت تجرى في قرون، فضلاً عن عمق واتساع نطاق تأثيرها، وغلبة البيئة الاصطناعية على البيئة الطبيعية؛ حتى كادت تشكل عازلاً له مؤثراته على الإنسان. وهو عصر العلم والتكنولوجيا بمعنى فعالية العلم أو تحوله إلى قوة إنتاج وحياة في مجال العمل وفي البيت وفي التعامل مع النفس والمجتمع والطبيعة، على نحو يفرض البعد العلمي التكنولوجي عند مناقشته، أو عند وضع أي تصور فكري اجتماعي خاص بالحاضر والمستقبل. ثم إنه عصر المؤسسات العلمية المتحدة بالمجتمع، والعاملة في إطار مشروع إنساني اجتماعي، والتي تعتمد فعاليتها ، مثلما يعتمد نموها، على مدى انتشار دورها والتزامها برؤية مجتمعية مستقبلية بحيث تكون الرؤية الاجتماعية وثقافة المجتمع، أو الإطار الفكري القيمي الاجتماعي هو سند هذه المؤسسات، يدعمها وتستلهمه في آن؛ إذ لم يعد التقدم الحضاري رهناً فقط بنصيب العلم ومؤسسات البحث العلمي من الدخل القومي وانعكاس ذلك على الإنتاج بل أضحت هناك معادلة جديدة هي، إضافة إلى ما سبق، أو ربما قبله وجوهر هذه المعادلة: إطلاق الطاقات الخلاقة للإنسان من خلال تغييرات جذرية في بنية المجتمع الثقافية والتعليمية والعلاقات الاجتماعية مقترنة بإطراد التطور العلمي والتكنولوجي، ومن ثم يكون العائد والمحصلة نقلة أو تطوراً تاريخياً حضارياً.

لهذا كله، لم يعد مناط الأمر اطلاق الطاقات التنفيذية الإنتاجية فقط للإنسان؛ بل إطلاق الطاقات الإبداعية على أوسع نطاق في المجتمع. وهذا النمو الحر للإنسان، نمو حر جمعي لا فردي، يغذي بعضه بعضاً، ويمثل تحولاً كيفياً جديداً لمعنى الحرية الفردية. ويستلزم نشاطاً إنتاجياً إبداعياً هادفاً يكون امتداداً ارتقائياً لعملية التحول الحضاري التاريخية. ولم يعد هذا التحول رهناً بتطوير الآلة ولا بزيادة الجهد البدني الإنسان؛ بل أولاً وأساساً بنمو الإنسان وازدهار قدراته على الخلق والابتكار.

ومن هنا، فإن الثورة العلمية التكنولوجية تعد بحق ثورة ثقافية شاملة عميقة، لأنها تبدل جذرياً مكانة الثقافة في حياة المجتمع، حين تجعل الارتقاء الحضاري رهناً بازدهار القوى الإنسانية، وضمان ديناميتها، وقدرتها على التفاعل الواسع المدى والكوني؛ إذ لم يعد مجال التفاعل أو التعامل الإنساني على هدى الرصيد الثقافي الموروث والمكتسب، محدوداً بحدود القوم والأهل أو المجتمع القومي الضيق، أو هكذا أصبح الآن؛ بل باتت الثقافة، أو لا بد لها وأن تكون، أداة تفاعل وتعامل على نطاق كوني شامل للعالم كله بحكم تحول الكرة الأرضية في ضوء التقدم العلمي والتكنولوجي إلى وحدة علمية وإعلامية وثقافية مفتوحة النوافذ في كل الاتجاهات. ومن ثم أصبح تثقيف الإنسان يعني تأهيله لهذا العصر. وأول عناصر هذا التأهيل ضمان دينامية التفاعل الحر للإنسان من فوق أرض واقعة وتاريخه؛ قدماه على أرضه، وتاريخه في وجدانه، وعيناه فكره على آفاق الكون الرحيب ـ دون إفراط أو تفريط.

إننا نعيش عالماً غير عالم الماضي، عالم يتسم بسرعة مذهلة في التغير ويقتضي سرعة مواكبة في التكيف، وهو ما يعني الحاجة إلى غرس منهج للتفكير الدينامي والتعامل المرن مع الواقع، وليس فقط معلومات أو ثقافة موروثة، فإن الجديد سرعان ما يتجاوزه لا حق أكثر جدة ـ عالمي الطابع، وخير وسيلة لمواجهة ذلك الإيقاع السريع هو تنمية القدرات الإبداعية للإنسان، ومرونة حركة الفكر، والقدرة على التكيف السريع، ليس التكيف الآلي؛ بل التكيف الواعي والإبداعي للإنسان من حيث هو عنصر إيجابي يشارك بحرية في تغيير المجتمع والحضارة، وفي دفع حركة التحول الارتقائي المطردة، ويجد في ذلك تحقيقاً لذاته المتجددة وليس انسلاخاً عنها، ويكون هذا التحقيق معياراً صادقاً للحرية المكتسبة التي ينمِّي بها نفسه والمجتمع معاً. وأن يكون هذا النمو والازدهار للذات دعامة وشرطاً لحرية الآخرين، ولمجتمع من الأحرار على طريق الارتقاء الحضاري.

ووصولاً إلى هذا، تتطلب الثورة العلمية التكنولوجية، من حيث هي ثورة ثقافية أيضاً ، شروطاً اجتماعية مختلفة، ومناخاًَ اجتماعياً مغايراً. وتتهيأ هذه الشروط، ويتوفر هذا المناخ من خلال عمليات تغيير جذرية وشاملة، وفق منظور اجتماعي فكري لبنية المجتمع في مجالات الاقتصاد، والسياسة، والتربية والتعليم، وأسلوب الإدارة، وكل ما يتعلق بظروف التنشئة الاجتماعية للإنسان بما يهيء خلق معايير جديدة، ويدعم روح المسؤولية الفردية، وتأكيد الذاتية والثقة بالنفس، والجرأة على المبادأة، والنظرة النقدية العقلانية، وتجاوز النمطية؛ كما تتطلب مراجعة نقدية للموروث في ضوء الرؤية الاجتماعية المأمولة، وغرس هذا النهج وترسيخه. فقد بات مؤكداً الآن الترابط الوثيق بين العلم وبين النسق الديموقراطي للمجتمع، الذي يثري حرية الفرد ويدعم طاقاته الإبداعية؛ إذ لا ريب في أن بنية ثقافية اجتماعية، كاملة الانفتاح من موقع الثقة العقلانية الناقدة والفعّالية النشطة، ودون وصاية من صفوة، ومرتكزة على تفاعل متعدد الجوانب والأبعاد، ـ أي بنية قائمة على النمو والتفاعل المتبادل ـ تكون أكثر ثراء، وهي الأقدر على توفير المناخ الملائم للنشاط العلمي والازدهار الفردي والمجتمعي.

ولهذا، هناك من يرى أن الحواجز والقيود الاجتماعية، وهي في الأساس وليدة موروثات، لها تأثيرها الحاسم المحدد لطبيعة المناخ السائد في المجتمع، والذي قد يعوق حركة الارتقاء الحضاري أو يخنقها. ومن ثم فقد تكون العوائق أو الحواجز الاجتماعية، شأنها الجهل سواءً بسواء، وربما أخطر. إن الموقف الذي يتخذه المجتمع من المعرفة العلمية وروح البحث العلمي، وكذلك قدرة هذا المجتمع ـ بالتالي ـ على استخدام الاكتشافات العلمية والشعور بالانتماء إليها، وبأنها تنتسب إليه نسباً شرعياً، كل هذا يشكل أركان المناخ الاجتماعي الحافز للبحث والإسهام الإيجابي، واستيعاب شروط وروح الحضارة العلمية. وليس غريباً أن يقال إن أخطر أسباب التأخر إنما ترجع بشكل أعمق إلى جوهر الحياة الاجتماعية ممثلة في ثقافتها وبنيتها، وهو ما يتبدي في صور انكماش نطاق الحرية الفردية وليس ثراؤها، وفي صورة علاقات اجتماعية قائمة على الخضوع ـ خضوع الكافة وتسلط الصفوة واستبداد الحكام وطغيان التراث والسلف؛ بل وتسلط الفكر الأسطوري على الفكر العقلاني على نحو يخنق كل بادرة للحرية والإبداع. وتفسد كل هذه الحواجز القائمة والموروثة أثر وفعالية أي إجراءات وتدابير قد تتخذها الدولة، مهما حسنت النوايا من أجل دفع حركة البحث العلمي أو غرس عقلية علمية دون أن تمس جوهر المشكلة؛ التي هي في الأساس ثورة ثقافية شاملة بكل معنى الكلمة وليست مجرد اعتمادات مالية مهما عظمت، أو قرارات وخطط إدارية مهما بالغت في التعبير.

إن تراثاً ثقافياً يفتقر إلى الدينامية، أو حياة ثقافية وعلمية تعتمد على الحفظ واستظهار النصّوشرح المتن، أو نظاماً سياسياً قائماً على الاستبداد، كل هذا يشكل إرثاً بالياً يتنافى جملة وتفصيلاً مع مقتضيات الحضارة العلمية، ويقطع بالعجز عن المشاركة، ذلك لأنه يعطل القدرات الإبداعية للإنسان، وينطوي على عوامل الدمار أو الهلاك الحضاري للمجتمع، ويغرس بالتالي، عند المواجهة، شعوراً "بالدونية"، ويقضي على إمكانات نمو الفرد والمجتمع، ويشل القدرة على تجاوز أغلال الواقع. ويدور أهل هذا النمط من التراث ـ ونحن منهم ـ في حلقة مفرغة من تراث مضى وتحجر، يحظر الخروج على النص، أو التفاعل مع ثقافات التغير، وواقع الحياة النابض، ويفاقم من شعور المرء بتفاهته وافتقاره إلى دور فعال، إلا إذا استغنى بنعرات عرقية أو دينية تؤكد تفوقه وسموه في عالم الآخرة، أو إذا اصطنع هذا الدور في عالم الخيال. وواقع الحال أن مثل هذا المجتمع الذي يرزح تحت وطأة تراث متحجر، ولو بحكم التأويلات الموروثة، العاطل من أي دور أو فعالية في مجال الفكر والعمل، إنما يشكل، بوضعه هذا أرضية سهلة للتبعية الثقافية والسياسية والاقتصادية؛ وإن زعم في ظاهر القول غير ذلك. وهذا هو مكمن الخطر إزاء ما يتهددنا من مخططات يحيكها مصممو "الهندسة الثقافية الاجتماعية" على الصعيد العالمي المؤمنين بالرسالة الخالدة للفكر الرسمي الأمريكي، والتي تفصح عنها رؤية سكينر لمجتمع القطيع، ونراها مطبقة في سياسيات الغزو الفكري والإعلامي.

إن الاستقلال الثقافي لبلدان العالم الثالث، مطلب حيوي، إلا أنه في ضوء نداء العصر وحضارة العلم، التي هي ثورة ثقافية كونية، لا يكون أبداً انغلاقاً وتقوقعاً وانكفاءً على الذات؛ فهذا هو المعادل الحقيقي للانتحار. ولا يكون كذلك بالإنكار المطلق للتراث والتاريخ والانفتاح بغير ضوابط أو حدود لرؤية اجتماعية تترسم المستقبل، وانعدام الفعالية الإبداعية بحيث تهب رياح الغزو فكراً وإعلاماً واستهلاكاً سلعياً، وإفساداً قيمياً، وانسلاخاً أو تفريغاً أيديولوجياً، مما يؤدي إلى اجتثاث جذورنا، وضياع ذاتيتنا، وهو وجه آخر للانتحار. وإنما الاستقلال الثقافي، شأنه شأن الاستقلال الاقتصادي، قدرة أصيلة على الفعالية الإنتاجية الإبداعية على أوسع نطاق اجتماعي تهييء للمرء وللمجتمع قدرة على التفاعل الحي الإيجابي، أخذاً وعطاء من موقع القوة، مع كل مناحي النشاط العالمي. وجوهر أزمتنا أننا عاطلون من القدرتين، ومن ثم أصبحنا نهباً أو فريسة لوجهي الانتحار. انتحار على مذبح الماضي، وانتحار على مذبح الاستسلام، وفقدان الهوية والضياع.

إن حضارة العلم في عصر ما بعد التصنيع تطرح أخطر التحديات التي تستلزم ثورة ثقافية تغيَّر من جذور بنيتنا وعلاقاتنا الاجتماعية الموروثة القاهرة، وتغير من صورة الإنسان ومفهوم الحياة؛ هذه الحضارة تفترض في أنصارها، ومن سيكون لهم حق البقاء وقدرة على المجابهة والإفلات من مجتمع القطيع، حيوية ومرونة في التفكير، ورؤية واسعة عن العالم، وتفتحاً مستمراً للذهن، وفكراً موضوعياً انتقادياً، وجرأة على الماضي وعلى الواقع وعلى النفس، وبنية اجتماعية جديدة تصلح غرساً لإنسان متطور في جميع المجالات، وانفصالاً كاملاً عن سلبيات الموروث الاجتماعي، وما أشق ذلك على النفس ولكنه الضرورة. وحضارة العصر ليست حضارة تفاخر بالأنساب والمعتقدات والتاريخ وأمجاد الماضي، وإنما هي حضارة مجابهة على جميع مستويات الفكر والعمل، ساحتها تحرير القوى الدينامية لتطور الإنسان وانطلاقه وازدهار ملكاته، وأن يكون العلم قوة فعالة متحدة، أو متجسدة في كل أنشطة الإنسان والمجتمع، فكراً وعملاً.

 

 

 

المراجع

 

1 ـ Ralph Volney Harlow, The United States: From Widerness To World Power, 3rd ed. Henry Holt &co.1959

2 ـ Hardie, C.D. Backgrownd To Modern. Thought. Thinkers Library, Londom. Watts & co. 1947

3 ـ Bermal, j., Science in History. Pelican Books

4 ـ تاريخ الفلسفة في أمريكا، إعداد بيتر كاز ـ ترجمة حسنى نصار الأنجلو المصرية، 1983.

5 ـ  Vemon Louis Parringtom, Main Currents in American Thoufht, 3 Vols. Harcourt, Brace & co. New York 1430

6 ـ Encyclopedia Americana

7 ـ أندريه سيجفريد: سيكولوجية بعض الشعوب،  ترجمة غنيم عبدون، وزارة الثقافة يوالإرشاد القومي، دار النهضة العربية، القاهرة.

8 ـ NyeR.B.,Morpurgoj. E. The Growth of U.S.A History of U.S.A., 2Vols.

Penguin Books 1966

9 ـ  Morton Wnire,pragmatism And The American Nind.New york, oxford

 University.1973

10 ـ Lionel. Evkin: Men of America; Pelican Books, Penguin 1941

11ـ هنري بيرى، معركة التروستان، تعريب نجاح الساعاتي السباعى، دار ابن الوليد ـ سبوريا.

12ـFrancis E. Rourke; Urbanism And American Democracy, Ethics., Vol. Lxxiv,

July 1964, No.4

13ـ Daniel Cuerin, Le Moubvement ouvrier Aux Etats Unis 1867- 1967. Maspero

1968

14 ـ Schneider H. W., Histoire da la Phil. Americane, Bipliotheque Des l dees Paris

NRF 1955 librairie Gallimard

15 ـ Ludwig Marcuse, La Philosophie Amenicane, Traduit de L Allemand Par:

Danielle Bahler idees, NRF, 1967

16 ـ جون لوينس، مدخل إلى الفلسفة، ترجمة أنور عبد الملك، الدار المصرية للكتب،القاهرة 1957.  

17 ـ Edward H Maden, Chauncy Wright, Twane Pub., New York 1964

18 ـ  Ethel M. Albert, Conftict and Change in American Values, Aculture Historical

Ethics- Vol. Lxxiv Octov" ,1964, No. l " Approach

19 ـ Wells H. G., Pragmatism inter. Pul., New York, I. P.Q. (Cinternational phil.

Quartely) Vol. 5, No. 2, May 1965

20 ـ Treasury of phil. Ed. Dagobert D. Runes: Philosophical libray, New york 1955

21 ـ Chambers Encycl.

22 ـ Robert j., Roth; is Peirce Pragmatism Anti- Jamesian?, I. P.Q.

Vol. 5, No. 4, Dec. 1965

23ـ John E. Smith,P urpose in American phil.,I. P. Q. voI.,No.3 sep. 1961

24- ATheory of judgement,I.p.Q. Pragmatism As David B. Burrell; Peirce,C.S;

voI. 5,No.4,Dec. 1965

25ـ محمود أمين العالم, فلسفة المصادفة دار المعارف بمصر، 1970.

26 ـ Encyl. Britanica

27 ـ Williiam James, The Meaning of Truth. Asequel to Pragmatism Longman,

28 ـ Meaning of Truth. Asequel to Pragmatism Longman, Williiam James, The

Creen and Co. New York, London 1909

29 ـ Some Problems of Phil. Longman, Green and co. New York,  Williiam James

  Bombay 1911

30 ـ يا كوب باريون، ما هي الأيديولوجية؟ تعريب د. اسعد رزق، المكتبة السياسية الدار العلمية. ط 1، لبنان، بيروت 1971.

31 ـ Slinner,Behind Freedom and Dignity

32ـ Carpenter, Finley The Slinner Primer, Behind Freedom and Dignity. The Free

PressNew York 1974

  33 ـ Skinner; Walden 2

34 ـ Russel. B. Hislory of Westrn Phil.

35 ـ Wright, W.k. Ahistory of Modern Phl. New York. The Macmillan Co. 1945

36 ـ Andre Tilquin. Le Behavio risme. Origine et Developpement de la Psych. De

Rdaction En Amerique, Librairie Philosophique, Paris, 1950

38 ـ Alan Palmer, The Penguin Dict. of the 20 century

39 ـ مجلة فروشن Fortune, January 1969  نقلاً عن مجلة Sosial Sciencas, Academy:  

    1922 / of SC. Moscow 2

40ـ عن مجلة Socal Sciences, Academy of SC. Moscow 3 11988;

L. jones, Great Expectations and the Baboy Boom Genertion New York 1982-

عن مجلة:  1986 /Social. Sciances. 3

42 ـ Erac Fromm, Revolutien of Hoda

34 ـ مجلة: 1977 / 2  Social. Sciances

44 ـ Adict. of phil. Progress Pub. Mascaw 1967

45 ـ Willam james, Essays, on Faith and Morals. Selected by Ralph Bartion Berry.

Meridian Books. New York 1962

46 ـ مجلة: Social. Sciances 2  1977

47 ـ د. عواطف عبد الرحمن: قضايا التبعية الإعلامية والثقافية، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت 4/ 78.

48 ـ هريرت أ. شيار: المتلاعبون بالعقول: ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت 4/105.

49 ـ Haroald Underwood Faulkner Faulkner, Histoire Economique, Des Etat Unis

الترجمة الفرنسية عن الإنكليزية، الجزء الثاني، الناشر,  Presses Univ. De

France

50 ـ Richard Hafstadter, Soicial Darwinism in American Thought, Beacon Press

Boston 1966

51 ـ James Lindsay, Great Philsophical Problems. Edinburgh & London 1927

53 ـ Tibor R. Marchan, The Pseudo- Science of B. F. Skinner, Arlington House, N . Y. 1974