الفصل
الثانىعشر
طاحونة الشيطان
سنحاور أن نشرح هذا النظام الذي يختلط فيه التطورالاقتصادي مع تطور الإنسان ، من خلال أمثولة يوحي بها كتاب ميشان ، بعنوان " ثمن التنمية " أما نحن فندعوه :
" أمثولة طاحونة الشيطان "
أقرت حكومة بلد ما ، متطور جدا ، حق الافراد في حمل السلاح ، استنادا إلى الحرية الفردية . وهكذا شهدت صناعة السلاح ازدهارا لا سابقة له . وتبارى المنتجون المتنافسون ، بما لديهم من قوة مخيلة ، وانتشار ، في اغراق السوق الحرة بانواع مختلفة وبلا حدود ، من المسدسات والقنابل المنمنمة ِ. وقد تراوحت الاشكال والانواع بين الممتاز جدا المعقود إلى سلسلة ، وبين النوع المتواضع جدا لصالح الاستخدام اليومي ، ومن المروع كاتم الصوت المكفول في اصابة الهدف إلى السلاح الذي قيل أنه لاثارة الرعب فقط ، إذ تستمر اصوات انفجاراته المروعة لابعاد المعتدي المحتمل دون التصويب في مسار خاص . وحرية الاختيار عند المستهلك مؤكدة بشكل تام .
ورواج السوق من الناحية العملية ، لا يحده حد ، بسبب العصبية التي تخلقها نزاعات العمل ، وازدحام السير في المدينة ، والتراع المستمر على القيم " الاكثر قدسية " ، والاثارة الجنسية ، والنزاعات المالية . كل ذلك يجعل المرء ، حتى الاكثر هدوءا ، أو المرأة الاقل جاذبية واغراء ، لا يخاطران في السير في الشارع ، دون أن يحمل أي منهما مسدسا أو مسدسين ، وبعض الذخيرة.
ومن جهة أخرى ، يساعد مستوى المعيشة المرتفع جدا ، والذي تحقق بفضل التوسع في النشاط الاقتصادي ، يساعد فرد على شراء العديد من الأسلحة . إن زمن القحط والبؤس الإنساني قد ولى . وولدت صناعات جديدة ، برهنت على ديناميكية استثنائية ، منها صناعة السترات الواقية من الرصاص ، والخوذات ، والاحذية ذات المشابك المعدنية ، والاقنعة الكاتمة ، والمركبات المصفحة ، وزجاج العربات المضاد للرصاص ، ومصاريع فولاذية للبيوت . ويبرهن ازدهار صناعة الحديد على الوضع الصحي لاقتصاد البلاد ، وروح المبادرة لدى الصناعيين ، وفضائل المؤسسة الحرة ، والفكر الثاقب للحكومات. وفي إطار البهجة التي خلقها هذا الازدهار ، غابت كل مظاهر الكآبة .
وفي الحقيقة ، تتلقى كل قطاعات النشاط الوطني دعما منشاطا . إنه العصر الذهبي لاشكال التامين المختلفة ، والعيادات الخاصة ، والمخابر الدوائية التي تستجيب بشكل محموم ، وبلا انقطاع للحاجة المتزايدة للمهدئات . أما الاستخدام بدوام كامل فهو مضمون تماما ، فطرق العمل مفتوحة للشباب بلا حدود ، وحتى العمال غير المؤهلين ، فهم مطمئنون أنهم سيجدون اعمالا تثيبهم بشرف ، ولا تتطلب إلاّ تأهيلا سريعا ، مثل حمل نقالات الاسعاف لالتقاط الجرحى أو الموتى .
وقد جرت مناقشة الميزانية ، على ضوء التوسع الكامل للاقتصاد الوطني ، وأبرزت ـ وهي محقة في ذلك ـ أن العلم قد استفاد من نتائج السماح بصناعات السلاح ، وبالتسلح الشخصي ، والمتمثلة بالانهاك السريع لمصادر الثروة المعدنية . وقد قادت الابحاث إلى اكتشاف مواد تركيبية اكثر مقاومة لاستخدامها في الدروع ، وسيؤدي ذلك إلى تحقيق تقدم مماثل في صناعة القذائف ، وكما قال واحد من أبلغ خطبائنا البرلمانيين في هذا المجال : " إن لولب التقدم قد انفتح نحو اللانهاية " .
أوجدت الجراحة ، والطب ، والطب النفسي ، منافذ مذهلة في شفاء امراض غير معهودة . لقد جدد ارتداء الدروع المحكمة ، المفاهيم حول الايضية ، كما قاد حمل الأسلحة إلى اكتشافات تتعلق بالقلق والكرب ، والعدوانية ، هذه المواضيع التي تربك مستقبل علم النفس .
أي تجديد تشهده البلاد في ميدان الثقافة ، وخاصة في ميدان العلوم الإنسانية ! لقد انفتح أمام علم الاجتماع الوضعي افق بلا نهاية ، كي يستطيع تطبيق أساليبه . ويلعب هذا العلم دورا رياديا لقيامه بأبحاث مشتركة مع علوم أخرى حول علم " المسدسات " . وعمل رجال الاحصاء على بلوغ تقنيات التقديرات الاستقرائية مبلغ الكمال ، لحساب دقيق ومتوازن للعام الذي سيصبح فيه حجم ووزن الأسلحة معادلا لحجم الأرض ووزنها ، وقد استطاع فيها أحد الاسلاف اللامعين أن يحدد في أي عام ، لن يترك فيه النمو السكاني في كرتنا الأرضية إلا مترا مربعا واحدا لكل فود . ومن جهة أخرى قلب علم السكان الاتجاه ، بالتخلص من القانون اللوغاريتمي للابادة ، مفسحا المجال لامكانية التنبؤ باليوم الذي سيقوم فيه آخر رجل ، بتوجيه طلقة خلاص الاخيرة إلى جاره الذي يقف أمام ناظره .
وتصبح المستقبلية الوضعية ، من هذا المنظور العلمي ملكة العلوم متمتعة بنفس المستوى النظري كالفيزياء أو العلوم اللغوية . ويلعب اتحاد " الرند " " اسم شركة كبرى " ومنافسوه الذين امتلكوا خبرة كبيرة في " نظرية الالعاب " الاستراتيجية ، دورا مدهشا كمستشارين وأنبياء امام مديرين كبار في صناعة الموت ، وقد اقترح باحث ، وربما كان واحدا من أعظم العبقريات في قرننا هذا معتمدين في هذا التقييم على تنبؤاته على المدى الطويل ، طرازا جديدا في الهندسة المعمارية وهندسة المدن ، وللفن بشكل عام ، يستجيب لحاجات العصر " المسدساتي " ، فالشوارع منحنية للحد من سير القذائف ، وانطلاقا من هذا الطراز الجديد فقد تحققت ثورة في عالم الاشكال ، تلبية لهذه الحاجة . واستنادا إلى التماسك الداخلي لهذا النظام ، وهي الخاصة التي تتصف بها كل الحضارات العظيمة ، عندما تصل ذروتها ، فإن البلاد تشهد ازدهار ثقافة جديدة ، وكلاسيكية جديدة .
وفي كل مرة تسترجع الحكومة بفخر مشروع الامكانيات ، تبرز نتائج التوسع الذي حققته : معدل تنمية أعلى من كل المعدلات السابقة ، مع كل ما يحمله من نتائج : عملة صعبة ، فرص استخدم كاملة ، ميزان مدفوعات لمصلحة البلد ، غزو لا ينقطع لاسواق جديدة لتصدير السلاح ، لأن الحجم الداخلي لانتاجنا من المسدسات ، قد أعطى اسعارنا وضعا تنافسيا للغاية .
وقد تضاعف الانتاج الوطني الاجمالي ، في عشر سنوات ، واجتمعت لدينا كل علائم الاقتصاد الصحي والقومي ، كما اكتملت كل أحلام اقتصاد التنمية .
ومن العدالة ، والحالة هذه ، أن نأمل بالهيمنة على العالم ، ليس فقط بسبب غنانا وقوتنا بل بسبب حكمتنا أيضاً .
ما وراء حملة كلينتون
ضد الارهاب
في 5 أب 1996 ، وقع الرئيس كلينتون ، قانون أماتو ـ كينيدي معلنا استثناء إيران وليبيا من القانون الدولي . وكان حريصا أن يقف أمام عدسات التلفزيون ، محيطا نفسه بطريقة تبدو طبيعية بأسر وأقرباء ضحايا لوكربي ، في العملية التي جرت ضد طائرة عائدة لشركة البان أمريكان في 20 كانون الأول 1988 ، حيث حملت الحكومة الأمريكية ليبيا مسؤولية العملية ، على الرغم من التحقيقات المتوازية التي كذبت هذه الرواية .
كان الاحتفال الرمزي ، ذو دلالة كبيرة على السياسة التي تنوي واشنطن وضعها موضع التنفيذ : الارهاب هو العدو الاكبر . وقد جرى تعبئة الرأي العام حول هذا الموضوع ، واعتبرت البلدان المعنية أعداء للولايات المتحدة . وكبداية ، ستكون العقوبات الاقتصادية هي السلاح الذي اشهر في وجه هذه البلدان ، وإن أمكن الحصار الاقتصادي .
وتتضمن قرارات واشنطن ، والتي اتخذتها منفردة انتهاكا صريحا للمبادئ الاساسية لمنظمة التجارة العالمية ، وتشكل تنكرا من الولايات المتحدة لالتزاماتها الدولية . وتعتبر المعركة ضد ما يسمى بالارهاب ، احد المحاور الرئيسية في السياسة الخارجية لرئيس الولايات المتحدة ، وسيكون هذا الموضوع جاهزا باستمرار ، لاثارته كلما احتاجته الدبلوماسية الأمريكية .
اهو اختيار انتخابي ، حدث على ضوء التصويت للرئاسة في نوفمبر 1996 ؟
نعم بالتأكيد . فقانون هلمز ـ بورتون الذي صدر في 12 آذار 1996 ، والذي يشدد الحصار على كوبا ، استطاع أن يخلق صدى كبيرا بين 400 ألف امريكي من اصل كوبي ، سيدلون باصواتهم في ولاية فلوريدا . ولكن يفوت روبرت دول ، المرشح الجمهوري للرئاسة الفرصة على كلينتون ، زاود على مواقف خصمه من الارهاب . واصفا " بالهش " مسلك الادارة الديمقراطية تجاه كوبا وايران .
وتعطي الحكومة الأمريكية اليوم لقهر الارهاب واهدافه بغية القضاء عليه ، حضورا عالميا منهجيا ، ولكنه بسيط بشكل مذهل ومتعمد . " سيكون الارهاب اكثر التهديدات خطورة ، والمواجهة ضد أمتنا في القرن الحادي والعشرين " .
هذا ما قاله كلينتون عشية الاجتماع الذي عقده في 30 تموز 1996 وزراء خارجية الدول السبع ، الذين كرسوا مقولة كلينتون . وطور الأمر مرحليا في تقرير نشرته وزارة الخارجية ، عددت فيه النشاطات الارهابية في العالم ، وحددت معالم السياسةالامريكية بهذا الخصوص .
وتبرز من قراءة هذا التقرير ثلاث نقاط :
ـ لا نرى في الارهابيين إلا مجرمين ، وبالتالي لا يجوز أن يعقد معهم أي اتفاق من أي نوع . وتجب ملاحقتهم ، بغية الحصول على ادانات ملموسة اكثر .
ـ يجب ممارسة ضغط كبير ومستمر على الدول التي تتعامل معهم وتمدهم بالسلاح ، والمعونات المالية ، وتستخدمهم .
سيكون الضغط باتخاذ اجراءات سياسية دبلوماسية واقتصادية فعالة . واذا فشلت هذه الاجراءات ، اتخاذ اجراءات أخرى .
لم يتضمن هذا التوجه الحاسم ، أي مضمون سياسي أو قومي أو اقليمي أو حتى سياسي وعسكري ، ولم يأخذ بالحسبان أي جواب تطرحه هذه المسألة التي طرحتها مجلة الايكونوميست في آذار 1996 ، فقالت : ليس الارهاب ظاهرة بسيطة ومحسومة ، وليس عمل عصبة من الشبان الاشقياء ، كما نحب نحن أن ندعوهم . من هو الارهابي ؟ هل هو حامل القنبلة الانتحاري ؟ أم الثوري المتمرد هل هو جبهة التحرير ، أم القوى المسلحة في الدولة ؟
على كل حال ، هذا هو المفهوم الذي تريد الولايات المتحدة ، أن ترجحه وتعتبره موضوعيا .
وتقدم الولايات المتحدة الارهاب كوجه جديد لصراع الخير ضد الشر فهي تريد أن تعبئ العالم وتحت أي اسم ، حول سياستها وتحليلاتها . وليتهم استوحوا ببساطة من اهتماماتهم الانتخابية الاهداف الحقيقية ، لكانوا قد توقفوا بعد انتهائها عن متابعة هذه النظرة المثالية عن الخير، وليس من دلالة اكبر بهذا الخصوص من قائمة الدول التي حددوها كمذنبة في دعم الارهاب : إيران وليبيا والسودان .
ومهما كان رأي المرء بأنظمة هذه البلدان ، أو نشاطاتها الخارجية وهي انشطة مختلفة في البلدان الثلاثة ، فإن المطلوب وبشكل واضح أي بلد تناولت التغييرات السياسية فيه ، بشكل أو بآخر النفوذ الأمريكي : ثورة 1969 في ليبيا التي طالبت بجلاء القواعد العسكرية الانجلوا ـ امريكية عن اراضيها ، وقلب نظام الرئيس النميري في السوادان عام 1979 ، الذي كان مرتبطا بالسياسة الأمريكية في المنطقة ، وسقوط نظام الشاه الذي كانت تعامله الولايات المتحدة وكأنه محمية .
وهناك أسماء حاضرة ، وإن كانت غائبة من القائمة المذكورة : العراق ، الذي كان اسمه موجودا على القائمة ن ولكنه سحب منها ، لان صدام حسين قام بعملية تقارب مع الولايات المتحدة زمن الحرب العراقية الايرانية ، فقررت الولايات المتحدة مساندته ، وأعادت علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع بغداد .
وكذلك سورية ، التي كانت دائما موجودة على قائمة الولايات المتحدة ، لاتهامها بدعم الارهاب ، على الرغم من عدم اتهامها في السنوات الاخيرة ، باعتبارها من الشركاء الرئيسين في مفاوضات السلام حول الشرق الاوسط . وتكفي هذه الامثلة ، لتكشف أن الحملة ضد الارهاب تدخل وقبل كل شيء في إطار السياسة الخارجية للولايات المتحدة خدمة لمخططاتها .
وأعطى البيت الابيض في الشهور الاخيرى ، بعدا جديدا لهذه الحملة . أولا عن طريق مؤتمر شرم الشيخ في 13 آذار 1996 عقب عمليتي القدس واشكون ، عشية الازمة اللبنانية الاسرائيلية ، ثم في اجتماع قمة رؤساء ورؤساء وزارات الدول السبع الاغنى في العالم في ليون في حزيران.
أما مؤتمر شرم الشيخ فقد عقد ارتجالا وعلى عجل لدعم فرصة شيمون بيريز رئيس الوزراء في الانتخابات التي كانت ستجري في إسرائيل بعد بضعة أسابيع . وقد تزاحمت الحكومات المشاركة في المؤتمر ، على توقيع بيانات ضد الارهاب الذي تخضع له هذه الحكومات . ولكن الرئيس كلينتون أراد أن يفيد من هذه الفرصة ، فطلب الاشارة إلى إيران بالاسم كمسؤولة عن الارهاب في المنطقة طبقا لتأكيدات ترددها إسرائيل على الدوام . ونستطيع في هذه المناسبة التأكيد أن الدبلوماسية الأمريكية ، وتحت لواء مقاومة الارهاب تسعى أن تعيد ـ ولمصلحتها ـ بناء حلف شبيه بالحلف الذي خاض حرب الخليج ، ولكنه هذه المرة ضد إيران التي تعتبرها الولايات المتحدة الآن عدوها المميز ، كما كان العراق قبل ست سنوات .
ويحمل سيناريو ليون دلالة أعمق . لقد أراد كلينتون ، كما كان الحال في شرم الشيخ ، أن يجعل من مسألة الارهاب الموضوع الهام في قمة الدول السبع في 28 حزيران 1996 . ومن جديد عارضت الاليزيه ذلك ، تجنبا لتقزيم المواضيع الاخرى المطروحة أو تنحيتها جانبا . ولكن واشنطن حملت الأمر هذه المرة إلى باريس نفسها . وعند اختتام جلسة العشاء التي ضمت الرؤساء ورؤساء حكومات الدول السبع ، تبنى المجتمعون " وبالاجماع " بيانا حول الارهاب . وقد يكون هذا الأمر طبيعيا ، لولا أن هذه الوثيقة التي تدين الارهاب كتحد رئيسي " لمجموع مجتمعاتنا ودولنا " ، اشارت بشكل خاص إلى محاولة حزيران 1996 ضد القاعدة الأمريكية في خبر في السعودية ، والتي وصفت بأنها عمل برري لا مبرر له ، وأعلنت الدول السبع الموقعة على هذه الوثيقة تضامنها الكامل مع الولايات المتحدة والعربية السعودية . وبذلك تكون الدول السبع قد وافقت ضمنيا على بقاء التشكيلات العسكرية الأمريكية في الشرق الادنى ، وبعبارة اكثر دقة في الخليج ، وهو أمر تقاومه بشدة كل القوى الاجتماعية والسياسية التي رفضت هذا القرار لأنه يتعارض مع استقلال بلدانهم .
لقد كشف هذا الحدث أيضاً ـ كما في شرم الشيخ ـ عن المخططات الاستراتيجية للحملة ضد الارهاب ، التي تقودها الولايات المتحدة ، والتي تسعى دائما للحصول على تأييد شركائها لها . ومهما كان الأمر، فقد أوحى غياب الادانة الكاملة الواضحة وبالاسم ، إلى وجود تحفظات على ضوء العداء الذي تثيره الولايات المتحدة في البلدان التي تعتبرها مذنبة بجريمة الارهاب . وقد رفضت الحكومات الاوروبية ، وكذلك كندا بعد ذلك ، أن تستجيب لقانون أمادو ـ كينيدي ، وأن تجبر المؤسسات الخضوع لاحكام قانون هلمز ـ بورتون المتعلق بكوبا ، ولكن علينا أن لا نعطي هذا الرفض قيمة أكبر من حقيقته ، فأوروبا لم تتخذ أي إجراء معاكس عملي . وكان الاتجاه تخفيف الخلافات الأمريكية ـ الاوروبية ، وتجنب كل ما يمكن أن يظهر وكأنه سلسلة من أعمال الثأر المالي والتجاري .
بعد بضعة ساعات من توقيع كلينتون على قانون أمادو ـ كينيدي ، طرح الناطق الرسمي في الخارجية الأمريكية نيكولاس بومز مسألة المصالح الفرنسية في إيران . أوضح الناطق الرسمي أن شركة توتال ، ستأخذ بالضرورة مكان للشركة كونوكو الأمريكية ، وحصلت على عقد كان سيكون مجزيا جدا للشركة الأمريكية . نحن نريد أن نعاقب المؤسسات التي سيكون لديها مثل هذه التوجه في المستقبل .
ونشك بمثل هذا الارهاب ، أن تمد الشركات الاوروبية في المستقبل مشاريعها الاستثمارية إلى إيران وليبيا اللتين تزودان الاتحاد الاوروبي بـ 20 % من الهيدروكاريور ، حتى لو طالبت أن لا يكون للقانون المذكور وتعليمات الحكومات أثر رجعي . وسيكون أقل فاعلية أن تستجيب لمثل هذه القانون دول كالصين ، أو دول الشرق الاقصى .
وترسم الحملة الارهابية ضد " الارهاب " ، غالبا ، عدوا رئيسيا : الحركات الإسلامية المتطرفة والرافضة والثورية في آن واحد والتي ترى في إيران المنبع والمثال . ووضع المسألة بهذا الشكل بما يحمله من عموميه ، لا يتصل مع ذلك بتباين الاعمال الارهابية نفسها . وليس من شيء إيراني في اعتداء 19 نيسان 1995 في أوكلاهوما ستي والذي نفذته مجموعة يمينية متطرفة ، ولا في اعتداء 9 تشرين الأول 1995 على قطار ميامي ـ لوس أنجلوس الذي أعلنت مسؤوليتها عنه مجموعة تحمل اسم " أبناء الجوستابو " ولا اعتداء 3 نيسان 1996 ، الذي نفذه أستاذ رياضيات يدعى تيودور كازانسكي ، الذي أختبأ خلف اسم " أونا برمبر " والذي لجأ إلى عملية الطرود الملفوفة ، ولا حتى قضية " الرجال الاحرار " الذين قاوموا في ربيع 1996 الشرطة واحدا وثمانين يوما في مزرعتهم في مونتانا .
ومع كل هذه الوقائع لابد ، من وجهة نظر أمريكا ـ من وجود حركة إسلامية ما تكون هي الملهم الرئيسي والمنفذ للارهاب .
ولا تشكل المعارضة الأمريكية للقوى السياسية والدول التي تتدعي لنفسها لتفتش مفهوما أصوليا إسلاميا موقفا ثابتا ، بأي شكل من الاشكال أو تقليديا ، والعكس هو الصحيح .
فقد وضعت الولايات المتحدة ، تاريخيا ، قدمها في الشرق الادنى عبر المملكة العربية السعودية ، حيث رجحت كفة مصالحها البترولية بين الحربين العالميتين . ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الولايات المتحدة أبدا ـ عن اعتبار السعودية شريكها المفضل على الرغم من أنها تعتبر الدولة الاكثر اصولية في العالم . كما أنها حمت بكل عناية دكتاتور السودان السابق جعفر النميري ، وهو أول من أراد في القارة الافريقية فرض " الشريقة " على كل قوانين البلاد . كما اختارت شريكا مهما لها في جنوب غرب آسيا ، نظام ضياء الحق ، الذي فعل نفس الشيء . وعلينا أن لا ننسى أنها هي التي أوحت ، ونظمت ، وزودت بالسلاح المنظمات الاكثر أصولية في العالم التي عارضت النظام الافغاني المدعوم من الاتحاد السوفيتي .
وسنكون مخطئين جدا إذا لم نعط تأثير أعمال التواطؤ هذه حقها من الاهمية ، في تزويد الاعمال الارهابية في السنوات الاخيرة ، وفي الدرجة الأولى نتائج الحرب الافعانية . فقد دخل افغانستان خمسة عشر ألف رجل من اثني عشر بلدا ، قاتلوا إلى جانب المنظمات الإسلامية الافغانية . وقد عاشوا في نفس المخيمات ، وتطبعوا بنفس العقيدة ، وأسسوا في نهاية الأمر منظمات عديدة للعمل في ميادين أخرى خارج أفعانستان ـ محتفظين فيما بينهم بعلاقات قوية أو ضغيفة .
وكانت مصر الساحة الأولى لاحدى هذه المنظمات ، التي اغتالت الرئيس أنور السادات ، ثم رفعت المحجوب رئيس الجمعية الوطنية في أيلول 1990 ، ثم الكاتب فرج فوده في 8 حزيران 1992 . ثم انسحب رجال المنظمة بعد ذلك إلى السودان ، ومنها كانوا يجتازون الحدود في فترات مختلفة ، ويعتقد أن أحد قادة هذه المنظمة ، يدعى محمد شوقي الاسلامبولي ، شقيق خالد الاسلامبولي الذي اغتال أنور السادات .
وسنجد في الجزائر أيضاً ما يشير إلى أفغانستان ، فقد كان قادة المنظمة الإسلامية المسلحة ، وهي المنظمة الإسلامية السرية الأولى ، مقاتلين قدامى في افغانستان مثل طيب الافغاني الذي هاجم الموقع الحدودي في غويما في تشرين الثاني 1991 ، ومثل مراد الافغاني الذي قاد الهجوم على مركز البحرية في الجزائر ، وقمر الدين الخرمان والحاج بولوه ، اللذان جعلا من فرنسا قاعدة لهما.
ويعتبر أبو المعاطي ، وهو احد المقاومين الافغان ، المسؤول الرئيسي عن المجاهدين في البوسنة . كان مركز قيادته في زينيكا . وكانت قواته قد اندمجت ولمدة طويلة في الكتيبة الثالثة للميليشيا المسلمة في البوسنة ، وقد تلقت هذه الميليشيات مساعدات مادية من بلدان إسلامية كثيرة ، وبشكل خاص من العربية السعودية ، التي قد ملكها شخصيا مبلغ 40 مليون دولار إلى الرئيس البوسني عزت بيجوفتش عند زيارته الرياض ـ إضافة إلى 43 مليون دولار أتت من إمارات الخليخ . كما وصل البوسنة ما يقرب . من ألفين وخمسائة رجل من افغانستان عبر ألبانيا ـ في اشد أوقات المواجهة بين المسلمين والكروات .
وقد أثار وجود المجموعات الإسلامية في البوسنة ، كثيرا من الصعوبات لأن رحيلها كان أحد التدابير الواجب اتخاذها طبقا لإتقاقية دايتون ولن تبقى هذه المجموعات ، على الاقل في البوسنة ، حيث يحتفظون باحتياطي جيد من المال .
وانطلاقا من هذه الاحداث ، التي تدلنا على الطبيعة المشكوك فيها والمبهمة للسياسة الأمريكية فيما يتعلق بظاهرة الارهاب ، نستنتج أن هناك اعتبارات سياسية واستراتيجية أصبحت معروفة جيدا ، هي التي توجه عدوانية الولايات المتحدة ضد الحركات الإسلامية : الرغبة في قهر ، أو على الاقل إضعاف النظام الإيراني ، ومجابهة حركة حماس الفلسطينية ، وحزب الله اللبناني ، اللذين يخوضان معركتين متوازيتين ضد إسرائيل .
مقاطع من مقال بقلم بول ماري دولاغورس .
في اللوموند ديبلوماستيك ـ شباط 1997
تعقيب :
نشر دوم هيلدر كامارا أسقف أوليندا وريسف في البرازيل كتابا بعنوان " لولب العنف " باسم القارة التي كانت اكثر من عانى ـ وقبل كل الاخرين ـ من الاضطهاد الاستعماري .
وقد أوضح في هذا الكتاب وبطريقة قاطعة ، جوانب هذه المشكلة مميزا بين ثلاثة اشكال للعنف:
1 ـ العنف المؤسسات : وهو عنف الظلم الذي يفرض على الجماهير من خلال شروط عيش إنسانية .
2 ـ العنف الثوري : الذي يتوجه ضد العنف السابق .
3 ـ العنف القمعي : الذي يقوم بسحق العنف الثوري لمصلحة العنف المؤسساتي .
لكن الخداع ، لا يسمى عنفا ، إلا العنف الثوري .
لقد عرفت الشعوب المستعمرة لأكثر من خمسة قرون ، وأوروبا التي عانت من السيطرة الهتلرية ، التضليل الذي يخلط بين " الارهاب " ، و " المقاومة " ، مقاومة الاضطهاد وجرائم النهب . ويستخدم القادة الأمريكيون والمتآمرون معهم نفس اللغة ، بغية فرض سيطرتهم على العالم .
لاهوت السيطرة الأمريكية
أعلن الرئيس تافت عام 1912 :
" إن من واجبي أن أحمي شعبنا ، وممتلكاته في المكسيك إلى أن تفهم الحكومة المكسيكية أن هناك ربا في إسرائيل ، ومن الواجب إطاعته " .
ويظهر هذا التعبير ، وغالبا بصيغة " إسرائيل الرب الجديدة " ، كثيرا في التاريخ الأمريكي منذ ماى فلاور ، وتأسيس مستعمرة بلايموث عام 1620 .
يالها من قصة جملية ومؤثرة : شعب منفىٌ ، شعب صغير ، يفر إلى هيمنة تحميه ، باحثا عن بداية جديدة .
وعقد حلف فوق جبل سيناء ، فقد أعطى يهوه اليهود المنفيين الوعد الخاص بأن يكونوا الأمة الأكثر تفضيلا . وأصبح اليهود " شعب الله المختار " ، " مع أرض ميعاد " ، وعهد اليهم على هذه الشاكلة بدور هام جدا في قيادة باقي الشعوب .
والآباء المؤسسون للولايات المتحدة ، البيوريتانيون ، هم أيضاً " شعب مختار " منذ قرون ، لا يقرأ إلاّ التوارة ، ويعتبر نفسه شعبا مختارا ، إن لم يكن عن طريق يهوه ، فعلى الاقل عن طريق الرب المسيحي .
لماذا لا تصبح هذه الأرض ، إذن ، أرض الميعاد ، ولماذا لا يصبح شعبها النور والهادي والقائد للشعوب الاخرى، ما دام شعبا مختارا من الله ؟
ولكن أرض الميعاد ليست صحراء .
والفكرة الاساسية ، هي أن الرب يساعد الشعب المختار ، وأن نجاح هذا الشعب ، لا يشير فقط إلى استقامته وصوابيته في نظر الرب ، ولكنه أيضاً يدل أن الوسائل التي استخدمت لتحقيق الظفر هي أيضاً مبررة ومسوغة .
وكما زود العهد القديم ، الأمريكيين الأوائل ، بوهم ملائم لعلاقتهم مع السكان الاصليين للبلاد ، قام البيوريتانيون بدورهم بتزويد الاسرائيلين بوهم ملائم لعلاقتهم مع الفلسطينيين والنتيجة المسلم بها ، إنشاء جبهة مشتركة ضد الإسلام .
اعتقاد اليهود بأنهم شعب مختار ، يتماشى تماما مع اعتقاد الولايات المتحدة بأنها الامة الاكثر قربا من الله ، من أي أمة أخرى ، معبرة عن هذا الاعتقاد في الشعار المطبوع على الدولار " نحن نثق بالله " .
و " البلاد الاكثر قربا من الله " هي أيضا ممثل الله على الأرض ، الذي يحمل معه ثلاثة من صفات الله : العليم بكل شيء ، القدرة الكلية ، والاحسان . وذلك يعني واقعيا المراقبة الالكترونية في العالم كله ، لكل أولئك الذين يشك بانهم حملة الشر ، ويعود للولايات المتحدة وحدها تقرير من الذي يدخل في طبقة الاشرار هذه . ولا حاجة لأن يكون هناك محكمة استئناف طالما أن الولايات المتحدة تحتكر اصدار الاحكام . وهكذا فهي تمارس سلطة ثقافية ، وسلطة اقتصادية ، وسلطة عسكرية تحت اشراف البنتاغون والمخابرات المركزية .
وتستحق امبراطورية الشر، أن تمطر بالقنابل ، حتى تعود إلى العصر الحجري .. وهذا واجب.
وأية ديانة يمكن أن تكون أسمى من اليهودية المسيحية عقيدة يمكن أن تكون أسمى من الليبرالية المحافظة بصيغتها الرأسمالية ؟
ولا يجوز لأية مؤسسة دولية أن تكون فوق الولايات المتحدة . وينطبق هذا الأمر على الأمم المتحدة ، على الاقل لأن هذه المنظمة هي وسيلة الولايات المتحدة لممارسة نفوذها المسيطر على العالم كله . وفيما يتعلق بتراتبية الأمم ، تقع الولايات المتحدة في القمة ، يحيط بها الذين يمثلون مركز العالم : الحلفاء الذين يتصفون على الاقل باثنتين من الخصائص الثلاثة التالية :
ـ اقتصاد حرية السوق .
ـ الايمان بالرب اليهودي والمسيحي .
ـ الانتخابات الحرة .
وفي الطرف الثاني من هذا العالم ، المقسوم بين الخير والشر ، تتكون امبراطورية الشر من البلدان التي لا تؤمن باقتصاد حرية السوق ، ولا بالايمان اليهودي ـ المسيحي ، ولا بالديمقراطية على غرار النظام الأمريكي .
الولايات المتحدة المتحدة متحالفة مع الله ، والبلدان الاخرى متحالفة مع الولايات المتحدة ، ويتصف هذا التحالف بعلاقات خضوع المحيط للمركز ، وخضوع دول الغرب للولايات المتحدة ، وخضوع الولايات المتحدة لله . هذا هو اللاهوت الغامض للسياسة الدولية للولايات المتحدة .
جوهان جالتونغ من
كتاب " السياسة الخارجية للولايات المتحدة في مظهرها اللاهوتي ".
انتهى