الفصل السادس
أحلام
الغرب واكاذيبه![]()
إنه الطريق العريض لتتخلص الشعوب التي خضعت طويلا للغرب ، من قوانين تنمية خارجية وغريبة عن ثقافتها الخاصة ، ومفروضة من الاستعمار .
وليس المطلوب أن ننكر إسهام الغرب ، إنما المطلوب أن نعطيه مكانه الصحيح ، كل مكانه ، ولكن لا شيء أكثر من مكانه ، وبشكل خاص أن يسخر بشكل خاص قوة العلم والتقنية لخدمة غايات إنسانية .
وهكذا فقد نستطيع أن تتواصل وبشكل إنساني ، الملحمة الإنسانية التي بدأت قبل ثلاثة ملايين عام.
وقد كتب رجل فضاء ، وطأت قدماه تراب القمر ، عند عودته إلى الأرض : " بدت الأرض من هنا جميلة ومضيئة . . بدت موحدة وهادئة ".
للمرة الأولى لمحت عين بشرية الأرض في كليتها ، دون حدود تقسمها ، سابحة في فضاء لا نهاية لآفاقه .
أننجح في التشبث بها في الوقت المناسب ؟ في وحدة تاريخها ؟
منذ فجر الحضارات الاولى ، منذ عمليات التوهج الأولى في الفكر والحب ، إلى أملنا الحاضر ومشروعنا للوحدة الإنسانية ؟
يمكن لنا منذ الآن كي نغير جذريا العلاقات الاجتماعية :
ـ أن نخلق نموا جديدا ، غير النمو الذي يسحق البشر ، وحرياتهم ، نموا لا يقود بعد الآن إلى مزاعم " توازن الرعب " ، التهديد الرئيسي لأمن الشعوب وسلامها .
المطلوب نمو نوعي لا كمي ، يشبه حلم الام بنمو طفلها ، أو حلم كل منا ، فيما يتعلق بالذين نحبهم . المطلوب نمو بالمعنى الذي قصد إليه القديس غريغوري دونيس عنما قال : " الله هو الاكتشاف الابدي للنماء الابدي " .
ـ أن نفتح أبواب أوروبا للعالم ، للعالم الثالث بشكل خاص ، مع الاصغاء للحضارات الاخرى ، لان المشكلات التي تنتج عن النمط الغربي للتنمية أصبحت مشكلات العالم كله ، ولن تحل الا بالاهتمام بثقافات وحكمة شعوب العالم الثالث . إنه أحد الشروط الجوهرية لقيام سلام حقيقي لا يشوبه ظلم أو سيطرة .
ـ أن نجري تبديلا جوهريا في علوم التربية والتعليم ، وتسخيرها لتكييف الإنسان لا لحاجات النظام القائم ، بل لبناء المستقبل ، ويجب من أجل ذلك تعليم الطفل أن العالم ليس حقيقة مكتملة وقبلية ، ومتصلبة ، ولكنه عمل علينا نحن صياغته .
نعتقد أن الواجب الأول للمثقفين ، هو إزاحة القناع عن اللغة الكاذبة للكراسات المدرسية ، ووسائل الاعلام التي تخدم الغرب ، كي يحقق سيادته بواسطة أيديولوجيات خداعة تحت اسم " الحداثة " .
ليس هناك مسلمة واحدة من هذه المسلمات التي يزعم أنها عصرية إلا كاذبة ، وفي المقدمة منها مسلمات الديمقراطية ، والدفاع عن حقوق الإنسان ، والحرية .
كانت الديمقراطية دائما ، خدعة الاقلية التي تملك العبيد والثروات .
وما يسمونه " الديمقراطية الاثينية " في زمن بيركلس ، ويقدمونها لنا مثالا يحتذى ، " مثل ديمقراطية المرسيدس " ، كانت في حقيقة الامر حكومة تمثل عشرين ألف مواطن حر ، مقابل مئة ألف عبد محرومين من كل حق . كان المطلوب تراتبية مبنية على الاستعباد ، عمدت على أنها ديمقراطية .
إنها ديمقراطية الاسياد، ولا ديمقراطية للآخرين .
نادى إعلان " استقلال الولايات المتحدة " بالمساواة في حقوق كل البشر ، وبعد هذا الاعلان المهيب ، حافظت الولايات المتحدة ولمدة قرن كامل على الرق . أما التمييز العنصري ضد السود فما زال قائما حتى يومنا هذا .
إنها ديمقراطية للبيض فقط ، ولا ديمقراطية للسود .
أما إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي صدر عن الثورة الفرنسية ، فقد أكد بكل شموخ أن " كل الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الحقوق " ، ولكن الدستور الاقطاعي الذي شكل الاعلان مقدمة له ، استبعد من حق التصويت ثلاثة أرباع الفرنسيين لأن فقرهم جعل منهم " مواطنين سلبيين " .
إنها ديمقراطية الاغنياء ولا ديمقراطية للفقراء .
ونجد الموقف نفسه في ميدان حقوق الإنسان .
لقد جرى تعداد هذه الحقوق في " الاعلان العالمي لحقوق الإنسان " الذي صدر عن الأمم المتحدة عام 1948. كانت كل هذه الحقوق تعابير متناقضة بشكل جلي مع الواقع ، وسنكتفي بايراد مثالين فقط :
ـ المثال الأول يتعلق باعلان " حق العمل " ، بينما يخلق النظام القائم ملايين العاطلين عن العمل ، ولا يتوقف عددهم عن الازدياد .
ـ المثال الثاني ، هي المادة التي تتحدث عن " حق التصويت " ، بينما نرى أن الحساب المصرفي ، قد حل محل بطاقة الانتخاب ، ليس فقط في الولايات المتحدة ، حيث تكلف الحملة الانتخابية المرشح إلى مجلس الشيوخ أو النواب 500 مليون دولار ، بل في الكثير من البلدان حيث تسمح الثروة بشراء الاداتين الضرورتين للوصول إلى السلطة : وسائل الاعلام بقصد التلاعب بالرأي العام ، وصناعة السلاح لقهر الرأي العام كحل أخير .
ويقولون عن هذا " الاعلان " أنه " عالمي " .
ويستطيع كل الناس الادعاء أنهم يعملون وفق حقوق الإنسان : المساواة الكاملة أمام القانون ، فالعاطل عن العمل والمليادير ، كلاهما يتمتعان بحق متساو في تأسيس صحيفة أو سلسلة من المحطات التلفزيونية . وتتجلى هذه المساواة مرة أخرى أمام القانون عندما نعلم أن كليهما ممنوعان من سرقة رغيف خبز ، لانهما سينالان نفس الجزاء .
هؤلاء الذين يدعون لانفسهم أنهم المدافعون عن حقوق الإنسان على امتداد العالم كله هم الاكثر ارهابا في العالم ، والاشد انتهاكا لحقوق الإنسان ، ليس فقط من خلال ماضيهم البعيد " مجزرة هنود أمريكا ، معاهدات الرقيق الاسود ، الاستعمار بشكل عام " وإنما أيضاً من خلال جرائمهم حديثة العهد ، كما جرى عندما أمطروا أرض فيتنام بالنابالم ، وزودوا بالمال والسلاح والمدربين ، جلادي رواندا ، وكما جرى في العراق ، حيث يتحملون مسؤولية موت 400 ألف انسان ، وهم المذنبون الحقيقيون في وفاة 250 ألف طفل في المستشفيات في أقل من خمس سنوات " أرقام منظمة الصحة العالمية "، وفي وفاة عدد مماثل خارج المستثفيات بسبب استمرار الحصار على العراق .
بهذا المنطق اجتمع رؤساء مجموعة السبعة ، وهي الدول الاكثر غنى في العالم ، في ليون 1996، لمحاوبة الارهاب ، برعاية الولايات المتحدة ، ولن تكرر ذلك كثيرا ، فأولئك الذين يريدون فرض نمط النتمية الليبرالية على العالم ، يعادل هذا النمط وفاة عدد مشابه لضحايا هيروشيما كل يومين .
هؤلاء الاساتذة الغرباء عن الاخلاق ، يعطون العالم مثالا للاصولية الاكثر تطرفا .
تعني " الاصولية " الزعم بامتلاط الحقيقة المطلقة ، وبالتالي ، ادعاء الاصوليين بحقهم " بل بواجبهم " في فرض هذه الحقيقة على الاخرين . وأكمل مثال على الاصولية هو الاستعمار ، إذ تحرك المستعمرون تحت راية زعم مزدوج :
أولا التبشير بالنصرانية لفرض مفهومها الخاص عن الدين على العالم . وقد حمل العسكريون والتجار مسؤولية ما تبقى وهو المجازر والاستغلال . وبعد ذلك ، وبعدما تراجعت مقولة التبشير، زعموا بأنهم يحملون " الحداثة " إلى العالم .
وعندما توحد الاستعمار تحت قيادة الولايات المتحدة ، تبين أن " النظام العالمي الجديد " ، ليس الا تكرارا للفوضى الاستعمارية القديمة ، والتي أطلق عليها منذ ذلك الحين " الليبرالية الاقتصادية الشاملة " ، والتي أعطت فاعلية أكبر للهيمنة على العالم ، وإهلاكه ، بطرق اقتصادية " دون استبعاد التدخل العسكري " . وأصبحت إسرائيل بعد الغاء التمييز العنصري في اتحاد جنوب إفريقيا وهي في الاساس احسن حليف لهذا النظام ، أصبحت الممثل الاخير للاستعمار التقليدي ، أي العنصري .
أما الاصوليات الاخرى فقد نشأت من خلال انتفاضات ضد الاصوليات الغربية الاساسية ، وضد المتواطئين معها " من إسرائيل حتى السعودية ومن إيران الشاه حتى زائير موبوتو " . وكانت الثورة الثقافية في الصين المثال الأول لرفض كلي للغرب بكل أبعاده " بدءا من الضغط الوحشي حتى موسيقى بتهوفن التي اعتبرت برجوازية " .
وكانت إيران الخميني قد شكلت ظاهرة مماثلة في رفض نظام حياة غريب على ثقافتها التي تعود إلى آلاف السنين .
وتعتبر كل الاصوليات الاخرى ، بتطرفها ، وأحيانا بلغتها المهجورة ، ردود فعل على الاصوليات الغربية الاساسية ، دفاعا عن هويتها . غالبا ما كان رد الفعل هذا عودة إلى الماضي لأنها تحلم في مواجهة الغزو الثقافي ، بعصر ذهبي سابق على هذا العدوان ، ونادرا ما نتجه نحو المستقبل وفق مشروع حقيقي .