الفصل
الخامس
التجارب الخائبة الاشتراكية![]()
توجب مرور قرنين كاملين ، على الثورة الفرنسية ، ليصبح شائعا ما دعاه ماركس في منتصف القرن الماضي : تهتك الرأسمالية ولتحقق الوعي في مسألة العودة إلى شريعة الغاب ، لمؤسسة غبر الأيديولوجيا والممارسة العملية لحرية السوق ، وهما العاملان اللذان قادا العالم اليوم للإنقسام إلى قسمين : الشمال والجنوب ، مع كل نتائج النمط الغربي للتنمية الذي كلف العالم الثالث من الموتى كل يومين ، ما يعادل ضحايا هيروشيما. أما التباعد بين الشمال والجنوب فما زال يتعاظم يوما بعد يوم .
ولم يتوقف تنامي انقسام مشابه ، حتى داخل البلدان الغنية ، بين الذين يملكون ، والذين لا يملكون ، مع تصاعد لا يرحم لمعدلات البطالة ، والتسريح ، وعدم المساواة .. وما زال التفاوت بين هذين الطرفين يتعاظم يوما بعد يوم .
والواقع أن ثلث العاملين في العالم البالغ عددهم 2800 مليون ، عاطلون ، عن العمل ، وقد انخفض الانتاج في بلدان العالم الثالث بين عامي 1990 و 1993 ، بنسبة 10 % .
وحدث الامر نفسه في مجموعة دول أوروبا الشرقية ، بعد عودة الرأسمالية اليها : فقد انخفضت دخول 73 % من الاسر البلغارية إلى أقل من الحد الادنى للاجور ، بينما كان عام 1990 ، 42 % فقط ، ووصل 50 % من الاسر البولونية إلى مستوى الفقر عام 1992 ، مقابل 40 % عام 1991 . وحدث الامر نفسه في الاتحاد السوفيتي السابق ، حيث يعيش 10 مليون إنسان عند عتبة الفقر " عام 1991 " .
وفي البلدان شبه الصحراوية بلغ معدل البطالة 51 % ، وهو ضعف ما كان عليه في أعوام الخمسينات .
وفي أمريكا اللاتينية ، ارتفعت البطالة في القطاعات المدنية من 4, 13 % إلى 6 , 18 % .
وهكذا نجد أن 350 شخصا فقط يتمتعون بدخل يعادل دخول 5 , 2 مليار إنسان في العالم .
كانت الثورة الفرنسية قد أحلت محل تراتبية الدم ، تراتبية المال ، إذ اهتمت بموجب قانون شابلير 17 حزيران 1791 بحل المنظمة العمالية ، وكانت قبل ذلك قد جردت الطبقات الاجتماعية المحرومة أن تعارض التراتبية الجديدة ، من أسلحتها .
ودام منع التنظيم العمالي قرنا كاملا ، إلى أن سمح بتأسيس النقابات عام 1887 . وقد أشار بابوف (1760 ـ 1797) إلى تخوم هذه الثورة التي أسست علاقات جديدة قائمة على مبدأ الدفاع عن الملكية الفردية ، وحرية هذه الملكية في النمو على حساب غير المالكين . وكتب بابوف في العدد 34 من " منبر الشعب " يقول : أي شيء هي الثورة الفرنسية ؟ إنها حرب ناشبة بين النبلاء والعامة ، بين الاغنياء والفقراء .
أمام هذه التراتبية الاقتصادية للنظام الترميدوري ، تحدث العدد 35 من " منبر الشعب " ، وفي باب " بيانات الفقراء " ، عن القانون البربري الذي يفرضه رأس المال .
وقد انتحر بابوف ، قبل أن ينفذ فيه حكم الاعدام في فاندوم في 28 أيار 1798 .
ودعم نابليون من خلال الدكتاتورية ، النظام الذي تأسس باسم الحرية . وقد كتب أحد وزراءه ، ويدعى شامبيني والذي يعتبر نموذجا لارستقراطية المال الجديدة كتب رسالة إلى الكونت ونتراج ، وهو قانوني بقي مخلصا للنظام القديم : " يلزمنا ملك يكون ملكا حقا ، لأنني مالك " 21 آب 1801 .
وفي الحقيقة ، فقد وضع نابليون بأسلوب أكثر ما يكون وضوحا ونمطية ، القانون الذي عرف باسمه عام 1804 ، والذي كرس مبادئ الملكية ، وحرية العمل اللتين سادتا منذ عام 1789 . وأدرك لوي بلان 1812 ـ 1882 هذه الفكرة ، فأشار إليها في كتابه " تاريخ السنوات العشر " بقوله : أطل نابليون على الجمعية التأسيسية ، فانحاز إلى الطغيان المختبئ في ثنايا مبدأ " دعه يعمل " ، وفي كلمة واحدة لقد حصن كل ما يخدم اليوم ، هيمنة " البرجوازية " .
وفي الواقع أعطى نابليون أول مثال لهذه الحقيقة ، التي طبقت بعد ذلك ابتداء من لويس فيليب ، إلى عهد نابليون الثالث ، بل وحتى حكم بينوشيه ، تشير إلى أن الحرية الاقتصادية أبعد ما تكون عن الامتزاج بحرية الإنسان ، وهي تتفق بشكل جيد مع نظام سياسي ديكتاتوري ، مثلما تنسجم مع " ديمقراطية " ، تموه ديكتاتورية المال .
ويمكن لهذا النظام أن يجد مبرراته في الدين والالحاد على حد سواء . وكان نابليون ، في هذه الحالة مبشرا أيضاً . ودلل روديرو في " يومياته " عن هذه الثقة لدى نابليون :
" لا يمكن للمجتمع أن يوجد دون التفاوت في الثروة ، ولا يمكن لهذا التفاوت أن يوجد بدون الدين . فعندما يموت انسان جوعا إلى جانب انسان آخر يتقيا من التخمة ، لا يمكن قبول هذا الامر إلا بوجود سلطة تقول له : يريد الله الامر على هذه الشاكلة . ولا بد في هذا العالم من وجود فقراء وعبيد . أما في الاخرة فستكون القسمة على شكل آخر " وهذا ما جعل هذا الكافر يحرم من تتويج البابا له .
إنها نفس اللغة التي استعملها شاتوبويان حين عودة الملكية : " إنها دولة سياسية ، يملك أفراد فيها الألوف ، بينما يموت آخرون جوعاً ، أيمكن لهذه الدولة أن تستمر عندما لا يكون هناك دين يولد الآمال خارج هذا العالم ، كي يفسر معنى التضحية ؟ " مذكرات بعد الموت " .
وقال لويس فييو في وسط القرن التاسع عشر :
عندما لا يؤمن بالله ، فلن يؤمن بالملكية حتى يكون مالكا ، " وبهذا المعنى يجب فهم مقولة ماركس : الدين أفيون الشعوب " .
ولدت الاشتراكية أولا من الثورة على الإنسانية نظام الحرية الاقتصادية . وقد وعى مسيحيون ، رفضوا الاستسلام للتواطؤ ، هذه اللاإنسانية في النظام ، وصاغ الاب لا كوردير ، مثلا ، المبدأ ذاته المتعلق بلا إنسانية الإنسان بقوله : " بين القوي والضعيف ، الحرية هي التي تقوم بالاضطهاد والقانون هو الذي يحرر ".
وقد ولدت الاشتراكية من خلال البحث عن هذا القانون الذي يسمح للانسان أن يصبح إنسانا .
فشلت محاولات بناء الاشتراكية ، حتى الآن ثلاث مرات . إذ لم تكن عام 1848 إلا انتفاضة ، فكان بالامكان اخمادها في ثلاثة أيام . ولم تعش كومونة باريس عام 1871 أكثر من ثلاثة شهور أيضاً ، فتم سحقها بقوات مشتركة لبسمارك وتيير . فقد طوق جيش بسمارك باريز ، وأعاد تيير أسراه في سيدان بعد خيانة بازين ، وطلب من قائد الجيوش البروسية أن يسمح للجيش المحاصر في سيدا بالخروج استعداداً لصد عصيان محتمل في باريس .
وولد الامل من جديد في الاتحاد السوفيتي بعد ثورة أكتوبر 1971 ليتداعى بعد سبعين عاما . وقد عاشت الثورة حالة من الحصار منذ ولادتها ، بإرادة كليمانصو وتشرشل اللذين كانا البادئين باختراع فكرة " الاسلاك الشائكة " والتي تولد عنها فيما بعد " سور برلين " كجواب عليها .
لم يتوقف الحصار الاقتصادي ، منذ أن بذلت الحكومات الأوروبية الرأسمالية الدعم لقادة الثورة المضادة عام 1918 مثل دنيكين ورانجل ، إلى قيام الحرب الباردة ضد امبراطورية الشر ، إلى حرب النجوم التي أطلقها ريغان ، إلا لمدة أربع سنوات فقط .
فقد رأت هذه الحكومات أن هتلر يشكل أفضل " سد " ضد البلشفية ، فرحبت بصعوده إلى السلطة وزودته بالفولاذ والمال ، والتنازلات اللازمة " معاهدة ميونيخ 1938 " للسماح له القيام بهذه المهمة .
ولكن هتلر ، وبعد أن أصبح جاهزا لتنفيذ هذه المهمة ، تنبه لخطر أن يصبح أسيرا بين فكي كماشة ، الغرب من جانب ، والشرق من جانب آخر ، فقام باحتلال فرنسا ، وقصف بريطانيا . عندها أدرك الأوروبيون أن الاتحاد السوفييتي هو منجاتهم الوحيدة فتحالفوا معه .
عانى الاتحاد السوفييتي كثيرا من الغزو والاحتلال الكثيف من قبل ثلثي الجيش الألماني . ثم قام بتحرير أوروبا بدءا من ستالينغراد وحتى برلين ، محطما الجيش الألماني ، بعد أن دفع في هذه الحرب الضريبة الأثقل : بطولات وتضحيات (17 مليون قتيل ) . بعد ذلك ضاقت الحلقة حوله ، بدءا من الخطاب الذي ألقاه تشرشل في فولتون عام 1946 مدشنا الحملة الجديدة .
لم يكن انهيار الاتحاد السوفييتي بسبب هزيمة عسكرية ، إنما انفجار سياسي واقتصادي ، وليس بسبب أنه اتبع عقيدة ماركس ، بل لأنه خانها .
كان ماركس قد عثر من خلال كومونة باريس على صيغة للنظام الاشتراكي . وكانت كومونة باريس قد تميزت على المستوى الاقتصادي ، بإدارة العمال أنفسهم للمشاريع التي هجرها مالكوها الرأسماليون الذين انضموا لثورة فرساي المضادة بقيادة تيير . وقد دعى لينين في مقالة له في البرافدا ، هذا الاسلوب من الادارة بالنظام التعاوني ، وسيدعى فيما بعد ، أي في عام 1968 " بالتسيير الذاتي " .
أما على الصعيد السياسي فلم يتوقف ماركس ، منذ تأسيسه الاممية الأولى 1864 عن رفض كامل لمبدأ الحزب الواحد . لقد أدرك أهمية أن يتوحد كل أولئك الذين وافقوا على تحطيم النظام الرأسمالي مهما كانت أيديولوجياتهم . وعندما أشاد بكومونة باريس ـ كصيغة للنظام الاشتراكي ـ كانت اللجنة المركزية للكومونة تضم 60 عضوا برودونيا ، وأقلية من البلانكيين ، وماركسي واحد .
على الصعيد القومي ، تأسست الكومونة على أساس فدرالي ، وفق لامركزية عريضة جدا رغم أن هذه اللامركزية لم تستطع أن تتحقق على أرض الواقع لأن باريس كانت معزولة عن بقية فرنسا " من قبل جيوش بروسيا وفرساي " أما كومونة مرسيليا التي زالت سريعا مع كريميو ، فقد تأسست دون أدنى تدخل من كومونة باريس .
وتكون النظام السوفييتي مخالفا لهذا المبدأ : مركزية بموجب تخطيط يستبعد كل إدارة ذاتية ، أو نظام تعاوني حقيقي ، واستعاض عنهما بالقهر الذي غالبا ما كان داميا ، ابتداء من إدارة مركزية ، وحزب واحد أقصى كل مبادرة من القواعد ، وفرض في كل الميادين ، من الاقتصاد حتى الدين والفن ، عقائدية خانقة وقاتلة .
وهكذا تحول " الاتحاد " وبشكل مطلق إلى اتحاد شكلي بسبب المؤسستين السابقتي الذكر : المركزية والحزب الواحد .
ما هي جذور هذا الانحراف ؟
لنتذكر أولا الاسباب الخارجية :
التدخل الخارجي منذ البدء ، ومشاكل بناء الاشتراكية ، ومشاكل التخلف في بلد تسوده رأسمالية متخلفة عن مثيلتها في أوروبا الغربية ، وحصار البلدان الرأسمالية ، ومقاطعتهم ، وتدخلهم الذي أعاق الاتحاد السوفيتي في محاولته أن يجتاز بخطوات حثيثة مراحل التطور الصناعي والتي اجتازتها بلدان الغرب الاوروبي منذ فترة طويلة ، والخسارة الإنسانية والمادية في الحرب ضد هتلر ، حيث تحمل الاتحاد السوفيتي النصيب الاكبر من أثقال الحرب ، والتنافس الملزم في سباق التسلح المنهك المفروض من الولايات المتحدة وأتباعها خلال الحرب الباردة . ولكننا لا نستطيع أن نحفف من أهمية العوامل الداخلية .
في البداية : لا بد من دراسة حرفية وشاملة لماركس الذي قيل أنه فرض على بلد متخلف نمطا من التنمية ، بموجب قوانين استنبطها ماركس من وضع تاريخي مختلف تماما .
1ـ وضع ماركس قوانين التنمية المثلي ، للرأسمالية الأكثر تقدما في زمانه ، وهي الرأسمالية الإنكليزية ، مؤسسا علاقة جبرية بين الاستثمارات الموجهة لانتاج أدوات الانتاج ، وبين الاستثمارات المكرسة لانتاج المواد الاستهلاكية . نظرية وحيدة للنمو، عاشت على مدى قرن كامل .
لقد حولت المبادئ الدوغماتية القاطعة، القانون الوصفي لتطور الرأسمالية الإنكليزية في القرن 19 إلى قانون معياري لتطور الرأسمالية الروسية في القرن العشرين . وكان ذلك خطأ قاتلا منع بدءا من ذلك الحين ، من التفكير بالاشتراكية انطلاقا من غاباتها ، وجعل من التفضيل المطلق للصناعة الثقيلة عقيدة قاطعة ، معيدا بذلك انتاج لاإنسان التصنيع الوحشي التي بدأت في القرن التاسع عشر في إنكلترا وفرنسا .
بدت الاسبقية المطلقة للتنمية الصناعية في ظروف التخلف الاقتصادي عام 1917 ، ومن ثم إعادة بناء ما خريته الحرب الثانية ، وكأنها ضرورة تاريخية لمواجهة حصار القوى الرأسمالية .
لم يتضح هذا الدمار الانساني إلا بعد الاقلاع الصناعي (1937 والعمليات الكبرى ) ، ولكنها حجبت بالضرورة خلال الحرب ، بسبب المواجهة ، ولم تقع الانتفاضات الاولى في ألمانيا وهنغاريا ومن ثم تشيكوسلوفاكيا ، إلا بعد إعادة البناء .
2ـ تضمن التحريف الثاني الخلط بين بناء الاشتراكية وبناء الدولة . لقد سخر ماركس من أولئك الذي عرفوا الاشتراكية بأنها التأميم وقال : بهذا المعنى يصبح بسمارك أعظم اشتراكي في أوروبا لأنه أمم البريد .
وعرف لينين في مقالته الاخيرة في " البرافدا " عن الحركة التعاونية ، البناء الاشتراكي وكأنه إيجاد شبكة من التسيير الذاتي التعاوني . وقال : في الريف ، يمكن للفلاحين أن يستخدموا ممرا لعشر أو عشرين سنة ، ويصبح واقعا على أساس الخبرات الناجحة دون أن يدخل في وعي الفلاحين قيمة النظام . وعندما ادعى ستالين أنه حول الزراعة إلى النظام التعاوني في بضعة شهور ، ويطريق سلطوي ، فقد وجه إلى الزراعة ضربة لم تشف منها حتى اليوم .
وقد قاد تحويل وسائل الانتاج في بلد رأسمالي متخلف إلى الوضعية الاشتراكية ، إلى تحقيق التصنيع ، ليس بدءا من التسيير الذاتي التعاوني ، ولكن من " لأعلى "، ونقصد بذلك ، عن طريق الدولة والمركزية . وبدلا من أن تكون .
وأما " الخطة " فبدلا من أن تكون وسيلة لأنسنة الاقتصاد ، وتوجيه الانتاج لتلبية الحاجات الإنسانية ، وليس للريح فقط ، فقد تحولت لتصبح مؤسسة تراتبية ، ذات أسلوب شبه عسكري ، دون أشراك القواعد أو الفنيين . أما البيروقواطيون وأعضاء الجهاز الحزبي ، فقد احتفظوا لانفسهم بكل السلطات واتخذوا قرارات باسم العمال الذين لم تجر استشارتهم ، أو استشيروا شكليا فقط ، دون أن يؤثر ذلك على التوجيهات المركزية . هذا المفهوم عن دور الدولة ، يتناقض جذريا مع مفهوم ماركس .
3 ـ يتضمن التحريف الرئيسي الثالث ، خلط التخطيط ، الذي لم يكن له دور أكثر من التوجيه ، مع أسلوب الادارة من " أعلى " والذي يقرر الاستثمارات ، الاسعار ، أنماط الانتاج ، والتوزيع التجاري ، وحصر السلطات بأيدي بيروقراطية مركزية ، وأجهزة محلية معينة من قبلها .
قادت هذه لانحرافات الثلاثة الاقتصاد إلى الفوضى ، والحرية إلى الزنزانة . ولكن ما هو أسوأ في تطور هذه الاشتراكية هو استعارتها للمسلمات الاساسية للراسمالية ، أي اعتقاد الغرب بوجود نموذج واحد وحيد للتطور ، يمتزج مع النمو الكمي تسانده تقنية الغرب وعلومه .
ليست الماركسية ، هي التي ماتت مع الاتحاد السوفييتي بل صورتها الكاريكاتورية المأساوية .
ولم يكن استشراف ماركس للمستقبل ، في يوم من الايام أوضح منه الآن .
وبالمقابل ، لم يتأكد بطلان استثراف آدم سميث لهذا المستقبل و " الحريته الاقتصادية " في يوم أكثر منه الآن .
كانت " المقدمة الكبرى " لآدم سميث : " لو أن كل فرد تبع مصلحته الفردية ، لكان الرفاه العام مؤكدا " .
لقد تم دحض النظرية عبر قرنين من استقطاب أيد قليلة للثروة ، بينما كان نصيب الاغلبية المتزايدة من البشر:
البؤس والبطالة والتسريح ، ليس فقط في بلدان الاستعمار القديم ،ولكن في بلدان المستعمرين القدامى والجدد .
أما " المقدمة الكبرى " لماركس فكانت أن الرأسمالية تخلق الثروة (ولا يقدم ماركس هنا الكثير من المديح لهذا الاتجاز ) ولكنها تخلق البؤس أيضاً ، بسبب التفاوت الذي تولده بالضرورة .
ويتصف الميزان المأساوي للنصر المؤقت الذي تحرزه الليبرالية بصفتين :
ـ هناك عام منقسم ، يكلف أربعة أخماس العالم ، كل يومين خسارة تعادل ضحايا هيروشيما .
ـ هناك عالم منقسم ، حيث لا يتوقف في البلدان الغربية ازدياد عدد العاطلين عن العمل والمطرودين واليائسين .
من معه الحق ؟ آدم سميث أم كارل ماركس ؟
لقد أصدر التاريخ حكمه في ذلك : إن ما يطبع القرن العشرين ، هو فشل الليبرالية الاقتصادية وليس الاشتراكية .
أما القرن الحادي والعشرين ، فلن يتواصل بخير إلا إذا هجر بشكل جذري مقولة آدم سميث ، وإلا إذا عرف أن يبدع صيغة جديدة للاشتراكية (مهما كان الاسم الذي يعطيه لها ) ، ليخرج من وحشية ما قبل التاريخ ، حيث كان الإنسان ذئبا للإنسان ، كي يدخل في تاريخ له وجه إنساني مقدس .
اشتراكية كهذه تدعو لخلق الوحدة " السيمفونية " للعالم انطلاقا من مبدأ التبادل الخلاق بين كل الثقافات ، لا يمكن أن تكون نتاج حضارة واحدة هي الحضارة الغربية .
يذكرنا لينين ـ وهو محق في ذلك ـ أن فكر ماركس قد تغذى من ثلاثة مصارد :
ـ الفلسفة الألمانية .
ـ الاقتصاد السياسي الانكليزي .
ـ الاشتراكية الفرنسية .
وكان ماركس نفسه يعي أن المسار التاريخي الذي رسمه (الشيوعية البدائية ـ العبودية ـ الاقطاع ـ الرأسمالية ومن ثم الاشتراكية والشيوعية ) لا يمكن تطبيقه عند الاقتضاء الا على حضارات البحر الابيض المتوسط . وتوجب لهذا أن تؤخذ بالحسبان الخصائص الجرمانية .
ولم يتوقف ماركس عن نقد القراءات الدوغماتية (ونسميها نحن الاصولية) لاعماله . فقد هب مثلا لينتقذ تفسيرا كهذا لكتاباته قدمه صحفي روسي يدعي ميخايلوفسكي ، فكتب إلى رئيس تحرير المجلة عام 1877 : " لقد أحس ناقدي أنه ملزم بتحويل النبذة التاريخية حول تشكل الرأسمالية في أوروبا الغربية إلى نظرية تاريخية فلسفية للمسيرة العامة يمكن فرضها على مصير كل شعب كائنة ما تكون ظروفه التاريخية ـ أو أينما وجد هذا الشعب ـ بحيث أنه يستطيع أن يصل فيما بعد إلى الشكل الاقتصادي الذي سيضمن لنا من خلال التوسع الكبير لقد رأت العمل الاجتماعي الانتاجية ، سيضمن تحقيق التطور الاكثر كمالا للإنسان . انني أطلب منه المعذرة ، إنه يمنحني شرفا كبيرا ، وكثيرا من الخجل " .
وقال في رسالة وجهها بتاريخ 8 آذار 1881 إلى فيرازاسوليتش ، أنه لا يعترف بأولئك الماركسيين الروس الذين لا يأخذون بالحسبان التطور التاريخي الخاص لبلادهم ، وخاصة وجود المجتمعات الريفية التي تستطيع أن تخلق لنفسها ـ ربما ـ اشتراكية لا تنبع من تناقضات رأسمالية متطورة جدا ، كرأسمالية انكلترا . وذكر بأن مشروعه إنما كان وبشكل صريح وواضح لبلاد أوروبا الغربية حصرا .
وتحدث مرارا ، وبشكل خاص في مقدمته لكتاب " مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي " ، عن خصوصية نمط الانتاج الاسيوي الذي ابتدأه بدرسة عن المجتمع الهندي . وقد نبذ المنظرون الروس هذا الاتجاه رسميا باعتباره توجها لاماركسيا ، من خلال المناقشات التي جرت في تفليس ولينغراد في عامي 1930 و 1931 .
في حين أن ماركس قد مهد لدراسة أنماط الانتاج ما قبل الرأسمالي ، وأنماط الملكية في كتابه " مبادئ نقد الاقتصاد السياسي " 1857 ـ 1858 ، منطلقا من المعلومات القليلة جدا أيام ماركس عن الحضارات غير الغربية .
مهما كان الرأي الذي نكونه عن استقراء ماوتسي تونغ لهذه الفرضيات مستبدلا بشكل ضمني أو صريح ، المصادر الغربية الثلاث التي استقى ماركس منها أفكاره . فقد استعاض بديالكتيك " ناو" ، عن الفلسفة الالمانية ، والاخلاقية الكونفوشية بدلا من " حرية التجارة " عند آدم سميث ، وبالثورات الفلاحية الصينية ، بدلا من الاشتراكية الفرنسية ، لا نستطيع أن نعتبر ذلك معاديا للماركسية بل كمحاولة لعدم اعتبار الماركسية كفلسفة للتاريخ شبيهة بتلك التي عند هيغل الذي لم يعالج في تاريخه عن الفلسفة أي جزء من الفكر غير الغربي ، بل بدأ مباشرة بدراسة الفكر الاغريقي .
من الضروري اليوم أن نجري من جديد نقاشا جوهريا للثقافة والحضارة الغربيتين ، ومسلماتهما ودورهما في تدمير الثقافات الاخرى ، انطلاقا من الفكرة الشريرة " للشعب المختار " (الذي يرفض الآخر ، بل وحتى يلغيه ) . لقد حاصر الغرب نفسه بإنكاره الآخر أو تدميره الاشكال الاخرى للانسانية . إن انحطاطه النهائي سيضع موضع الفناء حتى مستقبل الإنسان .
لقد اكتمل زمن الحوار الثقافي الذاتي عند الغرب ، وانتهى زمن انشقاقه عن الآخرين ، وسيطرته.
واليوم ، جاء زمن الحوار بين الحضارات ، إذا شاء الإنسان أن يتخطى دون أن يموت ، العتبة الثالثة من تاريخه .
كانت العتبة الاولى ولادة الإنسان مع الاداة ، وكانت العتبة الثانية ولادة الحضارة مع الزراعة ، وأما الثالثة ، فهي معالجة الذرة في قلب المادة ومعالجة الجينات في قلب الحياة .
يملك الإنسان الآن القدرة على إلغاء كل الانجازات السابقة ، ولديه القدرة التقنية لمعالجة الجينات ، وكذلك إعادة الإنسان إلى حياة الحيون التي كانها قبل اكتشاف الادوات . لديه القدرة التقنية في معالجة الذرة للقضاء على كل أثر للحياة على الأرض .
أما أحلام السيطرة التي راودت مخيلة ديكارت وفاوست فهي تقود إلى عالم مجلل بالعار ، واستنفاذ المصادر الطبيعية .
أما دوغماتية آدم سميث فقادت إلى تحويل الإنسان إلى انسان آلي " روبوت " فارغ ، والى خداع العقول والقلوب .
أما الحضارات الاخرى ، حضارات آسيا والهنود الأمريكيين ، وأفريقيا وحضارة الإسلام ، فقد عرفت وعاشت روابط اخرى مع الطبيعة والانسان والإله .
والمشاكل المطروحة على مستوى الأرض كلها ، تتطلب إجابات على مستوى الأرض أيضاً .
ولن نستطيع حل هذه المشاكل إلا إذا نجحنا باعادة الملامح الإنسانية التي مزقتها أربعة قرون من الاستعمار والهيمنة الغربية . لن نستطيع حلها الا إذا نجحنا في تطوير حوار حضارات حقيقي بين كل ثقافات العالم .
والهدف الرئيسي لحوار الحضارات هذا ، هو المساهمة في تحقيق الوعي (ليس بين عدد قليل من المختصين أو المشتغلين بالفلسفة ، إنما بين الجماهير الشعبية الواسعة ) ، بالمشكلات العالمية الراهنة والتي نتج أهمها من السيطرة الغربية المطلقة ومنذ زمن طويل ، والوعي بأن حلها لا يمكن أن يتم إلا بالحوار مع الحضارات غير الغربية، من أجل إنجاز وإحياء علاقات جديدة بين الإنسان والطبيعة ، وبين الإنسان والانسان ، وبين الإنسان والإله .
هكذا فقط ، نستطيع أن نبدأ استشراف ثقافة كونية ، مؤسسين وحدة إنسانية حقيقية ، ليس بالخلاط الكهربائي ، ولكن وفق مفهوم التخلي عن فكرة الهيمنة الثقافية، من أجل التناغم الثقافي الشامل .
الهوامش
ـ بابوف (1760 ـ 1797) ، ثوري فرنسي أعدم بسبب تآمره على حكومة المديرين . تقترب أفكاره من الشيوعية من خلال اقتراحه تأسيس نظام تعاوني للأرض .
ـ شامبيني .
ـ شاتوبريان (1768 ـ 1848) ، كاتب فرنسي شهير تأثر بأفكار الثورة ، وشارك في حرب الاستقلال الأمريكية .
ـ لويس فيليب (1773ـ 1850) ، أصبح امبراطور فرنسا بين عامي (1852ـ 1870) ، ومارس سلطة مطلقة بين عامي (1852ـ 1860) . حارب بسمارك وأسره الألمان عام 1870.
ـ لويس فايو (1813ـ 1883) ، كاتب وصحفي فرنسي ، رئيسي ، رئيس جريدة يونيفرس التي جعل منها لواء للتعصب الكاثوليكي .
ـ مشيل بازين (1811ـ 1888) ، مارشال فرنسا ، أسر في معركة ميتز ، ثم حكم عليه بالإعدام عام 1873 . فر من فرنسا والتجأ إلى مدريد .
ـ جورج كليمنصو (1841 ـ 1829) ، سياسي فرنسي أصبح رئيسا للوزراء مرتين . قاد فرنسا إلى النصر في الحرب العالمية الأولى .
ـ أنطون دنيكين (1872ـ 1947) ، أحد قادة روسيا البيضاء ، حارب الثورة البلشفية وخاصة في أوكرانيا (1919) .
ـ البارون رانجل (1879ـ 1928) ، جنرال روسي خلف دينيكلين في قيادة جيش الروس البيض (1920) . حارب الجيش الأحمر في أوكرانيا وكريميو.