الفصل الرابع                   استعمار اوربا والعوالم الثلاثة

 

إيران ، لبنان ، الصومال ، فلسطين ، والبوسنة . وبالأمس باناما ، جرانادا ، ونيكاراغوا ، وغدا إيران وليبيا وكوبا . كل ذلك يحدث بعد انهيار الاتحاد السوفيتي  الذي غير علاقات القوى التي تأسست منذ أن سحق هتلر ، فخلقت عالما ثنائي القطببن .

هل هناك خيط يقودنا لفهم عصرنا ، نعني رابطة داخلية تربط بين كل المشاكل العالمية ، التي تستدعي التدخل العسكري ، وتعميق دور الصندوق الدولي ، والبنك الدولي ، وأوروبا في ظل ما يستريخ ، واستعادة أوروبا الشرقية للنظام الرأسمالي ، والأصولية الإسلامية والمسيحية واليهودية؟

وبعكس ما تفعله وسائل الاعلام ، وخاصة التلفزيون ، التي تخدر الرأي العام ، عن طريق تقديم ألوان مختلفة من النكبات ، وسلسلة من الأعمال المحضرة سلفا " والمعدلة " من مكان إلى آخر ، من تيمور إلى مقاديشو ، ومن سيراجيفو إلى بغداد ، علينا كي نكتشف معنى ذلك أن نضعه في المسار التاريخي للقرون الخمسة الماضية ، قرون الهيمنة المتنامية للغرب على العالم كله .

بعد أقل من ثلاثة قرون من غزو أمريكا ونهب ذهبها ، الذي أعطى لتصنيع أوروبا اندفاعا لا سابق له ، ابتدأت المغامرة التي أصبحت اليوم القوة الاعظم في العالم : الولايات المتحدة .

ورأينا سابقا كيف أن تاريخ الولايات المتحدة قد تميز بعمليتين أساسيتين : مذابح الهنود للاستيلاء على أرضهم ، واسترقاق العبيد لتشغيلهم في المزارع والمناجم .

وتقاسمت الدول الاوروبية بقية العالم بأساليب متشابهة . امتدت حصة بريطانيا من الهند حتى أفريقيا الشرقية والشرق الاوسط ، وكانت حصة فرنسا من أفريقيا إلى الهند الصينية ، ومن المغرب حتى المحيط ، وبلجيكا الكونغو ، واستولى القياصرة على سيبيريا ، واحتلت هولندا أندونيسيا .

وبعد حربين عالميتين ، أعيد توزيع الاوراق من جديد ، بهدف اقتسام العالم بين أولئك الذين شكلوا امبراطوريات ، وأولئك الذين طمعوا فيها . وفقدت أوروبا الدامية ، حيث نزف المنتصرون والمهزومون على حد سواء ، هيمنتها لصالح الولايات المتحدة . فقد كانت الحربان العالميتان مصدر غنى لها ، وجعلاها سيدة العالم من الناحية الاقتصادية ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ومن ناحية سياسية وعسكرية منذ انهيار النظام السوفيتي 1990 .

وما " النظام العالمي الجديد " ، الذي حلم به القادة الأمريكيون إلاّ اسم آخر لسيطرة الولايات المتحدة على العالم .

وأصبح " حق التدخل " هو الاسم الجديد للاستعمار .

أما وقد تخلصت الولايات المتحدة من ثقل السوفيتي الذي أرخص ثمنه القادة السوفيت ، وأكملت عملهم " الدوليات " ، فقد أصبحت الامم المتحدة التي تشكلت من الولايات المتحدة ، ومن مدينيها وزبائنها مركزا لتسجيل الارادات الأمريكية لتخدمها في مسألة تغطيتها قانونيا . وأصبحت الآلة العسكرية العملاقة التي تكونت في فترة المواجهة بين الشرق والغرب ، جاهزة لتنفيذ مهمات أخرى .

ولم تعد أوروبا ، قادرة أن تكون منافسا ، وإنما تابعا . وقالت معاهدة مايستريخ بوضوح، وفي ثلاثة مواقع من نصوصها ، إنه يتطلب أن نجعل منها " الركيزة الاوروبية لحلف الاطلسي ":

ففي الخطة العسكرية ، ستلعب أوروبا من الآن فصاعدا دورا مكملا : من العراق إلى الصومال . وفي الخطة السياسية ، تستسلم لنفس الاوامر : فسياسة السوق الزراعية (PAC  ) ، ستقبل أمام احتياجات منظمة التجارة العالمية ، مثلما قبلت فرنسا في وضع 15 % من أراضيها متروكة دون زرع ، بهدف فتح السوق العالمية أمام زارعي الحبوب الأمريكيين الكبار .

وفي الخطة الصناعية ، نستذكر ما تحدثت عنه جريدة اللوموند في 22 كانون الأول  1992 عن " القلق من الفحم الاوروبي " . ففي عام 1955 ، وبعد توقيع معاهدة روما المنظمة لأوروبا ، تم إحصاء 2 مليون عامل يعملون في مناجم المجموعة الاوروبية ، وهبط عدد هؤلاء العمال عام توقيع معاهدة مايستريخ إلى 250 ألف عامل فقط . أما عن كمية الانتاج ، فقد أنتجت الدول الاثنتا عشر قبل ثلاثين عاما 400 مليون طن ، أما إنتاج عام 1992 فقد بلغ 180 مليون طن فقط . وتعتبر فرنسا الضحية الاساسية لنقص الانتاج ، حيث هبط إنتاجها من 28 مليون طن عام 1973 إلى 12 مليون طن عام 1991 . وهبط الانتاج البريطاني 50 % ، والألماني 40 % . كل ذلك لمصلحة المستوردين الأمريكان والدائرين في ملكهم ، من كولمبيا إلى فنزويلا ، وحتى إلى أندونيسيا .

وفي مجال المعلوماتية ، ترفض منظمات شركة بول التي اتفق على تزويد الطائرات العسكرية الأمريكية بها ، بعد أن رفض العقد المتعلق بها بناء على توجيهات الادارة الأمريكية . وكي تستطيع شركة آ ب . أم ، وهي الشركة الأولى في العالم بين شركات المعلوماتية ، أن تنافس في سوق يسيطر عليها اليابانيون ، بحثت لنفسها في أوروبا عن دور ثان ، لتحل محل المجموعة الألمانية سيمنز التي أقلعت عن تنفيذ هذا العقد .

وفي ميدان صناعة الطيران ، تآمرت شركة لوكهيد مع وزراء يلتسين المعتمدين من صندوق التنمية الدولي ، للحصول على تقنية الصاروخ بروتون المعد لإطلاق الأقمار الصناعية ، من الاتحاد السوفيتي السابق ، وتعهدوا بتحويل الامر إلى مسألة تجارية ، في محاولة ليحل محل الصاروخ الاوروبي آريان .

أما ما تيعلق بصناعة الصلب ، فقد قررت الولايات المتحدة عام 1993 أن ترفع رسوم الاستيراد من تسعة عشر بلدا ، سبعة منهم أوروبيون . وهذه الحقوق الجمركية الاضافية التي فرضتها لنفسها الولايات المتحدة هدفت إلى منع العاملين الأوروبيين في ميدان الصلب من بيع الفولاذ في الولايات المتحدة . كانت الولايات المتحدة منفذا لـ 2 مليون طن أي ما يعادل إنتاج اللورين بكامله ، هذا الإنتاج المهدد بالموت بسبب الإجراء الأمريكي .

وقد أعلنت جنرال موتورز وفورد وكريزلر إجراءا عدوانيا مشابها في صناعة السيارات ، وهذه الحماية الصناعية " الأمريكية أولا " تشير إلى المدى الذي تقوم به منظمة التجارة العالمية في حماية السوق الأمريكية ، وفتح أسواق العالم كله للمنتجات الأمريكية  .

وفي الخطة الثقافية ، استسلمت أوروبا لغزو الفيلم الأمريكي ، والتلفزيون . فمن أصل 250 ألف ساعة بث في أوروبا ، تنتج مجموعة الدول الاثنتي عشرة ، 25 ألف ساعة فقط . أما حصة سوق الفيلم الأمريكي في فرنسا 60 % . وتصبح نسبة العائدات 120 مقابل واحد فقط ، بغية اقتلاع دماغ شعب عن طريق رشقات " الماحق " أو جيمس بوند الذي اخترعته هوليود ، وحصاد دولارات مسلسل دالاس .

أدخلت هذه التبعية الأوروبية ، السياسية والمادية والاخلاقية ، العالم في مرحلة جديدة من الاستعمار . لقد وضعت قوة الشرق وأوروبا خارج اللعبة ، أو أنها أذلت . وأصبح الميدان حرا لظهور استعمار من نوع جديد ، استعمار لا يشبه أشكال الاستعمار الاوروبي المنافس ، والمقهور من الآن فصاعدا ، إنما استعمار مركز وشامل على المستوى العالمي تحت الهيمنة الأمريكية ، إن ميزان قرون خمسة مضت على الاستعمار ، هو ميزان مأساوي ، ففي عام 1993 ، أصبح أربعة أخماس المصادر الطبيعية في كو كبنا تحت سيطرة واستهلاك خمس سكان العالم .

وتتابع اللامساواة اتساعها ، " فبرنامج الأمم المتحدة للتنمية " ، يؤكد أن الفارق بين بلدان الشمال الاكثر غنى ، وبلدان الجنوب الاكثر فقرا قد تضاعف . وهبط الناتج القومي الافريقي ، بالنسبة للناتج العالمي من 9, 1 % إلى 2 , 1 % .

هذا هو ما يدعوه جورج بوش " النظام العالمي الجديد " ، إنه التوسع وتعزيز للعلاقات الاستعمارية بين دولة مستعمرة ، أصبحت من الآن فصاعدا منفردة ، وبين بقية العالم . وتعني العلاقات الاستعمارية بهذا الشكل : تبعية عسكرية وسياسية وجمركية من طرف واحد لتكون في مصلحة المسيطر فقط .

هذا هو الهدف الذي أعلنه القادة الأمريكان مرارا وتكرارا ، وخاصة خلال السنوات القليلة الماضية " أي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي " : إنه التأكيد على سيطرة الولايات المتحدة على العالم.

ولكن ما هي الوسائل التي استخدمت لتحقيق هذا الهدف ؟

إنها وسائل متعددة : هناك أولا الاساليب السابقة التي اختبرت في أمريكا اللاتينية منذ زمن طويل ، وعلى الاخص بعد الحرب العالمية الثانية ، منذ " التحالف من أجل التقدم " الذي أعلنه كنيدي ، حتى مبادرة " بوش " من أجل سوق متفردة من ألاسكا وحتى ارض النار .

وآلية العمل بسيطة : فهناك اتفاقيات للإستثمار ، والقروض ، والهبات ، مع دول أمريكا اللاتينية بشكل خاص ، والهدف المعلن مساعدتها في عملية " التصنيع " ، أما الهدف الحقيقي فهو السماح للشركات متعددة الجنسيات لتنمية أرباحها من خلال أعمالها في تلك البلاد ، التي تتوفر فيها اليد العاملة الرخيصة ، كما تقوم حكوماتها بالانفاق على البنى التحتية . وفي نفس الوقت ، تتمتع المواد الاولية القادمة من تلك البلاد بانخفاض أسعارها ، جاعلة بذلك التبادل غير المتساوي يزداد اتساعا، أكثر فأكثر .

في عام 1954 ، كان يكفي الفرد البرازيلي أن يبيع 14 كيسا من البن لشراء سيارة جيب من الولايات المتحدة ، وفي عام 1962 أصبح عليه أن يبيع 39 كيس مقابل السيارة المذكورة .

كان مواطن جامايكا يشتري الجرار الأمريكي ، عام 1964 بـ 680 طنا من السكر ، وصار الرقم عام 1968 ، 3500 طن . لقد تابعت البلدان الفقيرة مساعدتها المالية للدول الغنية .

وتتجاوز فوائد القروض ، القروض الاصلية مرات . ويبلغ عائد كل دولار ، دولارين أو ثلاثة تذهب إلى جيوب الدائن . وغالبا ما تساوي فوائد القروض قيمة الصادرات ، محققة بذلك " التنمية الممكنة " ، إذ ليس هناك ، بهذا المنوال ، بلد " على طريق التنمية " ، كما يسمونه نفاقا ، وإنما بلاد محكوم عليها ببؤس متنام ، من خلال تبعية متنامية .

وتشكل " المساعدات المزعومة " لبلدان العالم الثالث ، أحد العوامل الاكثر تأثيرا لفرض التبعية والتقهقر . إن " المساعدة " المعلنة والمتعددة الاشكال ، 7 , 0 % من إجمالي الناتج القومي للدولة المانحة . ورغم تواضع هذا الرقم ، فإن نصفه هو الذي يمنح فعلا .

ويشكل " تصنيع " بلدان العالم الثالث ، ونقل التكنولوجيا ، وسيلة أخرى للهيمنة وزيادة منافع الدول الغنية .

والمثال النموذجي هو مثال " المعجزة البرازيلية " في التنمية الصناعية ، و " التدخل البيئي " البلدان الغنية في غابات الأمازون .

أما الميزان فهو كما يلي : إن هذه البلاد الأغنى بمواردها الطبيعية هي الاكثر فقرا. إن تراكم الثروة لدى قطب واحد يمثل أقلية ، يقابله حقيقة إن 130 مليون نسمة من أصل 150 مليون ، يرتعون بالفقر، ونصف هؤلاء يعيشون في بؤس مطلق .

إن " التدخل البيئي " ، وهو الاسم الجديد للنهب والسلب الاستعماريين أوضح ما يكون في غابات الامازون . لقد دمرت مجموعة السعة ، أي البلدان السبعة الاكثر تصنيعا ، والاساتذة الفعليين " للإنسانية " ، وبشكل خاص شركات جوديير ، وصلت نيبور ، وفولكسفاجن ، وغيرها ، دمرت ملايين الهكتارات من الغابات ، وأغرقت مئات الألوف من الهكتارات الاخرى من أجل بناء سدود هيدروليكية ، كاستثمار منهجي للكتلة البيئية ، من خلال التعامل مع الغابات ، لتسمح بإنتاج 5 مليار برميل نفط في العام " وهو ما يزيد عن إنتاج العربية السعودية " .

ويوجد لدى الشركات متعددة الجنسيات أهداف أخرى ، نراها من خلال استثمارهم ، و " نقلهم للتكنولوجيا " ، مسألة الإخلال بالتوازن البيئي في إحدى أهم " رئات " العالم : فتحت زعم " المشاريع المشتركة " ، أي إشراك الاستثمارات الوطنية ، تفرض هذه الشركات تقنيتها . فقد أقامت ، مثلا ، سدا عملاقا في مدينة توكوري ، بعد أن محت مئات آلاف الهكتارات من الغابات ، كي تزود بالطاقة الضرورية ، مصانع معالجة البوكسيت ، وهي عملية ملوثة للبيئة إلى حد لا يشجع على إنشاء مثل هذه الصناعة في الولايات المتحدة ، وخاصة أن الحصول على الطاقة من البرازيل ، بسعر 161 دولار للطن الواحد من البترول ، في الوقت الذي يباع فيه في أسواق أمريكياالشمالية بـ 281 دولار .

هذا هو منطق النهابين في كل الاصقاع ، ففي البرازيل تسيطر الشركات متعددة الجنسيات على 85 % من إنتاج الكاكاو و 90 % من إنتاج القهوة و 60 % من إنتاج السكر و 90 % من إنتاج القطن والاخشاب .

وتسيطر الشركات الاجنبية على 80 % من انتاج البوكسيت و 80 % من الاحجار الكريمة و 100 % من انتاج الكوارتز الممتاز ، الضروري لصناعة الالكترونيات .

لقد تم خلق نموذج للتنمية في كل ميادين الاقتصاد : السيارات ، الالكتروينات ، البتروكيماويات .. إلخ ، بالتعاون مع قباطنة الصناعة المحلية ، تكون فيه مراكز القيادة خارج البلاد ، مشكلة بذلك تبعية اقتصادية شاملة .

هذه التبعية الاقتصادية ، وهذه الصيغة المنحرفة للنمو المفروضة على شعب بأكمله ، تستدعي بالضرورة تبعية سياسية مباشرة أو غير مباشرة لضمان تسديد القروض .

" تكرس البرازيل 40 % من عائدات التصدير لتسديد فوائد القروض . أما الارجنتين فتدفع 50 % من هذه العائدات " .

ولكن الخطوة الاكثر ضمانة ، هي إقامة دكتاتورية عسكرية . فأمريكا تمارس سلطتها الاستعمارية أولا عبر الشركات متعددة الجنسيات . فعندما تأكد خطر ظهور سلطة اشتراكية في التشيلي ، اقترحت مذكرة لـ لمنظمة التجارة العالمية استخدام الضغوط الاقتصادية لإسقاط النظام فيها .

ولا يستبعد هذا الاسلوب التدخل العسكري المباشر للجيش الأمريكي ، كما حدث في غواتيمالا عام 1954 من أجل إنقاذ مصالح شركة الفواكه المتحدة ، وفي كوبا عندما نظم كينيدي عام 1961 إنزال خليج الخنازير مع أنصار الديكتاتور السابق باتيستا ، وفي غويانا البريطانية عام 1964 ، وفي الدومينكان عام 1965 ، ثم ما حدث منذ وقت قريب في جرانادا وباناما .

وما هو اكثر فاعلية ، تسهيل قيام ديكتاتورية عسكرية في كل بلد باسم العقيدة الأمريكية في " الامن القومي " ، ضد الشيوعية في زمن قوة الاتحاد السوفيتي . لقد استطاعوا أن يجعلوا الشعوب تؤمن ، أن ارتباطها بالولايات المتحدة سيحمي " الديمقراطية " و " الاستقلال الوطني " ، وهكذا استطاع الجنرالات أن يحكموا البرازيل منذ كاستلوبرانكو عام 1964 ، وحتى جيزيل .

وفي ظل هذه الانظمة ، ومن خلال لعبة تجمع بين التصنيع الذي تنفذه الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية  ، وبين التسليح الذي يسمح بممارسة الضغط والارهاب على الشعوب ، لم يتوقف الدين عن الازدياد . فقد ارتفعت الديون بين عامي 1972 ـ 1982 ، من 12 مليار دولار إلى 60 مليار دولار ، أي تضاعف خمس مرات في عشر سنين .

وحده الدكتاتور العسكري ، يستطيع أن يستترف دم الشعب حتى الانهاك .

بلغت قروض الارجنتين 54 مليار دولار ، منها 10 مليارات في ظل نظام الجنرالات .

وبلغ سداد الديون ، وشراء الأسلحة  قبل رئاسة آلان جارسيا 50 % من ميزانية البلاد .

أما رقم الديون في التشيلي أثناء حكم بينوشيه فكان 1500 دولار لكل مواطن . ولكن بينوشيه يحتفظ بسجل آخر أيضاً ، فقد حقق اوسع وأشمل حرية لاقتصاد السوق بما فيها سوق العملات ، من خلال نظام خصخصة مهيأ بذلك شروطا مثالية شاملة للشركات متعددة الجنسيات لتتسلط على اقتصاد البلاد . واستطاع أن يحقق ذلك بضمانة " الديمقراطية الأمريكية " العظيمة .

بفضل هؤلاء الطغاة العسكريين ، أصبح اقتصاد امريكا اللاتينية ذا اتجاه واحد ، تحيط به تبعية سياسية بسبب قوة الضغط السياسي على السلطات ، الذي يتمثل أحيانا كثيرة برفض الاقراض ، أو العزوف عن الاستثمار .

وتابعت الولايات المتحدة ، بعد ذلك هدفها في تحقيق حرية السوق ، بوسائل أخرى ، غير استخدام الطغاة العسكريين .

لقد أصبح مقبولا ، وصول حكام منتخبين إلى السلطة ، مع استبدال الارهاب الحكومي بالفساد . وهكذا شهدنا ارتقاء قادة منتخبين كراسي الحكم مثل كولور في البرازيل ، ومنعم في الارجنتين . وبعد استبدال الجنرالات الخونة ، طلب إلى الحكام الجدد مهمة واحدة هي أن يقوموا بتسديد القروض وفوائدها التي عقدها الطغاة العسكريون ونسيان جرائمهم .

واستطاعت سيطرة صندوق النقد الدولي أن تتجذر بدون مخاطر في هذه البلاد التي قيدتها الديون ، وأصبح اقتصادها في أيدي مؤسسات أجنبية .

ويستطيع صندوق النقد الدولي أن يفرض دون عواقب نظام " تنمية أكثر ملائمة للمتروبول العالمي " ، ليس على العالم الثالث فقط ، بل على العالم كله : ويتمثل هذا التوجه بتنمية زراعات احادية ، ومنتجات أحادية ، والتراجع عن الزراعات الحيوية والحرف الوطنية التي تؤمن للمواطنين قوت يومهم، وتتحقق بذاك التبعية ، والاستغلال المتزايد لليد العاملة ، وتفاقم الديون ، بسبب تضخم الاستيراد .

والنتيجة الاجمالية ، نتيجة قاطعة : فمنذ بداية الثمانينات ، انخفض دخل الفرد في أمريكا اللاتينية 15 % وفي أفريقيا 20 % .

ويحمل نظام الهيمنة هذا اسما شائعا هو " خطة التصحيح البنيوي " وبموجبها لا تمنح القروض والمساعدات إلا في ظل شروط سياسية قاسية . وعندما تطبق برامج صندوق النقد الدولي بحرفيتها في بلد ما ، تتمتع حكومته حينئذ بالمعاملة المتميزة من جانب الولايات المتحدة واتباعها الاوروبيين .

وتتألف برامج " التصحيح البنيوي " غالبا من العناصر التالية : تخفيض العملة " بغرض تشجيع التصدير ، وإعاقة الاستيراد " ، وتخفيض " تنيني " في الانفاق العام ، وبشكل خاص في الميدان الاجتماعي ، أي في اعتمادات التعليم والصحة والاسكان ، والغاء دعم المواد الاستهلاكية بما فيها المواد الغذائية ، وخصخصة مؤسسات القطاع العام ، أو زيادة رسومها " الكهرباء ، الماء ، النقل " ، وإلغاء السيطرة على الاسعار ، و" تنظيم الاحتياجات " ، وبالتالي خفض الاستهلاك ، يدعم ذلك تجميد سقوف الرواتب ، والحد من القروض للمواطنين ، وزيادة الودائع ومعدلات الفائدة ، وكل ذلك بهدف تخفيض آثار التضخم .

تسبب سياسة " التصحيح " هذه انتفاضات ضد تصاعد أسعار الرغيف : كما حدث في المغرب عامي 1981 و 1984 ، وفي كاراكاس عام 1985 ، وفي الجزائر في تشرين 1988 ، وفي الأردن عام 1996 .

وبسبب ازدراء اقتصاديات القوت ، وبشكل خاص الزراعات الحيوية للسكان ، وأفضلية الزراعات المهيأة للتصدير ، وهي المصدر الوحيد للقطع الاجنبي الموجه لتسديد القروض بالدولار ، تنتج الدول التي تتلقى المساعدات ، الكثير مما لا تستهلكه ، وتستهلك مما لا تنتجه .

وهكذا يقوم صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي بتدمير نصف الكرة الجنوبي من الارجنتين وحتى تنزانيا، ومن باكستان حتى الفليبين . وابتدأ الآن بتطبيق هذه السياسية على بلدان اوروبا الشرقية ، بغية تكوين هيمنة سوق عالمية متجانسة ، وحدانية حقيقة للسوق ، مؤسسة على وثنية المال . وقد وضع القادة الأمريكيون ، موضع التنفيذ، أساليب مختلفة حسب القارات والأنظمة السياسية المختلفة .

يستطيع المرء في إفريقيا مثلا ، ان يحصي ثلاثة بدائل رئيسية :

عندما زار الرئيس السنغالي عبدو ضيوف ، الولايات المتحدة في 10 أيلول 1996 ، أعلن هيرمان كوهن ، مساعد وزير الخارجية للشؤون الافريقية ، أن مدة الثلاثين عاما التي حددتها منظمة الوحدة الافريقية لتكامل الاقتصا الافريقي ، فترة طويلة جدا . وقال " نحن نفكر أن إزالة الحواجز التجارية الافريقية يجب ان يتحقق بسرعة . ولأن الرئيس عبدو ضيوف أبدى تفهما لوجهة نظرنا هذه ، فإن الرئيس الأمريكي قرر الغاء 42 مليون دولار من ديون السنغال ".

في الجزائر ، وضعت المسألة بشكل آخر : كان رد الفعل على سياسة صندوق النقد الدولي ، والذي ظهر لأول مرة في انتفاضة الجزائر في تشرين الأول 1988 ، قد وجد تعبيره في حركة الاغلبية الإسلامية التي تعارض بصراحة " وحدانية السوق " . وقد طرحت الجبهة الإسلامية للانقاذ مسألة طيبة ، هي المسألة الأولى في عصرنا : رفض وحدانية السوق ، رفض الليبرالية التي تختلق أسباب " العزل " وتطبق التبعية على أربعة أخماس العالم ، وضياع كل معاني الحياة . إنه سباق يجري لمصلحة قادة البؤس ، وضد العدد الوافر من البشر .

ولأن الحلول التي أعلنت عنها الجبهة الإسلامية للانقاذ لا تشكل مشروعا حقيقا ، أي بديلا صادقا لانحطاط الغرب وهو أن يرفض مبدأ النظام الذي يزعم لنفسه حق الهيمنة على العالم ، معتبرا إياه تجسيدا للشر . ويجب أن لا ينبع هذا الرفض من دواع اقتصادية فحسب " فالجزائر مدينة بـ 12 مليار دولار وتدفع 5 مليار سنويا فوائد هذه القروض " وإنما لسبب آخر  كبير ، سياسي ، وحتى ديني ، بمعنى أن يضع موضع التساؤل غايات المجتمع المؤسس على اقتصاد السوق .

إن ممارسة حفاري قبور العالم للطقوس السرية لوحدانية السوق ، تستدعي حربا حقيقية ضد ديانة ، تتهم بخدمة الشيطان ، كل من يعارضها : وقد حولوا كل معارض لوثنيتهم وهيمنتهم ، مهما كانت مصالحه أو أخطاؤه أو جرائمه ، إلى هتلر جديد، سواء كان أصوليا ، عراقيا ، صربيا أو ساندينستيا ، أو معارضا من البيرو . لقد تقل الديمقراطيون الاصفياء في واشنطن أو باريس بارتياح طرفة برتولد برخت التي أصبحت شهيرة في الجزائر :

لقد صوت الشعب ضد الحكومة . والحل الاكثر بساطة هو " حل " الشعب . ونستطيع استخلاص البديل الثالث من أحداث الصومال ، وقد أخذ هذا البديل اسما يغمرنا بالاحلام : " حق التدخل الانساني " . لنتصور شعبا افريقيا يدعي لنفسه حق التدخل الإنساني للتدخل ضد التمييز العرقي تجاه الزنوج والهنود في الولايات المتحدة بعد الانفجارات الشعبية في لوس أنجلوس " . وهذا الحق الحق قابل للتطبيق ، إذا اعتمدنا المعايير التي استخدمت في الصومال ، في نصف بلدان القارة الافريقية .

يتصف هذا التدخل بانه انتقائي . وقد أوضح الرئيس بوش هذه النقطة بجلاء في آخر  خطاب له في الاكاديمية العسكرية في وست بونت قائلا : " ليس علينا أن نتحرك ، عبر كل حالة من العنف الاجرامي .. إذ لا يجب أن تتعارض مثاليات أمة ما مع مصالحها " .

يكشف هذا التمييز الرئيسي بين " المثال " و " المصلحة " ، لماذا اختلق هذا الحق بالنسبة للصومال . هناك على الأقل ثلاثة أسباب :

ـ أهمية القرن الافريقي في المراقبة القريبة للخليج .

ـ أعمال التنقيب عن البترول الذي تقوم به أربع شركات أمريكية ضخمة ، إذ يتطلب استمرار التنقيب ، وجود سلطة مستقرة وقوية .

ـ وأخيرا ، وعلى الاخص ، إقامة سلطة من الدمى ، تقبل جهارا املاءات أمريكا عبر صندوق النقد الدولي .

ومن الطريف أن المحاولة الخجولة لعدد من السياسيين الفرنسيين الذين يعتقدون أن أفريقيا ما زالت من ممتلكات فرنسا ، لادارة المفاوضات بين المرشحين المحتملين لرئاسة الصومال ، قد استبعدت بنقفة إصبع أمريكية .

هذا هو نموذج التدخل الإنساني ، ذو الدوافع الواضحة للمصالح الأمريكية . ويمكن شرح هذه الانتقائية بأمثلة عديدة : كان ضروريا ، نشر أسطول جوي لحماية الاكراد في العراق ، أما أكراد تركيا الذين يمثلون ثلاثة أرباع الاكراد ، فليس لهم أي حق بهذا التدخل الإنساني . وكذلك الفلسطينيون وشعب هاييتي الذي سقط تحت إرهاب عصابات تونتون ماكوتس ، أو شعب السلفادور الذي أسلم بوحشية إلى " كتائب الموت " .

وتختفي أشكال التدخل الاستعماري الجيد وراء أسماء مختلفة ، غير الدفاع عن الحق الدولي والديمقراطية . ومجزرة الخليج هي المثال الاكثر جلاء . فالدفاع عن الكويت كان دفاعا عن " الحق " و " الديمقراطية " . والحق هو الحق الاقوى .

والآن وقد أعيد بناء " الديمقراطية " في الكويت ، وهي ديمقراطية تشبه بقوة ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية . فقد أعطت عودة الاسرة الحاكمة ، بعد الضغوط التي مورست على الفلسطينيين وطردهم ، الفرصة لولادة صورة كاريكاتورية للديمقراطية .

يملك حق التصويت في الكويت 11 % فقط من السكان ، وتنتمي الغالبية العظمى في هذا البرلمان ، إلى المعارضة ، أما الوزراء فينتمون إلى الاسرة الحاكمة . وتستوجب نتائج فساد النظام استخلاص العبر .

يقول رئيس البرلمان الكويتي أن مسؤولية الفضائح المجلجلة ، تقع على عاتق الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة المالية منذ عام 1986 .

لقد اختفت المليارات من الدولارات من خزائن الكويت خلال فترة حرب الخليج في فضيحة شركة نفط الكويت ، حيث اختلس ما بين 70 و 900 مليون دولار ، وفي فضيحة شركة نورأس الشركة الرئيسية التابعة لمكتب الاستثمار الكويتي وهو جزء من الجهاز الحكومي ، كشف عن ضياع 4 مليار دولار ، عقب سرقة كبرى للودائع في إسبانيا ، أما فرنسا فقد شهدت إفلاس البنك الكويتي ـ الفرنسي في باريس .

وكانت آخر هدية قدمت لبوش مكافأة على ما فعله في الكويت ، صفقة دبابات إبرامز MIA2  ، وبقيمة ملياري دولار ، في الوقت الذي كان يموت فيه طفل عراقي كل أربع ساعات بسبب الحظر.

أما ما ألقي على العراق خلال الحرب ، فكان أكبر من قنبلة هيروشيما بثماني مرات ، وقد أباد حسب أدنى الاحصائيات التي أعلنها الصليب الاحمر الدولي 210 آلاف ضحية .

هذا هو معيار الدفاع عن " الحق الدولي " ، الذي يحمل معنى وحيد الطرف ، إنه حق لم يعرف الرحمة عندما " ألحقت " الكويت ، ولكنه ينسى إلحاق القدس ، والقدس مدينة مقدسة ، ولكن مدينة الكويت مقدسة ألف مرة أكبر من القدس ، ما دامت تقع وسط حقول النفط .

كان التدمير الكثيف هو الاسلوب الذي استخدم ضد العراق ، أما الهدف فكان إعطاء " مثال " يقنع العالم الثالث لأكمله ، وخاصة إيران وليبيا ، الهدفين الاقربين باعتبارهما يملكان مصادر نفط ، وما زالا خارج السيطرة الأمريكية حتى الآن .

وطبقت الولايات المتحدة اسلوبا آخر  ، اقل كلفة ، ولكنه كاف لاضرام نار الخلافات بين القوميات ، والمجابهات المزعومة بين الاثنيات والديانات .

و " القومية " اختراع أوروبي ، ولا حاجة بنا لا ستذكار تاريخ تشكلها في أوربا وخاصة منذ معاهدة وستفال عام 1647. لقد قرعت هذه المعاهدة أجراس موت المسيحية التي كانت توحد أوروبا ، فتأسست القوميات على أساس اقتصاد السوق ، وهو اقتصاد تحمية دولة وجيش .

كانت هذه نقطة الفراق ، التي استدعت قيام الوحدات القديمة ، مثل فرنسا ، فالملك تشاركز الخامس " نهاية القرن 14 " أصدر أمرا ملكيا ، قرر فيه أن كل الممتلكات في المملكة تعود للملك وحده ، وله وحده الحق أن ينظم كل الاسواق والمعارض ، ويضع تحت حمايته سلامة الذاهبين ، والمقيمين ، والعائدين .

هدف هذا القرار إلى التغلب على كل المصالح الاقليمية للاقطاع . وسيصبح إنجاز هذه " الوحدة القومية " مهمة الثورة الفرنسية ، وعبر عن هذه المهمة ، الخطاب التأسيسي للافاييت ، في عيد الاتحاد في 14 تموز 1790 ، إذ أقسم على الحفاظ على الدستور ، وضمانة الوحدة السياسية لفرنسا ، ولكنه أيضاً ضمن " سلامة الاشخاص والممتلكات ، والانتقال الحر للبضائع " .

ومن بين الوحدات القومية التي تشكلت في مرحلة متأخرة ، بدءا من القرن التاسع عشر ، الوحدة الألمانية التي بدأت عملية التوحيد فيها ، بإنشاء الوحدة الجمركية " زولفرين 1833 " ، كما فعلت إيطاليا في عهد كافور .

وتأكدت هذه الوحدة ، في القرن التاسع عشر ، العصر الذهبي للبورجوازية التجارية والصناعية التي أنهت صراعها مع آخر  الامتيازات الإقطاعية ، والتي سيتركز صراعها الجديد ضد المنافسين الخارجيين . لذلك كان عليها أن تبحث عن تبرير أيديولوجي لهذا الصراع .

وادعت كل أمة ملكيتها للتراث الديني المسيحي :

ففي فرنسا ، انطلق شعار " أكمل الله عمله بالفرنسيين " . وفي ألمانيا كانت عبارة " الله معنا " نشيداً تغنى به القوميون الألمان .

ولكن تراجع النفوذ الديني ، دعا إلى ايجاد أسس أخرى للقومية ، فكانت الحدود الجغرافية الطبيعية بديلا عن " ارض الميعاد " ، أو " الجيل الموحي إليه " كما قال باريه ، وتبعتها البيولوجيا أي النظرية العرقية .

لقد استثمروا نظريات جوبينو وشامبرلين ، وبعد ذلك الأساطير التاريخية التي تميل لخلق اقتناع بأن " الأمة " قد وجدت قبل آلاف السنين . وقد وضعت " الارشيفات " الاسطورية للشعوب لخدمة هذه الفكرة : في ألمانيا جنبا إلى جنب مع " الاوابد الألمانية التاريخية " (يبرزت 1824) ، أما في فرنسا فكان كتاب جيزو " وثائق أصلية عن التاريخ الفرنسي " (1833) ، وفي بريطانيا ظهرت سلسلة " رولز " حول أصول إنكلترا (1838) .

وحدد كل مستعمر ، مع ابتداء الغزو الاستعماري في كل القارات ، " ارض صيد " خاصة به ، تحولت فيما بعد إلى " أمة " . ولنضرب مثلا على ذلك :

إن الحدود القائمة لبدان أمريكا اللاتينية تتصل إلى حد بعيد بالخطوط التي رسمها نواب الملك والحكام العاملون المنتدبون من إسبانيا والبرتغال . أما الحدود القائمة لبلدان إفريقيا فقد جرى تحديدها من قبل المستعمرين الاوروبيين الذين مزقوا أفريقيا بموجب معاهدة برلين 1885 .

وقد جرى تقطيع هذه القارة حسب علاقات القوة بين الاستعماريين ، انطلاقا من مبدأ يقول : إن من يمتلك الشاطئ يمتلك كل البلاد وراءه ، والواقعة ضمن خطوط عمودية مع الشاطئ .

وأدت تجزئة الامبراطورية العثمانية على أيدي غزاة الحرب العالمية الأولى ، إلى رسم حدود البلاد العربية في الشرقين الأدنى والأوسط ، حسب أطماع الدولتين المتنافستين ، فرنسا وإنكلترا ، اللتين توصلتا إلى تسوية بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو 1917 .

ويستطيع المرء أن يضاعف الامثلة لعملية تصدير القومية وأيديولوجيتها في العالم أجمع مع بدء الاستعمار الاوروبي . وبدأ الصدام بين الأمم المحررة مع انحسار الاستعمار . كان الانتصار الذي حققه الاستعمار بعد موته ، استخدام القوميات الواحدة ضد الاخرى . كانت جامعة الدول العربية حلما إنكليزيا قديما لفصل العرب ، أثناء تفكك الإمبراطورية العثمانية ، عن الامامة الإسلامية ، في الوقت الذي كانت فيه أيديولوجيا القومية التركية من صنع أوروبي هو فامبيري .

أما في المخطط السياسي فالتاريخ يعمر بألف مثال ، وسيسمح هذا المخطط لنا أن نشهد بعد فترة طويلة ، إثارة الصراع بين العرب والإيرانيين ، وتجهيز العراق عسكريا بغية إضعاف إيران  ، بانتظار تدميره .

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي تواصل البلدان تفككها بالأسلوب الذي يناسب الخصوم . ويكتمل المخطط بإثارة الحروب الداخلية في البلدان المحيطة : بين المسلمين والقوميين في طاجاكستان ، بين الارمن والاذربيجان ، وبالمجازر التي ارتكتب ضد الروس في أفخازيا والشيشان .

والمثال النموذجي ، هو مثال يوغوسلافيا القديمة . لم تعرف شعوب يوغوسلافيا المختلفة في لغاتها ودياناتها وتاريخها وبناها الاقتصادية ، وعلى مدى نصف قرن ، اضطهادا ولا مصادمات كبرى . لقد انفجرت القوميات مع عودة فوضى اقتصاد السوق التي أثارت في القسم الاغنى من البلاد ، هو سلوفينيا إرادة الانفصال عن الجمهوريات الاخرى الاكثر فقرا في الاتحاد اليوغوسلافي . وكانت الخطة إثارة القوى البعيدة عن المركز . وقد اعترفت ألمانيا بموجب سياستها التقليدية في الادرياتيك ، ومن جانب واحد باستقلال سلوفينيا ، والبوسنة ، وكرواتيا ، وهي الممر المؤدي إلى البحر الأبيض المتوسط . وقبلت الولايات المتحدة فورا الموقف الألماني ، وباعتبار أن ألمانيا هي الشريك الأكبر للولايات المتحدة  في أوروبا ، وكذلك تركيا التي وجدت أنها فرصة لتضع قدمها مجددا في البلقان ، التي خضعت سابقا للامبراطورية العثمانية .

وسمح خضوع تركيا لحلف شمال الأطلسي ، سمح لها أن تضع نفسها في موقف المدافع عن المسلمين في البوسنة وكوسوفو ، دون أن تضطر لمجابهة سادة الأطلسي ، وكذلك أضاف الفاتيكان دعمه لكاثوليك كرواتيا .

مال الأوروبيون ـ وفرنسا خاصة ـ الذين استشعروا منذ البداية خطر انفجار يوغوسلافيا ، لحماية الوحدة اليوغوسلافية ، والتراص قبالة الموقفين الأمريكي والألماني ، واتهموا الصرب الذين جهدوا لحماية الوحدة ، بالعدوان والانفصالية . وأخذت وسائل الاعلام على عاتقها مهمة تصويرهم وحدهم بالشياطيين في هذه الصراعات التي لم تقتصر الوحشية فيها على طرف واحد.

وهكذا ابتدأت المجازر ، لأن الامريكيين والأوروبيين ، لم يأخذوا بالحسبان التعقيد في العلاقات بين الشعوب . فباسم حق تقرير المصير " وهو حق لم يول أي اهتمام للأقليات الموجودة في الدول المستحدثة التي اعترفوا باستقلالها " ، لم يعد لأي من هذه الشعوب هم إلاّ الدفاع عن نفسها . أما مسؤولية دول الغرب في هذه الفوضى الدامية فهي مسؤولية مطلقة، فقد جعلوا المشكلة عصية على الحل بمصطلح الحق ، ومميتة بمصطلح القوة .

ولن نورد إلا مثالا واحدا : يضم البوسنيون 44 % من المسلمين و 30 % من الصرب و 18 % من الكروات . الصرب يخشون عودة " جمهورية إسلامية " أعلن عنها القائد البوسني عزت بيجوفتش ، والآخرون يخشون هيمنة صربية تدعمها بلغراد ، ويثيرون مواجهات صعبة ودامية بين الكروات والمسلمين ، وبين الصرب والكروات ، وبين المسلمين والصرب ، مع ما تحمله هذه الصراعات من وحشية تصفية الحسابات بين شعوب امتزجت ببعضها ، وتشابكت فيما بينها .

أصبح أي تدخل عسكري ضمن هذه الظروف ، صعبا جدا بل مشكوكا في جدواه ، شأنه في ذلك شأن مباحثات السلام ، فلكي يصبح ممكنا ـ مثلا ـ أن تقوم " القبعات الزرق " " جنود الأمم المتحدة " بحماية ضحايا هذا الوضع الفوضوي توجب عليهم أن يقصفوا (انطلاقا من حاملات الطائرات المرابطة في الآدرياتيك ) ، البوسنة بالصواريخ ، لتقتل الصرب والمسلمين والكروات على حد سواء .

أما ما يتعلق بمباحثات جنيف ، فقد تعطلت منذ بدايتها ، بسبب الخطأ الأساسي للغرب ، وهو اعترافه بالدول الجديدة دون أن يطلب منها ضمانات لحماية الاقليات فيها . ولهذا بات ، كل طرف من الأطراف يبحث عنها اليوم لحسابه الخاص : فقد أراد عزت بيجوفيتش دولة بوسنية موحدة ، لأن شعبه سيتحول في ظل إطال فيدرالي إلى أقلية ، في حالة تحالف الصرب والكروات . وبالعكس ، فقد تمسك الصربيون والكروات بالحل الفيدرالي الذي سيعطي الأولين ضمانات ضد زغرب ، يضاف إلى ذلك الخلافات حول رسم الحدود ، لأن التشابك بين الشعوب يستبعد التقسيم العرقي . وهكذا تراجعت المشكلة لتصبح تقسيما كميا ، أي استنادا إلى مرحلة علاقات القوى ، كما كانت دائما مشكلة ترسيم الحدود عبر التاريخ .

وهكذا ، تقودنا المصالح العمياء للقوى الغربية الكبرى ، إلى مشاكل القرن الماضي ، المسماة بالمسألة الشرقية ، فقد ازدادت هذه المشكلة عمقا بسبب مخاطر عدم الاستقرار في أوروبا والشرق الأدنى في وقت واحد .

لقد حاولنا الوصول إلى الخيط الاساسي الذي يسمح لنا الربط بين المشاكل الدولية الاساسية في نهاية هذا القرن ، على الرغم من تنوع مظاهرها : إنه الهيمنة العالمية للولايات المتحدة ، ووحدانية السوق التي تريد أن تفرضها على العالم كله .

ولتحقيق ذلك سوف تتابع الولايات المتحدة :

ـ الدعوة لحرية اقتصاد السوق ، حرية بلا حدود ، بأعتبارها المنظم الوحيد للعلاقات الاجتماعية.

ـ الدعوة للتقدم المتواصل في مجال تنمية القدرة العمياء ، للسيطرة التقنية والعلمية على الطبيعة والانسان .

ـ الدعوة لمتابعة تطوير الازدياد الاعمى للانتاج والاستهلاك .

لن تكون هناك حرية وديمقراطية إلا إذا شاركت كل لاطراف باتخاذ القرارات التي تحدد مصائرها .

لن يكون هناك تقدم إلا إذ حل محل هذا الغاب من التزاحم وإرادات القوة ، والنمو الكمي والتنافس على الأرباح بين الافراد والجماعات والأمم ، مجتمع حقيقي ، نعني به ، مجتمعاً ، يمتلك كل فرد فيه ضميراً يشعره أنه مسؤول عن مصير جميع الآخرين . وهذا ما لا توفره الفردية .

ليس هناك من تطور إلاّ للإنسان . وبعكس نظام يولد تراكم الثروة لدى قطب واحد في المجتمع ، وتراكم الفقر المادي والثقافي لدى الغالبية ، فإن مجتمعا متطورا فعلا ، هو المجتمع الذي يخلق شروطا اقتصادية ، وسياسية ، ثقافية ، وروحية ، تمكن كل فرد من أفراده ، من التهيؤ للإنطلاق ، وفق فرص متساوية ، بغرض تنمية كل الإمكانيات الخلاقة التي يحملها بين جنبيه .

الهوامش

ـ ادلف تيير (1797 ـ 1877) مؤرخ ورجل دولة فرنسي ، له كتاب " تاريخ الثورة " ، وساهم في تأسيس ملكية تموز . كان محرضا على ردود الفعل المحافظة ف ظل الجمهورية الثانية ومعارضا لسياسة القوميين . عقد معاهدة فرانكفورت مع البروسيين وسحق الكومونة .

ـ أرض النار: مجموعة من الجزر في أمريكا الجنوبية (قبالة الأرجنين وتشيلي) يفصلها عن القارة مضيق ماجلان .

ـ شارل الخامس (1338 ـ 1380) ، توج ملكا على فرنسا عام 1364 .

ـ لافاييت (1757 ـ 1834) ، سياسي فرنسي ، كان رئيسا للحرس الوطني مرتين ، وأحد مؤسسي ملكية تموز . حاول التوفيق بين الملكية والثورة .

ـ كافور (1810 ـ 1641) ، رئيس الحكومة الإيطالية عام 1852. وضع برنامجا لإصلاح الدولة ، ونشر الفكر الوحدوي في إيطاليا .

ـ بارره (1755ـ 1879) ، روائي فرنسي ، ساهم في إسقاط روبسبيير ، وأصبح عضوا في مجلس المديرين .

ـ جوبينو (1816ـ 1882) ، صاحب كتاب مقالة " حول عدم تساوي الأعراق " ، الذي ترك أثرا كبيرا على المنظرين العنصريين الألمان .

ـ جوزيف شامبرلين (1836ـ 1914) ،  سياسي انكليزي من مشجعي الحركة الاستعمارية .

ـ فرانسوا جيزو (1787ـ 1874) ، مؤرخ فرنسي ، أصبح رئيسا للوزراء (1847ـ 1848).

ـ آرثر شامبرلين (1869ـ 1940) ، سياسي بريطاني عين رئيسا للوزراء (1937ـ 1940) اتبع سياسة تهدئة إزاء هتلر وموسوليني .