عاصر السوق ، كمكان للتبادل ، كل المجتمعات التي طبقت مبدأ تقسيم العمل ، فمنذ ما قبل التاريخ ، تشهد المشاغل ، ومنتجات الصوان المنحوت ، أنها لم تكن موجهة للاستخدام الشخصي ، وإنما لمقايضة احتياجات أخرى في الحياة . ثم تكون سوق القرية التقليدي ، حيث كان يحمل إليه البيض والدجاج والخضار لبيعها مبادلة مع بضائع أخرى تنتجها الأداة أو المهارة أو لدفع أجور خدمات البيطار أو الحلاق .
وهناك اختلاق أساسي بين أشكال السوق المتعاقبة ، وهو وجود الوسيط ، أي النقد الذي استخدم في الأصل كأداة قياس ، تقاس بها وفق قاسم مشترك ، منتجات الأعمال المختلفة كما ونوعا . لكن السوق ، وتبنى على تراتبية اجتماعية، وقيم أخلاقية ظاهرة أو مضمرة، وديانات نشأت خارجه ، ولم تبحث عن مبرراتها فيه .
ولم يتحول السوق إلى " ديانة " إلا عندما أصبح المنظم الوحيد للعلاقات الاجتماعية والشخصية والقومية، والمصدر الوحيد للسلطة والمراتب الاجتماعية . ولا يعنينا هنا أن نؤرخ لهذا التحول ، الذي أصبحت فيه كل القيم الإنسانية قيما تجارية ، بما فيها الفكر والفنون والضمائر .
وسنكتفي بالإشارة إلى النتائج الاقتصادية والسياسية والروحية للصورة الاخيرة لهذا القرن ، ولإعطاء نظرة إجمالية لبعض الميادين ، كي نحرر أنفسنا من النظرة " التخفيفية " لخطورة هذه النتائج ، ولهذا " القصور الحراري " الإنساني الذي يراه بعض منظري البنتاغون وأتباعهم في العالم ، بحسب عنوان كتاب فوكوياما : " نهاية التاريخ " .
وسوف يقود الأمر ، إذا ما وصل هذا الانحدار منتهاه إلى نهاية الإنسان مما يتصف به أساسا : سمو المقصد مقابل التخلي عن الحتمية الاقتصادية التي يعتبرونها قوانين طبيعية ، تماما مثل الغرائز الفطرية الحيوانية التي تسود البحار وحدها ، حيث يتغذى السمك الكبير بالتهام الأسماك الصغيرة ، أو التي تسود الأرض من خلال الفوضى البيولوجية لمليارات النطف أو الحيوانات المنوية ، لتكوين جنين بالصدفة .
وما تتصف به " وحدانية السوق " في الواقع ، هذه الليبرالية الشمولية ، هو إحتقار حرية الإنسان ، وابتزاه بالتالي عن بعده الذي يتميز به وهو : أنه ليس نتاجا لقوانين الطبيعة ، بل العكس ، إنه قادر على تكوين مشاريع ليست امتدادا بسيطا للماضي ، ولا نتيجة لغرائزه الحيوانية ، أو مصلحته الفردية . لقد بالغ آدم سميث في هذا العزل لللإنسان فكتب يقول :
" إن الخطوط الكبرى لعالم الاقتصاد الحقيقي ، قد رسمت لا وفق خطة شاملة برزت من عقل منظم ، ثم نفذت اختيارا من قبل مجتمع ذكي ، إنما من خلال تراكم عقود لا حصر لها ، رسمها حشد من الأفراد أذعنوا لقوة غريزية ، دون وعي بالهدف الذي سيصلون إليه . " من كتاب أبحاث في الطبيعة وأسباب غنى الأمم " (1) .
من آدم سميث حتى فريدريك فون هايك مرورا بباستيا وفريدمان ، تكرر رفض مفهوم القصدية (2) .
وقد كتب ميلتون فريدمان في كتابه " حرية الاختيار " 1981 يقول :
" إن التنسيق بين نشاطات ملايين البشر ، الذي لا يعرف أي منهم إلا مصلحته الشخصية ، قد حسن ، أوضاعهم جميعا. ويقوم الأسعار بسد هذه الثغرة بغياب أي توجيه مركزي ، ودون الحاجة لأن يتحدث الناس في هذا الأمر أو يحبوه . إن النظام الاقتصادي هو انبثاق ، أي أنه ليس نتيجة مقصودة أو مطلوبة من قبل عدد كبير من الأشخاص تحركهم مصالحهم الشخصية وحدها . ويقوم نظام الأسعار بوظيفته بشكل جيد ، وبكثير من الفاعلية ،بحيث أننا لا نكون واعين ، وفي القسم الأعظم من الوقت ، أنه يقوم بدوره " .
ويضيف فون هايك في كتابه " الفردية والنظام الاقتصادي " :
" ليس أمام المرء في مجتمع معقد من اختيار آخر إلا أن يكيف نفسه لما يبدو له أنها قوى عمياء للصيرورة الاجتماعية " .
أصبح ممكنا اليوم أن نسترجع مسار النمط الغربي للتنمية ، منذ أن وقع الخطأ القاتل في توجه ما سمي النهضة، أي نمو حضارة الكم والتفكير الذرائعي ، والديكارتية ، وديانة الثروة ، بعد أن فصلت عن البعد الأول للعقل وهو التأمل في الغايات النهائية للحياة ومعناها .
وكتب ميشيل البرت في كتابه " الرأسمالية ضد الرأسمالية " 1991 .
إن الأمر المطلق " أو الفعل الضروري بذاته " ، هو إفراغ المسألة الفلسفية من القصدية " الغائية " . هذه هي في النهاية ، الغاية الأخيرة من وحدانية السوق . إنها " ربطنا " بالحياة الأكثر زيفا ، التي صوروها منذ أول فيلم أمريكي يبدأ بصيد الهنود مع " سفاحي الغرب الأمريكي " ، ومع غاب المال ، مع مسلسل " دالاس " ، مرورا بكل أشكال العنف والهمجية ، مع باتمان " الرجل الوطواط " ، مرورا الترميناتور الماحق ، وانتهاء برموز ارتدادنا إلى عالم الديناصورات.
ولن نورد هنا إلا ما يشكل في يومنا هذا ، المدماكين الأكثر صلابة لتوسع السوق : المخدارت والسلاح .
يبلغ حجم التعامل بالمخدرات في الولايات المتحدة اليوم ، من الضخامة ما يعادل أرقام التعامل في صناعة السيارات ، أو صناعة الفولاذ . ويزداد استهلاك المخدرات طردا ، مع فقدان الحياة لمعناها ، نتيجة للبطالة والتسريح ، أو أمور أخرى . إن الغاية النهائية للحياة هي الاستهلاك الذي يخلق ازدهار " السوبر ماركت " . وإنه لأمر ذو دلالة أن الرقم القياسي لانتحار اليافعين ، سجلته الدول الأكثر غنى : الولايات المتحدة ، والسويد . في الجنوب ، يموت الناس بسبب نقص وسائل العيش ، أما في الشمال فيموتون لانعدام غايات الحياة .
ويعتبر الاستهلاك المتزايد للمخدرات ، أحد النتائج الطبيعية لوحدانية السوق : أولا ، بسبب إنتاجها . إن الربح الذي تدره نبتة الكوكا التي يستخرج منها الكوكاين ، على الفلاح البوليفي ، أكبر بعشر مرات من ربح نبتة الكاكاو أو البن ، وهي وحدها القادرة على السماح له بالحياة . كما أن الدولة ، ملزمة بتسديد ديونها لصندوق النقد الدولي . ونتيجة لاستهلاك المخدرات ، تعاني الولايات المتحدة من ثلاثة ملايين مصاب بالتسمم المزمن ، أما الذين يتعاطون المخدرات فيقدر عددهم بعشرين مليون أمريكي . أما في فرنسا ، واستنادا إلى تقديرات مؤسسة سوفر فقد تناول فرنسي واحد من أصل خمسة تتراوح أعمارهم بين 12 ـ 14 عاما " يعيش أو مازال يتناوله " أصبحت المخدرات بخور " الكنيسة الجديدة " ، نعني وحدانية السوق . ويعطينا الاتحاد السوفيتي معنى كبيرا ، فمنذ العودة إلى الرأسمالية ، انفجر إنتاج واستهلاك المخدرات ، وتضاعفت مساحة الأراضي المزروعة بالخشخاش في أوزبكستان خلال عامين فقط (1991 ـ 1993 ) . أما أفغانستان ، فقد أصبحت منذ عام 1993 البلد الأول المنتج للأفيون ، فقد تضاعف إنتاجها ثلاث مرات .
أما في ميدان السلاح ، فقد استمرت صناعته الأكثر ازدهارا في الولايات المتحدة ، وجعل منها القوة الأولى في العالم ، منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى . وقد حملت الحرب العالمية الثانية ، والتي أصبحت الولايات المتحدة بفضها تملك نصف ثروة العالم ، حلا نهائيا للازمة الاقتصادية فيها ، والتي بدأت عام 1929 . كما أدت الحرب الكورية إلى ازدهار اقتصادي جديد . أما مجزرة العراق ، فقد أدت بما رافقها من انتشار من خلال النقل الحي عبر القنوات الفضائية ، إلى صقل سمعة الأسلحة الأمريكية حيث ارتفع الخط البياني للإنتاج بعد انتهاء الحرب بشكل سهمي.
وهناك نتيجة طبيعية أخرى لوحدانية السوق : الفساد .
حدد آلن كوتا منطق هذا النظام : " إن تصاعد وتائر الفساد أمر لا يمكن تجنبه نتيجة انطلاق النشاطات المالية والسمسرة . وبقدر ما تتيح لنا المعلومات عن العمليات المالية من مختلف الأنواع ، على الأخص عمليات الدمج ، والشراء ، والمكتب العام للمشتريات ، التي تسمح بتكوين ثروات ببضع دقائق ، من المستحيل تكوينها من خلال عمل كثيف يستمر حياة كاملة ، فان إغراء البيع والشراء يصبح أمرا لا يمكن مقاومته " .
ويضيف : " إن الاقتصاد التجاري سيلقى دعما دائما من هذه السوق الأساسية .. ويلعب الفساد دورا شبيها بالخطة " .
وليس هناك كلام أفضل من هذه العبارات : في نظام يباع كل شيء فيه ويشترى ، يتوقف الفساد ، بل وحتى الدعارة ، عن كونهما انحرافات فردية ، ليصبحا قانونين بنيويين في صلب هذا النظام (4) .
والعهر السياسي هو المثال الأكثر فضحا . فالبعض أيد حرب الخليج من أجل حفنة من الدولارات . والبعض برر نزول عشرات الألوف من الجنود الأمريكان إلى أرض مقدسة ومحرمة على كل الكفار ، ودفع نفقاتهم ، أما يلتسين فقد باع بلاده رخيصة ، بعد أن نام على أبواب صندوق النقد الدولي ، الذي أرسل إليه سوروس الشهير ليكون حاميه الكفؤ.
هذه هي الظواهر التي تحدد انحطاط النظام ، حيث تدر المضاربات أكثر بكثير مما يدره الاستثمار في ميدان الإنتاج أو الخدمات .
وتحمل كلمة المضاربة معنى محددا كالذي سجله معجم روبرت في التعريف التالي : المضاربة عملية مالية تتضمن الاستفادة من تقلبات السوق " حركة القيم والبضائع " من أجل تحقيق منفعة .
وقد لاحظ آلياس الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد أن التدفق المالي يرتفع في المتوسط إلى ألف ومئة مليار دولار في اليوم ، أي أربعين مرة أكبر من التدفق المتصل بالقواعد التجارية . إن نظاما كهذا لا يمكن الدفاع عنه " آلياس : الغرب على حافة الهاوية ـ مقابلة في جريدة الليبراسيون في 2 آب 1993 " .
تشير هذه الحقائق أن النظام القائم لوحدانية السوق يحقق للمرء ربحا ، فيما لو دخل ميدان المضاربة بالمواد الأولية ، أي أوراق النقد ، أو ما يدعوه الاقتصاديون " المنتجات المشتقة " ، وهي كل مالا يؤخذ في الحسبان ، عند تعداد المنتجات أو الخدمات ، أكبر أربعين مرة مما لو عمل في ميداني الإنتاج أو الخدمات .
الهوامش
ـ آدم سميث (1723 ـ 1790) : فيلسوف واقتصادي انكليزي يعتبر مؤسس علم الاقتصاد الكلاسكي ، اشتهر بكتابه " دراسة في طبيعة وأسباب ثروة الأمم " . يعتبر هذا الكتاب المحاولة الأولى في تاريخ الاقتصاد ، الهادفة لفصل الاقتصاد السياسي عن العلوم المتصلة به ، السياسية والأخلاقية والدينية ، ويتضمن تحليلا عن عملية الغنى الاقتصادي ، وتوزع هذا الغنى بين الأمم والأفراد .ويرى أن المصادر الأساسية لكل الدخول هي الإيجار ، والأجور والأرباح . كما درس تطور الصناعة والتجارة لدى الأمم الأوروبية ، وطبيعة رأس المال . والموضوع الرئيسي الذي صيغ باعتباره لرأس المال ، بغية إنتاج الثروة وتزريعها ، يكون في غياب التدخل الحكومي ، وفي حرية التجارة .
ويرى سميث أنه بالإمكان تشجيع الإنتاج والتبادل ، وبالتالي تحسين مستوى المعيشة فقط ، من خلال النشاط الفعال لرجال التجارة والصناعة على أن يعملوا في ظل أقل ما يمكن من سيطرة الحكومة وتدخلها .
وقد شهدت هذه النظرية تعديلات هامة من قبل اقتصاديين متعددين ، على ضوء التطورات التي طرأت منذ زمن سميث ، ولكن نظريته ـ مع ذلك ـ لعبت دورا كبيرا في رسم الرأسمالية . (موسوعة فانك رواجنل ـ المترجم) .
2 ـ فون هايك : اقتصادي انكليزي من أصل سودي ولد عام 1899 ، حائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية . درس الأزمات الدورية في الاقتصاد .
ـ ميلتون فريدمان : اقتصادي أمريكي ولد عام 1912 حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد . اشتهر بدراسة مشكلات النقد .
ـ فريدريك باستيا (1801 ـ 1850) : اقتصادي فرنسي دافع عن حرية العمل ، وحرية التبادل.
3 ـ تشير دراسة أجرتها وزارة الصحة الأمريكية ، أن استخدام المهدئات عند المراهقين في سن 12 ـ 17 عاما ، قد ازدادت 78 % ، ما بين عامي 1992 ـ 1995 . وقد ارتفع استهلاك حبوب الهلوسة ، مثل حبوب ل . س . د ، إلى 183 % (54 % ما بين عامي 1994 ـ 1995) ، وارتفع استهلاك الكوكليين إلى 166 % ، والماريجوانا إلى 105 % 37 % ما بين عامي 1994 ـ 1995 .
واعترف 4, 10 % من الشباب الأمريكي ، من نفس الشريحة العمرية ، أنهم تناولوا المخدرات خلال الشهر السابق على الاستطلاع الذي أجرته وزارة الصحة .
وتدل دراسة أخرى ، رسمية أيضا أن حالات الإسعاف التي سجلتها المستشفيات ، بسبب الإسراف في تعاطي المخدرات ، قد ازدادت 96 % في حالات تعلطي الكوكايين ـ غارودي) .
4 ـ من الملاحظ أن عودة الرأسمالية إلى بلدان شرق أوروبا ، قد رافقها ارتفاع مجنون في انتشار البغاء .