طرق
التوعية بحقوق الشعب العراقي
أولا
–
الطرق الداخلية
من
المعروف أن هناك العديد من العوامل التي تسهم
في توعية العراقيين بحقوقهم الإنسانية
الدستورية والقانونية , و لغرض الإشارة للبعض
منها لابد من القول أن من أولى الطرق هي في
ضرورة نشر ثقافة حقوق الإنسان من المراحل
الدراسية الأولى وحتى المراحل الجامعية وفي
توسيع الثقافة القانونية للمواطنين .
كما
أن من العوامل المهمة في هذا الصدد ضرورة
تأسيس وزارة خاصة لحقوق الإنسان تتولى هذه
المهام بالتنسيق مع أجهزة الدولة الأخرى
وتراقب معايير حقوق الإنسان ومدى التزام
أجهزة الدولة بها . ولهذا فان خطوات حكومة
إقليم كردستان في تأسيس وزارة خاصة لحقوق
الإنسان –
في ظل الفيدرالية –
هي خطوة رائدة وشجاعة وموفقة
على طريق بناء مؤسسات دستورية في كردستان
العراق وفي تفعيل دور القانون في المجتمع و
رسم مظاهر المجتمع المدني ونبذ الشخصنه
وعبادة الفرد في الحكم .
وفي
هذا السياق لابد من إعادة إصلاح النظام
القانوني في العراق بما ينسجم والعراق
التعددي والديمقراطي ( عراق ما بعد نظام صدام )
وبما يحقق التوافق مع قواعد القانون الدولي
والالتزامات الدولية التي تكفل حقوق الإنسان
. فالهرم القانوني والنظام القضائي في العراق
لابد أن يكون لمصلحة الإنسان الذي يحتاج إلى
توعيته بحقوقه والتزاماته من خلال وسائل
عديدة , إعلامية وثقافية واجتماعية ودراسية ,
ذلك لان النظام القانوني الحالي لا ينسجم
وعراق المستقبل القائم على المؤسسات
الدستورية وحماية حقوق المواطن ودعم المجتمع
المدني بتفعيل دورة.
وان
إصلاح النظام القانوني لابد أن تبدأ من
الدستور بصياغة قواعده الجديدة وحتى أدنى
درجة من درجات القواعد القانونية الآمرة . ولا
يعقل –
مثلا –
استمرار وجود نص المادة
42
من الدستور النافذ لعام 1990
والتي تمنح السلطات غير المحدودة لرئيس
الدولة بحيث يكون فوق القانون دون مسؤولية ,
كما لابد من أن تكون النصوص القانونية تتمتع
بشيء من الثبات دون إهمال عوامل التغيير في
الحياة.
ونعتقد
بضرورة تأسيس محكمة دستورية عليا في عراق
المستقبل تراقب
تطبيق القانون ومدى احترامه وتفصل في مدى
شرعية القوانين أو بطلانها وعدم دستوريتها
وفي أن يكون أداء القسم من رئيس الدولة ونوابه
عند تولي المسؤولية أمام رئيس وأعضاء المحكمة
الدستورية العليا حتى يعد قدوة لجميع
المواطنين في احترام القانون ومن خلال
الاستفادة من تجارب الدول المتحضرة . كما
نعتقد بضرورة تفكيك الأجهزة الأمنية
المتعددة في ظل النظام الدكتاتوري والاكتفاء
بالأجهزة المعقولة في العراق الجديد و بما
تكفل أمن المواطنين وخدمتهم شريطة أن تخضع
هذه الأجهزة لوزارة العدل ولسلطة القانون
وإلغاء جميع المظاهر السرية في التعامل مع
حقوق المواطنين وكذلك في نشر الأحكام
القضائية بما ينسجم و حرمة الحياة الخاصة.
ثانيا
–
الطرق الخارجية ( تفعيل القرار 688
)
لاشك
أن لمراقبة المنظمات غير الحكومية مثل منظمة
العفو الدولية والمنظمات الحقوق
الأخرى أهمية كبيرة في تذكير الدول
بالتزاماتها الدولية وتشكيل رأي عام دولي
يضغط على الدول التي تنتهك حقوق الإنسان .
ولهذا العامل الخارجي دورة في تفعيل احترام
المعايير الدولية المنصوص عليها في الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان وفي المعاهدات
الدولية والاتفاقيات العديدة . فالسجون مثلا
تحكمها ضوابط دولية لابد من مراعاتها وحقوق
البشر أصبحت معروفة للجميع رغم التعتيم
الإعلامي والقبضة الحديدية للحكم الدكتاتوري
ولهذا لابد من توسيع قنوات الاتصال مع العالم
الخارجي والسماح للمواطنين بالاتصال مع
المنظمات الدولية غير الحكومية عند تعرض
حقوقهم للضرر.
ومن
جانب أخر لم تعد قضية احترام حقوق البشر مسألة
داخلية تخص الأمن الوطني للدولة فقط , و إنما
أضحت قضية تهم الأمن والسلم الدوليين
ومصدر للنزاعات تحد من مبدأ السيادة
الوطنية لان السيادة الوطنية ليست مفهوما
مطلقا أو هو سياج يتحصن به الطغاة عند انتهاك
حقوق الشعوب.
وعند
انتهاك الحقوق يكون البشر هم الضحايا ويكونون
بحاجة ماسة –
هم و أسرهم –
إلى مساعدة فعلية من المجتمع الدولي ومؤسساته.إذ
كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يسكت مثلا عن
جريمة استخدام الطاغية للسلاح الكيماوي ضد
شعب اعزل يناضل من اجل الحرية والحياة الحرة ؟
وكيف يمكن السكوت على جريمة الأنفال ضد الشعب
الكردي الذي يناضل من اجل نيل حقوقه المشروعة.
ومما
يتعلق بالعوامل الخارجية في توعية وضمان حقوق
المواطنين العراقيين القرار رقم 688
الصادر عن مجلس الأمن الدولي في
5 إبريل من عام
1991 . إذ من المعلوم انه وبعد وقف إطلاق النار
في حرب الخليج الثانية , انتفض الشعب العراقي
ضد الطغيان والحروب لوضع الحد لمسلسل المآسي
في العراق. وعلى اثر قمع الانتفاضة هرب حولي 2
مليون كردي في رحلة جماعية مأساوية خارج
الحدود العراقية من بطش النظام مما دفع مجلس
الأمن إلى إصدار القرار المذكور لحماية الشعب
العراقي من القمع دون أن ينص القرار على
الجزاءات القانونية التي تفعل القرار
وتلزم النظام على احترام حقوق البشر.وعلى
الرغم من مرور 11 سنه على صدوره , فان وضع حقوق
الإنسان ازداد تدهورا في العراق دون أية
فاعلية من مجلس الأمن ولا من المنظمات
الدولية .
و
إذا كان من غير
المناسب هنا الدخول في تفاصيل بنود القرار
وتحليل نصوصه والثغرات التي تضمنها , فأنه من
المفيد أن نذكر أهم فقرات
القرار 688 وهي :
1-
أن
مجلس الأمن يدين القمع الذي يتعرض له السكان
المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق
والذي شمل مؤخرا المناطق السكنية الكردية
وتهدد نتائجه السلم والأمن الدوليين في
المنطقة.
2-
يطالب
مجلس الأمن بان العراق على الفور , كإسهام منه
في أزاله الخطر الذي يهدد السلم و الأمن
الدوليين في المنطقة , بوقف القمع ويعرب عن
الأمل في السياق نفسه في إقامة حوار مفتوح
لغرض احترام حقوق الإنسان.
3-
يصر
مجلس الأمن على أن يسمح العراق بوصول مساعدات
إنسانية دولية فورية للمحتاجين من الشعب
العراقي .
4-
يطلب
إلى الآمين العام مواصلة جهوده الإنسانية في
العراق لغرض الاطلاع على محنه العراقيين
وأشكال القمع من السلطات العراقية.
5-
يطلب
إلى الأمين العام استخدام الموارد الموجودة
تحت تصرفه لتلبية الاحتياجات العاجلة للسكان
العراقيين المشردين .
6-
يناشد
جميع الدول الأعضاء والمنظمات الإنسانية
الإسهام في جهود الإغاثة الإنسانية .
7-
يطالب
مجلس الأمن العراق أن يتعاون مع الأمين العام
من اجل تحقيق الغايات المذكورة
8-
يقرر
مجلس الأمن إبقاء هذه المسالة قيد النظر.
ويتضح
من القرار المذكور عدم وجود أي جزاء على
النظام في انتهاكاته الخطيرة لحقوق الإنسان
وفي تشريد السكان المدنيين وهجرتهم إلى إيران
وتركيا و إلحاق
الضرر بهم مما هدد السلم والأمن الدوليين.
ولهذا
نعتقد بضرورة تفعيل القرار المذكور وتشكيل
فرق تفتيش لفحص واقع حقوق الإنسان في العراق .
وفي
هذا الصدد ذكر السيد ماكس فان دير شتويل
المقرر السابق لحقوق الإنسان في العراق:
(
أن النظام في العراق هو من أسوء الأنظمة
انتهاكا لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية
الثانية ).
التوصيات
1-
ضرورة
تفعيل نص القرار 688
الخاص بحماية الشعب العراقي و العمل على
إرسال المفتشين الدوليين لمراقبة أوضاع حقوق
الإنسان في العراق ولابد من تفتيش السجون
السرية والعامة والخاصة .
2-
إلغاء
عقوبة الإعدام من جميع القوانين العراقية.
3-
تعديل
القوانين العراقية و إصلاحها بما يتلاءم
والتطورات الحديثة وبما يحقق التوافق مع
الالتزامات الدولية وكذلك التناسق الداخلي
بين مبادئ الدستور الدائم لعراق المستقبل مع
القوانين النافذة .
4-
محاسبة
المسؤولين العراقيين الذين تتقرر مسئوليتهم
القانونية عن الجرائم ضد الشعب العراقي.
5-
تعويض
جميع المتضررين من العراقيين عن الأضرار التي
لحقت بهم وفقا للدستور والقانون.
6-
تعديل
وضع المرأة وضمان حقوقها الإنسانية في
التشريعات العراقية بما يلغي التمييز بين
الجنسين وضمان حقوق الطفل العراقي وكذلك حقوق
كبار السن والمعوقين وحقوق الشباب.
7-
ضرورة
إنشاء محكمة دستورية عليا تراقب دستورية
القوانين وتؤدي دورها القانوني الفاعل في
المجتمع المدني لعراق المستقبل.
8-
إلغاء
جميع المحاكم الخاصة و الاستثنائية وإلغاء
جميع السجون السرية والخاصة و إيجاد آليات
قانونية لغرض إصلاح وتأهيل مرتكب الجريمة
بالاستفادة من تجارب الدول المتقدمة لغرض
إعادة بناء الإنسان بما يتناسب والقيمة
العليا للبشر باعتماد مبدأ أن العقوبة
للإصلاح .
9-
العمل
على إلغاء جميع القرارات والقوانين الصادرة
من مجلس قيادة الثورة ومن رئيس النظام
والمخلفة للالتزامات الدولية وللدستور مثل
قرارات قطع اللسان وقطع الأذان والوشم
وقرارات قطع اليد والرجل وقرارات قطع الرأس
بالسيف بالنسبة للنساء وكذلك قرار القائد
العام للقوات المسلحة في إيقاع عقوبة الذبح
ضد الإيرانيين والشيوعيين والكرد من الحزب
الديمقراطي الكردستاني والعرب الذين يقاتلون
مع القوات الإيرانية وغيرها.( انظر ملحق
تشريعات القسوة ).
10-
خضوع
جميع الأجهزة الأمنية في عراق المستقبل
لوزارة العدل وإلغاء السرية في أعمالها التي
تمس حقوق الإنسان العراقي.
هوامش
و إشارات
1-
انظر –
الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام –
الطاغية –
دراسة فلسفية من الاستبداد السياسي –
سلسلة عالم المعرفة –183
–1994
2-
المرجع السابق
3-
للمزيد من التفاصيل انظر :
الدكتور عبد الكريم علوان –
الوسيط في القانون الدولي العام –
الكتاب الأول –
الطبعة الأولى –
عمان 1997
4-
انظر تفصيل ذلك :
الدكتور
غازي صباريني –
الوجيز في حقوق الإنسان وحرياته الأساسية –
عمان –
1997
الدكتور
عبد الكريم علوان –
الوسيط في القانون الدولي العام –
ج3-عمان 1997
5-
انظر مثلا اتفاقية منع إبادة الأجناس
والمعاقبة عليها لسنة 1948 وقد وقع العراق على
هذه الاتفاقية ومارس نظام الرئيس صدام ابشع
صنوف الإبادة للجنس البشري ضد الشعب الكردي
في كردستان العراق واستخدم السلاح الكيماوي
والغازات السامة لقمع الكرد لمنعهم من
المطالبة بحقوقهم الوطنية والقومية المشروعة
وكذلك ارتكب النظام جريمة إبادة الجنس البشري
ضد عرب الاهوار بتسميم المياه وتجفيف
البحيرات و ارتكب النظام جريمة إبادة الجنس
البشري ضد الشيعة من خلال طرق ووسائل إجرامية
متعددة.
وهذه
الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا يمنح مرتكبها
حق اللجوء وليست جرائم سياسية , كما أن مما
يعتبر جريمة ضد الجنس البشري عمليات التهجير
و التعريب التي جرت وتجري في مناطق مختلفة من
العراق وبخاصة في مدينة كركوك وخانقين والمدن
والقرى الأخرى بهدف تغيير الهوية السكانية
وطرد السكان لأسباب عرقية أو دينية أو مذهبية
أو غير ذلك , وقد ارتكبت –
وما تزال –
هذه الجريمة ضد الكرد والعرب والتركمان
وغيرهم.
وانظر
مثلا اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم
المرتكبة ضد الإنسانية التي عرضت للتوقيع عام
1968 ,وكذلك اتفاقية جنيف عام
1951 الخاصة بوضع اللاجئين
المعدلة ببرتوكول نيويورك عام 1967 , وانظر
قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص
جريمة الاختفاء القسري أو غير الطوعي حيث
ارتكب النظام في العراق سلسلة خطيرة من جرائم
الاختفاء لم يسبق لها نظير في جميع دول العالم
طالت الكرد والتركمان والعرب والآشوريين
وجميع الأعراق والأديان والمذاهب
في العراق وبلغت حسب إحصائية منظمة العفو
الدولية اكثر من 17 ألف ضحية هذا عدا جريمة
النظام في الأنفال وفي كردستان العراق وفي
مدن الجنوب قبل وبعد
الانتفاضة عام 1991.
6-
انظر مفصلا :
مؤلفنا في
المدخل إلى علم القانون –
عمان 1995
7-
القانون الأساسي ( دستور عام 1925 )
8-
انظر الدستور العراقي لعام 1990
و
راجع على سبيل المثال تقارير منظمة العفو
الدولية حول انتهاك هذه الحقوق للشعب العراقي
المنشورة
في ورقة العمل التي قدمناها
إلى مؤتمر INC
في
لندن والموسوم
( مبدأ استقلال القضاء و إهدار حق التقاضي في
العراق ) , وكذلك بحثنا الموسوم انتهاكات حقوق
الإنسان والجرائم الدولية في العراق –
قدم إلى مؤتمر لاهاي –
هولندا عام 1998 .
9- UN- The High Commissioner for Human Rights – An Introduction - 1996
10
- الدكتور عبد الرحيم صدقي –
القانون الدولي الجنائي –
القاهرة 1986
11-
الدكتور
مصطفى الأنصاري –
عمليات التهجير في العراق –
المركز الوثائقي لحقوق الإنسان في العراق –
1991
12- الدكتور
عبد الحسين العطية –
مأساة الشعب العراقي و إرادة الحياة 1995