المقدمة

من المشاكل التي واجهها ابناء العراق في الخارج عدم تفهم الشعوب الاخرى لمأساتهم الدامية على حقيقتها، وخطأ تقديرها لظروف القضية العراقية والعوامل المؤثرة فيها وذلك بسبب التعتيم الاعلامي الذي ساهمت فيه الدول الكبرى وحكومات المنطقة ضمن موقفها العام في دعم نظام بغداد وتقويته بوجه المد الاسلامي المتصاعد، هذا من جهة. ومن جهة اخرى التعتيم المكثف الذي مارسه النظام نفسه لمنع خروج انباء التحرك السياسي ومواجهات الحركة الاسلامية بالخصوص ضد النظام في داخل العراق. وهناك عامل اضافي ثالث ساهم في تعتيم الصورة المشرقة لجهاد الشعب العراقي بوجه النظام وعدم تفهم المسلمين لمعاناة الشعب هو انفجار الثورة الاسلامية في ايران والانتصار الهائل لارادة الشعب ضد الشاه وحالة الانبهار بالنموذج الايراني المنتصر والذي يجب ان يكون قدوة للآخرين.

كان نمط التفكير عند عدد من الشعوب الاسلامية يتركز على فهم الثورة على انها هدف قائم بذاته وانها عملية تتحقق بمجرد اتخاذ الشعب لقرار الثورة ضد حكومته الظالمة. وكان لبعض التجارب الثورية التأثير الاكبر في ترسخ هذا التصور في الاذهان. فايران حدثت فيها ثورة شعبية عاصفة اسقطت نظام الشاه عام 1979م واسست الجمهورية الاسلامية بقيادة الامام الخميني (قدس). وافغانستان تشهد صراعاً عسكرياً بين الثوار المسلمين وبين القوات السوفيتية والحكومية. ثم شهد لبنان موجة حماس ثوري متأثر بالنموذج الايراني الى درجة كبيرة بحيث اراد القائمون عليه نقل صورته كاملة الى لبنان.

وسط هذه الحركات الثورية كان العراق يعيش محنة كبيرة قاسية فيها من المأساة والمعاناة ما لا يصدق. وقد اتخذ الصراع ضد نظام الحكم شكل عمليات جهادية تتم بصورة متفرقة خاطفة تستهدف رأس النظام ومؤسساته الارهابية. فالوضع في العراق كان مسيطراً عليه بطريقة لا تسمح بمعارضة النظام بالاساليب العلنية اذ هناك السجن والتعذيب والاعدام. ولهذا لجأت الحركة الاسلامية الى الكفاح المسلح لعدم امكانية تحريك الشارع في تظاهرات جماهيرية واسعة. فالنظام لم يكن ليتردد ابداً في سحق اي تظاهرة بوحشية وقسوة مستخدماً مختلف الاسلحة الثقيلة والطائرات المقاتلة وحتى المواد الكيمياوية المحرمة دولياً.

كان الوضع في العراق وضعاً خاصاً يختلف عن غيره من الاقاليم الاسلامية. ولكن لم تكن هذه الحقيقة واضحة عند قطاعات الثوريين في تلك الاقاليم، فكانوا يتهمون الشعب العراقي بالتخاذل والقعود، ويلاحقون ابناء العراق المجاهدين في الخارج بأسئلة ساذجة وجارحة في نفس الوقت حول الاسباب التي تحول دون قيام الشعب العراقي بالثورة.

ومع ان المجاهد العراقي كان يسوق المبررات الموضوعية لعدم امكانية الثورة الا ان السائل لم يكن ليقتنع بالجواب لانه يعيش روحية الثائر المنتصر او نفسية المتأثر بالنموذج المنتصر الى مستوى الايمان المطلق.

ان الشعب العراقي لم يسقط في الخوف ولم يترك مشروع الثورة، ولم يرض بالقدر... كان يعيش الثورة في اعماقه لكنه ينتظر الفرصة المؤاتية التي تنطلق فيها الثورة انطلاقة ناجحة، ويريد ان يوفر مستلزماتها المطلوبة حتى لا تكون عملاً ارتجالياً عاطفياً وحسب.

ومن هنا كانت بعض مناطق العراق تقوم بانتفاضة مسلحة حين تشعر ان الظروف تسمح لها بذلك مثلما حدث في انتفاضات العشائر في الجنوب وفي بعض محافظات كردستان في الشمال خلال سنوات الحرب العراقية ـ الايرانية. وحين توفرت اجواء العمل الثوري الشامل فور انتهاء حرب الكويت في عاصفة الصحراء نهض الشعب العراقي نهضته التاريخية التي فاجأت الجميع وغيرت القناعات، وكادت ان تنهي حقبة التسلط البعثي لولا عوامل داخلية ودولية اثرت على سير الاحداث.

ان انتفاضة الشعب العراقي في شعبان 1411 هـ (آذار 1991 م) تمثل نقطة هامة في تاريخ القضية العراقية وفي تاريخ العراق الحديث، وهي تستدعي الدراسة والتأمل والمراجعة لانها ترتبط بالسنوات التي سبقتها، ويعتمد عليها شكل المستقبل فيما لو استفاد الشعب العراقي من تجربتها الضخمة. وانطلاقاً من هذا التقييم فاننا نحاول دراسة الاجواء السياسية التي سبقت الانتفاضة في قراءة سياسية واعية ونقد موضوعي بناء ابتداءً من تسلم حزب البعث للسلطة، ومروراً بالمحطات الرئيسية لمسار القضية العراقية والعوامل التي ساهمت في تفجر الانتفاضة ثم تنتهي الى واقع الانتفاضة وظروفها الداخلية وردود الفعل الدولية، واخيراً دراسة لآفاق المستقبل السياسي في العراق...

انني اذ اقدم للقراء الكرام هذه الدراسة التي عشت احداثها بكل آلامها ومعاناتها أأمل ان يعكف اصحاب الاقلام المخلصة على دراستها من كل الجوانب وتسجيل احداثها ووقائعها قبل ان تتدخل ايدي التزوير فتحرف الحقائق وتشوه التاريخ مثلما فعلت دون حياء امام اعين الشهود وفي فترات مختلفة من التاريخ.

حسين الموسوي الشامي

ربيع الاول 1412 هـ

تشرين الاول 1991 م

لندن