الفصل الخامس

آفاق المستقبل

قطعت المعارضة العراقية اشواطاً طويلة من العمل السياسي والعسكري، وافرزت سنواتها الكثير من المظاهر السلبية والايجابية. كما اثبت الزمن خطأ العديد من الطروحات والمشاريع التي رسمت للقضية العراقية واريد ان تخضع لها وان يلتزم كافة الاطراف بها. الى جانب ذلك، ظهرت حقائق كبيرة كانت غائبة عن الاذهان او انها لم تلق الاهتمام المطلوب نتيجة تعقيدات القضية وتقاطع خطوطها وظروفها.

ان تلك التجربة لا بد ان توظف لمصلحة القضية من اجل صياغة المعالم المستقبلية. فالمستقبل لا يصنع بالارتجال، ولا ينطلق من فراغ، بل لا بد ان يستند الى تجربة الماضي حتى يكون بناؤه متيناً مستوفياً لشروط النهضة. وفي هذه العملية لا بد من تشخيص عناصر القوة والضعف ونقاط الصواب والخطأ في عملية نقد شجاعة بعيدة عن العواطف والمحاباة والمجاملة، وفي نفس الوقت متجردة من روح الثأر والعداء والتسقيط.

لقد افتقرت مسيرة المعارضة الى وقفات النقد البناء. ولعل حالة الحذر والتشنج هي التي عطلت المشروع النقدي وجعلت اي محاولة من هذا القبيل تفهم علي انها دعوة للتشهير والانتقاص. وكان في ذلك خسارة في الوقت والجهد والطاقات العراقية الخلاقة.

طوال السنوات السابقة كان كل فريق يعمل على شاكلته وحسب ما يراه مناسباً بصرف النظر عن الوجودات الاخرى. كان كل فريق يريد اسقاط النظام لوحده بينما كان النظام يواجه جميع الفرقاء ويتعامل معهم على انهم يجلسون في خندق واحد هو خندق المعارضة.

من الصحيح جداً ان اجواء العمل السياسي وظروف النشاط الثوري تشغل اصحاب القضية عن الالتفات الى الوراء في نظرة موضوعية تدرس خطوات السير ومشاريع الماضي. لكن من الخطأ الفادح ان يمضي هؤلاء دون ان يعيروا التجربة الاهتمام المطلوب، لانهم يفرطون بذلك بالجهد والزمن والدماء، وهم الى جانب ذلك يعرضون حاضرهم الى خطر الانتكاسة، ويضعون مستقبلهم على كف القدر، وفي هذا تفريط بالقضية وبآمال الجماهير.

لقد ضاعت الكثير من الفرص خلال السنوات الماضية ومرت على نظام الحكم ظروف صعبة كان بالامكان ان تطيح به لو استثمرت من قبل المعارضة. لكن هذا لا يعني ان المعارضة وصلت الى نهاية مغلقة، اذ ان هناك الكثير من الفرص والخيارات ومجالات التحرك. والمطلوب هو استثمار هذه الفرص والخيارات والمجالات بروح جديدة وبتوجهات صادقة منطلقة من تقييم ذاتي للمراحل السابقة وتقدير شامل لمرحلتنا الراهنة، مع تطلع واع لآفاق المستقبل.

لقد استعرضنا في هذه الدراسة المحطات الاساسية في مسار القضية العراقية وليس ذلك هو الهدف. انما نحاول ان نحدق بالمستقبل لنرسم معالمه وخطوطه بوضوح من اجل ان نضع اقدامنا على ارض صلبة وفي موضعها المناسب.

ويمكن تحديد آفاق المستقبل في ضوء دراسة مجمل اوضاع القضية العراقية بما يلي:

أولاً: وضوح الهدف

ان تحديد الهدف هو من الاوليات الاساسية في العمل السياسي. وعادة يخضع تحديد الاهداف للقاعدة الفكرية التي ينطلق منها اصحاب التحرك السياسي مع تفاوت في حجم الاهداف من طرف لآخر نتيجة اختلاف القواعد الفكرية للاطراف من الشمول او المحدودية.

ولان المعارضة العراقية تضم اطرافاً مختلفة في الاسس والمرتكزات الفكرية، لذا فان الاهداف التي كانت تسعي اليها تعددت واختلفت. فهناك من يريد جعل الحكم في العراق بعد سقوط نظام صدام حكماً اسلامياً، وهناك من يريده اشتراكياً، وآخر يتمناه ديمقراطياً.

ان اختلاف التوجه والاهداف ليس مسألة بسيطة يمكن تجاوزها بسهولة لانها تعني مستقبل الحكم ودور هذا الطرف او ذلك في المستقبل. وكان نتيجة ذلك حذر البعض من البعض الآخر، ورصد تحركاته والشك في توجهاته. ولقد كان لهذه الحالة آثارها السلبية حيث حالت دون اشتراك اطراف المعارضة على مشروع عمل موحد.

غير ان اطراف المعارضة ادركت ضرورة التنسيق فيما بينها لخطورة الاحداث التي تواجهها، فرفعت شعار اللقاء على نقاط الاشتراك وتجنب نقاط الاختلاف. وكان هذا الشعار يتسم بالموضوعية والواقعية.

لقد اتفقت فصائل المعارضة على مبدأين اساسيين:

الاول: اسقاط نظام صدام.

الثاني: ترك مسألة نظام الحكم للشعب العراقي ليقررها بارادته المستقلة في انتخابات حرة.

وعلى هذين المبدأين تمكنت فصائل المعارضة ان تتجمع وتلتقي وتتوصل الى نتائج طيبة بعد نهاية الحرب العراقية الايرانية فبدا واضحاً ومؤكداً لكافة الاطراف وللجماهير العراقية ان هذين المبدأين يشكلان ضمانة في مسار المعارضة الحالي والمستقبلي، فهما يزيلان شكوك الحاضر ويقضيان على التنافس والصراع حول المستقبل باعتبار ان شكل الحكم وهوية الحاكم ستكون قراراً شعبياً يفرز من خلال الانتخابات.

لكن الاحداث كشفت هشاشة هذين المبدأين. والسبب لا يكمن في موضوعية الطرح، انما في السلوك السياسي للعديد من اطراف المعارضة. فبعد اقل من اسبوعين على بدء الانتفاضة الشعبية في شعبان 1411 هـ (آذار 1991 م) اقدم الزعماء الاكراد على التفاوض مع نظام صدام حول الحكم الذاتي لكردستان. ودخل جلال الطالباني في مفاوضات مباشرة مع نظام بغداد من اجل تثبيت اسس الاتفاق على ان يكمل المفاوضات مسعود البارزاني ويوقع على الاتفاق النهائي.

ان هذه الخطوة تعني تخلي ابرز زعيمين للاكراد عن مشروع اسقاط صدام. وتعني بعبارة اخرى تراجع المعارضة الكردية عن المبدأين الاساسيين في عمل المعارضة العراقية.

فالتخلي عن هدف ازالة صدام من الحكم يعني ابقاء الوضع في العراق على ما هو عليه، وبذلك فلن تكون هناك انتخابات حرة يقرر فيها الشعب العراقي مصيره بيده.

وحتى كتابة هذه السطور لم تصل المفاوضات الى نتيجة واضحة، بل ان بعض الاخبار تتحدث عن تجدد القتال في الشمال. فلو تجدد القتال هل سيعود الزعماء الاكراد الى طرح هدف اسقاط صدام مرة ثانية؟

ربما يحدث ذلك، ولكن ما هي القيمة الحقيقية لهذا الطرح؟

واذا كان الزعماء الاكراد قد تخلوا عن المبدأ الاول فان بعض اطراف المعارضة العراقية تخلوا عن المبدأ الثاني. فخلال احداث الانتفاضة الشعبية وسقوط العديد من المدن العراقية بيد الثوار، وتزايد احتمالات اسقاط الانتفاضة لنظام الحكم، خلال تلك التطورات السريعة نشطت بعض الدول الاقليمية سياسياً وجرت اتصالات مكثفة مع شخصيات عراقية معارضة بهدف العمل السريع لاشغال مناصب الحكم فور سقوط صدام.

وقد طرحت في تلك الايام عدة صيغ للحكومة العراقية القادمة مثل تشكيل حكومة ديمقراطية يتألف اعضاؤها من السنة والشيعة بنسبة محددة، او حكومة ائتلافية من حركات واحزاب وشخصيات المعارضة يراعى فيها عدد العلمانيين والاسلاميين، او تشكيل حكومة عسكرية يأتي بها انقلاب عسكري يطيح بالسلطة المنهارة في بغداد.

ان هذه الصيغ التي طرحت لشكل الحكم في عراق ما بعد سقوط صدام يتضح منها عدم الالتزام بمبدأ اعطاء الشعب العراقي حرية تقرير مصيره في شكل الحكم وهوية الحاكم.

صحيح ان بعض الصيغ كانت تطرح على انها مؤقتة فقد جاء في واحدة منها انها تمارس دورها في الحكم لمدة سنتين ثم تجري انتخابات شعبية حرة. لكن ما هي الضمانة في تحقيق هذا الوعد خصوصاً وان فترة السنتين ليس بالقصيرة وسترافقها تطورات ومستجدات غير محسوبة.

لقد وعدت العديد من الثورات والانقلابات العسكرية باجراء انتخابات جماهيرية بعد فترة من الحكم الانتقالي، لكن الذي يحدث هو استئثار الحكام المؤقتون بالسلطة وتحولهم الى حكام دائميين. والعراق من بين هذه الدول حيث حصل ذلك في اعقاب ثورة 14 تموز 1958م حيث ظل وعد تشكيل مجلس قيادة الثورة معطلاً حتى سقوط عبد الكريم قاسم فضلاً عن وضع دستور دائم للبلاد.

ان ما تعرض له الشعب العراقي من المحن والمآسي اضافة الى الاضطراب السياسي الذي يطبع حياته يجعل مثل هذه الصيغ بمثابة المجازفة في مستقبل العراق. كما ان الاهتمام الدولي المتزايد بالمنطقة ودور العراق فيها يثير الشكوك حول جدية وصدق الوعود وامكانية تحويلها الى واقع عملي.

فقد تخلى البعض عن هدف اسقاط نظام صدام، وتخلى البعض الآخر عن مبدأ ترك مستقبل العراق بيد شعبه بمجرد ان ارتبك وضع السلطة واختل توازنها، فحاولوا فرض صيغة سياسية لشكل الحكم بالتنسيق مع الاطراف الدولية مع ان الشعب العراقي هو الذي انتفض وثار وضحى بقراره المستقل وارادته الحرة دون تدخل من اي طرف خارجي. وعليه فان من الانصاف ان تؤكد تلك الاطراف من المعارضة على دور الشعب في تحديد نوعية الحكم وشكل الحكومة، وان تطرح صيغة عملية لتنفيذ ارادة الشعب فور سقوط صدام. وليس كما حدث اذ تخطط لاستلام السلطة وفق صيغ مرسومة خارج العراق.

ان تجربة الانتفاضة ومواقف المعارضة خلالها تثير الشكوك حول جدية اتفاقها على الاسس الخاصة بالمستقبل السياسي للعراق.

وحقيقة كهذه لا تعني التشكيك بعمل المعارضة او التقليل من قيمة النتائج التي توصلت اليها او الطعن في الاتفاقات التي عقدتها لكنها تضع المتصدين في المعارضة من شخصيات واحزاب وتجمعات امام مسؤولية كبيرة يحاسب عليها الدين والوجدان والشعب والتاريخ.

ان العمل السياسي معرض للحالات الطارئة، وان الوضع في العراق قد يشهد حدثاً مفاجئاً في كل يوم جديد. وعلى هذا، فلا بد لفصائل المعارضة العراقية ان تتفق على اسس واضحة وان تدخل في تفصيلاتها الهامة، من اجل ان تتضح الصورة امام الجميع، ومن اجل ان يحاط المستقبل بالدراسة المطلوبة التي تهيىء الحلول للحالات الطارئة.

ان الاتفاق على الاسس الكبيرة والاهداف الاستراتيجية لا يعني عدم الدخول في تفصيلاتها بحجة ان ذلك يؤدي الى الاختلاف والفرقة. بل ان ترك الامور بعناوينها الكلية وشعاراتها العريضة دون تحديد مضامينها الاساسية هو الذي يقود الى الاختلاف والفرقة، وربما الى الصراع فيما لو حدث طارىء في اوضاع العراق.

لقد اتفقت فصائل المعارضة على هدفين استراتيجيين حول مستقبل العراق. لكن هذا الاتفاق بحاجة الى ايضاحات اكثر والى ضمانات قاطعة من قبل كل الفصائل للالتزام بها حتى يظل موقف المعارضة موحداً رغم كل التطورات والمفاجآت. وهذه الحاجة اظهرتها الاحداث وتجربة الانتفاضة الشعبية كما سبق الحديث عنها.

واذا كان الخوض في تفصيلات الاسس والاهداف قد يسبب اختلافاً بين الفصائل فان هذا يشكل ادانة لموقف المعارضة لانه يكشف عن ضعف ارضية الاتفاق، وانه عرضة للاهتزاز والتصدع. فليس هناك مخلص واحد يشكك في ضرورة الاتفاق، بل ليس هناك متفهم واحد يشكك في اهمية اللقاء على المشتركات الكبيرة والابتعاد عن التفصيلات الجزئية، ولكن يجب التمييز بين رسم الصورة بوضوح وبين الاستغراق في الخطوط الهامشية.

ان تخلي الزعماء الاكراد عن هدف اسقاط نظام الطاغية وتجاوز غيرهم من شخصيات المعارضة لهدف تحديد نظام الحكم القادم برأي شعبي عراقي ليست من المسائل العرضية، انما هي مسألة جوهرية تمس المعارضة بالصميم، وتكشف عن جدوى اتفاقها ومدى الالتزام بها.

لقد قطعت المعارضة شوطاً طويلاً حتى استطاعت ان تتجمع على ارضية واحدة وفي اطار واحد وعلى اهداف واحدة، فمن الضروري ان تتفق على ايضاحات اخرى حول مستقبل العراق من اجل ان تحافظ على تماسكها صوناً للقضية من الضياع وحفاظاً على تطلعات الامة في العراق.

ثانياً: وحدة العراق

خلال حرب الحلفاء في عاصفة الصحراء كانت وحدة التراب العراقي معرضة للخطر، حيث كان خيار تقسيم العراق احد الخيارات الرائجة في الدوائر السياسية حول مستقبل العراق. وكانت مرجحات هذا الخيار من وجهة النظر الغربية هي:

1. ان العراق يمتلك موارد اقتصادية كبيرة وقوة بشرية نشطة تضم طاقات وكفاءات علمية مختلفة. وهذا يمكنه ان يستعيد قوته خلال فترة قصيرة ويعود مرة اخرى الى كونه دولة ذات تأثير في السياسة الاقليمية والعربية. وهذا ما لا تريده اسرائيل لانها تشعر ان العراق القوي يهدد امنها ويقف ضد مشاريعها السياسية التوسعية. وتتفق مع اسرائيل الدول الاستكبارية وفي مقدمتها امريكا التي لا تريد لاي دولة في المنطقة ان تمتلك عناصر القوة في قبال اسرائيل.

2. ان الطبيعة الجغرافية والاجتماعية والمذهبية في العراق مهيأة لتقسيمه الى مناطق كردية في الشمال وشيعية وفي الجنوب، اما الوسط فهو مزيج سكاني من الشيعة والسنة له خصائصه المتميزة التي تسمح له بأن يكون منطقة قائمة بذاتها وعازلة بين الشمال والجنوب.

3. ان الاكراد ومنذ فترة طويلة ينادون بحقوقهم القومية في حكم ذاتي لمنطقة كردستان. والشيعة تعرضوا منذ القدم لظلم السلاطين واضطهادهم وكانوا مبعدين عن السلطة دائماً. وعلى هذا فان الاكراد يتقبلون فكرة المنطقة المستقلة، كما ان الشيعة يرضيهم مثل هذا الحل ـ من وجهة نظر الغرب ـ ويفضلونه على الظلم الذي لحقهم من الحكومات المتعاقبة والبطش الذي لاقوه من نظام صدام.

لقد حددت فصائل المعارضة العراقية موقفها الثابت من هذه المسألة فرفضت محاولات التقسيم، واكدت حرصها على وحدة الارض العراقية وانها كل لا يقبل التجزئة.

ان تشكيل حكومة في قسم من العراق قد يشكل اغراء للبعض، لكن التقسيم لا يخضع لصفقة سياسية فهو موقف جماهيري عراقي عام، وليس لاحد رأي مخالف في هذه المسألة. وفصائل المعارضة في موقفها المعلن حول ضرورة الحفاظ على وحدة الارض العراقية انما هي مؤتمنة على قرار الشعب، ومسؤوليتها في هذا الاتجاه كبيرة وحساسة، وعليها ان تقاوم فكرة التقسيم بقوة وان تنتزعها من العقلية الغربية لان بقاء هذه الفكرة سيظل مصدر تهديد لمستقبل العراق واستقراره.

ثالثاً: التعامل الدولي

لا يمكن ان تنفصل القضية العراقية عن الوضع السياسي الدولي نتيجة الترابط الموجود بين اجزاء العالم في السياسية الدولية. كما ان الدوائر السياسية العالمية تنظر الى مستقبل العراق على انه جزء من برامجها الاستراتيجية.

وفي ضوء هذه الاعتبارات فان التفاهم مع الاوساط الدولية هو من متطلبات العمل السياسي في هذه المرحلة من تاريخ القضية العراقية. ولكن الخلل في التعامل مع هذه الاوساط هو ان بعض اطراف المعارضة ينظر الى القرار الدولي على انه حقيقة لا تقبل النقاش، وان مستقبل العراق هو من اختصاص الدول الكبرى.

ان هذا النمط من التعامل يمثل انهياراً داخلياً وشعوراً عميقاً بالضعف، فمستقبل العراق هو بيد ابنائه ولا يمكن اعطاء هذا الحق للاطراف الخارجية لترسم مصير الشعب العراقي، وتفرض عليه الحكام والرؤساء رغم الظروف الصعبة التي يعيشها.

ان التعامل مع المجتمع الدولي لا بد ان ينطلق من شعور بالقوة وايمان راسخ بحق الشعب العراقي في تقرير مصيره بارادته الحرة، والعمل على دفع الاطراف الدولية لنصرة ابناء العراق وانقاذهم من السلطة الدكتاتورية الحاكمة. لقد ساهمت الدول الكبرى في اطالة عمر النظام ومدته لسنوات عديدة بأسباب القوة والتسلط حتى اندفع وراء رغباته المجنونة في مغامرات متتالية كان آخرها احتلال الكويت. وكان دافعها في هذا الدعم موقفها العدائي من الاسلام ومخاوفها الوهمية من الشيعة.

ان الدول الكبرى وقفت الى جانب صدام في حربه ضد ايران لانه اضطلع بمهمة مواجهة المد الاسلامي، ووقفت الى جانبه ضد الشعب العراقي والحركة الاسلامية بالذات لانها لا تريد للعراق ان يكون اسلامياً. وكانت النتيجة ان طالت سنوات المحنة والعذاب على جماهير شعبنا العراقي.

وعلى هذا فان من متطلبات هذه المرحلة ايضاح حقيقة الصراع بين سلطة النظام وبين الحركة الاسلامية من اجل تبديد المخاوف الوهمية التي تحيط بالدول الكبرى من الاسلاميين عامة والشيعة بالخصوص. فلقد كان للشيعة دورهم الرائد في معارضة النظام، وهم الذين فجروا الانتفاضة الشعبية، ثم تعرضوا ويتعرضون لحرب ابادة من قبل طاغية العراق، وان المسؤولية الكبيرة على كافة فصائل المعارضة ان تبذل جهودها مع الاوساط الدولية للحيلولة دون ابادة الشيعة لان في ذلك هدراً لقدرات الشعب العراقي وطاقاته المادية والمعنوية.

لقد اتاحت ظروف ما بعد احتلال الكويت فرصة مناسبة لكي تنفتح فصائل المعارضة على الدول الكبرى التي كشفت لها الايام حقيقة النظام في العراق وخطورته على المنطقة(1).

_____________________________________

1 ـ ليس المقصود ان الدول الكبرى لا تعرف حقيقة صدام بالضبط، وكيف لا ونظام صدام صنيعة غربية متقنة، وانما المقصود ان حقيقة نظام صدام الدموية اتضحت بشكل اكبر لدى الاوساط الاعلامية والمنظمات الانسانية ومجالس البرلمان واصحاب التأثير من قريب او بعيد في القرار الدولي.

لكن لابد من وضع اسس ثابتة لهذا الانفتاح من انه لا يعني الارتماء في احضان تلك الدول ومنحها حق الوصاية على مستقبل العراق، وانما يعني ايضاح الحقائق لها، ودفعها لاتخاذ الموقف الدولي المطلوب الذي يحفظ للشعب العراقي ارادته الحرة ويحافظ على مستقبل العراق من خطط التبعية والانقياد.

رابعاً: التعاون الاقليمي

ان الموقف الاقليمي لا يمكن ان ينفصل عن واقع القضية العراقية ومستقبلها للترابط الوثيق بين مفردات السياسة الاقليمية والتي يشكل العراق جزءاً اساسياً فيها. وعلى هذا فان من الضروري بيان وجهة نظر الجماهير العراقية للاطراف الاقليمية، والتعريف بآفاق المستقبل الاقليمي في مرحلة ما بعد سقوط نظام الحكم، والتي تركز على بناء المشروع الامني للمنطقة، وسبل التفاهم والتنسيق في العلاقات الاقليمية من اجل ان تعيش شعوب المنطقة بسلام وامن.

فمن وجهة النظر الاسلامية فان مشاكل الامة الاسلامية كل لا يتجزأ. وعلى هذا فان مشكلة العراق التي تمثل جرحاً عميقاً في جسم هذه الامة تتطلب تضامناً اسلامياً عاماً نابعاً من وحدة الامة ووحدة عقيدتها. وليس من شك ان ما يصيب امتنا الاسلامية من خير او محن يرتبط عضوياً بما تفرزه القضية العراقية من مستقبل سياسي وذلك لما للعراق من اصالة اسلامية وموقع حضاري متميز.

لقد تركت سياسة صدام فجوة عميقة بين العراق وبين دول المنطقة وشعوبها، ولكن من العقل والموضوعية بمكان ان تميز دول المنطقة بين نظام الحكم وبين شعب العراق، فلا تنسحب نظرتها السلبية للطاغية على ابناء العراق وعلى مستقبله باعتبار ان هذا البلد الطيب يمثل رصيداً كبيراً للامة الاسلامية، وان من واجب الدول والشعوب الاسلامية ان تعمل على انقاذه من محنته القاسية وتساهم في تقصير ليله الطويل.

خامساً: مسؤوليتنا ازاء الجماهير

تمثل الجماهير العراقية الرصيد الاكبر في صناعة مستقبل العراق السياسي فهي مادة الثورة الحقيقية. وقد اثبتت قدرتها على العمل الثوري بما لا يقبل الشك رغم ان النظام بدل جهوداً جبارة لقتل روحها الثورية الوثابة، وجعلها خاملة تعيش الخوف والتردد والهموم الجزئية. وهذا يعني ان حاجز الخوف الذي فرضه النظام قد انهار تماماً، وان ارتباط الامة بالاسلام وقيمها الاصيلة اقوى من ان تؤثر فيه الاساليب القميعة والارهابية وغيرها. وكما قال الامام الشهيد الصدر (رض): ((ان الجماهير اقوى من الطغاة، وقد تصبر ولكنها لا تستسلم)).

ولكنها من اجل ان تكون مهيأة لمواصلة جهادها والاستمرار في نهجها المعارض لا بد ان تحصل على الدعم المادي والمعنوي المطلوب. فقد تعرضت لنكبة كبيرة واضطر مئات الآلاف الى الهجرة خارج العراق. ومن الطبيعي ان تشغل المشاكل الحياتية توجه الجماهير في العمل السياسي المعارض، فهي تعيش ازمة خانقة وتعاني من مشاكل قاسية مما يستدعي تقديم يد العون لها من اجل تلبية احتياجاتها المعيشية والقانونية في المهجر، ودفعها مرة اخرى الى مواقع الجهاد والمواجهة والثورة.

وفي الداخل يواجه عمل المعارضة من مشاكل مشابهة ولكنها اكثر قساوة وصعوبة. فالحاجة الحياتية والمادية تشكل عنصر ضغط على العمل. وهذا يحتاج الى دعم متواصل حتى يمكن الاستمرار في الجهاد والعمل المسلح ضد السلطة. فالاستعداد للمواجهة ما يزال قائماً والدعم المادي يمثل شحنة الدفع الميداني في الاتجاه المطلوب.

وهنا، لا بد من القول ان المسؤولية تشمل كل الذي بامكانهم تقديم المساعدة لكي يساهموا في الحفاظ على الروح الجهادية وتصعيد المواجهة من جديد من اجل ازاحة هذا الكابوس عن صدر العراق الحبيب وتقريب فجر الخلاص لشعبنا العراقي المسلم الكريم.

**انتهى